قال الشيخ عبد النصير أحمد المليباري :
هذا النقل من النسخة الخطية للإيعاب شرح العباب للإمام ابن حجر الهيتمي، وهي نسخة جامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية، والعبد الضعيف يقوم حاليا بتحقيقه وأسأل الله التيسير لإخراجه في القريب العاجل بشكل تقر به العيون.
(وَالْكَافِرُ( ) يُخَاطَبُ بِهَا كَغَيْرِهَا) من سائر فروع الشريعة، (وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ مِنْهُ) الصلاة ونحوها من كل عبادة تفتقر للنية، خطابَ عقابٍ في الآخرة، كما تقرر في الأصول؛ لتمكنه من فعلها بالإسلام، لا خطابَ مطالبة بها في الدنيا؛ لعدم صحتها منه.
ومن العلة يؤخذ أنه لا فرق بين الحربي والذمي، لكن الحربي مطالب بالإسلام، ويلزم منه كونه مطالبا بفروعه من الصلاة وغيرها، فيصح أن يقال إنه مخاطب بها خطاب مطالبة باعتبار اللزوم المذكور، وغير مخاطب بها لذلك؛ لأنه ما دام على كفره لا يطالب ابتداء إلا بالإسلام.
ويؤخذ من تجويز الشافعي دخول الكافر الجنب للمسجد أن محل الخلاف في تكليفه بالفروع إنما هو في المجمع عليه منها؛ للقطع بالحكم حينئذ، فلا نظر لاعتقاده، بخلاف ما وقع فيه خلاف، فلا يكون مكلفا به بالنسبة للعقاب عليه؛ إذ لا يعاقب عليه إلا من قلد القائل به، والكافر لا يتصور منه ذلك، فأنيط الحكم باعتقاده، كما أناطه به الشافعي فيما ذكر.
ثم رأيت ابن العماد وغيره قالوا: التحقيق أنه لا يطلق القول بجواز لبث الكافر الجنب في المسجد بلا إذن، بل يقال: لا يمنع من الدخول بالإذن؛ لأن عدم المنع أعم من الإذن، وهذا كما يقال: يقرون على نحو بيع الخمر وبقاء الكنائس، ولا نقول: يجوز لهم ذلك؛ لأنهم مكلفون بفروع الشريعة وآثمون بجميع ذلك.
ثم رد ابن العماد القول بأنهم مكلفون إلا في مسائل، كاللبث في المسجد واستعمال أواني النقد، بما لا يجدي. والتحقيق ما ذكرته من أن المختلف فيه لا يعاقب عليه، بخلاف المتفق عليه، وفرق ظاهر بين الحكم على الشيئ بتجويزه والحكم عليه بعدم العقاب عليه، لكن يلزم من الأول الثاني، ولا عكس. ألا ترى أن أهل الفترة لا جواز في حقهم؛ لتوقفه على مجيئ الشرع، ومع ذلك لا عقاب عليهم، على ما فيه من الخلاف.
فعلم أنه لا يلزم من قولنا بتقدم عقابه على المختلف فيه لتوقف العقاب على تقليد القائل بالحرمة جوازه له؛ لتوقفه على تقليد القائل بالجواز، فتأمله. وقد يتصور تنحص مسلم بالغ عاقل طاهر يترك الصلاة وغيرها من العبادات حتى الأيمان ويقر على ذلك، مثاله أن يشتبه ابن مسلم بابن يهودي، ولم يعرف الحال ببينة ولا قافة، وذكر النووي في فتاويه لهما أحكاما غريبة غير ما ذكر، وأقره الإسنوي وغيره على ذلك، فينبغي مراجعتها.
ومن فوائد خطابه بها أنه (يُعَاقَبُ عَلَيْهَا فيِ الْآخِرَةِ زِيَادَةً عَلَى كُفْرِهِ)، وبهذه جمع النووي وغيره بين قول الأصحاب في الفروع والكفر الأصلي مانع من وجوب العبادات المحتاجة للنية، وفي الأصول الأصح وجوبها بشرط تقدم الإسلام، وهو مخاطب بالفروع كأصل الإيمان، فالمراد بالأول عدم مطالبته بها في الدنيا زمن كفره، وبالثاني عقابه عليها في الآخرة زيادة على عقاب كفره.
قال السبكي: ومحل الخلاف في تكليفهم بالفروع في الأحكام التكليفية وما يرجع إليها من خطاب الوضع، ككون الطلاق سببا لتحريم الزوجة، دون ما لا يرجع لذلك، ككون الإتلاف سببا للضمان والعقد الشرعي للملك والطلاق سببا للفرقة؛ فإنهم مكلفون/ بذلك اتفاقا.
ورده الزركشي بجريان الخلاف في الجميع، وأطال في بيانه. نعم، الوجه القطع بتكليفهم بكلمة الشهادة. وقال ابن عبد السلام: وأحسن ما قيل في حكمة تكليف الله تعالى لمن علم أنه لا يؤمن أن ذلك علامة وضعت على شقاوتهم، وليس طلبا لشيئ منهم في الحقيقة، اهـ. لكن زيف الإمام ذلك، واستأنس له ابن عطية بتكليف المصوِّر يوم القيامة بأن يعقد شعرة، الحديث.
قال في «المجموع»: (وَمَا فَعَلَهُ) الكافر (مِنْ قُرْبَةٍ لاَ تَحْتَاجُ إِلىَ النِّيَّةِ)، كصدقة وعتق وصلة رحم وقرض وعارية (لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا)، إن مات كافرا( )، (وَقَدْ تُوَسَّعُ بِهَا دُنْيَاهُ). عبارة «المجموع»: لكن يطعم بها في الدنيا ويوسع في رزقه وعيشه، وعن «شرح مسلم»: أنه قد يخفف بها عنه العذاب في الآخرة، اهـ. وهو بعيد جدا؛ لأن شرط الثواب مفقود فيه.
(إِنْ مَاتَ كَافِرًا)، وإن مات مسلما فالصواب المختار أنه يثاب عليها في الآخرة؛ للحديث الصحيح: «أسلمت على ما أسلفت من خير»، وصح أيضا: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه أي خلا عن النفاق كتب الله له كل حسنة كان زلفها»، ونقل الإجماع على ما ذكرته.
وأما قول أصحابنا وغيرهم: لا تصح من كافر عبادة، ولو أسلم لم يعتد بها، فمرادهم لا يعتد بها في أحكام الدنيا، فإن أطلق مطلق أنه لا يثاب عليها فإنه مجازف غالط.
(وَ) قد قال الشافعي والأصحاب وغيرهم أنه (يَصِحُّ تَكْفِيرُهُ بِالْمَالِ)، كالعتق والإطعام والكسوة، ولا نظر لاحتياجها للنية؛ لأنها فيها للتمييز، لا للعبادة، فصحت منه، (وَلاَ يُعِيدُهُ)، أي لا تلزمه الإعادة (إِذَا أَسْلَمَ)، انتهى كلام «المجموع».
(وَلاَ يَقْضِي) الكافر الأصلي الذي الكلام فيه إذا أسلم (فَائِتَ صَلاَةٍ وَزَكَاةٍ وَصَوْمٍ( )) وغيرها، من سائر حقوق الله، كحد الزنا، وإن قلنا بتكليفه بالفروع حال كفره؛ ترغيبا له في الإسلام، ولقوله تعالى: <-> [الأنفال/ 38]، ولا تسقط عنه الكفارة.
وفارقت الزكاة بأنه لا يلزمه أداؤها في كفره، فلا يؤمر بها بعد إسلامه، بخلاف الكفارة؛ تغليبا لما فيها من معنى الغرامات، ولا الغسل ولا الدم إذا جاوز الميقات مريدا للنسك حال كفره.
هذا النقل من النسخة الخطية للإيعاب شرح العباب للإمام ابن حجر الهيتمي، وهي نسخة جامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية، والعبد الضعيف يقوم حاليا بتحقيقه وأسأل الله التيسير لإخراجه في القريب العاجل بشكل تقر به العيون.
(وَالْكَافِرُ( ) يُخَاطَبُ بِهَا كَغَيْرِهَا) من سائر فروع الشريعة، (وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ مِنْهُ) الصلاة ونحوها من كل عبادة تفتقر للنية، خطابَ عقابٍ في الآخرة، كما تقرر في الأصول؛ لتمكنه من فعلها بالإسلام، لا خطابَ مطالبة بها في الدنيا؛ لعدم صحتها منه.
ومن العلة يؤخذ أنه لا فرق بين الحربي والذمي، لكن الحربي مطالب بالإسلام، ويلزم منه كونه مطالبا بفروعه من الصلاة وغيرها، فيصح أن يقال إنه مخاطب بها خطاب مطالبة باعتبار اللزوم المذكور، وغير مخاطب بها لذلك؛ لأنه ما دام على كفره لا يطالب ابتداء إلا بالإسلام.
ويؤخذ من تجويز الشافعي دخول الكافر الجنب للمسجد أن محل الخلاف في تكليفه بالفروع إنما هو في المجمع عليه منها؛ للقطع بالحكم حينئذ، فلا نظر لاعتقاده، بخلاف ما وقع فيه خلاف، فلا يكون مكلفا به بالنسبة للعقاب عليه؛ إذ لا يعاقب عليه إلا من قلد القائل به، والكافر لا يتصور منه ذلك، فأنيط الحكم باعتقاده، كما أناطه به الشافعي فيما ذكر.
ثم رأيت ابن العماد وغيره قالوا: التحقيق أنه لا يطلق القول بجواز لبث الكافر الجنب في المسجد بلا إذن، بل يقال: لا يمنع من الدخول بالإذن؛ لأن عدم المنع أعم من الإذن، وهذا كما يقال: يقرون على نحو بيع الخمر وبقاء الكنائس، ولا نقول: يجوز لهم ذلك؛ لأنهم مكلفون بفروع الشريعة وآثمون بجميع ذلك.
ثم رد ابن العماد القول بأنهم مكلفون إلا في مسائل، كاللبث في المسجد واستعمال أواني النقد، بما لا يجدي. والتحقيق ما ذكرته من أن المختلف فيه لا يعاقب عليه، بخلاف المتفق عليه، وفرق ظاهر بين الحكم على الشيئ بتجويزه والحكم عليه بعدم العقاب عليه، لكن يلزم من الأول الثاني، ولا عكس. ألا ترى أن أهل الفترة لا جواز في حقهم؛ لتوقفه على مجيئ الشرع، ومع ذلك لا عقاب عليهم، على ما فيه من الخلاف.
فعلم أنه لا يلزم من قولنا بتقدم عقابه على المختلف فيه لتوقف العقاب على تقليد القائل بالحرمة جوازه له؛ لتوقفه على تقليد القائل بالجواز، فتأمله. وقد يتصور تنحص مسلم بالغ عاقل طاهر يترك الصلاة وغيرها من العبادات حتى الأيمان ويقر على ذلك، مثاله أن يشتبه ابن مسلم بابن يهودي، ولم يعرف الحال ببينة ولا قافة، وذكر النووي في فتاويه لهما أحكاما غريبة غير ما ذكر، وأقره الإسنوي وغيره على ذلك، فينبغي مراجعتها.
ومن فوائد خطابه بها أنه (يُعَاقَبُ عَلَيْهَا فيِ الْآخِرَةِ زِيَادَةً عَلَى كُفْرِهِ)، وبهذه جمع النووي وغيره بين قول الأصحاب في الفروع والكفر الأصلي مانع من وجوب العبادات المحتاجة للنية، وفي الأصول الأصح وجوبها بشرط تقدم الإسلام، وهو مخاطب بالفروع كأصل الإيمان، فالمراد بالأول عدم مطالبته بها في الدنيا زمن كفره، وبالثاني عقابه عليها في الآخرة زيادة على عقاب كفره.
قال السبكي: ومحل الخلاف في تكليفهم بالفروع في الأحكام التكليفية وما يرجع إليها من خطاب الوضع، ككون الطلاق سببا لتحريم الزوجة، دون ما لا يرجع لذلك، ككون الإتلاف سببا للضمان والعقد الشرعي للملك والطلاق سببا للفرقة؛ فإنهم مكلفون/ بذلك اتفاقا.
ورده الزركشي بجريان الخلاف في الجميع، وأطال في بيانه. نعم، الوجه القطع بتكليفهم بكلمة الشهادة. وقال ابن عبد السلام: وأحسن ما قيل في حكمة تكليف الله تعالى لمن علم أنه لا يؤمن أن ذلك علامة وضعت على شقاوتهم، وليس طلبا لشيئ منهم في الحقيقة، اهـ. لكن زيف الإمام ذلك، واستأنس له ابن عطية بتكليف المصوِّر يوم القيامة بأن يعقد شعرة، الحديث.
قال في «المجموع»: (وَمَا فَعَلَهُ) الكافر (مِنْ قُرْبَةٍ لاَ تَحْتَاجُ إِلىَ النِّيَّةِ)، كصدقة وعتق وصلة رحم وقرض وعارية (لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا)، إن مات كافرا( )، (وَقَدْ تُوَسَّعُ بِهَا دُنْيَاهُ). عبارة «المجموع»: لكن يطعم بها في الدنيا ويوسع في رزقه وعيشه، وعن «شرح مسلم»: أنه قد يخفف بها عنه العذاب في الآخرة، اهـ. وهو بعيد جدا؛ لأن شرط الثواب مفقود فيه.
(إِنْ مَاتَ كَافِرًا)، وإن مات مسلما فالصواب المختار أنه يثاب عليها في الآخرة؛ للحديث الصحيح: «أسلمت على ما أسلفت من خير»، وصح أيضا: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه أي خلا عن النفاق كتب الله له كل حسنة كان زلفها»، ونقل الإجماع على ما ذكرته.
وأما قول أصحابنا وغيرهم: لا تصح من كافر عبادة، ولو أسلم لم يعتد بها، فمرادهم لا يعتد بها في أحكام الدنيا، فإن أطلق مطلق أنه لا يثاب عليها فإنه مجازف غالط.
(وَ) قد قال الشافعي والأصحاب وغيرهم أنه (يَصِحُّ تَكْفِيرُهُ بِالْمَالِ)، كالعتق والإطعام والكسوة، ولا نظر لاحتياجها للنية؛ لأنها فيها للتمييز، لا للعبادة، فصحت منه، (وَلاَ يُعِيدُهُ)، أي لا تلزمه الإعادة (إِذَا أَسْلَمَ)، انتهى كلام «المجموع».
(وَلاَ يَقْضِي) الكافر الأصلي الذي الكلام فيه إذا أسلم (فَائِتَ صَلاَةٍ وَزَكَاةٍ وَصَوْمٍ( )) وغيرها، من سائر حقوق الله، كحد الزنا، وإن قلنا بتكليفه بالفروع حال كفره؛ ترغيبا له في الإسلام، ولقوله تعالى: <-> [الأنفال/ 38]، ولا تسقط عنه الكفارة.
وفارقت الزكاة بأنه لا يلزمه أداؤها في كفره، فلا يؤمر بها بعد إسلامه، بخلاف الكفارة؛ تغليبا لما فيها من معنى الغرامات، ولا الغسل ولا الدم إذا جاوز الميقات مريدا للنسك حال كفره.
تعليق