بسم الله الرحمن الرحيم
هذه المسألة جزء من رسالة أجمعها شيئا فشيئا سميتها : "القواعد السبكية في فهم الآثار السلفية"
وهذه المسألة طلب مني إثباتها هنا أخي الحبيب الأريب : أشرف سهيل وفقه الله تعالى فكتبتها على عجالة له ولسائر الإخوة حفظهم الله تعالى
أقول :
قال بعض الشافعية : إن من انتقض عهده من أهل الذمة يلحق بمأمنه
وهذا القول ضعيف في المذهب ، والصحيح خلافه فمن انتقض عهده لا يلحق بمأمنه مطلقا
وهذا القول على ضعفه ليس على إطلاقه وهذا ما يبينه لنا الشيخ الإمام رضي الله عنه في كتابه السيف المسلول على من سب الرسول : ص 376 وما بعدها
قال الشيخ الإمام رحمه الله:
الإلحاق بالمأمن على ضعفه إنما يُحتمل فيما إذا كان انتقاض العهد بشيء لا ضرر على المسلمين فيه يوجب قتله فإنه حينئذ يصير كغيره من الكفار الحربيين لا يضر إلا نفسه ولا جريمة له غير الكفر والكفر الأصلي لا يوجب القتل ولكن يوجب المقاتلة للدخول في الإسلام لمصلحة من يقاتله
وأما انتقاض العهد بما فيه ضرر عام كسب الرسول صلى الله عليه وسلم والزنا بمسلمة ونحوه من المفاسد العامة التي توغر صدور المؤمنين وتغري السفهاء الملحدين وتحصّل الشبه في القلوب الضعيفة : فالقتل به من باب الزواجر المشروعة في الحدود لئلا يسري ضررها ويتشبه غيره به فلا جزاء له إلا القتل سواء أكان في مأمنه أم في غير مأمنه
فكيف نمكنه من الرجوع إلى مأمنه وقد تعيّن علينا قتله وفارقت حالته حالة المحارب الذي لا ضرر علينا منه إلا بامتناعه بشوكته ؟!!
واستقراء أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في سيره يدل على أنه كان لا يعفو عن الكفار الذين يحصل منهم ضرر عام من سب أو غيره كقتله النضر بن الحارث وأبا عزة في المرة الثانية
وإنما كان يمن على من لا ذنب له غير الكفر الذي جزاؤه النار يوم القيامة ؛ فإن الدنيا لم تجعل جزاء على الذنوب ، وإنما شُرع فيها :
ــ زواجرُ عن الذنوب التي تحصل بها مفاسد عامة
ــ أو استجلاب إلى مصالح
وأُخّرت عقوبة الكفر إلى الدار الآخرة
فإن قلتَ : قد أطلق أصحابنا الخلاف في إبلاغ الذمي إذا انتقض عهده ولم يقيدوه بما قلتَ
قلتُ : نعم ، والفقيه يقيد ما يطلقه الأصحاب بحسب ما يقوم الدليل عليه .
اهـ كلامه رحمه الله
أقول (سامح) : وهذه القاعدة مفيدة للغاية في فهم كلام الفقهاء وبها تنحل إشكالات كثيرة
والله الموفق