الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام علي سيدنا محمد أشرف الأنبياء و المرسلين وبعد فما زال العلماء يسأل بعضهم بعضا و يفيد الواحد منهم الآخر ما ليس عنده و قديما قالوا : العلم رحم بين أهله ولهذا تعددت أسئلة العلماء لبعضهم البعض فوجدنا في الفقه مسائل الإمام أحمد وفي الحديث سؤالات الحفاظ كالدارقطني و البرقاني و غيرهما
وكان لشيخ الإسلام تقي الدين السبكي نصيب وافر من هذا النوع ففي شبابه سأل الحافظ المزي أسئلة حديثية نقل بعضها ابن حجر في فتح الباري
ولما تصدر السبكي للتدريس و الإفتاء ومن بعدهما القضاء وأصبح حجة أهل عصره في الفقه و اللغة و الحديث باتفاق فانهالت عليه المسائل
ففي الحديث : سؤالات أهل مصر حول اعتراضات مغلطاي علي تهذيب المزي
وفي اللغة : سؤالات السكسكي له ومراسلات الصفدي إليه
وفي أصول الفقه : سؤالات ابنه تاج الدين له
وفي الفقه : سؤالات أهل مكة و رسالة الحافظ العلائي و سؤالات الحافظ عفيف الدين المطري و سؤالات الإمام شهاب الدين الأذرعي التي أرسلها إليه من حلب وهي التي تعرف في كتب الفقه الشافعي بالحلبيات و بالمسائل الحلبية وكان الإمام السبكي رحمه الله سماها : قضاء الأرب في أسئلة حلب لكنها اشتهرت بالحلبيات
وأرسل الأذرعي مسائله من حلب إلي دمشق عام 748 هـ
ومن معرفة السائل و المسئول تعرف قدر هذه الفتاوي
فالسائل هو الإمام العلامة أحمد بن حمدان بن أحمد شهاب الدين الأذرعي ولد عام 707
سمع من المزي وحضر عند الذهبي وتفقه على ابن النقيب وابن جملة ودخل القاهرة فحضر درس الشيخ مجد الدين الزنكلوني ولازم فخرالدين المصري وهو الذي أذن له وشهد له عند السبكي بالأهلية ثم ألزم بالتوجه إلى حلب وناب عن قاضيها نجم الدين ابن الصائغ فلما مات ترك ذلك وأقبل على الأشغال والاشتغال واشتهرت فتاويه في البلاد الحلبية وصنف كثيرا فمن تصانيفه :
1- التوسط والفتح بين الروضة والشرح
2- شرحا المنهاج : قوت المحتاج و غنية المحتاج
3- تعقب مهات الإسنوي
وغيرها
وكان عمره وقت الأسئلة 41 عاما
وتوفي رحمه الله عام 783
والمسئول هو شيخ الإسلام الشيخ الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي ولو كتبت ما قاله الأئمة عنه وعن علمه و زهده لبلغ ذلك مجلدات ولطال المقام فحسبك الآن نبذة يسيرة لنبدأ بعدها في القبسات فأقول :
السبكي الكبير هو علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام الأنصاري ولد بسبك العبيد أول صفر سنة 683
أخذ الفقه عن والده القاضي زين الدين وعن شافعي زمانه الإمام نجم الدين بن الرفعة
وأخذ الأصلين عن العلامة علاء الدين الباجي
و النحو عن الأستاذ أبي حيان الأندلسي
والقراءا ت عن تقي الدين بن الصائغ
والحديث عن الحافظ الدمياطي و رحل إلي الإسكندرية و الشام و الحجاز في طلب الحديث حتي بلغت مشايخه فيه نحو المائتين
وأخذ التصوف عن ابن عطاء الله
والتفسير عن علم الدين العراقي
و غيرهم كثير
رحل في طلب الحديث خارج مصر عام 703 ثم عاد ومنذ عام 706 و حتي وفاته تصدر للإفتاء و التدريس و الإفادة فولي التدريس بالمنصورية و الهكارية و جامع الحاكم و جامع أحمد بن طولون ثم ولاه الملك الناصر محمد بن قلاوون قضاء الشام عام 739 هـ علي تمنع منه فباشر القضاء بهمة وصرامة وعفة وديانة ثم ولي الخطابة بالجامع الأموي فباشرها مدة في سنة 742 وولي التدريس بدار الحديث الأشرفية بعد وفاة المزي وتدريس الشامية البرانية بعد موت ابن النقيب في أوائل سنة 746
وبدأ به الضعف آخر عام 755هـ فعاد إلي مصر و توفي بها ليلة الاثنين المسفرة عن ثالث جمادى الآخرة سنة 756 بالقاهرة ودفن بباب النصر
وفتاواه و مصنفاته وفوائده لا تدخل تحت الحصر فقد استمر في التدريس و الإفادة نحو خمسين عاما ومن أهم مؤلفاته الموجودة :
1- الابتهاج بشرح المنهاج
2- تكملة شرح المهذب
3- الفتاوي الكبري
4- شفاء السقام في زيارة خير الأنام صلي الله عليه وسلم
5- التحقيق في مسألة التعليق
6- قضاء الأرب في أسئلة حلب أو الحلبيات موضوع كلامنا
طبعت الحلبيات بالمكتبة التجارية بمكة المكرمة عام 1993مـ طبعة يندر وجودها الآن
وأقيمت دراستان جامعيتان حول الحلبيات في جامعة أم القري إحداهما عام 1988م و الأخري عام 2005 م
تنوعت المسائل الحلبية ففيها مسائل في أصول الدين و أخري في أصول الفقه و أخري في الفقه.
وفي هذا الموضوع سأعرض قبسات منها مختصرا لها و مهذبا لعبارتها دون إخلال بمقاصد شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رضي الله عنه.
أولا : مسألة مراتب التخريج في المذهب الشافعي
سؤال الإمام الأذرعي
نقل أبو زكريا النووي عن ابن الصلاح ما لفظه :" والأوجه لأصحاب الشافعي المنتسبين إلي مذهبه يخرجونها علي أصوله و يستنبطونها من قواعده و يجتهدون في بعضها و إن لم يأخذوها من أصله "
أشكل هذا الكلام علي الخادم في عد مثل هذا وجها في المذهب وأي فرق بين هذا و بين مفردات المزني و المشهور أنها لا تعد من المذهب ؟!
و كيف يسوغ لمن سئل عن حكم مسألة في مذهب الشافعي من مفتيّ العصر أن يجيب فيها مصرحا بإضافة ذلك إلي مذهب الشافعي إذا لم يعلم أن ذلك من منصوصاته أو مخرجا منها فالمسئول كشف الغطا في ذلك حرس مجدكم و كبت ضدكم
جواب شيخ الإسلام تقي الدين السبكي
الحمد لله
التخريج رتب :
الأولي : أن يؤخذ من نص معين في مسألة معينة فيخرج منها إلي مثلها المساوية لها من غير فرق و لا نص يعارضه فهذا أقوي ما يكون من التخريج.
الثانية : أن يكون من نص معين في مسألة معينة و له في نظيرها نص يخالفه فيتحزب الأصحاب منهم من يتكلف فرقا ومنهم من يقول :"قولان" بالنقل و التخريج .
الثالثة : ألا يكون له نص معين في مسألة معينة و لكن يكون له قواعد مذهبية ونصوص مختلفة في مسائل يؤخذ منها قاعدة كلية تدل علي حكم في مسألة لم يوجد له فيها نص .
وهذه الثالثة قد تكون أقوي من الثانية إذا ظهر الفرق في الثانية ولم يظهر في هذه وهي تزاحم الأولي و قد تربو عليها لأن الأولي من مسألة واحدة وهذه من مسائل شتي.
الرابعة : لا يجد المخرج شيئا من الثلاث و لكن يجد دليلا شرعيا جاريا علي أصل من أصول الشافعي التي قررها في أصول الفقه
الخامسة : لا يجد المخرج شيئا من الأربع و لكن يجد دليلا شرعيا جاريا علي أصل من جنس ما يقول به الشافعي وليس للشافعي نص في ذلك الأصل
السادسة : لا يجد المخرج شيئا من الخمس ولكنه رجل قد تكيّف بمذهب الشافعي و بتصرفاته الفقهية و الأصولية حتي صارت له مزاجا ومن يكون كذلك تجده يدرك مراد الشخص فيما لم يصرح به ثم يجد مع ذلك دليلا شرعيا فيقول به فيما لم يجد فيه نصا للشافعي
وفي جميع الرتب السابقة تقيد بالمذهب
السابعة : ألا يكون شيء من ذلك و لا يكون الشخص مقلدا لإمامه في المذهب و لا في الدليل و إنما ينتسب إليه لكونه سلك طريقه في الاجتهاد ودعا إلي سبيله فيقول قولا فهو فيه كالمجتهد المطلق و لكن لانتسابه إلي الشافعي و قدوته بقوله يعد قوله وجها
وليس فوق هذه السبعة رتبة إلا الاجتهاد المطلق الذي لا يسلك فيه طريقة غيره و لا ينتسب إليه وهي التي اختلف في إثباتها للمزني حتي إن تفرداته لا تعد من المذهب و له مع ذلك ما يشارك فيه السبعة المتقدمة فيعد ما قاله علي ذلك من المذهب
والقسم الذي قاله ابن الصلاح و أشكل عليكم جدير بأن يكون هو السادس
وأما من يُسأل عن مذهب الشافعي و يجيب مصرحا بإضافته إلي مذهب الشافعي و لم يعلم ذلك منصوصا للشافعي و لا مخرجا من منصوصاته فلا يجوز ذلك لأحد
بل اختلفوا فيما هو مخرج هل يجوز نسبته إلي الشافعي أو لا ؟ واختيار الشيخ أبي إسحاق أنه لا ينسب إليه فهذا في القول المخرج
و أما الوجه فلا تجوز نسبته إليه بلا خلاف نعم إنه مقتضي قول الشافعي أو من مذهبه بمعني أنه من قول أهل مذهبه و المفتي يفتي به إذا ترجح عنده لأنه من قواعد الشافعي
ولا ينبغي أن يقال : قال الشافعي إلا لما وجد منصوصا له
ولا ينبغي أن يقال: مذهب الشافعي إلا لما جمع أمرين :
أحدهما : أن يكون منصوصا له
والثاني : أن يكون قال به أصحابه أو أكثرهم
أما ما كان منصوصا له وقد خرج عنه الأ صحاب إما بتأويل و إما بغيره فلا ينبغي أن يقال إنه مذهب الشافعي لأن تجنب الأصحاب له يدل علي ريبة في نسبته إليه
وما اتفق عليه الأصحاب وقالوا : إنه ليس بمنصوص فيسوغ تقليدهم فيه ولكن لا يطلق إنه مذهب الشافعي بل مذهب الشافعية.
وما اتفقوا عليه ولم يعلم هل هو منصوص له أو لا؟ يسوغ اتباعه فيه و يسهل نسبته إليه لأن الظاهر من اتفاقهم أنه قال به . والله أعلم
انتهي كلامه رحمه الله
ولا يخفي فوائده فرتب التخريج مهمة لمعرفة تصرفات السادة العلماء
وفي كلامه الفرق بين ما يطلق عليه مذهب الشافعي وما يطلق عليه مذهب الشافعية
بانتظار تعقباتكم وفقكم الله تعالي
الثانية قوله تعالى (ولا تفرقوا ) يعنى في دينكم كما افترقت اليهود والنصارى في أديانهم عن بن مسعود وغيره ويجوز أن يكون معناه ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة وكونوا في دين الله إخوانا فيكون ذلك منعا لهم عن التقاطع والتدابر ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وليس فيه دليل على تحريم الإختلاف في الفروع فإن ذلك ليس اختلافا إذ الإختلاف ما يتعذر معه الإئتلاف والجمع وأما حكم مسائل الإجتهاد فإن الإختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع وما زالت الصحابه يختلفون في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متآلفون )
تعليق