آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ من مقدمة المجموع للإمام النووي

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • العين
    طالب علم
    • Jul 2003
    • 520

    #1

    آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ من مقدمة المجموع للإمام النووي

    بَابُ آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ من مقدمة المجموع للإمام النووي

    يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في مقدمة المجموع:

    بَابُ آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ

    أَمَّا آدَابُهُ فِي نَفْسِهِ وَدَرْسِهِ فَكَآدَابِ الْمُعَلِّمِ . وَقَدْ أَوْضَحْنَاهَا .

    وَيَنْبَغِي أَنْ يُطَهِّرَ قَلْبَهُ مِنْ الْأَدْنَاسِ لِيَصْلُحَ بِقَبُولِ الْعِلْمِ وَحِفْظِهِ وَاسْتِثْمَارِهِ ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ } وَقَالُوا : تَطْبِيبُ الْقَلْبِ لِلْعِلْمِ كَتَطْبِيبِ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ .

    وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعَ الْعَلَائِقَ الشَّاغِلَةَ عَنْ كَمَالِ الِاجْتِهَادِ فِي التَّحْصِيلِ ، وَيَرْضَى بِالْيَسِيرِ مِنْ الْقُوتِ ، وَيَصْبِرَ عَلَى ضِيقِ الْعَيْشِ .

    قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : لَا يَطْلُبُ أَحَدٌ هَذَا الْعِلْمَ بِالْمُلْكِ وَعِزِّ النَّفْسِ فَيَفْلَحَ ، وَلَكِنْ مَنْ طَلَبَهُ بِذُلِّ النَّفْسِ ، وَضِيقِ الْعَيْشِ ، وَخِدْمَةِ الْعُلَمَاءِ أَفْلَحَ .
    وَقَالَ أَيْضًا : لَا يُدْرَكُ الْعِلْمُ إلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى الذُّلِّ . وَقَالَ أَيْضًا : لَا يَصْلُحُ طَلَبُ الْعِلْمِ إلَّا لِمُفْلِسٍ ، فَقِيلَ : وَلَا الْغَنِيُّ الْمُكَفَّى ؟ فَقَالَ : وَلَا الْغَنِيُّ الْمُكَفَّى .
    وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ - : لَا يَبْلُغُ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ مَا يُرِيدُ حَتَّى يَضْرِبَهُ الْفَقْرُ ، وَيُؤْثِرَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ .
    وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : يُسْتَعَانُ عَلَى الْفِقْهِ بِجَمْعِ الْهِمَمِ ، وَيُسْتَعَانُ عَلَى حَذْفِ الْعَلَائِقِ بِأَخْذِ الْيَسِيرِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَلَا يَزِدْ .
    وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْآجُرِّيُّ ( 1 ) : مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْفَاقَةِ وَرِثَ الْفَهْمَ .
    وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ ( الْجَامِعُ لِآدَابِ الرَّاوِي وَالسَّامِعِ ) : يُسْتَحَبُّ لِلطَّالِبِ أَنْ يَكُونَ عَزَبًا مَا أَمْكَنَهُ ، لِئَلَّا يَقْطَعَهُ الِاشْتِغَالُ بِحُقُوقِ الزَّوْجَةِ ، وَالِاهْتِمَامِ بِالْمَعِيشَةِ ، عَنْ إكْمَالِ طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ : " خَيْرُكُمْ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ حَفِيفُ الْحَاذِ ، وَهُوَ الَّذِي لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدَ " .
    وَعَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : " مَنْ تَعَوَّدَ أَفْخَاذَ النِّسَاءِ لَمْ يَفْلَحْ " يَعْنِي اشْتَغَلَ بِهِنَّ .
    وَهَذَا فِي غَالِبِ النَّاسِ لَا الْخَوَاصِّ .
    وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ : إذَا تَزَوَّجَ الْفَقِيهُ فَقَدْ رَكِبَ الْبَحْرَ ، فَإِنْ وُلِدَ لَهُ فَقَدْ كُسِرَ بِهِ .
    وَقَالَ سُفْيَانُ لِرَجُلٍ : تَزَوَّجْتَ ؟ فَقَالَ : لَا ، قَالَ : مَا تَدْرِي مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ .
    وَعَنْ بِشْرٍ الْحَافِي رَحِمَهُ اللَّهُ - : مَنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى النِّسَاءِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ لَا يَأْلَفُ أَفْخَاذَهُنَّ .
    قُلْتُ : هَذَا كُلُّهُ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِنَا ، فَإِنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى النِّكَاحِ اُسْتُحِبَّ لَهُ تَرْكُهُ ، وَكَذَا إنْ احْتَاجَ وَعَزَّ عَنْ مُؤْنَتِهِ .
    وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ } ( 1 ) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا ، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ }
  • العين
    طالب علم
    • Jul 2003
    • 520

    #2
    وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلْعِلْمِ

    وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلْعِلْمِ وَالْمُعَلِّمِ فَبِتَوَاضُعِهِ يَنَالُهُ .

    وَقَدْ أُمِرْنَا بِالتَّوَاضُعِ مُطْلَقًا فَهُنَا أَوْلَى.
    وَقَدْ قَالُوا : الْعِلْمُ حَرْبٌ لِلْمُتَعَالِي ، كَالسَّيْلِ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي .
    وَيَنْقَادَ لِمُعَلِّمِهِ ، وَيُشَاوِرَهُ فِي أُمُورِهِ ، وَيَأْتَمِرَ بِأَمْرِهِ ، كَمَا يَنْقَادُ الْمَرِيضُ لِطَبِيبٍ حَاذِقٍ نَاصِحٍ ، وَهَذَا أَوْلَى لِتَفَاوُتِ مَرْتَبَتِهِمَا .
    قَالُوا : وَلَا يَأْخُذُ الْعِلْمَ إلَّا مِمَّنْ كَمُلَتْ أَهْلِيَّتُهُ ، وَظَهَرَتْ دِيَانَتُهُ ، وَتَحَقَّقَتْ مَعْرِفَتُهُ وَاشْتَهَرَتْ صِيَانَتُهُ وَسِيَادَتُهُ ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ وَخَلَائِقُ مِنْ السَّلَفِ : هَذَا الْعِلْمُ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ .

    وَلَا يَكْفِي فِي أَهْلِيَّةِ التَّعْلِيمِ أَنْ يَكُونَ كَثِيرَ الْعِلْمِ ، بَلْ يَنْبَغِي مَعَ كَثْرَةِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ الْفَنِّ كَوْنُهُ لَهُ مَعْرِفَةً فِي الْجُمْلَةِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْفُنُونِ الشَّرْعِيَّةِ ، فَإِنَّهَا مُرْتَبِطَةٌ ، وَيَكُونُ لَهُ دُرْبَةٌ وَدِينٌ وَخُلُقٌ جَمِيلٌ وَذِهْنٌ صَحِيحٌ ، وَاطِّلَاعٌ تَامٌّ .

    وَقَالُوا : وَلَا تَأْخُذْ الْعِلْمَ مِمَّنْ كَانَ أَخْذُهُ لَهُ مِنْ بُطُونِ الْكُتُبِ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ عَلَى شُيُوخٍ أَوْ شَيْخٍ حَاذِقٍ ، فَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ إلَّا مِنْ الْكُتُبِ يَقَعُ فِي التَّصْحِيفِ ، وَيَكْثُرُ مِنْهُ الْغَلَطُ وَالتَّحْرِيفُ .

    وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ مُعَلِّمَهُ بِعَيْنِ الِاحْتِرَامِ وَيَعْتَقِدَ كَمَالَ أَهْلِيَّتِهِ ، وَرُجْحَانَهُ عَلَى أَكْثَرِ طَبَقَتِهِ ، فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى انْتِفَاعِهِ بِهِ ، وَرُسُوخِ مَا سَمِعَهُ مِنْهُ فِي ذِهْنِهِ .

    وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ إذَا ذَهَبَ إلَى مُعَلِّمِهِ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ وَقَالَ : اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَيْبَ مُعَلِّمِي عَنِّي ، وَلَا تُذْهِبْ بَرَكَةَ عِلْمِهِ مِنِّي .
    وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : كُنْتُ أَصْفَحُ الْوَرَقَةَ بَيْنَ يَدَيْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَفْحًا رَفِيقًا هَيْبَةً لَهُ . لِئَلَّا يَسْمَعَ وَقْعَهَا .
    وَقَالَ الرَّبِيعُ : وَاَللَّهِ مَا اجْتَرَأْتُ أَنْ أَشْرَبَ الْمَاءَ وَالشَّافِعِيُّ يَنْظُرُ إلَيَّ هَيْبَةً لَهُ .
    وَقَالَ حَمْدَانُ بْن الْأَصْفَهَانِيُّ : وَكُنْتُ عِنْدَ شَرِيكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَأَتَاهُ بَعْضُ أَوْلَادِ الْمَهْدِيِّ ، فَاسْتَنَدَ إلَى الْحَائِطِ وَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ ، وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا ثُمَّ عَادَ فَعَادَ لِمِثْلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَتَسْتَخِفُّ بِأَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ ؟ فَقَالَ : شَرِيكٌ : لَا وَلَكِنَّ الْعِلْمَ أَجَلُّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ أَضَعَهُ ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، فَقَالَ شَرِيكٌ : هَكَذَا يُطْلَبُ الْعِلْمُ .
    وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : مِنْ حَقِّ الْعَالِمِ عَلَيْكَ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى الْقَوْمِ عَامَّةً وَتَخُصَّهُ بِالتَّحِيَّةِ ، وَأَنْ تَجْلِسَ أَمَامَهُ ، وَلَا تُشِيرَنَّ عِنْدَهُ بِيَدِكَ ، وَلَا تَعْمِدَنَّ بِعَيْنِكَ غَيْرَهُ ، وَلَا تَقُولَنَّ : قَالَ فُلَانٌ خِلَافَ قَوْلِهِ ، وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا ، وَلَا تُسَارَّ فِي مَجْلِسِهِ ، وَلَا تَأْخُذْ بِثَوْبِهِ ، وَلَا تُلِحَّ عَلَيْهِ إذَا كَسَلَ ، وَلَا تَشْبَعَ مِنْ طُولِ صُحْبَتِهِ ، فَإِنَّمَا هُوَ كَالنَّخْلَةِ تَنْتَظِرُ مَتَى يَسْقُطُ عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ .

    تعليق

    • العين
      طالب علم
      • Jul 2003
      • 520

      #3
      أَنْ يَتَحَرَّى رِضَا الْمُعَلِّمِ

      وَمِنْ آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ :

      أَنْ يَتَحَرَّى رِضَا الْمُعَلِّمِ - وَإِنْ خَالَفَ رَأْيَ نَفْسِهِ

      وَلَا يَغْتَابَ عِنْدَهُ وَلَا يُفْشِيَ لَهُ سِرًّا ، وَأَنْ يَرُدَّ غَيْبَتَهُ إذَا سَمِعَهَا ، فَإِنْ عَجَزَ فَارَقَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ .

      وَأَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنٍ ، وَإِذَا دَخَلَ جَمَاعَةٌ قَدَّمُوا أَفْضَلَهُمْ وَأَسَنَّهُمْ ، وَأَنْ يَدْخُلَ كَامِلَ الْهَيْبَةِ ، فَارِغَ الْقَلْبِ مِنْ الشَّوَاغِلِ ، مُتَطَهِّرًا مُتَنَظِّفًا بِسِوَاكٍ ، وَقَصِّ شَارِبٍ وَظُفْرٍ ، وَإِزَالَةِ كَرِيهِ رَائِحَةٍ ، وَيُسَلِّمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ كُلِّهِمْ بِصَوْتٍ يُسْمِعُهُمْ إسْمَاعًا مُحَقَّقًا ، وَيَخُصَّ الشَّيْخَ بِزِيَادَةِ إكْرَامٍ ، وَكَذَلِكَ يُسَلِّمَ إذَا انْصَرَفَ ، فَفِي الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِذَلِكَ ، وَلَا الْتِفَاتَ إلَى مَنْ أَنْكَرَهُ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ .
      وَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ ، وَيَجْلِسُ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ لَهُ الشَّيْخُ أَوْ الْحَاضِرُونَ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّخَطِّي ، أَوْ يَعْلَمَ مِنْ حَالِهِمْ إيثَارَ ذَلِكَ ، وَلَا يُقِيمَ أَحَدًا مِنْ مَجْلِسِهِ ، فَإِنْ آثَرَهُ غَيْرُهُ بِمَجْلِسِهِ لَمْ يَأْخُذْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْحَاضِرِينَ ، بِأَنْ يَقْرُبَ مِنْ الشَّيْخِ ، وَيُذَاكِرَهُ مُذَاكَرَةً يَنْتَفِعُ الْحَاضِرُونَ بِهَا ، وَلَا يَجْلِسَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ إلَّا لِضَرُورَةٍ .
      وَلَا بَيْنَ صَاحِبَيْنِ إلَّا بِرِضَاهُمَا ، وَإِذَا فُسِحَ لَهُ قَعَدَ وَضَمَّ نَفْسَهُ ، وَيَحْرِصَ عَلَى الْقُرْبِ مِنْ الشَّيْخِ لِيَفْهَمَ كَلَامَهُ فَهْمًا كَامِلًا بِلَا مَشَقَّةٍ ، وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ فِي الْمَجْلِسِ عَلَى أَفْضَلَ مِنْهُ وَيَتَأَدَّبَ مَعَ رُفْقَتِهِ وَحَاضِرِي الْمَجْلِسِ ، فَإِنَّ تَأَدُّبَهُ مَعَهُمْ تَأَدُّبٌ مَعَ الشَّيْخِ ، وَاحْتِرَامٌ لِمَجْلِسِهِ .

      وَيَقْعُدَ قَعْدَةَ الْمُتَعَلِّمِينَ لَا قَعْدَةَ الْمُعَلِّمِينَ ، وَلَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ رَفْعًا بَلِيغًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، وَلَا يَضْحَكَ ، وَلَا يُكْثِرَ الْكَلَامَ بِلَا حَاجَةٍ ، وَلَا يَعْبَثَ بِيَدِهِ وَلَا غَيْرِهَا ، وَلَا يَلْتَفِتَ بِلَا حَاجَةٍ ، بَلْ يُقْبِلُ عَلَى الشَّيْخِ مُصْغِيًا إلَيْهِ ، وَلَا يَسْبِقَهُ إلَى شَرْحِ مَسْأَلَةٍ أَوْ جَوَابِ سُؤَال إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ حَالِ الشَّيْخِ إيثَارَ ذَلِكَ ، لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى فَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّمِ .
      وَلَا يَقْرَأَ عَلَيْهِ عِنْدَ شُغْلِ قَلْبِ الشَّيْخِ وَمَلَلِهِ وَغَمِّهِ ، وَنُعَاسِهِ وَاسْتِيقَاظِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ ، أَوْ يَمْنَعُهُ اسْتِيفَاءَ الشَّرْحِ .
      وَلَا يَسْأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُهُ .
      وَلَا يُلِحَّ فِي السُّؤَالِ إلْحَاحًا مُضْجِرًا ، وَيَغْتَنِمَ سُؤَالَهُ عِنْدَ طِيبِ نَفْسِهِ وَفَرَاغِهِ ، وَيَتَلَطَّفَ فِي سُؤَالِهِ ، وَيُحْسِنَ خِطَابَهُ ، وَلَا يَسْتَحِي مِنْ السُّؤَالِ عَمَّا أُشْكِلَ عَلَيْهِ ، بَلْ يَسْتَوْضِحُهُ أَكْمَلَ اسْتِيضَاحٍ ، فَمَنْ رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ ، وَمَنْ رَقَّ وَجْهُهُ عِنْدَ السُّؤَالِ ظَهَرَ نَقْصُهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ .

      وَإِذَا قَالَ لَهُ الشَّيْخُ : أَفَهِمْتَ ؟ فَلَا يَقُلْ : نَعَمْ ، حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ الْمَقْصُودُ إيضَاحًا جَلِيًّا ؛ لِئَلَّا يَكْذِبَ وَيَفُوتَهُ الْفَهْمُ .
      وَلَا يَسْتَحِي مِنْ قَوْلِهِ : لَمْ أَفْهَمْ ، لِأَنَّ اسْتِثْبَاتَهُ يُحَصِّلُ لَهُ مَصَالِحَ عَاجِلَةً وَآجِلَةً ، فَمِنْ الْعَاجِلَةِ : حِفْظُهُ الْمَسْأَلَةَ ، وَسَلَامَتُهُ مِنْ كَذِبٍ وَنِفَاقٍ ، بِإِظْهَارِهِ فَهْمَ مَا لَمْ يَكُنْ فَهِمَهُ .

      وَمِنْهَا : اعْتِقَادُ الشَّيْخِ اعْتِنَاءَهُ وَرَغْبَتَهُ وَكَمَالَ عَقْلِهِ وَوَرَعَهُ ، وَمِلْكَهُ لِنَفْسِهِ وَعَدَمَ نِفَاقِهِ ، وَمِنْ الْآجِلَةِ ثُبُوتُ الصَّوَابِ فِي قَلْبِهِ دَائِمًا ، وَاعْتِيَادُهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الْمُرْضِيَةَ ، وَالْأَخْلَاقَ الرَّضِيَّةَ .
      وَعَنْ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : مَنْزِلَةُ الْجَهْلِ ، بَيْنَ الْحَيَاءِ وَالْأَنَفَةِ .

      وَيَنْبَغِي إذَا سَمِعَ الشَّيْخَ يَقُولُ مَسْأَلَةً ، أَوْ يَحْكِي حِكَايَةً وَهُوَ يَحْفَظُهَا ، أَنْ يُصْغِيَ لَهَا إصْغَاءَ مَنْ لَمْ يَحْفَظْهَا ، إلَّا إذَا عَلِمَ مِنْ حَالِ الشَّيْخِ إيثَارَهُ عِلْمَهِ بِأَنَّ الْمُتَعَلِّمَ حَافِظُهَا .

      تعليق

      • العين
        طالب علم
        • Jul 2003
        • 520

        #4
        وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَرِيصًا عَلَى التَّعَلُّمِ

        وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَرِيصًا عَلَى التَّعَلُّمِ .

        مُوَاظِبًا عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا ، حَضَرًا أَوْ سَفَرًا ، وَلَا يُذْهِبُ مِنْ أَوْقَاتِهِ شَيْئًا فِي غَيْرِ الْعِلْمِ ، إلَّا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ ، لِأَكْلٍ وَنَوْمٍ قَدْرًا لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَنَحْوِهِمَا كَاسْتِرَاحَةٍ يَسِيرَةٍ لِإِزَالَةِ الْمَلَلِ .

        وَشِبْهِ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ وَلَيْسَ بِعَاقِلٍ مَنْ أَمْكَنَهُ دَرَجَةُ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ فَوَّتَهَا .

        وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِسَالَتِهِ : " حَقٌّ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ بُلُوغُ غَايَةِ جُهْدِهِمْ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ عِلْمِهِ ، وَالصَّبْرُ عَلَى كُلِّ عَارِضٍ دُونَ طَلَبِهِ ، وَإِخْلَاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي إدْرَاكِ عِلْمِهِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا ، وَالرَّغْبَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَوْنِ عَلَيْهِ " .

        وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : " لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ " ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ .
        قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ : أَجْوَدُ أَوْقَاتِ الْحِفْظِ الْأَسْحَارُ ، ثُمَّ نِصْفُ النَّهَارِ ، ثُمَّ الْغَدَاةُ ، وَحِفْظُ اللَّيْلِ أَنْفَعُ مِنْ حِفْظِ النَّهَارِ ، وَوَقْتُ الْجُوعِ أَنْفَعُ مِنْ وَقْتِ الشِّبَعِ .
        قَالَ : وَأَجْوَدُ أَمَاكِنِ الْحِفْظِ الْغُرَفُ ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ بَعُدَ عَنْ الْمُلْهِيَاتِ .
        وَقَالَ : وَلَيْسَ بِمَحْمُودٍ الْحِفْظُ بِحَضْرَةِ النَّبَاتِ ، وَالْخُضْرَةِ ، وَالْأَنْهَارِ ، وَقَوَارِعِ الطُّرُقِ .
        لِأَنَّهَا تَمْنَعُ غَالِبًا خُلُوَّ الْقَلْبِ .

        وَيَنْبَغِي أَنْ يَصْبِرَ عَلَى جَفْوَةِ شَيْخِهِ ، وَسُوءِ خُلُقِهِ ، وَلَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ مُلَازَمَتِهِ وَاعْتِقَادِ كَمَالِهِ ، وَيَتَأَوَّلَ لِأَفْعَالِهِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْفَسَادُ تَأْوِيلَاتٍ صَحِيحَةً ، فَمَا يَعْجَزُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا قَلِيلُ التَّوْفِيقِ .

        وَإِذَا جَفَاهُ الشَّيْخُ ابْتَدَأَ هُوَ بِالِاعْتِذَارِ ، وَأَظْهَرَ أَنَّ الذَّنْبَ لَهُ ، وَالْعَتْبَ عَلَيْهِ ، فَذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُ دِينًا وَدُنْيَا ، وَأَبْقَى لِقَلْبِ شَيْخِهِ .
        وَقَدْ قَالُوا : مَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى ذُلِّ التَّعَلُّمِ بَقِيَ عُمُرَهُ فِي عَمَايَةِ الْجَهَالَةِ ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَيْهِ آلَ أَمْرُهُ إلَى عِزِّ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا .
        وَمِنْهُ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ( ذُلِلْتُ طَالِبًا فَعُزِّزْتُ مَطْلُوبًا )

        تعليق

        • العين
          طالب علم
          • Jul 2003
          • 520

          #5
          وَمِنْ آدَابِهِ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ .

          وَمِنْ آدَابِهِ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ .

          وَأَنْ يَكُونَ هِمَّتُهُ عَالِيَةً ، فَلَا يَرْضَى بِالْيَسِيرِ مَعَ إمْكَانِ الْكَثِيرِ ، وَأَنْ لَا يُسَوِّفَ فِي اشْتِغَالِهِ ، وَلَا يُؤَخِّرُ تَحْصِيلَ فَائِدَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهَا ، وَإِنْ أَمِنَ حُصُولَهَا بَعْدَ سَاعَةٍ ؛ لِأَنَّ لِلتَّأْخِيرِ آفَاتٍ ، وَلِأَنَّهُ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي يُحَصِّلُ غَيْرَهَا .

          وَعَنْ الرَّبِيعِ قَالَ : " لَمْ أَرَ الشَّافِعِيَّ آكِلًا بِنَهَارٍ ، وَلَا نَائِمًا بِلَيْلٍ ، لِاهْتِمَامِهِ بِالتَّصْنِيفِ ، وَلَا يُحَمِّلُ نَفْسَهُ مَا لَا تُطِيقُ مَخَافَةَ الْمَلَلِ ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ ، وَإِذَا جَاءَ مَجْلِسَ الشَّيْخِ فَلَمْ يَجِدْهُ انْتَظَرَهُ وَلَا يُفَوِّتُ دَرْسَهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ كَرَاهَةَ الشَّيْخِ لِذَلِكَ ، بِأَنْ يَعْلَمَ مِنْ حَالِهِ الْإِقْرَاءَ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ فَلَا يَشُقَّ عَلَيْهِ بِطَلَبِ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِهِ .
          قَالَ الْخَطِيبُ : وَإِذَا وَجَدَهُ نَائِمًا لَا يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ ، بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ أَوْ يَنْصَرِفُ وَالِاخْتِيَارُ الصَّبْرُ ، كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسَّلَفُ يَفْعَلُونَ .

          وَيَنْبَغِي أَنْ يَغْتَنِمَ التَّحْصِيلَ فِي وَقْتِ الْفَرَاغِ وَالنَّشَاطِ ، وَحَالِ الشَّبَابِ وَقُوَّةِ الْبَدَنِ ، وَنَبَاهَةِ الْخَاطِرِ ، وَقِلَّةِ الشَّوَاغِلِ ، قَبْلَ عَوَارِضِ الْبَطَالَةِ ، وَارْتِفَاعِ الْمَنْزِلَةِ ، فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تَسُودُوا "
          وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : " تَفَقَّهْ قَبْلَ أَنْ تَرْأَسَ ، فَإِذَا رَأَسْتَ فَلَا سَبِيلَ إلَى التَّفَقُّهِ " .

          وَيَعْتَنِيَ بِتَصْحِيحِ دَرْسِهِ الَّذِي يَتَحَفَّظُهُ ، تَصْحِيحًا مُتْقَنًا عَلَى الشَّيْخِ ، ثُمَّ يَحْفَظُهُ حِفْظًا مُحْكَمًا ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُكَرِّرُهُ مَرَّاتٍ لِيَرْسَخَ رُسُوخًا مُتَأَكَّدًا .

          ثُمَّ يُرَاعِيه بِحَيْثُ لَا يَزَالُ مَحْفُوظًا جَيِّدًا ، وَيَبْدَأُ دَرْسَهُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالدُّعَاءِ لِلْعُلَمَاءِ وَمَشَايِخِهِ وَوَالِدَيْهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُبَكِّرُ بِدَرْسِهِ لِحَدِيثِ : { اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا } وَيُدَاوِمُ عَلَى تَكْرَارِ مَحْفُوظَاتِهِ ، وَلَا يَحْفَظُ ابْتِدَاءً مِنْ الْكُتُبِ اسْتِقْلَالًا ، بَلْ يُصَحِّحُ عَلَى الشَّيْخِ كَمَا ذَكَرْنَا ، فَالِاسْتِقْلَالُ بِذَلِكَ مِنْ أَضَرِّ الْمَفَاسِدِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ : " مَنْ تَفَقَّهَ مِنْ الْكُتُبِ ضَيَّعَ الْأَحْكَامَ " .
          وَلْيُذَاكِرْ بِمَحْفُوظَاتِهِ ، وَلْيُدِمْ الْفِكْرَ فِيهَا ، وَيَعْتَنِي بِمَا يُحَصِّلُ فِيهَا مِنْ الْفَوَائِدِ ، وَلْيُرَافِقْ بَعْضَ حَاضِرِي حَلْقَةِ الشَّيْخِ فِي الْمُذَاكَرَةِ .

          تعليق

          • العين
            طالب علم
            • Jul 2003
            • 520

            #6
            قَالَ الْخَطِيبُ : وَأَفْضَلُ الْمُذَاكَرَةِ مُذَاكَرَةُ اللَّيْلِ وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ يَبْدَءُونَ مِنْ الْعِشَاءِ فَرُبَّمَا لَمْ يَقُومُوا حَتَّى يَسْمَعُوا أَذَانَ الصُّبْحِ .

            وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ مِنْ دُرُوسِهِ عَلَى الْمَشَايِخِ ، وَفِي الْحِفْظِ وَالتَّكْرَارِ وَالْمُطَالَعَةِ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ ، وَأَوَّلُ مَا يَبْتَدِئُ بِهِ حِفْظُ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَهُوَ أَهَمُّ الْعُلُومِ ، وَكَانَ السَّلَفُ لَا يُعَلِّمُونَ الْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ إلَّا لِمَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ ، وَإِذَا حَفِظَهُ فَلْيَحْذَرْ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْهُ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمَا اشْتِغَالًا يُؤَدِّي إلَى نِسْيَانِ شَيْءٍ مِنْهُ . أَوْ تَعْرِيضِهِ لِلنِّسْيَانِ .

            وَبَعْدَ حِفْظِ الْقُرْآنِ يَحْفَظُ مِنْ كُلِّ فَنٍّ مُخْتَصَرًا ، وَيَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ ، وَمِنْ أَهَمِّهَا الْفِقْهُ وَالنَّحْوُ ، ثُمَّ الْحَدِيثُ وَالْأُصُولُ ، ثُمَّ الْبَاقِي عَلَى مَا تَيَسَّرَ ، ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِاسْتِشْرَاحِ مَحْفُوظَاتِهِ ، وَيَعْتَمِدُ مِنْ الشُّيُوخِ فِي كُلِّ فَنٍّ أَكْمَلَهُمْ فِي الصِّفَاتِ السَّابِقَةِ ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ شَرْحُ دُرُوسٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَعَلَ ، وَإِلَّا اقْتَصَرَ عَلَى الْمُمْكِنِ مِنْ دَرْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَغَيْرِهَا ، فَإِذَا اعْتَمَدَ شَيْخًا فِي فَنٍّ وَكَانَ لَا يَتَأَذَّى بِقِرَاءَةِ ذَلِكَ الْفَنِّ عَلَى غَيْرِهِ فَلْيَقْرَأْ أَيْضًا عَلَى ثَانٍ وَثَالِثٍ وَأَكْثَرَ مَا لَمْ يَتَأَذَّوْا ، فَإِنْ تَأَذَّى الْمُعْتَمَدُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ، وَرَاعَى قَلْبَهُ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى انْتِفَاعِهِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَأَذَّى مِنْ هَذَا .

            وَإِذَا بَحَثَ الْمُخْتَصَرَاتِ ، انْتَقَلَ إلَى بَحْثٍ أَكْبَرَ مِنْهَا مَعَ الْمُطَالَعَةِ الْمُتْقَنَةِ ، وَالْعِنَايَةِ الدَّائِمَةِ الْمُحْكَمَةِ ، وَتَعْلِيقِ مَا يَرَاهُ مِنْ النَّفَائِسِ وَالْغَرَائِبِ وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ مِمَّا يَرَاهُ فِي الْمُطَالَعَةِ أَوْ يَسْمَعُهُ مِنْ الشَّيْخِ . وَلَا يَحْتَقِرَنَّ فَائِدَةً يَرَاهَا أَوْ يَسْمَعُهَا فِي أَيِّ فَنٍّ كَانَتْ ، بَلْ يُبَادِرُ إلَى كِتَابَتِهَا ثُمَّ يُوَاظِبُ عَلَى مُطَالَعَةِ مَا كَتَبَهُ ، وَلْيُلَازِمْ حَلْقَةَ الشَّيْخِ وَلْيَعْتَنِ بِكُلِّ الدُّرُوسِ ، وَيُعَلِّقْ عَلَيْهَا مَا أَمْكَنَ ، فَإِنْ عَجَزَ اعْتَنَى بِالْأَهَمِّ ، وَلَا يُؤْثِرُ بِنَوْبَتِهِ ، فَإِنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ ، فَإِنْ رَأَى الشَّيْخُ الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ فِي وَقْتٍ فَأَشَارَ بِهِ امْتَثَلَ أَمَرَهُ .

            وَيَنْبَغِي أَنْ يُرْشِدَ رُفْقَتَهُ وَغَيْرَهُمْ مِنْ الطَّلَبَةِ إلَى مَوَاطِنِ الِاشْتِغَالِ وَالْفَائِدَةِ ، وَيَذْكُرَ لَهُمْ مَا اسْتَفَادَهُ عَلَى جِهَةِ النَّصِيحَةِ وَالْمُذَاكَرَةِ ، وَإِرْشَادُهُمْ . يُبَارَكْ لَهُ فِي عِلْمِهِ ، وَيَسْتَنِيرُ قَلْبُهُ ، وَتَتَأَكَّدُ الْمَسَائِلُ مَعَهُ ، مَعَ جَزِيلِ ثَوَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَمَتَى بَخِلَ بِذَلِكَ كَانَ بِضِدِّهِ ، فَلَا يَثْبُتُ مَعَهُ ، وَإِنْ ثَبَتَ لَمْ يُثْمِرْ .

            وَلَا يَحْسُدُ أَحَدًا وَلَا يَحْتَقِرُهُ ، وَلَا يَعْجَبُ بِفَهْمِهِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا فِي آدَابِ الْمُعَلِّمِ . فَ

            إِذَا فَعَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَتَكَامَلَتْ أَهْلِيَّتُهُ وَاشْتَهَرَتْ فَضِيلَتُهُ اشْتَغَلَ بِالتَّصْنِيفِ وَجَدَّ فِي الْجَمْعِ وَالتَّأْلِيفِ مُحَقِّقًا كُلَّ مَا يَذْكُرُهُ ، مُتَثَبِّتًا فِي نَقْلِهِ وَاسْتِنْبَاطِهِ ، مُتَحَرِّيًا إيضَاحَ الْعِبَارَاتِ ، وَبَيَانَ الْمُشْكِلَاتِ ، مُتَجَنِّبًا الْعِبَارَاتِ الرَّكِيكَاتِ ، وَالْأَدِلَّةَ الْوَاهِيَاتِ ، مُسْتَوْعِبًا مُعْظَمَ أَحْكَامِ ذَلِكَ الْفَنِّ ، غَيْرَ مُخِلٍّ بِشَيْءٍ مِنْ أُصُولِهِ ، مُنَبِّهًا عَلَى الْقَوَاعِدِ ، فَبِذَلِكَ تَظْهَرُ لَهُ الْحَقَائِقُ ، وَتَنْكَشِفُ الْمُشْكِلَاتُ ، وَيَطَّلِعُ عَلَى الْغَوَامِضِ وَحَلِّ الْمُعْضِلَاتِ ، وَيَعْرِفُ مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ ، وَالرَّاجِحَ مِنْ الْمَرْجُوحِ ، وَيَرْتَفِعُ عَنْ الْجُمُودِ عَلَى مَحْضِ التَّقْلِيدِ ، وَيَلْتَحِقُ بِالْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ يُقَارِبُهُمْ إنْ وُفِّقَ لِذَلِكَ.
            وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .

            تم كلامة بحمد الله

            تعليق

            • عمر شمس الدين الجعبري
              Administrator
              • Sep 2016
              • 784

              #7
              بارك الله فيك .. وأنقل مما نقلت:

              وَقَالُوا : وَلَا تَأْخُذْ الْعِلْمَ مِمَّنْ كَانَ أَخْذُهُ لَهُ مِنْ بُطُونِ الْكُتُبِ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ عَلَى شُيُوخٍ أَوْ شَيْخٍ حَاذِقٍ ، فَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ إلَّا مِنْ الْكُتُبِ يَقَعُ فِي التَّصْحِيفِ ، وَيَكْثُرُ مِنْهُ الْغَلَطُ وَالتَّحْرِيفُ .
              وَقَالَ حَمْدَانُ بْن الْأَصْفَهَانِيُّ : وَكُنْتُ عِنْدَ شَرِيكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَأَتَاهُ بَعْضُ أَوْلَادِ الْمَهْدِيِّ ، فَاسْتَنَدَ إلَى الْحَائِطِ وَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ ، وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا ثُمَّ عَادَ فَعَادَ لِمِثْلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَتَسْتَخِفُّ بِأَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ ؟ فَقَالَ : شَرِيكٌ : لَا وَلَكِنَّ الْعِلْمَ أَجَلُّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ أَضَعَهُ ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، فَقَالَ شَرِيكٌ : هَكَذَا يُطْلَبُ الْعِلْمُ .
              {واتقوا الله ويعلمكم الله}

              تعليق

              يعمل...