آدَابُ الْفَتْوَى وَالْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي من مقدمة المجموع للإمام النووي

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • العين
    طالب علم
    • Jul 2003
    • 520

    #1

    آدَابُ الْفَتْوَى وَالْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي من مقدمة المجموع للإمام النووي

    بَابُ آدَابُ الْفَتْوَى وَالْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي من مقدمة المجموع للإمام النووي

    يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في مقدمة المجموع:

    بَابُ آدَابُ الْفَتْوَى وَالْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي

    اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ مُهِمٌّ جِدًّا فَأَحْبَبْتُ تَقْدِيمَهُ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .

    وَقَدْ صَنَّفَ فِي هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ شَيْخُ صَاحِبِ الْحَاوِي ، ثُمَّ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ الْبَغْدَادِيُّ ثُمَّ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ ذَكَرَ نَفَائِسَ لَمْ يَذْكُرْهَا الْآخَرَانِ ، وَقَدْ طَالَعْتُ كُتُبَ الثَّلَاثَةِ وَلَخَّصْتُ مِنْهَا جُمْلَةً مُخْتَصَرَةً مُسْتَوْعِبَةً لِكُلِّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمُهِمِّ ، وَضَمَمْتُ إلَيْهَا نَفَائِسَ مِنْ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .

    اعْلَمْ أَنَّ الْإِفْتَاءَ عَظِيمُ الْخَطَرِ ، كَبِيرُ الْمَوْقِعِ ، كَثِيرُ الْفَضْلِ ، لِأَنَّ الْمُفْتِيَ وَارِثُ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - وَقَائِمٌ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَلَكِنَّهُ مُعَرِّضٌ لِلْخَطَأِ ؛ وَلِهَذَا قَالُوا : الْمُفْتِي مُوقِعٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى .

    وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ : الْعَالِمُ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقِهِ ، فَلْيُنْظَرْ كَيْفَ يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ .
    وَرَوَيْنَا عَنْ السَّلَفِ وَفُضَلَاءِ الْخَلْفِ مِنْ التَّوَقُّفِ عَنْ الْفُتْيَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مَعْرُوفَةً نَذْكُرُ مِنْهَا أَحْرُفًا تَبَرُّكًا .
    وَرَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدُّهَا هَذَا إلَى هَذَا ، وَهَذَا إلَى هَذَا ، حَتَّى تَرْجِعَ إلَى الْأَوَّلِ .
    وَفِي رِوَايَةٍ : مَا مِنْهُمْ مَنْ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ ، إلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ إيَّاهُ .
    وَلَا يُسْتَفْتَى عَنْ شَيْءٍ إلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا .
    وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَنْ أَفْتَى عَنْ كُلِّ مَا يُسْأَلُ فَهُوَ مَجْنُونٌ .

    وَعَنْ الشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ وَأَبِي حَصِينٍ بِفَتْحِ الْحَاءِ التَّابِعِيِّينَ قَالُوا : إنَّ أَحَدَكُمْ لَيُفْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَوْ وَرَدَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَجَمَعَ لَهَا أَهْلَ بَدْرٍ .
    وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ التَّابِعِيِّ : أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنْ الشَّيْءِ فَيَتَكَلَّمُ وَهُوَ يُرْعَدُ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ : إذَا أَغْفَلَ الْعَالِمُ ( لَا أَدْرِي ) أُصِيبَتْ مُقَاتِلُهُ .
    وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَسَحْنُونٍ : أَجْسَرُ النَّاسِ عَلَى الْفُتْيَا أَقَلُّهُمْ عِلْمًا .

    وَعَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَلَمْ يُجِبْ ، فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : حَتَّى أَدْرِيَ أَنَّ الْفَضْلَ فِي السُّكُوتِ أَوْ فِي الْجَوَابِ .
    وَعَنْ الْأَثْرَمِ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ : لَا أَدْرِي ، وَذَلِكَ فِيمَا عُرِفَ الْأَقَاوِيلُ فِيهِ .
    وَعَنْ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ : شَهِدْتُ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا : لَا أَدْرِي .

    وَعَنْ مَالِكٍ أَيْضًا : أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ يُسْأَلُ عَنْ خَمْسِينَ مَسْأَلَةً فَلَا يُجِيبُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا.
    وَكَانَ يَقُولُ : مَنْ أَجَابَ فِي مَسْأَلَةٍ فَيَنْبَغِي قَبْلَ الْجَوَابِ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَكَيْفَ خَلَاصُهُ ثُمَّ يُجِيبُ .
    وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ : لَا أَدْرِي ، فَقِيلَ : هِيَ مَسْأَلَةٌ خَفِيفَةٌ سَهْلَةٌ ، فَغَضِبَ وَقَالَ : لَيْسَ فِي الْعِلْمِ شَيْءٌ خَفِيفٌ .

    وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ مِنْ آلَةِ الْفُتْيَا مَا جَمَعَ فِي ابْنِ عُيَيْنَةَ أَسْكَتَ مِنْهُ عَنْ الْفُتْيَا .
    وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَوْلَا الْفَرَقُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَضِيعَ الْعِلْمُ مَا أَفْتَيْتُ ، يَكُونُ لَهُمْ الْمَهْنَأُ وَعَلَيَّ الْوِزْرُ .
    وَأَقْوَالُهُمْ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ .
    قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَالْخَطِيبُ : قَلَّ مَنْ حَرَصَ عَلَى الْفُتْيَا ، وَسَابَقَ إلَيْهَا ، وَثَابَرَ عَلَيْهَا ، إلَّا قَلَّ تَوْفِيقُهُ ، وَاضْطَرَبَ فِي أُمُورِهِ .
    وَإِنْ كَانَ كَارِهًا لِذَلِكَ ، غَيْرَ مُؤْثِرٍ لَهُ مَا وَجَدَ عَنْهُ مَنْدُوحَةً ، وَأَحَالَ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ ، كَانَتْ الْمَعُونَةُ لَهُ مِنْ اللَّهِ أَكْثَرَ ، وَالصَّلَاحُ فِي جَوَابِهِ أَغْلَبَ ، وَاسْتَدَلَّا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا ، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا }

    يتبع....................
    التعديل الأخير تم بواسطة العين; الساعة 13-07-2003, 01:26.
  • العين
    طالب علم
    • Jul 2003
    • 520

    #2
    يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْوَالَ الْمُفْتِينَ

    فَصْلٌ
    قَالَ الْخَطِيبُ :
    يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْوَالَ الْمُفْتِينَ ، فَمَنْ صَلُحَ لِلْفُتْيَا أَقَرَّهُ ، وَمَنْ لَا يَصْلُحُ مَنَعَهُ ، وَنَهَاهُ أَنْ يَعُودَ ، وَتَوَعَّدَهُ بِالْعُقُوبَةِ إنْ عَادَ ، وَطَرِيقُ الْإِمَامِ إلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْفَتْوَى أَنْ يَسْأَلَ عُلَمَاءَ وَقْتِهِ ، وَيَعْتَمِدَ أَخْبَارَ الْمَوْثُوقِ بِهِ .

    ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ .
    وَفِي رِوَايَةٍ : مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى سَأَلْتُ . مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي : هَلْ يَرَانِي مَوْضِعًا لِذَلِكَ ؟ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ .

    تعليق

    • العين
      طالب علم
      • Jul 2003
      • 520

      #3
      َيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي ظَاهِرَ الْوَرَعِ مَشْهُورًا بِالدِّيَانَةِ

      فَصْلٌ .

      قَالُوا :
      وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي ظَاهِرَ الْوَرَعِ مَشْهُورًا بِالدِّيَانَةِ الظَّاهِرَةِ ، وَالصِّيَانَةِ الْبَاهِرَةِ .

      وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَعْمَلُ بِمَا لَا يُلْزِمُهُ النَّاسَ .
      وَيَقُولُ : لَا يَكُونُ عَالِمًا حَتَّى يَعْمَلَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِمَا لَا يُلْزِمُهُ النَّاسَ مِمَّا لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَأْثَمْ .
      وَكَانَ يَحْكِي نَحْوَهُ عَنْ شَيْخِهِ رَبِيعَةَ .

      تعليق

      • عمر شمس الدين الجعبري
        Administrator
        • Sep 2016
        • 784

        #4
        جزاك الله خيرا .. من أنفع ما نقلتَ:

        وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَنْ أَفْتَى عَنْ كُلِّ مَا يُسْأَلُ فَهُوَ مَجْنُونٌ .
        وَعَنْ الشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ وَأَبِي حَصِينٍ بِفَتْحِ الْحَاءِ التَّابِعِيِّينَ قَالُوا : إنَّ أَحَدَكُمْ لَيُفْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَوْ وَرَدَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَجَمَعَ لَهَا أَهْلَ بَدْرٍ .
        وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ التَّابِعِيِّ : أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنْ الشَّيْءِ فَيَتَكَلَّمُ وَهُوَ يُرْعَدُ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ : إذَا أَغْفَلَ الْعَالِمُ ( لَا أَدْرِي ) أُصِيبَتْ مُقَاتِلُهُ .
        وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَسَحْنُونٍ : أَجْسَرُ النَّاسِ عَلَى الْفُتْيَا أَقَلُّهُمْ عِلْمًا .
        وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ مِنْ آلَةِ الْفُتْيَا مَا جَمَعَ فِي ابْنِ عُيَيْنَةَ أَسْكَتَ مِنْهُ عَنْ الْفُتْيَا .
        عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ .
        وَفِي رِوَايَةٍ : مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى سَأَلْتُ . مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي : هَلْ يَرَانِي مَوْضِعًا لِذَلِكَ ؟ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ .
        {واتقوا الله ويعلمكم الله}

        تعليق

        يعمل...