السلام عليكم ورحمة الله:
أثناء مطالعتي في منتدانا منتدى الفقه الشافعي، رأيت مشاركة قديمة لأحد المشاركين تحت عنوان (الجصّاص الحنفي عنيف معكم ) يذكر فيها تعقيب للجصاص على مناظرة جرت بين الشافعي وبعضهم، والظاهر أنه محمد بن الحسن الشيبان صاحب أبي حنيفة، حول الزنا هل يحرم به ما يحرم بالنكاح من أم وبنت وأخت وغيرهن أم لا. تعقب فيها على الشافعي بشدة. وختم المشارك مشاركته بقوله : "وكلامه يحتاج إلى رد منكم---فما رأيكم يا شافعيّة؟"
ومع محاولة الأخ المشارك دفع الشافعية للرد على، فلم يفعل الأخوة الشافعية شيئاً سوى التباكي والاعتذار بأن هناك مخطوطات شافعية اعتنت بالردود على الخصوم، فلعلهم ردوا فيها على الجصاص! وأنها لا زالت مخطوطة. وهذا ليس بشيء.
ووجدت في نفس الرغبة في الجواب على ما أورده الجصاص، لما رأيته من صنيع الأخوة الشافعية الموهم بأن الرد عليه متعذر أو متعسر، إلا بخروج تلك المخطوطات التي لعلها تحمل رداً شافياً. مع أن الرد عليه يسير، وما طبع من كتب الشافعية كافٍ وافٍ في بيان ذلك.
فأقول: لا بُدَّ أولاً من إيراد المناظر التي جرت بين الشافعي وبعض الناس بلفظها من كتبه وكتب أصحابه، وتسطير ما حذفه الجصاص مما له تعلق بها، وإرجاع النصوص إلى أصلها، لا كما حكاها الجصاص في بعض المواضع بحيث اختلف معناها، وغمض وجه الاستدلال بها.
قال الشافعي رحمه الله كما في (الأم) 6/398 : "الْخِلَافُ فِيمَا يُؤْتَى بالزنى * وَقُلْنَا إذَا نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً حُرِّمَتْ على ابْنِهِ وَأَبِيهِ وَحُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا بِمَا حَكَيْت من قَوْلِ اللَّهِ عز وجل.
( قال ) فَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أبيه أو ابْنِهِ أو أُمِّ امْرَأَتِهِ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى ، وَلَا تَحْرُمُ عليه امْرَأَتُهُ وَلَا على أبيه ، وَلَا على ابْنِهِ امْرَأَتُهُ لو زَنَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل إنَّمَا حَرَّمَ بِحُرْمَةِ الْحَلَالِ تعزيزا لِحَلَالِهِ وَزِيَادَةً في نِعْمَتِهِ بِمَا أَبَاحَ منه بِأَنْ أَثْبَت بِهِ الْحُرُمَ التي لم تَكُنْ قَبْلَهُ ، وَأَوْجَبَ بها الْحُقُوقَ وَالْحَرَامُ خِلَافُ الْحَلَالِ.
وقال بَعْضُ الناس: إذَا زَنَى الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ حُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا وَابْنَتُهَا. وَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أبيه أو ابْنِهِ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا امْرَأَتَاهُمَا، وَكَذَلِكَ إنْ قَبَّلَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ، أو لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ فَهُوَ مِثْلُ الزنا، وَالزِّنَا يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ الْحَلَالَ.
فقال لي: لِمَ قُلْت: إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ الْحَلَالَ؟
فَقُلْت له: اسْتِدْلَالًا بِكِتَابِ اللَّهِ عز وجل، وَالْقِيَاسُ على ما أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عليه بِمَا هو في مَعْنَاهُ، وَالْمَعْقُولُ، وَالْأَكْثَرُ من قَوْلِ أَهْلِ دَارِ السُّنَّةِ وَالْهِجْرَةِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ.
قال : فَأَوْجَدَنِي ما وَصَفْت.
قُلْت قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَلَا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُمْ من النِّسَاءِ } وقال تَعَالَى { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ } وقال { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي في حُجُورِكُمْ من نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } أَفَلَسْت تَجِدُ التَّنْزِيلَ إنَّمَا حَرَّمَ من سَمَّى بِالنِّكَاحِ أو النِّكَاحِ وَالدُّخُولِ؟
قال: بَلَى.
قُلْت أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسمه حَرَّمَ بِالْحَلَالِ شيئا، فَأُحَرِّمُهُ بِالْحَرَامِ؟ وَالْحَرَامُ ضِدُّ الْحَلَالِ!
فقال لي: فما فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؟
قُلْت: فَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا.
قال: فَأَيْنَ؟
قُلْت: وَجَدْت اللَّهَ عز وجل نَدَبَ إلَى النِّكَاحِ وَأَمَرَ بِهِ، وَجَعَلَهُ سَبَبَ النَّسَبِ، وَالصِّهْرِ، وَالْأُلْفَةِ، وَالسَّكَنِ، وَأَثْبَتَ بِهِ الْحُرُمَ، وَالْحَقَّ لِبَعْضٍ على بَعْضٍ بِالْمَوَارِيثِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالْمَهْرِ، وَحَقِّ الزَّوْجِ بِالطَّاعَةِ، وَإِبَاحَةِ ما كان مُحَرَّمًا قبل النِّكَاحِ.
قال: نعم.
قُلْت: وَوَجَدْت اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الزنى فقال { وَلَا تَقْرَبُوا الزنى إنَّهُ كان فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا }.
فقال أَجِدُ جِمَاعًا وَجِمَاعًا فَأَقِيسُ أَحَدَ الْجِمَاعَيْنِ بِالْآخَرِ.
قُلْت: فَقَدْ وَجَدْت جِمَاعًا حَلَالًا حَمِدْت بِهِ وَوَجَدْت جِمَاعًا حَرَامًا رَجَمْت بِهِ صَاحِبَهُ، أَفَرَأَيْتُك قِسْته بِهِ." انتهى المراد نقله. (الأم) 6/398-399.
قول الشافعي : " وَقُلْنَا إذَا نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً حُرِّمَتْ على ابْنِهِ وَأَبِيهِ وَحُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا بِمَا حَكَيْت من قَوْلِ اللَّهِ عز وجل.
( قال ) فَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أبيه أو ابْنِهِ أو أُمِّ امْرَأَتِهِ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى ، وَلَا تَحْرُمُ عليه امْرَأَتُهُ وَلَا على أبيه ، وَلَا على ابْنِهِ امْرَأَتُهُ لو زَنَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل إنَّمَا حَرَّمَ بِحُرْمَةِ الْحَلَالِ تعزيزا لِحَلَالِهِ وَزِيَادَةً في نِعْمَتِهِ بِمَا أَبَاحَ منه بِأَنْ أَثْبَت بِهِ الْحُرُمَ التي لم تَكُنْ قَبْلَهُ ، وَأَوْجَبَ بها الْحُقُوقَ وَالْحَرَامُ خِلَافُ الْحَلَالِ."
لم يورده الجصاص، وفيه التصريح بعلة تحريم الأصهار من النساء بالدخول بالنكاح الصحيح، وهو قوله "..لأن الله عز وجل إنما حرم بحرمة الحلال تعزيزاً لحلاله، وزيادة في نعمته بما أباح منه..." إلى آخر الكلام. وهذا غاية في الأهمية كما سيأتي معك.
كما أن الشافعي أورد حكم تحريم نكاح الأصهار من النساء بالنكاح الحلال مع أنه ليس موضوع الباب، ليبين الفرق بينه وبين الزنا. وهذا تقعيد لما سيأتي لاحقاً، لأن خصم الشافعي يحتج بقياس الزنا على النكاح الحلال، فيجعل ما يحرم بهذا عين ما يحرم بذاك في المسألة. وإن كان خصمك يستدل بالقياس، فأنت محتاج إلى بيان الفرق بين الأصل والفرع المقيس عليه، فإن بان ذلك بان بطلان هذا القياس.
ثم إنه رحمه الله حكى قول من يخالفه فقال : " وقال بَعْضُ الناس: إذَا زَنَى الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ حُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا وَابْنَتُهَا. وَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أبيه أو ابْنِهِ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا امْرَأَتَاهُمَا، وَكَذَلِكَ إنْ قَبَّلَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ، أو لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ فَهُوَ مِثْلُ الزنا، وَالزِّنَا يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ الْحَلَالَ.
فقال لي: لِمَ قُلْت: إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ الْحَلَالَ؟"
فقول المخالف: والزنا الحرام يحلل ما يحرم الحلال؟ ظاهره الاستدلال بقياس الزنا على النكاح، فيحرم بأحدهما ما يحرم بالآخر.
وهكذا السؤال. فإن معناه كما ترى: لم قلت أن الحرام ليس كالحلال في التحريم. أو لِمَ قلت أن الحرام لا يحرم الحلال، كما قلت في الحلال أنه يحرمه. ونحو ذلك مما يدل بظاهره أنه استفسر الشافعي لِمَ لم يقس أحد الأمرين بالآخر. إذ الحلال في السؤال كما حكاه الشافعي في (الأم) المراد به الدخول الأول بالنكاح، الذي يحرم به نكاح الأصهار من النساء، ولا معنى لذكره لو لم يرد القياس عليه، ولكان يكتفي بقوله: "لِمَ قُلْتَ إن الحرام لا يحرم الحلال؟" كما حكاه الجصاص مغيراً للفظ الشافعي، فإن الحلال في هذا السؤال ليس هو الدخول بالنكاح الأول الذي يحرم به نكاح الأصهار من النساء، بل هو نفس نكاح الأصهار من النساء.
والفرق بين الصيغتين، أن السائل في الأولى يسأل عن سبب المنع من قياس الدخول بالزنا على الدخول بالنكاح. وفي الصيغة الثانية، إنما يسألة عد سبب عدم التحريم بنفس الزنا، من دون نظر إلى حكم نكاح لأصهار بالدخول بالنكاح الصحيح.
فضيع الجصاص فائدة جواب الشافعي، وحاول أن يوهم في أول الحوار أن جواب الشافعي إنما أراد به بيان حكم نكاح أو إمساك أم المزني بها وبناتها وأخواتها وغيرهن ممن حرم الله الجمع بينهن بما سرده من الآيات، وبما ذكره من الفرق بينهما. بينما غرض الشافعي إبطال قياس إحدى المسألتين على الأخرى، لأنه مورد السؤال. وإن لم يتم القياس بقي حكم نكاح المذكورات أو إمساكهن على الأصل، وهو الحل.
فإن لم يقنع القارئ، ورأى أن هذا كله محتمل، فيكفيه أن يرجع إلى حكاية الشافعي للمناظرة برواية المزني عنه حيث قال : "قَالَ لِي قَائِلٌ يَقُولُ : لَوْ قَبَّلَتِ امْرَأَتُهُ ابْنَهُ بِشَهْوَةٍ حَرُمَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَبَدًا ، لِمَ قُلْتَ لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ ؟ قُلْتُ: مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا حَرَّمَ أَمَهَاتِ نِسَائِكُمْ وَنَحْوَهَا بِالنِّكَاحِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ الْحَرَامُ بِالْحَلَالِ"
فبين الشافعي أن جوابه في المناظرة كان على سبيل قطع التسوية بين النكاح والزنا ومنع قياس الأخرى بالأولى.
وعليه فقول الجصاص 3/56 : "تلا الشافعي آية التحريم بالنكاح والدخول، وآية تحريم الزنا، وهذان الحكمان غير مختلف فيهما، أعني إباحة النكاح والدخول وتحريم الزنا، وليس في ذلك دلالة على موضع الخلاف في المسألة" لا معنى له. وذلك أن موضع الخلاف كما قدمناه هو قياس أحد الحكمين على الآخر، وسؤال السائل عنه كما بيناه. لا حكم التحريم بالزنا معزولاً عن التحريم بالدخول بالنكاح الصحيح كما يوهمه الجصاص.
فإن محاور الشافعي بنى المسألة على قياس أحد الحكمين المذكورين على الآخر كما بينته؛ ولم ينازع في أن الآيات لا تشمل الزنا؛ وخالف الشافعيُّ فلم يبني أحد الحكمين على الآخر، فسأله خصمه عن سبب ذلك، فكان بيان افتراق حكم المسألتين كافياً في إبطال ذلك القياس. فتبقى الآية دالة على حل ما ورائها مما لم يذكر، وذلك صريح في قوله تعالى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ }.
وهكذا عامة ما ذكره الجصاص، فإنه بناه على أن الشافعي يتكلم عن حكم التحريم بالزنا استقلالاً، وهو خطأ بين.
فقول الجصاص 3/56 : "لأن إباحة النكاح والدخول وإيجاب التحريم بهما ليس فيه أن التحريم لا يقع بغيرهما، كما لم ينفِ التحريم بالوطئ بملك اليمين"
لا علاقة له بكلام الشافعي أصلاً، لأنه إنما تكلم عن قياس محاوره لإحدى المسألتين بالأخرى، ولم يستدل محاوره بالخبر أو غيره حتى يستدرك عليه بجواز وقوع التحريم بغير القياس. وإنما اقتصر الحوار على بطلان مساواة النكاح والدخول بالزنا، فلا يقاس أحدهما بالآخر. وسيأتي معنا الكلام على الأخبار، وتعلم مدى علم الجصاص بمراتب النصوص. ولعل محاور الشافعي لما عَلِمَ أحوال هذه الأخبار، لم يستحل الاحتجاج بها، مع ما للشافعي من حسن معرفة بالأخبار، وملازمته للعارفين بها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إن استقر عند الشافعي أنه لا يوجد دليل خارجي يخالف ما جاءت به الآيتان، كانتا دليلاً له بالقصر. أي أن الآيتين قصرتا الحكم على الدخول بالنكاح، فغيره لا يدخل في حكمه. وهو من الاستدلال بمفهو المخالفة. فقوله تعالى { وَلَا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُمْ من النِّسَاءِ } دال بمهومه على جواز نكاح ما لم ينكح آباؤنا، وإلا لم يكن للتقييد بالنكاح معنى، وهذا مبني على أن النكاح في الآية بمعنى العقد، وهو كذلك عندنا، وقال تَعَالَى { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ } دليل على جواز نكاح ما لا يحل لأبنائنا. فإن قيل: إن خصم الشافعي لا يقول بمفهوم المخالفة. قلنا: الجواب من وجهين:
الأول: أن الخصم سأل الشافعي لِمَ لم يقس الزنا على النكاح. فهو سؤال عن مذهب الشافعي في هذا القياس، ومذهبه مبني على قواعده، لا على قواعد السائل.
الثاني: أنه على فرض بطلان القول بمفهوم المخالفة، فإيراد الشافعي للآيتين صحيح أيضاً، وذلك أن الآيتين علقتا الحكم بالوطء الحلال، فإيراهما يكون لبيان عدم تعلقهما بالزنا. وهذا كما قال خصمه في زكاة السائمة وغير السائمة، فإن الحنفية مع عدم قولهم بمفهوم المخالفة قالوا ليس في غير السائمة زكاة، لا من جهة أن قوله صلى الله عليه وسلم (في السائمة الزكاة) ينفي الزكاة عن غيرها، بل من جهة عدم شموله لغيرها. فكذلك هنا.
فإن قيل: إن هذا صحيح لو لم يكن ثم دليل آخر دال على دخول حكم الزنا بالنكاح في مسألتنا، ونحن ندعي وجوده.
قلنا: إن كان هو القياس، فقد أبطله الشافعي بما تقدم وسيأتي. وإن كان غيره، فلم يحتج به خصم الشافعي، فلا يُسْتَدْرَكُ به عليه. وسيأتي معك حال هذه الأدلة الخارجية.
هذا وقد أخطأ الجصاص بالتمثيل بملك اليمين، فإن الشافعي علل المنع من القياس الذي استدل به محاوره باختلاف الحكمين حلاً وحرمة، وبأنه يثبت بالنكاح والدخول ما لا يثبت بالزنا من نسب وصهر وألفة وسكن وحُرَم ومواريث ومهر وحق الزوج بالطاعة، وإباحة ما كان محرماً قبل النكاح. وأكثر هذه المعاني ثابت بالوطئ بملك اليمين فهما متفقان في الحل وثبوت النسب والميراث وحق الطاعة وإباحة ما كان محرماً قبل ملك اليمين، وغير ذلك. فثبت أن قياس الموطوءة بملك اليمين بالمدخول بها بعقد النكاح صحيح، بخلاف قياس الزنا بالنكاح والدخول، فتبقى أرحام المزني بها المذكورات آنفاً على أصل الحل بدليل الآية.
هذا على فرض أن ما استدل به الشافعي من كتاب الله لم يشمل ملك اليمين بلفظه، وإلا فإن قوله جل وعلا { تنكحوا } إن كان المراد به الوطء، فهو شامل لما كان بعقد النكاح ولما كان بملك اليمين، وهكذا قوله عز وجل : { وأمهات نسائكم } وقوله : { وحلائل أبنائكم } فإنها تشمل أزواجهم وما ملكت أيمانهم.
فإن قيل : لو فسرتم { تنكحوا } بالوطء، دخل فيه الوطء بالزنا. قلنا: المقابلة بقوله { وحلائل أبنائكم } تمنعه، وإلا كان المعنى أن من زنا بها الأب محرمة عليكم، ومن زنا بها الابن لا تحرم. فإن قيل : نحن نقول تحرم. قلنا : بدليل خارجي غير نظم القرآن. فيبقى النظم ركيكاً دالاً على باطل عندنا وعندكم، وهو حرمة موطوءة الأب بالزنا، وحل موطوءة الإبن بالزنا. فعندنا كل ذلك حلال، وعندكم كل ذلك حرام.
أثناء مطالعتي في منتدانا منتدى الفقه الشافعي، رأيت مشاركة قديمة لأحد المشاركين تحت عنوان (الجصّاص الحنفي عنيف معكم ) يذكر فيها تعقيب للجصاص على مناظرة جرت بين الشافعي وبعضهم، والظاهر أنه محمد بن الحسن الشيبان صاحب أبي حنيفة، حول الزنا هل يحرم به ما يحرم بالنكاح من أم وبنت وأخت وغيرهن أم لا. تعقب فيها على الشافعي بشدة. وختم المشارك مشاركته بقوله : "وكلامه يحتاج إلى رد منكم---فما رأيكم يا شافعيّة؟"
ومع محاولة الأخ المشارك دفع الشافعية للرد على، فلم يفعل الأخوة الشافعية شيئاً سوى التباكي والاعتذار بأن هناك مخطوطات شافعية اعتنت بالردود على الخصوم، فلعلهم ردوا فيها على الجصاص! وأنها لا زالت مخطوطة. وهذا ليس بشيء.
ووجدت في نفس الرغبة في الجواب على ما أورده الجصاص، لما رأيته من صنيع الأخوة الشافعية الموهم بأن الرد عليه متعذر أو متعسر، إلا بخروج تلك المخطوطات التي لعلها تحمل رداً شافياً. مع أن الرد عليه يسير، وما طبع من كتب الشافعية كافٍ وافٍ في بيان ذلك.
فأقول: لا بُدَّ أولاً من إيراد المناظر التي جرت بين الشافعي وبعض الناس بلفظها من كتبه وكتب أصحابه، وتسطير ما حذفه الجصاص مما له تعلق بها، وإرجاع النصوص إلى أصلها، لا كما حكاها الجصاص في بعض المواضع بحيث اختلف معناها، وغمض وجه الاستدلال بها.
قال الشافعي رحمه الله كما في (الأم) 6/398 : "الْخِلَافُ فِيمَا يُؤْتَى بالزنى * وَقُلْنَا إذَا نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً حُرِّمَتْ على ابْنِهِ وَأَبِيهِ وَحُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا بِمَا حَكَيْت من قَوْلِ اللَّهِ عز وجل.
( قال ) فَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أبيه أو ابْنِهِ أو أُمِّ امْرَأَتِهِ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى ، وَلَا تَحْرُمُ عليه امْرَأَتُهُ وَلَا على أبيه ، وَلَا على ابْنِهِ امْرَأَتُهُ لو زَنَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل إنَّمَا حَرَّمَ بِحُرْمَةِ الْحَلَالِ تعزيزا لِحَلَالِهِ وَزِيَادَةً في نِعْمَتِهِ بِمَا أَبَاحَ منه بِأَنْ أَثْبَت بِهِ الْحُرُمَ التي لم تَكُنْ قَبْلَهُ ، وَأَوْجَبَ بها الْحُقُوقَ وَالْحَرَامُ خِلَافُ الْحَلَالِ.
وقال بَعْضُ الناس: إذَا زَنَى الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ حُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا وَابْنَتُهَا. وَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أبيه أو ابْنِهِ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا امْرَأَتَاهُمَا، وَكَذَلِكَ إنْ قَبَّلَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ، أو لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ فَهُوَ مِثْلُ الزنا، وَالزِّنَا يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ الْحَلَالَ.
فقال لي: لِمَ قُلْت: إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ الْحَلَالَ؟
فَقُلْت له: اسْتِدْلَالًا بِكِتَابِ اللَّهِ عز وجل، وَالْقِيَاسُ على ما أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عليه بِمَا هو في مَعْنَاهُ، وَالْمَعْقُولُ، وَالْأَكْثَرُ من قَوْلِ أَهْلِ دَارِ السُّنَّةِ وَالْهِجْرَةِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ.
قال : فَأَوْجَدَنِي ما وَصَفْت.
قُلْت قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَلَا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُمْ من النِّسَاءِ } وقال تَعَالَى { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ } وقال { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي في حُجُورِكُمْ من نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } أَفَلَسْت تَجِدُ التَّنْزِيلَ إنَّمَا حَرَّمَ من سَمَّى بِالنِّكَاحِ أو النِّكَاحِ وَالدُّخُولِ؟
قال: بَلَى.
قُلْت أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسمه حَرَّمَ بِالْحَلَالِ شيئا، فَأُحَرِّمُهُ بِالْحَرَامِ؟ وَالْحَرَامُ ضِدُّ الْحَلَالِ!
فقال لي: فما فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؟
قُلْت: فَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا.
قال: فَأَيْنَ؟
قُلْت: وَجَدْت اللَّهَ عز وجل نَدَبَ إلَى النِّكَاحِ وَأَمَرَ بِهِ، وَجَعَلَهُ سَبَبَ النَّسَبِ، وَالصِّهْرِ، وَالْأُلْفَةِ، وَالسَّكَنِ، وَأَثْبَتَ بِهِ الْحُرُمَ، وَالْحَقَّ لِبَعْضٍ على بَعْضٍ بِالْمَوَارِيثِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالْمَهْرِ، وَحَقِّ الزَّوْجِ بِالطَّاعَةِ، وَإِبَاحَةِ ما كان مُحَرَّمًا قبل النِّكَاحِ.
قال: نعم.
قُلْت: وَوَجَدْت اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الزنى فقال { وَلَا تَقْرَبُوا الزنى إنَّهُ كان فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا }.
فقال أَجِدُ جِمَاعًا وَجِمَاعًا فَأَقِيسُ أَحَدَ الْجِمَاعَيْنِ بِالْآخَرِ.
قُلْت: فَقَدْ وَجَدْت جِمَاعًا حَلَالًا حَمِدْت بِهِ وَوَجَدْت جِمَاعًا حَرَامًا رَجَمْت بِهِ صَاحِبَهُ، أَفَرَأَيْتُك قِسْته بِهِ." انتهى المراد نقله. (الأم) 6/398-399.
قول الشافعي : " وَقُلْنَا إذَا نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً حُرِّمَتْ على ابْنِهِ وَأَبِيهِ وَحُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا بِمَا حَكَيْت من قَوْلِ اللَّهِ عز وجل.
( قال ) فَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أبيه أو ابْنِهِ أو أُمِّ امْرَأَتِهِ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى ، وَلَا تَحْرُمُ عليه امْرَأَتُهُ وَلَا على أبيه ، وَلَا على ابْنِهِ امْرَأَتُهُ لو زَنَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل إنَّمَا حَرَّمَ بِحُرْمَةِ الْحَلَالِ تعزيزا لِحَلَالِهِ وَزِيَادَةً في نِعْمَتِهِ بِمَا أَبَاحَ منه بِأَنْ أَثْبَت بِهِ الْحُرُمَ التي لم تَكُنْ قَبْلَهُ ، وَأَوْجَبَ بها الْحُقُوقَ وَالْحَرَامُ خِلَافُ الْحَلَالِ."
لم يورده الجصاص، وفيه التصريح بعلة تحريم الأصهار من النساء بالدخول بالنكاح الصحيح، وهو قوله "..لأن الله عز وجل إنما حرم بحرمة الحلال تعزيزاً لحلاله، وزيادة في نعمته بما أباح منه..." إلى آخر الكلام. وهذا غاية في الأهمية كما سيأتي معك.
كما أن الشافعي أورد حكم تحريم نكاح الأصهار من النساء بالنكاح الحلال مع أنه ليس موضوع الباب، ليبين الفرق بينه وبين الزنا. وهذا تقعيد لما سيأتي لاحقاً، لأن خصم الشافعي يحتج بقياس الزنا على النكاح الحلال، فيجعل ما يحرم بهذا عين ما يحرم بذاك في المسألة. وإن كان خصمك يستدل بالقياس، فأنت محتاج إلى بيان الفرق بين الأصل والفرع المقيس عليه، فإن بان ذلك بان بطلان هذا القياس.
ثم إنه رحمه الله حكى قول من يخالفه فقال : " وقال بَعْضُ الناس: إذَا زَنَى الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ حُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا وَابْنَتُهَا. وَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أبيه أو ابْنِهِ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا امْرَأَتَاهُمَا، وَكَذَلِكَ إنْ قَبَّلَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ، أو لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ فَهُوَ مِثْلُ الزنا، وَالزِّنَا يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ الْحَلَالَ.
فقال لي: لِمَ قُلْت: إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ الْحَلَالَ؟"
فقول المخالف: والزنا الحرام يحلل ما يحرم الحلال؟ ظاهره الاستدلال بقياس الزنا على النكاح، فيحرم بأحدهما ما يحرم بالآخر.
وهكذا السؤال. فإن معناه كما ترى: لم قلت أن الحرام ليس كالحلال في التحريم. أو لِمَ قلت أن الحرام لا يحرم الحلال، كما قلت في الحلال أنه يحرمه. ونحو ذلك مما يدل بظاهره أنه استفسر الشافعي لِمَ لم يقس أحد الأمرين بالآخر. إذ الحلال في السؤال كما حكاه الشافعي في (الأم) المراد به الدخول الأول بالنكاح، الذي يحرم به نكاح الأصهار من النساء، ولا معنى لذكره لو لم يرد القياس عليه، ولكان يكتفي بقوله: "لِمَ قُلْتَ إن الحرام لا يحرم الحلال؟" كما حكاه الجصاص مغيراً للفظ الشافعي، فإن الحلال في هذا السؤال ليس هو الدخول بالنكاح الأول الذي يحرم به نكاح الأصهار من النساء، بل هو نفس نكاح الأصهار من النساء.
والفرق بين الصيغتين، أن السائل في الأولى يسأل عن سبب المنع من قياس الدخول بالزنا على الدخول بالنكاح. وفي الصيغة الثانية، إنما يسألة عد سبب عدم التحريم بنفس الزنا، من دون نظر إلى حكم نكاح لأصهار بالدخول بالنكاح الصحيح.
فضيع الجصاص فائدة جواب الشافعي، وحاول أن يوهم في أول الحوار أن جواب الشافعي إنما أراد به بيان حكم نكاح أو إمساك أم المزني بها وبناتها وأخواتها وغيرهن ممن حرم الله الجمع بينهن بما سرده من الآيات، وبما ذكره من الفرق بينهما. بينما غرض الشافعي إبطال قياس إحدى المسألتين على الأخرى، لأنه مورد السؤال. وإن لم يتم القياس بقي حكم نكاح المذكورات أو إمساكهن على الأصل، وهو الحل.
فإن لم يقنع القارئ، ورأى أن هذا كله محتمل، فيكفيه أن يرجع إلى حكاية الشافعي للمناظرة برواية المزني عنه حيث قال : "قَالَ لِي قَائِلٌ يَقُولُ : لَوْ قَبَّلَتِ امْرَأَتُهُ ابْنَهُ بِشَهْوَةٍ حَرُمَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَبَدًا ، لِمَ قُلْتَ لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ ؟ قُلْتُ: مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا حَرَّمَ أَمَهَاتِ نِسَائِكُمْ وَنَحْوَهَا بِالنِّكَاحِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ الْحَرَامُ بِالْحَلَالِ"
فبين الشافعي أن جوابه في المناظرة كان على سبيل قطع التسوية بين النكاح والزنا ومنع قياس الأخرى بالأولى.
وعليه فقول الجصاص 3/56 : "تلا الشافعي آية التحريم بالنكاح والدخول، وآية تحريم الزنا، وهذان الحكمان غير مختلف فيهما، أعني إباحة النكاح والدخول وتحريم الزنا، وليس في ذلك دلالة على موضع الخلاف في المسألة" لا معنى له. وذلك أن موضع الخلاف كما قدمناه هو قياس أحد الحكمين على الآخر، وسؤال السائل عنه كما بيناه. لا حكم التحريم بالزنا معزولاً عن التحريم بالدخول بالنكاح الصحيح كما يوهمه الجصاص.
فإن محاور الشافعي بنى المسألة على قياس أحد الحكمين المذكورين على الآخر كما بينته؛ ولم ينازع في أن الآيات لا تشمل الزنا؛ وخالف الشافعيُّ فلم يبني أحد الحكمين على الآخر، فسأله خصمه عن سبب ذلك، فكان بيان افتراق حكم المسألتين كافياً في إبطال ذلك القياس. فتبقى الآية دالة على حل ما ورائها مما لم يذكر، وذلك صريح في قوله تعالى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ }.
وهكذا عامة ما ذكره الجصاص، فإنه بناه على أن الشافعي يتكلم عن حكم التحريم بالزنا استقلالاً، وهو خطأ بين.
فقول الجصاص 3/56 : "لأن إباحة النكاح والدخول وإيجاب التحريم بهما ليس فيه أن التحريم لا يقع بغيرهما، كما لم ينفِ التحريم بالوطئ بملك اليمين"
لا علاقة له بكلام الشافعي أصلاً، لأنه إنما تكلم عن قياس محاوره لإحدى المسألتين بالأخرى، ولم يستدل محاوره بالخبر أو غيره حتى يستدرك عليه بجواز وقوع التحريم بغير القياس. وإنما اقتصر الحوار على بطلان مساواة النكاح والدخول بالزنا، فلا يقاس أحدهما بالآخر. وسيأتي معنا الكلام على الأخبار، وتعلم مدى علم الجصاص بمراتب النصوص. ولعل محاور الشافعي لما عَلِمَ أحوال هذه الأخبار، لم يستحل الاحتجاج بها، مع ما للشافعي من حسن معرفة بالأخبار، وملازمته للعارفين بها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إن استقر عند الشافعي أنه لا يوجد دليل خارجي يخالف ما جاءت به الآيتان، كانتا دليلاً له بالقصر. أي أن الآيتين قصرتا الحكم على الدخول بالنكاح، فغيره لا يدخل في حكمه. وهو من الاستدلال بمفهو المخالفة. فقوله تعالى { وَلَا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُمْ من النِّسَاءِ } دال بمهومه على جواز نكاح ما لم ينكح آباؤنا، وإلا لم يكن للتقييد بالنكاح معنى، وهذا مبني على أن النكاح في الآية بمعنى العقد، وهو كذلك عندنا، وقال تَعَالَى { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ } دليل على جواز نكاح ما لا يحل لأبنائنا. فإن قيل: إن خصم الشافعي لا يقول بمفهوم المخالفة. قلنا: الجواب من وجهين:
الأول: أن الخصم سأل الشافعي لِمَ لم يقس الزنا على النكاح. فهو سؤال عن مذهب الشافعي في هذا القياس، ومذهبه مبني على قواعده، لا على قواعد السائل.
الثاني: أنه على فرض بطلان القول بمفهوم المخالفة، فإيراد الشافعي للآيتين صحيح أيضاً، وذلك أن الآيتين علقتا الحكم بالوطء الحلال، فإيراهما يكون لبيان عدم تعلقهما بالزنا. وهذا كما قال خصمه في زكاة السائمة وغير السائمة، فإن الحنفية مع عدم قولهم بمفهوم المخالفة قالوا ليس في غير السائمة زكاة، لا من جهة أن قوله صلى الله عليه وسلم (في السائمة الزكاة) ينفي الزكاة عن غيرها، بل من جهة عدم شموله لغيرها. فكذلك هنا.
فإن قيل: إن هذا صحيح لو لم يكن ثم دليل آخر دال على دخول حكم الزنا بالنكاح في مسألتنا، ونحن ندعي وجوده.
قلنا: إن كان هو القياس، فقد أبطله الشافعي بما تقدم وسيأتي. وإن كان غيره، فلم يحتج به خصم الشافعي، فلا يُسْتَدْرَكُ به عليه. وسيأتي معك حال هذه الأدلة الخارجية.
هذا وقد أخطأ الجصاص بالتمثيل بملك اليمين، فإن الشافعي علل المنع من القياس الذي استدل به محاوره باختلاف الحكمين حلاً وحرمة، وبأنه يثبت بالنكاح والدخول ما لا يثبت بالزنا من نسب وصهر وألفة وسكن وحُرَم ومواريث ومهر وحق الزوج بالطاعة، وإباحة ما كان محرماً قبل النكاح. وأكثر هذه المعاني ثابت بالوطئ بملك اليمين فهما متفقان في الحل وثبوت النسب والميراث وحق الطاعة وإباحة ما كان محرماً قبل ملك اليمين، وغير ذلك. فثبت أن قياس الموطوءة بملك اليمين بالمدخول بها بعقد النكاح صحيح، بخلاف قياس الزنا بالنكاح والدخول، فتبقى أرحام المزني بها المذكورات آنفاً على أصل الحل بدليل الآية.
هذا على فرض أن ما استدل به الشافعي من كتاب الله لم يشمل ملك اليمين بلفظه، وإلا فإن قوله جل وعلا { تنكحوا } إن كان المراد به الوطء، فهو شامل لما كان بعقد النكاح ولما كان بملك اليمين، وهكذا قوله عز وجل : { وأمهات نسائكم } وقوله : { وحلائل أبنائكم } فإنها تشمل أزواجهم وما ملكت أيمانهم.
فإن قيل : لو فسرتم { تنكحوا } بالوطء، دخل فيه الوطء بالزنا. قلنا: المقابلة بقوله { وحلائل أبنائكم } تمنعه، وإلا كان المعنى أن من زنا بها الأب محرمة عليكم، ومن زنا بها الابن لا تحرم. فإن قيل : نحن نقول تحرم. قلنا : بدليل خارجي غير نظم القرآن. فيبقى النظم ركيكاً دالاً على باطل عندنا وعندكم، وهو حرمة موطوءة الأب بالزنا، وحل موطوءة الإبن بالزنا. فعندنا كل ذلك حلال، وعندكم كل ذلك حرام.
تعليق