[align=justify]إِنَّمَا اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ فِي الْمَسْحِ عَلَى النَّعْلَيْنِ أَنْ يُلْبَسَا عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ ; لِأَنَّ نِعَالَهُمْ لَمْ تَكُنْفَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تُلْبَسَ عَلَى الْجَوَارِبِ عَلَى أَنَّهَا تُلْبَسُ عَلَيْهَا غَالِبًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْجَوَارِبَ هِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا عَامَّةُ الْمِصْرِيِّينَ (شَرَابَاتٍ) وَعَامَّةُ الشَّوَامِ (قَلَاشِينَ) وَكُلُّ مَا يَسْتُرُ الرِّجْلَيْنِ يُمْسَحُ عَلَيْهِ لَا عِبْرَةَ بِالْأَسْمَاءِ وَالْأَجْنَاسِ، وَمَا دَامَ السَّاتِرُ يُلْبَسُ عَادَةً يُمْسَحُ عَلَيْهِ، لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ حُدُوثُ الْخُرُوقِ فِيهِ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَمْسَحُونَ فِي الْأَسْفَارِ الطَّوِيلَةِ; كَسَفَرِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَلَا يُعْقَلُ أَنْ تَخْلُوَ خِفَافُهُمْ مِنَ الْخُرُوقِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا نُهِيَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى خُفٍّ فِيهِ خُرُوقٌ، وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَتَوَافَرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَلَكِنْ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَعِيشُونَ فِي حَوَاضِرِ الْأَمْصَارِ ذَاتِ السِّعَةِ وَالْيَسَارِ; كَبَغْدَادَ وَمِصْرَ وَالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ شَدَّدُوا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ .
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي فَتْوَى لَهُ: " وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَدِ اشْتَرَطَ فِيهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ شَرْطَيْنِ: ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ضَعْفُ هَذَا الشَّرْطِ ( أَيْ: مِنْ كَلَامٍ لَهُ فِي أَوَّلِ الْفَتْوَى بَيَّنَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ فِي الْمَسْحِ، وَلِلْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ مِنْ حَالِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ آنِفًا وَلِلْقِيَاسِ)، (وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ ، وَقَدِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِشَدِّهِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ أَوْ خَيْطٍ مُتَّصِلٍ بِهِ أَوْ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لَمْ يُمْسَحْ، وَإِنْ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ لَا يَسْتُرُ جَمِيعَ الْمَحَلِّ إِلَّا بِالشَّدِّ (كَالزُّرْبُولِ) الطَّوِيلِ الْمَشْقُوقِ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ لَا يَسْتُرُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّا بِالشَّدِّ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُمْسَحُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ، بَلِ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتَا بِأَنْفُسِهِمَا بَلْ بِنَعْلَيْنِ تَحْتَهُمَا، وَأَنَّهُ يُمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مَا لَمْ يَخْلَعِ النَّعْلَيْنِ (أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ هَذَا فِي الْجَوْرَبَيْنِ اللَّذَيْنِ يَثْبُتَانِ بِأَنْفُسِهِمَا كَالْجَوَارِبِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ)".[/align]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي فَتْوَى لَهُ: " وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَدِ اشْتَرَطَ فِيهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ شَرْطَيْنِ: ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ضَعْفُ هَذَا الشَّرْطِ ( أَيْ: مِنْ كَلَامٍ لَهُ فِي أَوَّلِ الْفَتْوَى بَيَّنَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ فِي الْمَسْحِ، وَلِلْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ مِنْ حَالِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ آنِفًا وَلِلْقِيَاسِ)، (وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ ، وَقَدِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِشَدِّهِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ أَوْ خَيْطٍ مُتَّصِلٍ بِهِ أَوْ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لَمْ يُمْسَحْ، وَإِنْ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ لَا يَسْتُرُ جَمِيعَ الْمَحَلِّ إِلَّا بِالشَّدِّ (كَالزُّرْبُولِ) الطَّوِيلِ الْمَشْقُوقِ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ لَا يَسْتُرُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّا بِالشَّدِّ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُمْسَحُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ، بَلِ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتَا بِأَنْفُسِهِمَا بَلْ بِنَعْلَيْنِ تَحْتَهُمَا، وَأَنَّهُ يُمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مَا لَمْ يَخْلَعِ النَّعْلَيْنِ (أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ هَذَا فِي الْجَوْرَبَيْنِ اللَّذَيْنِ يَثْبُتَانِ بِأَنْفُسِهِمَا كَالْجَوَارِبِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ)".[/align]
تعليق