جاء في شرح رسالة ابن زيدون لابن نباته أن النغم فضل بقي من المنطق لم يقدر اللسان على إخراجه، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيح بمد الصوت وإمالته لا على التقطيع كأصوات الهجاء، فلما ظهر عشقته النفس وحنت إليه الروح. ألا ترى أهل الصناعات كلها إذا خافوا الملالة والفتور على أبدانهم ترنموا بالألحان واستراحت إليه أنفسهم وليس من أحد كائنا من كان إلا وهو يطرب من صوت نفسه، بل إن ذلك ربما تجاوز أمثال أولئك الصناع إلى عظماء الرجال فقد روي عن عبد الله بن عوف قال: أتيت باب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسمعته يغني بالركابية يقول:
فكيف ثوائي بالمدينة بعدما --- قضى وطرا منها جميل بن معمر
وكان جميل بن معمر من أخصاء عمر، قال: فلما استأذنت عليه قال لي:
أسمعت ما قلت؟ قلت: نعم، قال: إنا إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم، وروى العلامة المنعم أبو إسحاق الشاطبي في كتاب البدع أنه انتهى لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن إماما إذا فرغ من صلاته تغني فذهب إليه وقال: بلغني عنك أمر، وذكر ما بلغه عنه فقال: لا يا أمير المؤمنين ولكنها عظة أعظ بها نفسي. وقال عمر: قلها فإن كان كلاما حسنا قلت معك وإن كان قبيحا نهيتك عنه، قال :
وفؤادي كلما عاتبته --- في صد الهجران يبغي تعبي
لا أراه الدهر إلا لاهيا --- في تهاديه فقد برح بي
يا قرين السوء ما هذا الصبا --- فني العمر كذا في اللعب
وشباب بان عني فمضى --- قبل أن أقضي منه إربي
ما أرجى بعده إلا لفنا --- ضيق الشيب عني مطلبي
ويح نفس لا أراها أبدا --- في جميل لا ولا في أدب
نفس. لا كنت ولا كان الهوى --- راقبي المولى وخافي وارهبي
قال عمر رضي الله تعالى عنه، نفسي لا كنت. وأعاد البيت الأخير ثم قال: على هذا فليغنّ من غنّى.
على أن الصوت الحسن مركوز حبه في طبائع الإنسان وله أعظم وقع في القلوب. وهو أشد اختلاسا للعقول، وهل على الأرض من جبان مستطار الفؤاد يغني بقول جرير :
قل للجبان إذا تأخر سرجه --- هل أنت من شرك المنية ناجي
إلا شاش وشجعته نفسه وقوي قلبه؟
أم هل على الأرض من بخيل قد انقبضت أطرافه يوما يغني بقول حاتم الطائي :
يرى البخيل سبيل المال واحدة --- إن الجواد يرى في ماله سبلا
إلا انبسطت أنامله ورشحت أطرافه؟
ثم انظر إلى الطير والبهائم فتراها تحن إلى حسن الصوت، والنحل أطرب الحيوان كله على الغناء، قال الشاعر :
والطير يسوقه للموت --- إصغاؤه إلى حنين الصوت
وها نحن نرى الراعي إذا رفع صوته ونفخ في يراعته (قصبته) تلقته الغنم بآذانها، وجدت في رعيها. والدابة تعاف الماء، فإذا سمعت الصفير بالغت في الشرب، والإبل تزداد في نشاطها وقوتها بالحداء فترفع آذانها وتتبختر في مشيتها.
حتى قال سلام الحادي للمنصور (أبوجعفر المنصور) وكان يضرب المثل بحدائه: مر يا أمير المؤمنين بأن يظمؤا إبلا ثم يوردوها الماء، فإني آخذ في الحداء فترفع رؤوسها، وتترك الشرب على ظمئها.
أصل الحداء:
قال في القاموس ما كان للناس حداء، وضرب أعرابي غلامه وعض أصابعه فمشى وهو يقول دي، دي (أراد يا يدي) فسارت الإبل على صوته، فقال له الزمه، وخلع عليه.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مال ذات ليلة بطريق مكة إلى حاد مع قوم فسلم عليهم فقال: إن حادينا ونى (تعب) وفي رواية نام فسمعنا حاديكم فملت إليكم.
وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاد يقال له أنجشة يحدو فتعنق الإبل (العنق بفتحتين نوع من السير سريع فسيح) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يا أنجشة رويدك رفقا بالقوارير"
وفي حديث سلمة بن الأكوع قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك. وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم ويقول :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا --- ولا تصدقنا ولا صلينا
فالقين سكينة علينا --- وثبت الأقدام إن لاقينا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هذا السائق؟" قالوا: عامر بن الأكوع فقال: "يرحمه الله"
حكم الغناء:
تكلم الناس في الغناء فأطالوا، فمنهم من حرمه ومنهم من أباحه من غير كراهة، ومنهم من كرهه مع الإباحة.
وإذا نظرنا إلى ما قررناه سابقا وعلمنا أنه مركوز في طبيعة الإنسان والحيوان، ورأينا الحداء واقعا في زمنه صلى الله عليه وسلم، بل إن نساء المدينة استقبلن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قدم إليها بالإنشاد بالدف والألحان حيث قلن:
طلع البدر علينا --- من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا --- ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا --- جئت بالأمر المطاع
مع ما روي في الصحيحين من حديث عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى يدففان ويضربان والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه قال: "دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد".
وما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت عندنا جارية يتيمة من الأنصار فزوجناها رجلا من الأنصار فكنت فيمن أهداها إلى زوجها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الأنصار أناس فيهم غزل فما قلت؟" قالت: دعونا بالبركة، قال: "أفلا قلتم:
أتيناكم أتيناكم --- فحيونا نحييكم
ولولا الذهب الأحمر --- ما حلت بواديكم
ولولا الحبة السمرا --- ء لم تسمن عذاريكم"
وفي رواية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: "أهديتم الجارية لبيتها؟" قالت: نعم، قال: "فهل بعثتم معها من يغنيهم فيقول:
أتيناكم أتيناكم --- فحيونا نحييكم
فإن الأنصار قوم فيهم غزل"
حكمنا بإباحة أصل الغناء، وبأنه لا بأس به إذا لم يكن فيه أمر محرم، وأنه لا يكره السماع عند العرس والوليمة والعقيقة وغيرها، فإن فيه تحريكا لزيادة سرور مباح أو مندوب.
تعليق