الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وبعد ..
فإن الكثير من أهل هذا الزمان استروحوا فتوى شاذة، جاءت من إمام المالكية في زمانه الإمام القاضي أبو بكر بن العربي المعافري، صاحب أحكام القرآن.
وفتواه هذه في إباحة أكل ما قتله النصارى وأكلوه .. وقد أثارت فتوى هذا الإمام كلاماً كثيراً منذ صدورها، ولم يقبلها أهل المذهب المالكي، ومن عليه الفتوى والمعول..
وقد وجدت تعليقاً طويلاً للإمام الرهوني رحمه الله تعالى، في حاشيته على شرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل، فأحببت نقله لكم، للفائدة .. والله الموفق ..
=======================
فرع: في ق ما نصه: (انظر ما عقروه من الإنسي وقالوا: إنه ذكي عندهم كان سيدي ابن سراج رحمه الله يقول: أما على مذهب المدونة أنا لا نستبيح الوحشي بعقرهم، فمن باب أولى الإنسي، وعلى القول بالإباحة علله اللخمي بأنه ذكاة عندنا، وعقرهم الإنسي ليس بذكاة عندنا، فلا نستبيحه بذلك، فما وقع لابن العربي هفوة، وقد اتبع الفقهاء في أحكام القرآن وغيره من كتبه) اهـ منه بلفظه.
تنبيهات: الأول: ما نَسَبَه ابنُ سِرَاجٍ لأحكام ابن العربي من أنه اتبع الفقهاء في حُرمَة ما عقروه وقالوا: إنه ذكي عندهم فيه نظر، وإن سلَّمه ق وغيره، لأن الذي في الأحكام في هذا هو حِلِّية الأكل لا حرمته، وإنما ذكر الحرمة فيما إذا فعلوا ذلك وهم يرون أنه ليس بذكاة عندهم، وبجلب كلامه يتضح لك الحق.
قال عند قوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات ...) الآية ما نصه:
[فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس؟ فالجواب: إن هذه ميتة، وهي حرام بالنص، فإن أكلوها لا نأكلها نحن كالخنزير، فإنه حلال لهم ومن طعامهم، وهو حرام علينا، فهذا مثله والله أعلم.
ثم قال بعد بقريب ما نصه: المسألة السابعة: قوله تعالى: (أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلِّبِينَ) (أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) دليل قاطع على أن الصيد وطعام الذين أوتوا الكتاب من الطيبات التي أباحها الله، وهو الحلال المطلق، وإنما كرره الله تعالى ليرفع الشكوك ويزيل الاعتراضات، ولكن الخواطر الفاسدة التي توجب الاعتراضات وتخرج إلى تطويل القول. ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها هل تؤكل معه أو تؤخذ منه طعاماً؟، وهي المسألة الثامنة، فقلتُ: تؤكل؛ لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكنَّ الله أباح طعامهم مطلقاً، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا، إلا ما كذبهم الله فيه، ولقد قال علماؤنا: إنهم يعطوننا أولادهم ونساءهم ملكاً في الصلح، فيحل لنا وطؤهم، فكيف لا نأكل ذبائحهم، والأكل دون الوطء في الحل والحرمة؟] اهـ منها بلفظها فتأمل يظهر لك ما قلناه.
الثاني: ظاهر كلام ابن العربي التعارض، ولكن جمع بينهما ابن عرفة، ونصه: (وقول ابن عبد السلام: أجاز ابن العربي أكل ما قتله الكتابيّ، ولو رأيناه يقتل الشاة؛ لأنه من طعامهم، يُردُّ بأن ظاهره نوى بذلك الذكاة أو لا، وليس كذلك. فنقل جميع ما تقدم عنه مختصراً، وقال ما نصه: قلتُ: فحاصله أن ما يرونه مذكىً عندهم يحل لنا أكله وإن لم تكن ذكاته عندنا ذكاة) اهـ منه فتأمله.
الثالث: قول ابن سراج: (إن ما لابن العربي هفوة) خالف فيه ما قاله شيخه أبو عبد الله الحفار، ففني نوازل الذكاة من المعيار من جواب له ما نصه:
(وقفتُ على السؤال فوق هذا، والجواب عن مسألة فك النصراني رقبة الدجاجة هل يأكلها المسلم معه أو يأخذها منه، فأفتى القاضي أبو بكر بن العربي بجواز ذلك، فلم يزل الطلبة والشيوخ يستشكلونها، ولا إشكال فيها عند التأمل؛ لأن الله أباح لنا أكل طعامهم الذي يستحلونه في دينهم على الوجه الذي أبيح لهم من ذكاة فيما شرعت لهم فيه الذكاة على الوجه الذي شرعت، ولا يشترط أن تكون ذكاتهم موافقة لذكاتنا في ذلك الحيوان المذكى، ولا يستثنى من ذلك إلا ما حرمه الله علينا على الخصوص كالخنزير وإن كان من طعامهم ويستحلونه بالذكاة التي يستحلون بها بهيمة الأنعام، وكالميتة، وأما ما لم يحرم علينا على الخصوص فهو مباح لنا كسائر أطعمتهم، وكل ما يفتقر إلى الذكاة من الحيوانات فإذا ذكوه على مقتضى دينهم حلَّ لنا أكله، ولا يشترط في ذلك موافقة ذكاتهم لذكاتنا، وذلك رخصة من الله وتيسير علينا، فإذا كانت الذكاة تختلف في شريعتنا فتكون ذبحاً في بعض الحيوانات، ونحراً في بعض، وعقراً في بعض، وقطع عضو كرأس وشبهه كما هي في ذكاة الجراد، ووضع في ماء حارٍّ كذلك كالحلزون، فإذا كان هذا الاختلاف موجوداً بالنسبة إلى الحيوانات، فكذلك قد يكون شرعاً في غير ملتنا سلُّ عنق الحيوان على الذكاة، فإذا اجترأ الكتابي بذلك أكلنا طعامه، كما أذن لنا ربنا سبحانه، ولا يلزمنا أن نبحث عن شريعتهم في ذلك، بل إذا رأينا ذوي دينهم يستحلون ذلك أكلنا، كما قال القاضي؛ لأنها طعام أحبارهم ورهبانهم. وإنما وقع الإشكال في هذه المسألة لما كان سل عنق الحيوان عندنا لا يستباح به أكل الحيوان، بل يصير ميتة، فصارت الطباع نافرة عن الحيوان المفعول به ذلك، فحين أباح القاضي ذلك من طعام أهل الكتاب وقع استشكاله، ولا إشكال فيه على ما قررته، وعلى المحمل الذي ذكرته حمله بعض أئمتنا المتأخرين المحققين.
وأما الذي كذبهم الله فيه، فمن أمثلته الربا، فإن اليهودي يعمل بالربا ويستحله ويأكله، فهو من طعامه ولا نستحله ولا نأكله؛ لأن الله قد كذبهم في ادعائهم حليته في قوله تعالى: (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه) فهو جواب القاضي في المسألتين.
وأما قولكم: هل ذلك قول في المذهب؟ وهل تجوز به الفتيا أم لا؟
فهذا كلام منكر مشكل؛ لأن ظاهره أنه يفتي به من تعاطى من المسلمين ذلك، ولا خلاف أن المسلم إذا سلَّ عنق الدجاجة أو غيرها من الحيوانات أنها ميتة، وإنما كلام القاضي في المسألة إذا كان مع كتابي، ففعل الكتابي ذلك، هل يأكل المسلم من ذلك الطعام أم لا؟ فقال القاضي: يجوز للمسلم أكله، لا أن المسلم يفعل ذلك بالحيوان، فقولكم: هل ذلك قولٌ في المذهب؟ وهل يجوز الفتوى به كلام غير محصل، بل أهل المذهب كلهم يقولون: إن أكل طعام أهل الكتاب حلالٌ لنا إلا ما خصَّ من ذلك، كما تقدم، فهذه المسألة مما لا يختلف فيها، ولا يتوقف على الفتيا بها، إنما وقع استشكال كلام القاضي ولا إشكال فيه إذا تؤمل على الوجه الذي قرر) اهـ منه بلفظه.
ولم يتعقبه مؤلف المعيار بشيء، ونقله الزياتي أيضاً وسلمه، ونقله بب بالمعنى وقال عقبه ما نصه: اهـ ملخصاً فتأمله.
قلتُ: وفيه نظرٌ من وجوه:
الأول: قوله: (إنه يقبل قول أحبارهم ورهبانهم أن ذلك حلالٌ عندهم، ويصدقون فيه)، إذ كيف يقبل قولهم بعد إخبار الله تعالى عنهم بأنهم حرفوا وبدلوا حسبما أفصحت بذلك الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة النبوية، وقد ثبت في أصح الصحيح كذبهم بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم غير ما مرة، مع علمهم بصدق نبوته، وتوقعهم تكذيب الله إياهم بإعلامه نبيه بذلك، فلم يخشوا الفضيحة مع وقوع تكذيبهم، ثم يعترفون به، فكيف بغير النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي أصح الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذين أنزل إلينا وأنزل إليكم) فتصديقهم فيما ذكر مخالفٌ للأدلة والقواعد، فلا سبيل إليه إلا بنص أو شاهد.
تعليق