بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجه ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما اثنيت على نفسك، وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد..
فلعل مقدمات يتفق عليها :
- الانبثاق من الدليل إجمالا هو حال المؤمن، بل هو شرط الإيمان، وهو التلبس بحاكمية الله على الناس، فلا حكم إلا حكم الله، الذي علمناه في كتابه أو من خلال سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما قيس عليهما، أو ما أجمع المسلمون عليه، فهو حكم الله، أو ما تفرع على تلك الأدلة من أدلة فرعية تنثبق عنها ولا تستقل.
- المقلد هو من لا يتحقق فيه العلم وصفا نفسيا، بحيث يكون أهلا لمعرفة الأحكام من أصولها، مدركا لمسائل العلم لا ناقلا لها أو غير مدرك لوجه استخراجها.
- لا يمتنع عقلا ولا واقعا أن يتعرف المقلد على الأدلة، أن يعرف النصوص ذاتها، سواء بالإخبار أو بالقراءة، ولكنه دون التأهيل لاستخراج النتائج من الأصول، فلا تكون معرفته للأدلة إلا كمعرفته للنتائج (الأحكام) فلا يخرج عن وصف التقليد، ففعله هو حفظ للأدلة كما هو حفظ للأحكام، ولم يختلف الناس على لزوم التفقه لمن يحملون الحديث، فلم يعدوا معرفة النصوص في نفسها فقها.
- الحافظ للأقوال الناقل لها ولو كثرت لا يعد عالما، وإنما هو حافظ، ولا يقال للمرء عالما إلا إن كان العلم وصفا نفسانيا له، بحيث يتأهل لإنتاج الأحكام، باستدلال وإعمال صحيحين في الجملة.
وعلى أساس تلك الحقائق والمقدمات، فإن معرفة الدليل، في صورتها التي يتبناها البعض من المتحمسين ممن نحسن الظن ببعضهم - في زماننا، ويجعلونها عملا مخرجا من ربقة التقليد، لا تعد علما، ولا يخرجون بذلك من ربقة التقليد بحال، وإنما هم مقلدون في كل صورهم، حيث لم يتحقق لهم ما يرفع عنهم رسم المقلد.
وأساس بطلان دعواهم رفع التقليد عن أنفسهم هو زعمهم العمل بمعرفة بالدليل، ومعرفة الدليل لا تعد رافعة لوصف التقليد؛ حيث إن المعرفة المجردة والتي تعني الحفظ لا تعد علما، ولا تجعل صاحبها عالما، ولا يزيد حفظه للنصوص عن حقيقة حفظه للأحكام، وإنما الرافع للتقليد هو ملكة الآلة التي ينتجون بها الأحكام من أدلتها. وبين الصورتين فارق جليّ. فما يزيد حال الحافظ للدليل عن الحافظ للأحكام، إلا أن ينتج الحكم من الدليل، بآلة الاجتهاد، من اللغة ومعرفة وجوه القياس وما ذكره أهل العلم من آلة المجتهد، فيتحقق لدى المجتهد (الدليل) و (آلة الاجتهاد) و (الأحكام الناتجة) وبالثاني يستخرج الثالث من الأول. وأما حفظ الأول والثالث فهو شأن المقلد، بالفعل أو بالقوة القريبة، فيقدر عليه آحاد الناس، ومن يوصفون بالحافظة، ولا يكونون علماء، لعدم الصفة النفسية في استخراج العلوم. وأما مجرد رصف الثاني بجوارالأول في الذهن، وإلحاقه به دون رابط الملكة والاجتهاد، فلا يرفع عن صاحبه وصف التقليد.
وأذكر في هذا البيان حوارا دار منذ ما يقرب من تسع سنوات مع واحد من خاصة طلبة أحد أشهر المعتنين بعلوم الحديث بمصر، وهو أي الطالب سوف استعمل مصطلح الطالب للحكاية تجاوزا وإلا فليس بطالي في حقيقة أمره - ممن تفرغوا سنوات للطلب، ولم تكن سنه صغيرة حين كان ذلك الحوار، فلم يكن بالمتسرع أو المندفع مما هو سمة لمن هم في أبكار أعمارهم. فتناولنا مما تناولنا قضية علوم الحديث كعلوم آلة، فأصررت له على ضرورة دراسة كتاب مثل (الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث) أو أي كتاب آخر في علوم الحديث كعلم آلة، ليتسنى للطالب الفهم والبحث في تلك العلوم ليبحث فيها عن بصيرة. فتبنى منهج شيخه ودافع عنه، وهو عدم الاعتداد بتلك العلوم، وأن المراد هو البحث والتنقيب في الكتب، وهي منهجية معروفة لتلك المدرسة.. فقال الطالب: إن هذه العلوم أخبرنا الشيخ انها لا تفيدنا شيئا!
وكان أن تناولنا علم أصول الفقه، فأبرز الطالب طريقته وأنه يتبع الدليل، وأن علم أصول الفقه لا فائدة فيه، وأن المهم هو العمل. فقلت له: علم أصول الفقه هو الآلة التي تستطيع بها استخراج الأحكام من النصوص، وضربت له مثالا فجئته بحكم، وجئته بنص نبوي وطلبت منه أن يستخرج حكمه، فقال الطالب: الذي أعرفه أن هذا هو الحكم، وأن هذا هو الدليل، وهذا كل ما أعرفه. فقلت له: هذا هو الحكم وذاك هو الدليل، ولكني لو سألتك: ما وجه الدلالة لاستخراج الحكم هذا من الدليل ذاك، فما تقول؟ وكررت له الأمر حتى يستوعبه. وأخيرا فاجأني الطالب بما عرفت منه سبب تحيره، فقال : أنا لا أعرف ما معنى قولك (وجه الدلالة) أصلا.. !!
فهل يحق لمثل ذلك النمط من الناس أن يدعي العمل بالدليل ونبذ التقليد؟ وهذا أنموذج يقول: لقد تعلمت أن هذا هو الحكم، وذاك هو الدليل، وهذا كل ما أعرفه. فهل هذا تقليد؟ إنني حتى لا يطمئن قلبي إلى أن يكون تقليدا، فالتقليد له أصوله، ويكون ممدوحا في حق البعض. أما تلك الصورة فتحوي من المذمات الشيء الكثير، فهو إفساد وأي غفساد في دين الله، حين يظن أنه بذلك يجتهد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يضيع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي حفظ لنا أئمتنا فقهه عبر هذه القرون.
فمجرد رصف الحكم بجوار النص لا يرفع صفة التقليد عن المقلد، فالحكم يشترك مع الدليل في صفة إمكان التناول، فمن يحفظ الحكم أمكنه أن يحفظ الحديث، وكم من حافظ هو في أبرز درجات التقليد. ولو سمحنا واستدرجنا أنفسنا مع لازم من ينيطون الاجتهاد بمجرد (معرفة الدليل) لفسد العلم كماهو حاصل في زماننا ولقال من شاء ما شاء، ولانتفى التقليد بالكلية، ولصار الأعلم هو الأحفظ، ولأفتى الجميع، فكل من يحفظ نصوصا يفتي بما ظنه في نفسه علما، وإنما هو حصل النظم واللفظ، ولم يحصل العلم؛ فإنما العلم يؤخذ عن أهله، الذين تناقلوه جيلا عن جيلا، فيتصل سند العلم إلى الصحبة، مارين فيما بيننا وبينهم بأئمة الدنيا، منتهجين سنة التلقي.
فما أكرره وأجعله ديدنا في هذ المقام : إن نقل الدين والسنة يعم النظم والمعنى، ومن قصرهما على النظم دون المعنى فإنما يريد أن يقول في الدين بهواه. ولن نقبل منه، ولو أقسم على اتباع السنة والنص أيمانا مغلظة، فإنما هو نص ينطقه لسانه، ثم هوى يمليه فؤاده.
يقول بشر المريسي: ليس شيء أنقض لقولنا من القرآن، فأقروا به في الظاهر ثم صرّفوه بالتأويل.
وبهذا بإقرار النص وقطع المعنى عن أئمتنا ومدارسنا الفقهية المتناقلة عبر الزمان يتحرف لمعنى، ويقول من شاء ما شاء، وتظهر الظاهرات والشذوذات التي تظهر، فتخالف الإجماع أو تكاد، بحجة اتباع النص، أما مخالفة جماهير الفقهاء فهو صار سمة لذلك التوجه المبتدع والدخيل على الأمة الإسلامية والمنهج العلمي الرصين الموروث.
وقد سمعت بأذني في مصر ممن يتصدرون كمشيخة وإفتاء وهما من وجهه براء - للمساكين من عوام المسلمين ممن ضاعوا في ذلك الزمان، من أفتى أن العاقد الذي لم يبن لا ينسب إليه الولد من زوجه إن أنجبته منه، وحجته في ذلك نص نبوي أثبت لفظه ثم حرم بركة الاتصال بالسلف لما أعمل فيه عقله السقيم، فقال : يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الولد للفراش وللعاهر الحجر) .. وإن الذي لم يبن بعد لا فراش له!! ثم آل به الأمر إلى حل الغناء وربا البنوك ولبس البنطلون للمرأة ومشاهدتها للبرامج الرياضية التي يظهر فيها اللاعبون بعوراتهم ربما المغلظة كذلك.
ورأينا من أبطل صلاة من طال ثوبه..
ورأينا من أبطل صلاة من يصلي بالبنطلون..
ورأينا من (يبتكر) حركات لهز الإصبع في الصلاة، ليخلص إلى (طريقة) توافق ما يفهمه هو من النصوص في ذلك مما سكت عنه الأئمة ولم يؤيدوه.. ليناقض دعواه الاكتفاء بالنص، وليصدق به أن (كل شيخ وله طريقة!)..
ورأيت من أعد ((بحثا)) يثبت فيه أن العاقد لا يجوز له أن يرى من زوجته شيئا ولا حتى الوجه والكفين.
وهكذا، لما حاربوا الإسلام السلفي الصحيح بمحاربتهم للمذاهب الأربعة، فأسقطوا المذاهب الأربعة لأربعة من عظام الأئمة المسلمين، ليجعلوا مذاهبا بعدد كل فرد، حتى صار لكل واحد (مخمخته) ولكل شيخ مغمور طريقته التي يلتف حوله فيها ثلاثة أو أربعة من الشباب.. ينتصرون له بإعلان أو بغير إعلان، فالحاصل أنهم أسقطوا أربعة مذاهب هي فقه الأمة الإسلامية وعليها المسلمون، ليخرج مكانها ملايين المذاهب.
وهكذا، يحرم المبتورون من بركة العلم، ويأتون بمثل ذلك الغثاء، يحسبونه على الإسلام والعلم، وإنما هو إسلامهم وعلمهم، لا العلم الذي تعرفه الأمة، ونقله الأئمة، ويتحلى به المنعم عليهم ممن يتلقون في مدارس السلف الفقهية، ويتصلون فقها وبركة بسلف الأمة، متلقين عن الأئمة.
وإن من أكبر أمارات فساد طوايا أصحاب هذه المذاهب الفاسدة هي أن بعضهم لا يعلن عنها ويعتبرها شيئا خاصا يدعون إليه بصورة فردية وسرية.. وأذكر في هذا المقام أن أحد الشباب ممن يسلكون هذه المناهج الفاسدة وممن يتبعون شيخا مغمورا، قد التف في صورة الناصح على تلميذة لي كانت قد بدأت في دراسة أصول مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه، فقال لها: لا تخبري محمد رشيد بما سيكون معك وبالكتب التي سأشرحها لك، فارتابت في أمره، إذ لو كان حقا فلم يخفيه، وقد أخبرتني الأمر. ومناط الريبة هنا منطقي ومحترم؛ إذ لو كنت ممثلا للعلم السلفي الصحيح واتباع السلف، فلم تخبئ نفسك؟ ولم تطلب مني أن لا أخبر شيخي بالأمر.. والجواب : هو أنه لا يمثل إلا نفسه وشيخه المغمور.
أما نحن أهل السنة والجماعة فلا نمثل أنفسنا، فلم أقل يوما : إنني أشرح المذهب الرشيدي، أو إنني أمثل شيخي المغمور أو المشهور، بل نحن وشيوخنا وشيوخ شيوخنا نرجع إلى أئمتنا الذين تعرفهم الدنيا كلها، فلم نكن يوما ممثلين لأنفسنا، وإنما نخرج من كنف أئمتنا، بل أئمة الدنيا، وهذا ما يكسبنا المصداقية في هذا الباب، وهذا حق وليس مجرد وسيلة لكسب المصداقية، ولا مصداقية لمن ينهج غير ذاك المنهج، فأئمة المسلمين معروفون، وسند التلقي للعلم النبوي والشريعة تصوره قريب غير معقد، وهو الاتصال المستمر والباقي إلى يومنا، من خلال مدراسنا الفقهية الأربع.
وإن الذين يفصلون أنفسهم عن اجتهادات ونقولات الأئمة التي تناقلتها الأجيال، في اعتمادهم الفروع الجزئية، أو منهجية التلقي فيما يتعلق بالدارسة الكلية لفقه الأمة، إنما هم واقعون فيما يستقر في قاعه أعدى أعدائهم، فيحسبونهم أعداءهم، وهم من مشربهم شربوا.
وقد مضى معنا قول بشر المريسي.
والقرامطة لم ينكروا لفظ الصيام، وإنما فسروه بكتم أسرار الطائفة، والحج هو السفر لشيوخهم، والجنة هي متاع الدنيا، والنار هي التزام الأحكام.
والمعتزلة قالوا كلم الله موسى تكليما، أي جرحه بإظهار الحكم.
وباطنية الفلاسفة يفسرون الملائكة بقوى النفس الطيبة، والشياطين بقوى النفس الخبيثة، ولا يقرون بجنة ولا نار، وإنما هي للحض على فعل الخير!
وأناس من الصوفية، قالوا في قوله تعالى (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) هو سقوط التكليف بالوصول لليقين بالعبادة!
وغير تلك من الطوام التي ترتكز على إثبات النصوص ثم صرفها بالهوى.
وما يمنع متسكع في زماننا أن يقتل الداخل في الإسلام؟ ويقول: هذه هي السنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (من بدل دينه فاقتلوه) . فـ (من) من أدوات العموم، و (دين) نكرة يعم، فيكون (النص) عاما في كل مبدل، عاما في كل دين. فلو قال له مبتور آخر: هناك آثار أخرى تثبت قتل المرتد. فيجيب: لقد قلت بما بلغني، والحديث حجة بذاته.
وهذا المشرب الذي شرب منه الضالون، قد شرب منه أناس ندعوهم إلى مراجعة ما هم عليه متعينة، وأن يراجعوا أنفسهم في حقيقة الاتباع، وأن يلحظوا أن ما هم عليه هو البدعة بعينها، وأعلم يقينا أن مثل تلك الحقائق ستكون مرفوضة من قبلهم، ومستغربة، ولكن صاحب العقل يدرك أن (الأمر في نفسه) أو (الحقيقة في نفسها) لا علاقة لها بما تصل إلى ذروته النفوس البشرية من القناعة والاطمئنان، لو بنيت على الأوهام، والتي تظهر بالمراجعة وتجنيب الهوى، والمقررات السابقة في النفس.
فدعوتي إلى الإخوان الصالحين من مدعي اتباع الدليل في زماننا، المجانبين لسلفنا ولأئمتنا في واقع أمرهم، أن يراجعوا أنفسهم مستعملين في ذلك ما يتعلق بالمسألة من المدخلات، مجنبين فيه ما قد تغلب به النفس البشرية من اعتيادها وإلفها وعاطفتها، ولينضموا إلى ركب الأمة، فيفيدون فيها، لا يفتتوا منها، ويضخمون كتلتها، لا يهششونها، ولهم في مدارس فقه الأمة، الذي يتناقله الأئمة، مرتعا ومتسعا، لن يدركوه إلا بملامسته وملابسته، وكل من آب وجرب عرف، وعلم الجادة وهجر الترف، وما عرفنا من جرب فقه الأئمة، فدرس مذهبا فقهيا معتبرا، ثم هجره، إلا إلى مذهب فقهي مناظر، فإلى أين يرجع؟ إن الرجوع إلى لا شيء خسران، فهو خروج ولا دخول في غيره، فأين كانوا حتى يرجعوا إليه؟.. بينما عرفنا الكثيرين بل الجماهير، ممن يدخلون في مدارس الأئمة، حنفيتها ومالكيتها وشافعيتها وحنبليتها، فنهلوا منها، وتأسسوا عليها، وعرفوا كيف يكون الفقه، فأنى لهم أن يرجعوا؟ وأين لهم أن يرجعوا؟
فهلموا إلى أئمتكم، وفقه أمتكم.. تغنموا.
والحمد لله رب العالمين.