هذا بحث كنت قد أعددته في العام الماضي بعنوان
تقييد الحرية كعقوبة تعزيرية
في الفقه الجنائي الإسلامي
وقد نشرته مجلة جامعة الأنبار للعلوم الإسلامية في العدد رقم 2 السنة الأولى جمادى الآخرة 1430هـ الموافق حزيران 2009م
أحببت أن أرفعه على الشبكة الدولية عن طريق منتدانا المبارك لينتفع به الباحثون
والله من وراء القصد، سائلا المولى سبحانه أن ينفع به آمين.
ملاحظة: الرقم الذي وضعته بين خطين مائلين هكذا /11/ هو رقم الصفحة في العدد المذكور من المجلة ليتسنى التوثيق بدقة منه لمن رغب بذلك.
------------------
تقييد الحرية كعقوبة تعزيرية
في الفقه الجنائي الإسلامي
------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
((وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُوْنَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلَِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّيْنِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُوْنَ))
صدق الله العظيم
سورة التوبة، الآية: 122
----------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الاشتغال بالفقه من أعظم الأعمال، وخير ما صرفت فيه نفائسُ الأوقاتِ، إذ به يعرفُ الحلالُ والحرام، وتقام الحدود والفرائضُ، ولقد كان وما زال الفقه الإسلامي بمذاهبه المتعددة- مواكباً لحياة المسلمين في جميع شؤونهم، اجتماعيةً واقتصاديةً وسياسيةً ومعيشيةً، وقد كان الفقهاء والأئمة الأعلامُ مصابيح الدجا، وشمس الظلمات، نشروا دين الله تعالى، وشرحوا عقيدةَ الإسلام، وهؤلاء الأئمة كانوا -ولا يزالون- حملةَ الشرعِ الحنيفِ، عنهُ ذائدون، وبه ناطقون، وبتعاليمه عاملون، وإلى الله تعالى داعون.
ولعلَّ من أيسر ما يمكننا أن نقدمه من خدمة لهذا الإرث العظيم الخالد، هو أن نشمر عن ساعد الجد لدراسة بعض مسائله، وحث الجهود المخلصة لبحث جانب من القضايا التي ترفع الإبهام والإشكال عن بعض مكنونات فقهنا الإسلامي العظيم، عسى أن يَفِيْدَ منها الدارسون، وينتفعَ بها طلابُ المعرفةِ.
ولعل مباحث الفقه الجنائي من المباحث الدقيقة والمهمة في آن واحد؛ إذ أن لها اتصالا مباشراً بالفرد، ولما تتضمنه من ارتباط وثيقٍ بحياته اليومية، وبغية أن أكون ممن نال شرف الإسهام في خدمة هذا الفقه الخالد، فقد آثرت أن أصرف همتي لبحث جانب من جوانب الفقه الجنائي الإسلامي، ليكون موضوعاً اتناوله في هذه الدراسة المتواضعة، فاستوقفني جانب من جوانب العقوبات التعزيرية، ألا وهو التعزير بتقييد حرية الجاني، إذ أن من المعلوم أن التعزير يكون على أنواع، فمنه عقوبات بدنية، ومنه عقوبات مالية، ومنه عقوبات مقيدة للحرية، ومنه عقوبات أخرى متنوعة، فأفردت تقييد حرية الجاني بالدراسة في هذا البحث، بعد أن سبق لي دراسة أنواع العقوبات التعزيرية الأخرى، وغايتي أن أتناول عقوبتين أساسيتين من العقوبات التعزيرية تندرجان تحت مسمى /2/ عقوبة مقيدة للحرية، هما عقوبة الحبس وعقوبة التغريب أو النفي، وهما العقوبتان اللتان تناولهما الفقهاء في كتبهم كعقوبة تعزيرية، فاخترت أن يكون عنوان هذه الدراسة:
تقييد الحرية كعقوبة تعزيرية في الفقه الجنائي الإسلامي
ثم ارتأيت أن تكون خطة البحث مقسمة على مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة.
فأما المقدمة فهذه، وقد تناولت فيها أهمية دراسة الفقه وسبب اختياري لهذا الموضوع.
وأما المبحث الأول فقد جعلته في تناول مفهوم التعزير والحبس والتاصيل الشرعي لعقوبة تقييد الحرية.
وأما المبحث الثاني فقد جعلته في تناول أحكام الحبس كعقوبة مقيدة للحرية.
وأما المبحث الثالث فقد جعلته في تناول التغريب والإبعاد كعقوبة مقيدة للحرية.
ثم تناولت في الخاتمة أهم ماتوصلت إليه في البحث من نتائج.
هذا وإني آمُلُ أن أجدَ في صدرِ من يُطالِعُ هذا العملَ ما يشفعُ لي إن وجدَ فيه خللاً، وما عساني إلاَّ أن أرددَ قائلاً:
وإنْ تجدْ عيباً فسُدَّ الخلــلا فجلَّ من لا عيبَ فيهِ وعــلا
اللهمَّ هذا جهدُ المقلِّ، وما كان فيه من قصور أو خلَل فإنما هو من نفسي والشيطان، وما كان فيه من تمامٍ وحُسْنٍ فإنما هو بفضلِ الله تعالى وحُسنِ توفيقِهِ، وهو وحدَهُ المسؤولُ أن ينفَعَ به، ويكتُبَ له القبولَ، ويعمِّمَ به الفوائدَ.
وصلى اللهُ وسلَّمَ على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدٍ الصادقِ الأمين، وعلى آلِهِ الطيبين، وصحابَتِهِ الغرِّ الميامين، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.
د. محمود شمس الدين عبد الأمير الخزاعي
كلية العلوم الإسلامية / الفلوجة
/3/
المبحث الاول
مفهوم التعزير والحبس
المطلب الأول
تعريف التعزير والحبس في اللغة والاصطلاح
الفرع الأول: التعزير
التعزير في اللغة:
مأخوذ من الفعل عزر يعزر عزراً، وهو مصدر من عزر بالتشديد، وقد أورد ابن فارس ان التعزير في اللغة يطلق على معنيين:
الأول: التعظيم والنصر، ومن ذلك قوله تعالى: (وتعزروه وتوقروه)(1).
الثاني: الضرب دون الحد(2).
وأصل التعزير في اللغة هو التأديب والمنع والرد، ثم صار يطلق على المعنيين السابقين، وإنما سمي الضرب دون الحد تعزيراً؛ لمنعه الجاني من المعاودة لذلك الجرم ولغرض رده وردعه عن المعصية، وإنما سمي التوقير والتعظيم والنصر تعزيراً لأن نصر النبي صلى الله عليه وسلم- يكون برد أعدائه عنه ومنعهم من إيذائه، فكل من المعنيين جار على أصل التعزير في اللغة، الذي هو التأديب والمنع والرد(3).
التعزير في الاصطلاح:
تفاوتت ألفاظ الفقهاء في تعريف التعزير، لكنها جميعاً لم تبتعد عما هو عليه في اللغة، فقد عرفها ابن قدامة -رحمه الله- بانه: (العقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها)(4).
وبنحوه عرفه الشيخ زكريا الانصاري رحمه الله تعالى فقال: (تعزير على معصية لا حد لها ولا كفارة)(5).
إلا أنه تعريف يمكن القول بأنه يفتقر إلى الدقة، لا سيما أنه عرف التعزير بالتعزير، ولذا نجد الشيخ سليمان الجمل قد توقف عند قوله (لا حد لها) وذهب إلى أن الأفضل ان يقول لا عقوبة لها لتكون العبارة اشمل وليدخل فيها الجناية /4/ على الاطراف بالجرح او القطع، وليستغني عن ذكر الكفارة في آخر التعريف(6).
ومن الفقهاء من عرف التعزير بأنه (تأديب دون الحد)(7)، ويمكن القول بأن هذا التعريف يأتي عليه تأديبُ الأب لولده او السيد لعبيده او رقيقه، وتأديب الزوج لزوجه ونحو ذلك، وهذا لا يستقيم، لأنه كله يصدق عليه القول بانه تأديب دون الحد، وليس كل تأديب لم يبلغ الحد تعزير، فلا يكون التعريف جامعا مانعا.
ومثل هذا يقال في تعريف الامام البهوتي -رحمه الله تعالى- للتعزير، فقد عرفه بانه: (التأديب)(8).
ونستطيع القول بأن هذه التعريفات غير دقيقة إذا علمنا أن ثمة فروقا ذكرها الباحثون بين التعزير والتأديب، وليس المقام مقام ذكرها(9).
ونظراً لما تقدم نجد الكثير من الباحثين المعاصرين قد خلص إلى القول بان التعزير هو: العقوبات التي لم يرد نص من الشارع ببيان مقدارها وترك تقديرها لولي الامر او من ينوب عنه من القضاة ونحوهم(10).
وبعبارة اخرى فان التعزير هو: عقوبة على جرائم لم تضع الشريعة لأيها عقوبة مقدرة(11).
الفرع الثاني
الحبس
الحبس في اللغة: ضد التخلية، وهو مصدر للفعل حبس، والحبس والسجن معناهما واحد(12)، وكل الاستعمالات اللغوية لمادة حبس تدل على المنع من الانبعاث(13).
اما الحبس في الشرع فهو: تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه سواء اكان ذلك في بيت ام في مسجد ام في غيرهما، اورد هذا التعريف الامام ابن القيم رحمه الله تعالى(14).
وعلى هذا فإن حبس النبي -صلى الله عليه وسلم- كان الإعاقة في مكان من الأمكنة، أو بإقامة حافظ عليه، أو بالملازمة كما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- في حديث الغريم(15). /5/
والسجن معناه الحبس، لذلك يطلق الفقهاء كلا منهما على المعنى نفسه، ويطلقون كذلك كلمة الحبس والمحبس والسجن على المكان الذي تنفذ فيه عقوبة الحبس او السجن، ويقصدون بكل ذلك ذات المعنى.
فالحبس عند الفقهاء: هو منع الشخص أو تعويقه من التصرف بنفسه.
ولا يخفى أن هذا المعنى أعم من المعنى الموجود حالياً للحبس، وهو المكان المعروف الذي يحبس فيه المجرمون لتمضية مُدَدِ عقوباتهم(16).
أول من اتخذ الحبس في الإسلام:
لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنهما اتخذا مكانا خصصاه للحبس، وإنما الذي كان منهما تعويق الشخص المراد حبسه بمكان من الأمكنة، او ان يجعل عليه حافظاً او رقيباً او شيئاً من هذا القبيل، وقد سموا ذلك بالترسيم.
ويدلنا على هذا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث سلم الغريم إلى غريمه، وقال له: ((إلزمه))، ثم مرَّ به آخر النهار فقال: ((ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم؟ ))(17)، فسمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ملازمة الدائن للمدين أسراً.
في حين ذهب اكثر اهل العلم إلى انه يجوز للامام ان يتخذ حبساً، وانما لم يتخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا الخليفة الراشد أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- محبساً؛ لان الرعية انذاك لم يكن فيها ما يلجيء إلى اتخاذ الحبس، فلما اتسعت رقعة بلاد المسلمين وانتشر الاسلام وانتشرت الرعية استدعى الامر في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ان يتخذ ولي الامر محبساً، فاشترى الخليفة عمر -رضي الله عنه- داراً لصفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم وجعلها حبساً(18).
هذا.. وقد أفرد الحكام المسلمون بعد ذلك أبنية خاصة للسجون، وعدُّوا هذا العمل من قبيل المصالح المرسلة، فصار لفظ السجن علما على المكان الخاص بتنفيذ الحكم بالحبس(19). /6/
هل السجن أشد العقوبات أو أسهلها ؟
لعل مما يجدر بنا ذكره أن نتوقف عند كلام لابن فرحون المالكي -رحمه الله- تناول فيه الحديث عن هذا التساؤل، فقد تأول بعض العلماء قوله تعالى: ((إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ))(20)، بأن السجن من العقوبات البليغة؛ لأن الله تعالى قد قرنه مع العذاب الأليم، وقالوا: إن النبي يوسف -عليه السلام- قد عدَّ الانطلاق من السجن إحساناً في قوله تعالى: ((وَقَدْ أَحْسَنَ بِيْ إِذْ أَخْرَجَنِيْ مِنَ السِّجْنِ))(21)، كما أن السجن الطويل عذابٌ وفي ذلك ما حكاه الله تعالى عن فرعون حين أوعد رسول الله موسى -عليه السلام- قائلاً: ((لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُوْنِيْنَ))(22)،(23).
المطلب الثاني
التأصيل الشرعي للعقوبات المقيدة للحرية
إن ذكر التأصيل الشرعي للعقوبات المقيدة للحرية هو بحد ذاته جزء من أدلة مشروعية التعزير، إذ أن العقوبات المقيدة للحرية هي نوعٌ من أنواع العقوبات التعزيرية، فتأصيلها الشرعي يأتي من تأصيل العقوبات التعزيرية بشكل عام، فقد قام الدليل على مشروعية العقوبات المقيدة لحرية الجاني من الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة والاجماع.
فأما من الكتاب الكريم:
فقد قال تعالى: (واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت او يجعل الله لهن سبيلاً)(24).
فان الامساك في البيوت هو في الحقيقة سجن لهن فيها، وهو تقييد لحريتهن كما لا يخفى، وهذا يعني ان الحبس مشروع اصلاً في القران الكريم(25). /7/
واستدل على مشروعيته من القران الكريم ايضاً بقوله تعالى: (انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فساداً ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم)(26).
فقد استدل الحنفية على مشروعية الحبس بهذه الآية، وقالوا ان المقصود بالنفي في قوله تعالى: (او ينفوا من الارض) هو الحبس، وهو تقييد لحرية الجناة(27).
وأما من السنة الشريفة:
فقد استدل على مشروعية الحبس بما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أنه حبس رجلاً في تهمة ثم خلى عنه)(28).
ولما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- انه قال: (لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته)(29).
وعقوبته هنا هي الحبس، كما نقل ذلك الإمام أحمد عن وكيع بن الجراح -رحمهما الله-، وكما فسره بذلك البخاري نفسه في صحيحه(30).
قال العلامة الشوكاني -رحمه الله-: ((وروى البخاري والبيهقي عن سفيان مثل التفسير الذي رواه المصنف عن أحمد عن وكيع، واستدل بالحديث على جواز حبس من عليه الدين حتى يقضيه إذا كان قادرا على القضاء؛ تأديبا له وتشديدا عليه، لا إذا لم يكن قادرا؛ لقوله "الواجد" فإنه يدل على أن المعسر لا يحل عرضه ولا عقوبته))(31).
وقد ثبت عن امير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- انه كتب في شاهد الزور: ((يجلد اربعين سوطاً، ويسخم وجهه ويحلق شعره، ويطاف به ويطال حبسه))(32).
ولا يخفى ان الحبس ليس من عقوبات الحدود او القصاص بل هو عقوبة تعزيرية بتقييد حرية الجاني، فتكون هذه الأحاديث دليلاً على مشروعية هذا النوع من العقوبات(33). /8/
وأما الاجماع:
فقد انعقد الاجماع على ان الحبس يصلح عقوبة في التعزير، وقد جعله الفقهاء من العقوبات التي يقضى بها بالتعزير(34)، فقد ثبت ان امير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سجن الحطيئة لأنه عمد إلى الهجاء في شعره، ولم ينكر عليه احد من الصحابة ذلك السجن، كما سجن امير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ضابىء بن الحارث الذي كان من لصوص بني تميم وفتاكهم، ولم ينكر عليه احد ايضاً، وثبت ان الخليفة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قد سَجَنَ بالكوفةِ، وممن عمد إلى عقوبة السجن عبدالله بن الزبير -رضي الله عنه- في مكة المكرمة حيث سجن محمد بن الحنفية عندما امتنع عن بيعته(35).
تقييد الحرية كعقوبة تعزيرية
في الفقه الجنائي الإسلامي
وقد نشرته مجلة جامعة الأنبار للعلوم الإسلامية في العدد رقم 2 السنة الأولى جمادى الآخرة 1430هـ الموافق حزيران 2009م
أحببت أن أرفعه على الشبكة الدولية عن طريق منتدانا المبارك لينتفع به الباحثون
والله من وراء القصد، سائلا المولى سبحانه أن ينفع به آمين.
ملاحظة: الرقم الذي وضعته بين خطين مائلين هكذا /11/ هو رقم الصفحة في العدد المذكور من المجلة ليتسنى التوثيق بدقة منه لمن رغب بذلك.
------------------
تقييد الحرية كعقوبة تعزيرية
في الفقه الجنائي الإسلامي
------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
((وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُوْنَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلَِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّيْنِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُوْنَ))
صدق الله العظيم
سورة التوبة، الآية: 122
----------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الاشتغال بالفقه من أعظم الأعمال، وخير ما صرفت فيه نفائسُ الأوقاتِ، إذ به يعرفُ الحلالُ والحرام، وتقام الحدود والفرائضُ، ولقد كان وما زال الفقه الإسلامي بمذاهبه المتعددة- مواكباً لحياة المسلمين في جميع شؤونهم، اجتماعيةً واقتصاديةً وسياسيةً ومعيشيةً، وقد كان الفقهاء والأئمة الأعلامُ مصابيح الدجا، وشمس الظلمات، نشروا دين الله تعالى، وشرحوا عقيدةَ الإسلام، وهؤلاء الأئمة كانوا -ولا يزالون- حملةَ الشرعِ الحنيفِ، عنهُ ذائدون، وبه ناطقون، وبتعاليمه عاملون، وإلى الله تعالى داعون.
ولعلَّ من أيسر ما يمكننا أن نقدمه من خدمة لهذا الإرث العظيم الخالد، هو أن نشمر عن ساعد الجد لدراسة بعض مسائله، وحث الجهود المخلصة لبحث جانب من القضايا التي ترفع الإبهام والإشكال عن بعض مكنونات فقهنا الإسلامي العظيم، عسى أن يَفِيْدَ منها الدارسون، وينتفعَ بها طلابُ المعرفةِ.
ولعل مباحث الفقه الجنائي من المباحث الدقيقة والمهمة في آن واحد؛ إذ أن لها اتصالا مباشراً بالفرد، ولما تتضمنه من ارتباط وثيقٍ بحياته اليومية، وبغية أن أكون ممن نال شرف الإسهام في خدمة هذا الفقه الخالد، فقد آثرت أن أصرف همتي لبحث جانب من جوانب الفقه الجنائي الإسلامي، ليكون موضوعاً اتناوله في هذه الدراسة المتواضعة، فاستوقفني جانب من جوانب العقوبات التعزيرية، ألا وهو التعزير بتقييد حرية الجاني، إذ أن من المعلوم أن التعزير يكون على أنواع، فمنه عقوبات بدنية، ومنه عقوبات مالية، ومنه عقوبات مقيدة للحرية، ومنه عقوبات أخرى متنوعة، فأفردت تقييد حرية الجاني بالدراسة في هذا البحث، بعد أن سبق لي دراسة أنواع العقوبات التعزيرية الأخرى، وغايتي أن أتناول عقوبتين أساسيتين من العقوبات التعزيرية تندرجان تحت مسمى /2/ عقوبة مقيدة للحرية، هما عقوبة الحبس وعقوبة التغريب أو النفي، وهما العقوبتان اللتان تناولهما الفقهاء في كتبهم كعقوبة تعزيرية، فاخترت أن يكون عنوان هذه الدراسة:
تقييد الحرية كعقوبة تعزيرية في الفقه الجنائي الإسلامي
ثم ارتأيت أن تكون خطة البحث مقسمة على مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة.
فأما المقدمة فهذه، وقد تناولت فيها أهمية دراسة الفقه وسبب اختياري لهذا الموضوع.
وأما المبحث الأول فقد جعلته في تناول مفهوم التعزير والحبس والتاصيل الشرعي لعقوبة تقييد الحرية.
وأما المبحث الثاني فقد جعلته في تناول أحكام الحبس كعقوبة مقيدة للحرية.
وأما المبحث الثالث فقد جعلته في تناول التغريب والإبعاد كعقوبة مقيدة للحرية.
ثم تناولت في الخاتمة أهم ماتوصلت إليه في البحث من نتائج.
هذا وإني آمُلُ أن أجدَ في صدرِ من يُطالِعُ هذا العملَ ما يشفعُ لي إن وجدَ فيه خللاً، وما عساني إلاَّ أن أرددَ قائلاً:
وإنْ تجدْ عيباً فسُدَّ الخلــلا فجلَّ من لا عيبَ فيهِ وعــلا
اللهمَّ هذا جهدُ المقلِّ، وما كان فيه من قصور أو خلَل فإنما هو من نفسي والشيطان، وما كان فيه من تمامٍ وحُسْنٍ فإنما هو بفضلِ الله تعالى وحُسنِ توفيقِهِ، وهو وحدَهُ المسؤولُ أن ينفَعَ به، ويكتُبَ له القبولَ، ويعمِّمَ به الفوائدَ.
وصلى اللهُ وسلَّمَ على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدٍ الصادقِ الأمين، وعلى آلِهِ الطيبين، وصحابَتِهِ الغرِّ الميامين، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.
د. محمود شمس الدين عبد الأمير الخزاعي
كلية العلوم الإسلامية / الفلوجة
/3/
المبحث الاول
مفهوم التعزير والحبس
المطلب الأول
تعريف التعزير والحبس في اللغة والاصطلاح
الفرع الأول: التعزير
التعزير في اللغة:
مأخوذ من الفعل عزر يعزر عزراً، وهو مصدر من عزر بالتشديد، وقد أورد ابن فارس ان التعزير في اللغة يطلق على معنيين:
الأول: التعظيم والنصر، ومن ذلك قوله تعالى: (وتعزروه وتوقروه)(1).
الثاني: الضرب دون الحد(2).
وأصل التعزير في اللغة هو التأديب والمنع والرد، ثم صار يطلق على المعنيين السابقين، وإنما سمي الضرب دون الحد تعزيراً؛ لمنعه الجاني من المعاودة لذلك الجرم ولغرض رده وردعه عن المعصية، وإنما سمي التوقير والتعظيم والنصر تعزيراً لأن نصر النبي صلى الله عليه وسلم- يكون برد أعدائه عنه ومنعهم من إيذائه، فكل من المعنيين جار على أصل التعزير في اللغة، الذي هو التأديب والمنع والرد(3).
التعزير في الاصطلاح:
تفاوتت ألفاظ الفقهاء في تعريف التعزير، لكنها جميعاً لم تبتعد عما هو عليه في اللغة، فقد عرفها ابن قدامة -رحمه الله- بانه: (العقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها)(4).
وبنحوه عرفه الشيخ زكريا الانصاري رحمه الله تعالى فقال: (تعزير على معصية لا حد لها ولا كفارة)(5).
إلا أنه تعريف يمكن القول بأنه يفتقر إلى الدقة، لا سيما أنه عرف التعزير بالتعزير، ولذا نجد الشيخ سليمان الجمل قد توقف عند قوله (لا حد لها) وذهب إلى أن الأفضل ان يقول لا عقوبة لها لتكون العبارة اشمل وليدخل فيها الجناية /4/ على الاطراف بالجرح او القطع، وليستغني عن ذكر الكفارة في آخر التعريف(6).
ومن الفقهاء من عرف التعزير بأنه (تأديب دون الحد)(7)، ويمكن القول بأن هذا التعريف يأتي عليه تأديبُ الأب لولده او السيد لعبيده او رقيقه، وتأديب الزوج لزوجه ونحو ذلك، وهذا لا يستقيم، لأنه كله يصدق عليه القول بانه تأديب دون الحد، وليس كل تأديب لم يبلغ الحد تعزير، فلا يكون التعريف جامعا مانعا.
ومثل هذا يقال في تعريف الامام البهوتي -رحمه الله تعالى- للتعزير، فقد عرفه بانه: (التأديب)(8).
ونستطيع القول بأن هذه التعريفات غير دقيقة إذا علمنا أن ثمة فروقا ذكرها الباحثون بين التعزير والتأديب، وليس المقام مقام ذكرها(9).
ونظراً لما تقدم نجد الكثير من الباحثين المعاصرين قد خلص إلى القول بان التعزير هو: العقوبات التي لم يرد نص من الشارع ببيان مقدارها وترك تقديرها لولي الامر او من ينوب عنه من القضاة ونحوهم(10).
وبعبارة اخرى فان التعزير هو: عقوبة على جرائم لم تضع الشريعة لأيها عقوبة مقدرة(11).
الفرع الثاني
الحبس
الحبس في اللغة: ضد التخلية، وهو مصدر للفعل حبس، والحبس والسجن معناهما واحد(12)، وكل الاستعمالات اللغوية لمادة حبس تدل على المنع من الانبعاث(13).
اما الحبس في الشرع فهو: تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه سواء اكان ذلك في بيت ام في مسجد ام في غيرهما، اورد هذا التعريف الامام ابن القيم رحمه الله تعالى(14).
وعلى هذا فإن حبس النبي -صلى الله عليه وسلم- كان الإعاقة في مكان من الأمكنة، أو بإقامة حافظ عليه، أو بالملازمة كما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- في حديث الغريم(15). /5/
والسجن معناه الحبس، لذلك يطلق الفقهاء كلا منهما على المعنى نفسه، ويطلقون كذلك كلمة الحبس والمحبس والسجن على المكان الذي تنفذ فيه عقوبة الحبس او السجن، ويقصدون بكل ذلك ذات المعنى.
فالحبس عند الفقهاء: هو منع الشخص أو تعويقه من التصرف بنفسه.
ولا يخفى أن هذا المعنى أعم من المعنى الموجود حالياً للحبس، وهو المكان المعروف الذي يحبس فيه المجرمون لتمضية مُدَدِ عقوباتهم(16).
أول من اتخذ الحبس في الإسلام:
لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنهما اتخذا مكانا خصصاه للحبس، وإنما الذي كان منهما تعويق الشخص المراد حبسه بمكان من الأمكنة، او ان يجعل عليه حافظاً او رقيباً او شيئاً من هذا القبيل، وقد سموا ذلك بالترسيم.
ويدلنا على هذا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث سلم الغريم إلى غريمه، وقال له: ((إلزمه))، ثم مرَّ به آخر النهار فقال: ((ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم؟ ))(17)، فسمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ملازمة الدائن للمدين أسراً.
في حين ذهب اكثر اهل العلم إلى انه يجوز للامام ان يتخذ حبساً، وانما لم يتخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا الخليفة الراشد أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- محبساً؛ لان الرعية انذاك لم يكن فيها ما يلجيء إلى اتخاذ الحبس، فلما اتسعت رقعة بلاد المسلمين وانتشر الاسلام وانتشرت الرعية استدعى الامر في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ان يتخذ ولي الامر محبساً، فاشترى الخليفة عمر -رضي الله عنه- داراً لصفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم وجعلها حبساً(18).
هذا.. وقد أفرد الحكام المسلمون بعد ذلك أبنية خاصة للسجون، وعدُّوا هذا العمل من قبيل المصالح المرسلة، فصار لفظ السجن علما على المكان الخاص بتنفيذ الحكم بالحبس(19). /6/
هل السجن أشد العقوبات أو أسهلها ؟
لعل مما يجدر بنا ذكره أن نتوقف عند كلام لابن فرحون المالكي -رحمه الله- تناول فيه الحديث عن هذا التساؤل، فقد تأول بعض العلماء قوله تعالى: ((إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ))(20)، بأن السجن من العقوبات البليغة؛ لأن الله تعالى قد قرنه مع العذاب الأليم، وقالوا: إن النبي يوسف -عليه السلام- قد عدَّ الانطلاق من السجن إحساناً في قوله تعالى: ((وَقَدْ أَحْسَنَ بِيْ إِذْ أَخْرَجَنِيْ مِنَ السِّجْنِ))(21)، كما أن السجن الطويل عذابٌ وفي ذلك ما حكاه الله تعالى عن فرعون حين أوعد رسول الله موسى -عليه السلام- قائلاً: ((لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُوْنِيْنَ))(22)،(23).
المطلب الثاني
التأصيل الشرعي للعقوبات المقيدة للحرية
إن ذكر التأصيل الشرعي للعقوبات المقيدة للحرية هو بحد ذاته جزء من أدلة مشروعية التعزير، إذ أن العقوبات المقيدة للحرية هي نوعٌ من أنواع العقوبات التعزيرية، فتأصيلها الشرعي يأتي من تأصيل العقوبات التعزيرية بشكل عام، فقد قام الدليل على مشروعية العقوبات المقيدة لحرية الجاني من الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة والاجماع.
فأما من الكتاب الكريم:
فقد قال تعالى: (واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت او يجعل الله لهن سبيلاً)(24).
فان الامساك في البيوت هو في الحقيقة سجن لهن فيها، وهو تقييد لحريتهن كما لا يخفى، وهذا يعني ان الحبس مشروع اصلاً في القران الكريم(25). /7/
واستدل على مشروعيته من القران الكريم ايضاً بقوله تعالى: (انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فساداً ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم)(26).
فقد استدل الحنفية على مشروعية الحبس بهذه الآية، وقالوا ان المقصود بالنفي في قوله تعالى: (او ينفوا من الارض) هو الحبس، وهو تقييد لحرية الجناة(27).
وأما من السنة الشريفة:
فقد استدل على مشروعية الحبس بما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أنه حبس رجلاً في تهمة ثم خلى عنه)(28).
ولما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- انه قال: (لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته)(29).
وعقوبته هنا هي الحبس، كما نقل ذلك الإمام أحمد عن وكيع بن الجراح -رحمهما الله-، وكما فسره بذلك البخاري نفسه في صحيحه(30).
قال العلامة الشوكاني -رحمه الله-: ((وروى البخاري والبيهقي عن سفيان مثل التفسير الذي رواه المصنف عن أحمد عن وكيع، واستدل بالحديث على جواز حبس من عليه الدين حتى يقضيه إذا كان قادرا على القضاء؛ تأديبا له وتشديدا عليه، لا إذا لم يكن قادرا؛ لقوله "الواجد" فإنه يدل على أن المعسر لا يحل عرضه ولا عقوبته))(31).
وقد ثبت عن امير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- انه كتب في شاهد الزور: ((يجلد اربعين سوطاً، ويسخم وجهه ويحلق شعره، ويطاف به ويطال حبسه))(32).
ولا يخفى ان الحبس ليس من عقوبات الحدود او القصاص بل هو عقوبة تعزيرية بتقييد حرية الجاني، فتكون هذه الأحاديث دليلاً على مشروعية هذا النوع من العقوبات(33). /8/
وأما الاجماع:
فقد انعقد الاجماع على ان الحبس يصلح عقوبة في التعزير، وقد جعله الفقهاء من العقوبات التي يقضى بها بالتعزير(34)، فقد ثبت ان امير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سجن الحطيئة لأنه عمد إلى الهجاء في شعره، ولم ينكر عليه احد من الصحابة ذلك السجن، كما سجن امير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ضابىء بن الحارث الذي كان من لصوص بني تميم وفتاكهم، ولم ينكر عليه احد ايضاً، وثبت ان الخليفة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قد سَجَنَ بالكوفةِ، وممن عمد إلى عقوبة السجن عبدالله بن الزبير -رضي الله عنه- في مكة المكرمة حيث سجن محمد بن الحنفية عندما امتنع عن بيعته(35).
تعليق