قراءة نقدية في كتاب «منهج البحث والفتوى في الفقه الإسلامي، بين انضباط السابقين، واضطراب المعاصرين».
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فهذه ورقات أذكر فيها ما رأيته في كتاب الشيخ مصطفى الطرابلسي «منهج البحث والفتوى» من أخطاء ومشكلات، إنما كتبتها لأنني سمعت من بعض الإخوة الذين أثق بهم ثناء عطرا على الكتاب، ورجاني آخرون أن أقرأه، فقرأته في ليلة واحدة وعلقت ما رأيته من مشكلات على الكتاب نفسه ثم دونتها في هذه الورقات.
وإني أرجو رجاء حارا من القارئ الكريم أن يترك نظرته للشيخ القرضاوي جانبا خلال قراءة هذه الملاحظات، فإنها موجهة إلى منهجية الكتاب، لا إلى الخلاف مع الشيخ القرضاوي...
وحاصل نظرتي لهذا الكتاب أنه ضعيف للغاية، مغرق في السطحية، فيه جرأة عالية على الانتقاد من غير تحقيق وتحرير. . .
ومن المحزن عندي أن يكون مثل هذا الكتاب ممثلا لرأي أهل السنة من أتباع المذاهب في الشيخ القرضاوي ومنهجه، فإن ما فيه من ضعف علمي وتخبط في المنهج وسوء فهم للنصوص وتعد على الآخرين، وسطحية في التفكير والبحث والاستنتاج= مضر للغاية بصورة المتمذهبين المتبعين للمذاهب الأربعة المعروفة.
أما تفصيل ذلك فسوف أرتبه على نقاط سريعة وأشير فيه إشارات كثيرة لنصوصه دون نقل النصوص كاملة، إذ وقتي عزيز جدا هذه الأيام، فأرجو مراجعة ما أحيل إليه وبين يدي الطبعة الأولى، فأرجو الرجوع لها:
أولا: القسم النظري من الكتاب سطحي للغاية، يستطيع طالب متمذهب نشيط ذكي في السنة الثالثة مثلا من البكالوروس في إحدى كليات الشريعة أن يكتب مثله، بل وأفضل منه.
إذ لم يأت الشيخ فيه بجديد، ولم يأت لنا بتحقيق علمي قوي واضح لقضية واحدة فقط مما ذكر.
وقد كنت أرجو قبل قراءة هذا الكتاب أن أخرج بفوائد دقيقة في موضوع منهج السابقين، وكنت أرجو أن يحل لنا إشكالات طالما انتظرت من يبحثها بعمق في موضوع المذهبية والخروج عن المذاهب ومنزلة الأئمة المتأخرين في المذاهب، لكني لم أجد شيئا من ذلك.
إن الذي وجدت في هذا القسم أن مؤلفه اقتصر على مجموعة من النقول عن بعض العلماء المعاصرين، من غير جدة ودقة وتحقيق، مع تجاهل تام لكثير من المسائل التي نحتاج إلى بحثها وتحريرها.
ويهون الخطب لو اقتصر الشيخ الطرابلسي في النقل عن العلامة البوطي والشيخ محمد عوامة حفظهما الله تعالى، إذ قد قدما أبحاثا جيدة في خدمة التمذهب (وإن تجاوزها الوقت وصرنا بحاجة ملحة لأبحاث عميقة ودقيقة أخرى )، لكنه سامحه الله- تعدى هؤلاء المذهبيين، وملأ لنا القسم النظري بنقولات كثيرة للغاية من كتب معاصرة سهلة متيسرة، موضوعة في أصلها للمبتدئين، من معاصرين جلهم لا يرون المذهبية والتقيد بها، مثل كتاب «الوجيز» للدكتور زيدان، وكتاب د. الزحيلي «أصول الفقه الإسلامي»، وكتاب «تاريخ المذاهب الإسلامية» لمحمد أبو زهرة، وكتاب مناع القطان «تاريخ التشريع الإسلامي»، وكتاب عمر الأشقر «تاريخ الفقه الإسلامي» وقد نقل منها صفحات كثيرة طويلة، سأذكر بعضها بالتفصيل. وهي من أسهل الكتب التي يستطيع كل طالب مراجعتها والنقل منها، وليس في جميع تلك النقول ما يمكن وصفه بأنه إبداع علمي رصين، بل ليس فيها تحقيق مقولات كبار الأصوليين والتدقيق في فهمها، وإظهار مواضع القوة المنهجية التي كانوا يتمتعون بها في فهمهم للشريعة.
بل إن جل هؤلاء لا يكاد منهجهم يختلف عن منهج الشيخ القرضاوي إلا في الشيء اليسير، وخذ مثلا ما كتبوه في كتبهم عن عصور الانحطاط في الفقه، ويعنون بها عصور المذهبية والمتون والحواشي، لنعلم أن النقل من كتبهم والاعتماد عليهم لا يفعله من يريد مقارعة الشيخ القرضاوي، بل إن الشيخ الطرابلسي في تقسيمه لأدوار الفقه تجاوز هذا الدور الذي ذكروه!
وعلى أي حال فأن نجمع صفحات من بعض كتب الأصول المعاصرة، ونرتبها (مع التناقض أحيانا) وننسقها، فهذا يحسنه كل طالب علم نابه مارس شيئا من البحث العلمي.
فلست أرى أنه من الإنصاف أن يتصدى شخص لمناطحة القرضاوي، معتمدا على نصوص لأقران القرضاوي أو طلابه، دون أن يحقق ويدقق في نصوص أئمتنا المتقدمين، ويوضح لنا المنهج منها!
ودونك تطويله في موضوع المنهج ليصل بنا إلى الخطوات السبعة التي ذكرها ص67 وهي من السطحية بمحل، يستطيع كل من له إلمام بعلم أصول الفقه أن يذكرها ويذكر أمثالها، ويزيد عليها وينقص، وقد أهمل فيها قول الصحابي والاستحسان وشرع من قبلنا، ثم علل ذلك في ص92 بتعليل غريب وهو أن قول الصحابي مثلا متفرع عن السنة، إذ هم أدرى بمرامي الشرع!!!
ثم يفصل في تلك المراحل فيذكر في المرحلة الأولى موضوع الإجماع ص68 وينقل كلام د. الزحيلي في كتابه أصول الفقه، ويستطيع كتابة ذلك كل طالب علم، وانظره متفضلا.
وكذا كلامه السطحي جدا في المرحلة الثانية عن جمع النصوص ص71، وكأنه يخاطب طلابا في المدرسة! فيعرّف القرآن! (وهنا ينقل عن الآمدي! لا عن الزحيلي ولا الأشقر!) ثم ما يشتمل عليه القرآن من أنواع الأحكام! والقطعي منها والظني، ثم يعرف السنة، ويبين طريق التحقق من صحة النصوص، فيعرف المتواتر والآحاد! (نقلا عن د. عتر، وزكي الدين شعبان!)، والصحيح والحسن والضعيف (نقلا عن عتر ومحمود الطحان!).
وما نقله عن الشريف التلمساني في استنباط الأحكام في المرحلة الثالثة ص78، يحسنه كل طالب علم، ليس فيه أدنى جدة وتحقيق.
ونقل موضوع القياس ص84، عن الزحيلي بشكل بسيط.
ونقل في موضوع التعارض بين الأدلة عن الزحيلي صفحات أيضا ص85، ولم يتنبه إلى الاختلافات بين المذاهب في هذا الموضوع، مما يجعله سطحيا للغاية.
ثم نقل صفحات في المصلحة المرسلة والاستصلاح والعرف عن عبد الكريم زيدان في الوجيز وعن الزحيلي ص87-91.
وانظر إلى السطحية في كلامه عن الخطوات التي يجب على المفتي السير بها ص96-103، وخاصة في الخطوة الثانية ص98 (معرفة ظروف المستفتي) فإنه سامحه الله لما أراد أن يذكر أمثلة في هذا الموضوع الذي تكثر فيه الوقائع والحوادث، لجأ إلى كتاب د. محمد نعيم ياسين «الإيمان» لينقل لنا منه الاعتبارات التي تراعى عند إصدار الحكم على من يلقي المصحف في القاذورات! وفي المثال الثاني يذكر لنا المقرر في مذهب المالكية في وجوب الموالاة في أعضاء الوضوء، والظروف التي لا بد من اعتبارها في ذلك مثل الطقس وغيره!!
وكان يمكنه سامحه الله أن يأتينا بأمثلة تظهر دقيق فهمه للعلوم والمسائل، ومثل هذه الأمثلة في غاية السذاجة!
ثم اعجب لإنفاقه 40 صفحة ص116-157في تلخيص كتاب «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني، وحشوها بين الفصول، من غير داع ولا ضرورة، ولو كتبه طالب في البكالوريوس لأشبعناه نقدا!
والمزعج بعد ذلك أنه يخرج علينا بنتيجة هذا التلخيص! ذاكرا أن الباحث لا يصح له استخدام القاعدة ونقيضها في البحث! ص158، وكأنه كان محتاجا إلى كل ذلك الحشو ليصل إلى هذه النتيجة الواضحة للغاية!
ولم يذكر جديدا في فصل التزام العلماء بالمذاهب الأربعة، فقد نقل عن البوطي، وذكر طبقات الاجتهاد. ص167-182، وكذلك ما بعده.
وفي ص194 -203 أكثره نقل عن الشيخ محمد عوامة، ولا جديد فيه.
ومن أمثلة السطحية في البحث: ذكره ص114 أن قواعد الاستنباط للأئمة الذين اندرست مذاهبهم قد حوتها المذاهب الفقهية الأربعة! مستدلا بذلك على مسألتين من مسائل الإمام الثوري! وهي سطحية هائلة.
ويلتحق بالقسم النظري جملة أمور ذكرها أثناء المناقشة التفصيلية مع القرضاوي، منها ص348 حول شذوذ الأحاديث وأقوال الصحابة، وظاهر هناك أن ما ذكره لا علاقة له بالمبحث، فانظره.
وكذا مثاله في رد أقوال الصحابة والتابعين إذا خالفت الأدلة وما عليه العمل ص350، وتأمل في تناقضه وفهمه المغلوط لكلام أبي ثور وابن قدامة، ثم اعجب من الجرأة.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
واعجب غاية العجب من الجرأة الهائلة في التقعيد في العنوان الذي ذكره ص 352: «الحقيقة الأولى: أن ما صح العمل به من أقوال الصحابة والتابعين يقول به مذهب من المذاهب الأربعة»!!!! وانظر السذاجة الهائلة في المثال الذي ذكره!
فهذه بعض أمثلة، وهناك أشياء أخر كثيرة لا يتسع الوقت لذكرها.
وعلى أي حال، فإن هذه السطحية في البحث مع إهمال قضايا شائكة نحتاج بحثهما بعمق ودقة: مضر للغاية بصورة البحث.
فمن تلك القضايا الشائكة التي قد يحتج بها بعض المعاصرين في خروجهم عن المذاهب الأربعة. . .قول بعض أئمتنا بجواز تقليد قول الصحابي وإن كان خارجا عن المذاهب الأربعة، بشرط ثبوته فقط، لا معرفة شروطه وتقييداته، وقد قال به العز بن عبد السلام والسبكي كما نقل ابن حجر الهيتمي في الفتاوى، فقد يحتج به بعض المعاصرين، معارضين للمشهور عندنا بأنه لا يمكن الأخذ بأقوالهم لعدم تحرير مذاهبهم، (وقد ذكر الطرابلسي القول المشهور في ص347 وفسره بكل سطحية وسذاجة، تفسيرا لا أعرف من قال به قبله!)
وقد يحتجون كذلك بخروج بعض أئمتنا عن المذاهب الأربعة، كما فعل الإمام التقي السبكي في مصنفه «الطريقة النافعة» كما يفهم من كلام ابنه التاج في الترشيح، وقد ذكر في الترشيح أيضا مسائل خرج فيها الإمام التقي السبكي عن الأربعة، آخذا بقول بعض التابعين وغيرهم، بل آخذا بقول ابن حزم في بعض المسائل خلافا للأئمة الأربعة! فلا بد من تحرير هذه المسألة تحريرا جيدا، بدلا من أن نملأ صفحات بالنقول عن كتب للمبتدئين.
ومثل تلك المسألة مسائل كثيرة ما زالت تحتاج تحريرا وبحثا منا نحن المقلدين- لنفهم منهجنا على وجهه، مثل مسألة تقييدات المتأخرين (نقلة المذهب) ومنزلتها في المذهب، إذ يعترض بعض المعاصرين على ذلك، مرجعين المسائل المذهبية إلى المتقدمين لا إلى أصحاب الحواشي، الذين ظهروا في عصر يرونه عصر انحطاط وانتكاس... بل لقد اعترض بعض العلماء المعاصرين من المذهبيين على تقييدات المتأخرين، ذاكرا أنه لا يحتج بها، ولا بد من بقاء إطلاق المتقدمين على ما هو عليه، وهي مسألة هامة للغاية أيضا...
ومما لا بد من بحثه أيضا ما نراه كتب أئمتنا المتأخرين (نقلة المذاهب) من استدلالات بالأحاديث على الأحكام الشرعية، وترجيح بين الآراء في المذهب بناء على الحديث وغيره، هل يمكن لهم ذلك؟ و ما معنى كونهم نقلة؟
ومما نحتاج إلى بحثه أيضا تلك الشروط الموضوعة في الكتب الأصولية للمجتهد واحتجاج بعض المعاصرين بها على سهولة الاجتهاد...
ونحتاج بحثا في ضوابط التيسير الذي كان ينزع إليه بعض أئمتنا، وعلى رأسهم الإمام الغزالي في الإحياء، إذ قد خرج عن المذهب الشافعي غير مرة لا سيما في مسائل الطهارة- معللا ذلك بالتيسير...
وكل هذه المسائل مما يحتج به بعض المعاصرين على مناهجهم، فإغفالها ثم جمع الأوراق بالنقول لا يمكن أن يقال فيه إنه بحث علمي جاد...
ثانيا: عاب الأستاذ على الشيخ القرضاوي موضوع الترجيح بين المذاهب ذاكرا أن من يفعل ذلك لا بد له أن يكون أعلم من أئمة المذاهب ص393، وهذا مناقض لما ذكره في القسم النظري من إمكانية الترجيح بين المذاهب، ص99، فضلا عن سطحية النقد، وانظر ص168.
ثالثا: جل ما ذكره الأستاذ من اضطراب منهج الشيخ القرضاوي يمكن مناقشته فيه.
والمناقشة عندي من جهتين:
الأولى: متى نعد العالم متناقضا؟
الثانية: مناقشة تفصيلية للمسائل التي ذكرها.
أما الأولى، فإننا إن وجدنا عشرة مسائل اختلف فيها قول العالم المتفنن جعلنا ذلك تناقضا، فإننا بذلك نكون قد حكمنا على أكثر علماء الإسلام بالتناقض...
ذلك أنك قلما تجد عالما اتفق قوله في مصنفاته، المتقدم منها والمتأخر، والأمر أظهر من ذكر أمثلة، ولا يقال إن ذلك في بعض مسائل الفقه الفرعية، لأننا قد شاهدنا مناهج أصولية تختلف عند العالم الواحد من كتاب إلى آخر، فضلا عن مسائل اعتقادية، ودونك كتاب الزركان عن الإمام الرازي.
وعلى أي حال فإن عشرة مسائل وعشرين وقع فيها العالم بالتناقض والخطأ، لا تجعلنا نحكم بها على منهجه برمته، لا سيما إن كانت نسبة هذه المسائل بين فتاويه وأبحاثه لا تتعدى 1%!!
فإن انضم إلى ذلك تسرع في الاتهام، وسوء فهم للمسائل، وتمحل في الإلزام، عاد الأمر على المُتهِم لا المتهَم.
وهذا هو موضوع الجهة الثانية، إذ قد وجدت ذلك عند الشيخ الطرابلسي، وإليك تفصيل المواضع، (مع العلم بأنني لم أرجع إلى كتب الشيخ القرضاوي إذ ليست عندي، وإنما أناقش الشيخ الطرابلسي بما نقل):
-ذكر في المثال الأول تناقضه في حجية قول الصحابي، ومن يدقق في المثالين الذين ذكرهما الأستاذ يجد أن بينهما فرقا كبيرا، إذ الأول في جواز تقليد أقوال الصحابة والثاني في حجية قوله كمصدر من مصادر التشريع، وفرق كبير بينهما، ولا أظن الأستاذ أتي إلا من قبل تسرعه في انتقاد القرضاوي، وأربأ به أن لا يكون مدركا لذلك الفرق، لأنه معلوم لدى المبتدئين من طلاب العلم، ومذكور في كتب الأصول، (ثم إني قرأت كلاما له ص346 يدل على أنه فعلا لا يفرق بينهما، ثم يعترض على القرضاوي، ويرى أن ذلك مما يعرفه كل دارس للفقه وتاريخه، سامحه الله)
-ذكر في (ثانيا: تناقضه بين النظرية والتطبيق في صفة دليل التحريم) أن الشيخ القرضاوي يقرر اشتراط قطعية دليل التحريم، وإذا دققت في النقلين عن القرضاوي لم تجده كذلك أبدا، فالنص الأول من كتاب الحلال والحرام في سياق الهروب من الفتوى كما هو واضح ظاهر لي عند قراءة مثل هذا النص، والنقل الثاني يقرر فيه ما عند الحنفية والمالكية، ولا يرجح ذلك، فلا يمكن جعله مذهبا للشيخ القرضاوي، فاعجب للأخ الطرابلسي بعد تمحله هذا يشتد في انتقاده بأنه يفتي كثيرا بالتحريم بناء على أدلة ظنية!
ذكر في (ثالثا: تناقضه في تحديد دلالة صيغة الأمر أهي للوجوب أم للندب) والأمر فيه واضح، إذ قول القرضاوي مختلف كما أفهم من ظاهر النقول التي نقلها الأخ الطرابلسي، لكن الملاحظ أيضا أن القول بأن صيغة الأمر للتحريم كانت في الكتب الفقهية وكتب الفتاوى، لا سيما فقه الزكاة وهو من الكتب الأوائل للشيخ القرضاوي، وترجيح إفادة الأمر للسنية في كتابه نحو أصول فقه ميسر، فكأني به لما أراد دراسة المسألة من الناحية الأصولية تغير رأيه ورجح غير ما كان يرى قديما، وهذا التغير من عادة العلماء، والأمثلة كثيرة على ذلك.
ذكر في (رابعا: تناقضه في تخصيص عام القرآن بخبر الآحاد) أن الشيخ يقرر أن يخصص عمومات القرآن بأخبار الآحاد، ثم ينقل عنه نصا في دفاعه عن الشيخ محمد الغزالي فيه رد لحديث لا يقتل مسلم بكافر معتبرا ذلك تناقضا وخرقا للإجماع، وواضح أن الأخ الطرابلسي لا يفرق بين رد الحديث لشذوذه (كما يرى الغزالي) ومسألة التخصيص، فضلا عن كون الشيخ القرضاوي ذكر تأويلا للحديث ليتسق مع مفهوم الآية، فلم يرد الحديث مطلقا، وفوق ذلك كله فإن الموضوع منصب على فكر الشيخ الغزالي لا القرضاوي.
وفي كلام الطرابلسي في هذا الموضع تمحلات وتناقضات، تعجبت للغاية منها، ولا أطيل بذكرها، فالمرجو الرجوع لها والتدقيق.
- ذكر في (خامسا: تناقضه في تقرير قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) أن الشيخ متناقض في هذه المسألة، والذي أراه أن لا تناقض إنما هو تفصيل وإجمال، ولذا تجده في الموضع الثاني يقرر أنه لا بد من الرجوع إلى سبب النزول لفهم النص، وهذا ما يقرره العلماء أيضا مع تسليمهم بالقاعدة فلا تناقض، ولا بد من النظر في السياق والقرائن في تطبيق هذه القاعدة كما قرره ابن دقيق العيد ونقله الحافظ في الفتح، ولا يحضرني موضعه الآن، وهو عين ما فعله الشيخ القرضاوي.
- ذكر في (سادسا: تناقضه في تعليل جواز تمثيل المرأة، وتعليل منعها من إمامة الرجال في الصلاة)، والفرق واضح كبير بين المسألتين، ذكر بعضه الشيخ القرضاوي في النصوص التي نقلها الطرابلسي، خاصة في كلامه عن الحضور في الصلاة، ويمكن أن يفرق بينهما بفروق كثيرة، يدركها من تأمل المسألة جيدا، دون أن تغلب عليه معاداة القرضاوي، وعلى أي حال فلا أظن عالما من المعاصرين الآن يمنع تمثيل المرأة بالشروط التي ذكرها القرضاوي، وإن منعوا إمامة المرأة.
-ذكر في (سابعا: تناقضه في شروط الإجماع) أنه لم يجد مسألة اضطرب فيها كلام الأستاذ القرضاوي وتناقض كهذه المسألة.
لكن المدقق في نصه يعجب من أسلوب الأستاذ هداه الله إذ إنه يلزم القرضاوي بعدم الأخذ بحجية الإجماع إلزاما، من فهمه هو لسياق كلام القرضاوي، دون أن يصرح القرضاوي بذلك البتة! بل بعد أن ينقل القرضاوي عن الشوكاني عدم أخذه بحجية الإجماع، يقول: هذا ما قاله الشوكاني ومع هذا لا نريد أن نقف عنده، ولنسلم بذلك كله (أي حجية الإجماع) فهل نرى الأمة أجمعت على ذلك.
ومن يقرأ عبارات الأستاذ هناك (ص318-319) يجد مقدار التجني الذي وقع على الشيخ القرضاوي، وسببه في نظري التمحل في إلزام الخصم بأسلوب لا يليق!
ولا يصح بعد ذلك إلزامه بالتناقض في مواضع يرى القرضاوي أن لا إجماع فيها كمسألة المرتد (وإن تحفظت)ص 320، ومسألة التفريق بين الزوجين ص321...
أما في موضوع قتال الطلب ص321، فيمكن إدراك مقدار التمحل والتجني على القرضاوي بمراجعة كتاب الجهاد للبوطي، ولا أطيل، وكذا في قضية الرجم، إذ الموضوع عند أبي زهرة والزرقا، والأخير من كبار علماء الأحناف المقلدين في القرن العشرين...
نعم، كلام الشيخ القرضاوي في مسألة فناء النار لا يستقيم، لكن طريقة بحث الأخ الطرابلسي معه في هذه المسألة عجيب للغاية.
ثم إن الطرابلسي طوّل بعد ذلك في مناقشات مع القرضاوي، ذكرت رأيي في بعضها في الكلام عن سطحية النقد فوق، ثم رجع بعد ذلك إلى التناقضات، وأكثرها على المنوال الذي سبق، وأقف هنا عند مثال واحد رأى الطرابلسي فيه تناقضا، وأنا أراه سوء فهم لعبارة القرضاوي أو تمحل.
ذكر الطرابلسي ص440 أن القرضاوي تناقض في موضوع تكفير الشيعة الإمامية، وأرجو من القارئ الكريم أن يقرأ نص القرضاوي الذي نقله الطرابلسي في فقرة (د) متصلا دون تعليقات الطرابلسي، ليفهم كلام القرضاوي على وجهه، ثم يقرأ بعد ذلك تعليق الطرابلسي، ليدرك أنه لم يفهم كلام القرضاوي أبدا.
ويظهر أن الأخ الطرابلسي لا يعرف الكثير عن الشيعة الاثني عشرية في قوله معترضا على القرضاوي: «ولا ننسى أن غير المعتدلين هؤلاء الذين أشار لهم الشيخ: مالك والبخاري وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي ....»، في إشارة منه إلى أن هؤلاء يكفرون الشيعة الاثني عشرية!!! ولاحظ عدم التوثيق!
وقد أزعجني للغاية إنكاره على الشيخ القرضاوي أخذه بمذهب متأخري الشافعية في كراهة حلق اللحية!! ص467، مستدلا عليه بكلام النووي، والأحاديث!!!! فانتقل الشيخ الطرابلسي إلى مرحلة الاستنباط من الحديث !
رابعا: جملة أخطاء فنية لا تقبل في بحث علمي:
أحزنني جدا أن يتصدى شخص لكتابة بحث علمي في موضوع مهم مثل هذا ثم يتجاوز بدهيات البحث العلمي فنيا، ومثال ذلك أن الطرابلسي سامحه الله نقل لنا ص186 أن دعوة مشايخ السلفية في الشام للاجتهاد كانت متسامحة، ومثل لذلك بالشيخ جمال الدين القاسمي، وهو مشكور على هذه المعلومة اللطيفة، وقد كان يمكنه الرجوع في ذلك إلى مصادر معروفة مشهورة عن حياة الشيخ القاسمي، وهناك بعض أهل العلم المتخصصين في ذلك، لكنه آثر أن يكون مصدره في الحاشية هكذا: (1) موقع منتديات الشام. !!
ومن مراجعه الغريبة: أنه يذكر الجيل المعاصر من المنادين بالاجتهاد ص188 -189ثم يقول: «ومنهم من يرى أن صحة الحديث كافية للعمل به، ويحتج لذلك بقول الإمام الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي» ويذكر في الحاشية عند هذا الموضع تحديدا: «(1) تقي الدين السبكي، معنى قول الإمام المطلبي ... ص85» .
وفي ص209 ينقل قصة صلاة الحنفي عن المعاصرين وينتقدهم، والقصة عند الإمام الجويني والغزالي قبل!
ويخرج حديث عمر من إعلام الموقعين لابن القيم ص57 .
وبعد هذا، فهذا رأيي في هذا الكتاب...
والحمد لله رب العالمين
رضوان عبد المنعم الفاضل
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فهذه ورقات أذكر فيها ما رأيته في كتاب الشيخ مصطفى الطرابلسي «منهج البحث والفتوى» من أخطاء ومشكلات، إنما كتبتها لأنني سمعت من بعض الإخوة الذين أثق بهم ثناء عطرا على الكتاب، ورجاني آخرون أن أقرأه، فقرأته في ليلة واحدة وعلقت ما رأيته من مشكلات على الكتاب نفسه ثم دونتها في هذه الورقات.
وإني أرجو رجاء حارا من القارئ الكريم أن يترك نظرته للشيخ القرضاوي جانبا خلال قراءة هذه الملاحظات، فإنها موجهة إلى منهجية الكتاب، لا إلى الخلاف مع الشيخ القرضاوي...
وحاصل نظرتي لهذا الكتاب أنه ضعيف للغاية، مغرق في السطحية، فيه جرأة عالية على الانتقاد من غير تحقيق وتحرير. . .
ومن المحزن عندي أن يكون مثل هذا الكتاب ممثلا لرأي أهل السنة من أتباع المذاهب في الشيخ القرضاوي ومنهجه، فإن ما فيه من ضعف علمي وتخبط في المنهج وسوء فهم للنصوص وتعد على الآخرين، وسطحية في التفكير والبحث والاستنتاج= مضر للغاية بصورة المتمذهبين المتبعين للمذاهب الأربعة المعروفة.
أما تفصيل ذلك فسوف أرتبه على نقاط سريعة وأشير فيه إشارات كثيرة لنصوصه دون نقل النصوص كاملة، إذ وقتي عزيز جدا هذه الأيام، فأرجو مراجعة ما أحيل إليه وبين يدي الطبعة الأولى، فأرجو الرجوع لها:
أولا: القسم النظري من الكتاب سطحي للغاية، يستطيع طالب متمذهب نشيط ذكي في السنة الثالثة مثلا من البكالوروس في إحدى كليات الشريعة أن يكتب مثله، بل وأفضل منه.
إذ لم يأت الشيخ فيه بجديد، ولم يأت لنا بتحقيق علمي قوي واضح لقضية واحدة فقط مما ذكر.
وقد كنت أرجو قبل قراءة هذا الكتاب أن أخرج بفوائد دقيقة في موضوع منهج السابقين، وكنت أرجو أن يحل لنا إشكالات طالما انتظرت من يبحثها بعمق في موضوع المذهبية والخروج عن المذاهب ومنزلة الأئمة المتأخرين في المذاهب، لكني لم أجد شيئا من ذلك.
إن الذي وجدت في هذا القسم أن مؤلفه اقتصر على مجموعة من النقول عن بعض العلماء المعاصرين، من غير جدة ودقة وتحقيق، مع تجاهل تام لكثير من المسائل التي نحتاج إلى بحثها وتحريرها.
ويهون الخطب لو اقتصر الشيخ الطرابلسي في النقل عن العلامة البوطي والشيخ محمد عوامة حفظهما الله تعالى، إذ قد قدما أبحاثا جيدة في خدمة التمذهب (وإن تجاوزها الوقت وصرنا بحاجة ملحة لأبحاث عميقة ودقيقة أخرى )، لكنه سامحه الله- تعدى هؤلاء المذهبيين، وملأ لنا القسم النظري بنقولات كثيرة للغاية من كتب معاصرة سهلة متيسرة، موضوعة في أصلها للمبتدئين، من معاصرين جلهم لا يرون المذهبية والتقيد بها، مثل كتاب «الوجيز» للدكتور زيدان، وكتاب د. الزحيلي «أصول الفقه الإسلامي»، وكتاب «تاريخ المذاهب الإسلامية» لمحمد أبو زهرة، وكتاب مناع القطان «تاريخ التشريع الإسلامي»، وكتاب عمر الأشقر «تاريخ الفقه الإسلامي» وقد نقل منها صفحات كثيرة طويلة، سأذكر بعضها بالتفصيل. وهي من أسهل الكتب التي يستطيع كل طالب مراجعتها والنقل منها، وليس في جميع تلك النقول ما يمكن وصفه بأنه إبداع علمي رصين، بل ليس فيها تحقيق مقولات كبار الأصوليين والتدقيق في فهمها، وإظهار مواضع القوة المنهجية التي كانوا يتمتعون بها في فهمهم للشريعة.
بل إن جل هؤلاء لا يكاد منهجهم يختلف عن منهج الشيخ القرضاوي إلا في الشيء اليسير، وخذ مثلا ما كتبوه في كتبهم عن عصور الانحطاط في الفقه، ويعنون بها عصور المذهبية والمتون والحواشي، لنعلم أن النقل من كتبهم والاعتماد عليهم لا يفعله من يريد مقارعة الشيخ القرضاوي، بل إن الشيخ الطرابلسي في تقسيمه لأدوار الفقه تجاوز هذا الدور الذي ذكروه!
وعلى أي حال فأن نجمع صفحات من بعض كتب الأصول المعاصرة، ونرتبها (مع التناقض أحيانا) وننسقها، فهذا يحسنه كل طالب علم نابه مارس شيئا من البحث العلمي.
فلست أرى أنه من الإنصاف أن يتصدى شخص لمناطحة القرضاوي، معتمدا على نصوص لأقران القرضاوي أو طلابه، دون أن يحقق ويدقق في نصوص أئمتنا المتقدمين، ويوضح لنا المنهج منها!
ودونك تطويله في موضوع المنهج ليصل بنا إلى الخطوات السبعة التي ذكرها ص67 وهي من السطحية بمحل، يستطيع كل من له إلمام بعلم أصول الفقه أن يذكرها ويذكر أمثالها، ويزيد عليها وينقص، وقد أهمل فيها قول الصحابي والاستحسان وشرع من قبلنا، ثم علل ذلك في ص92 بتعليل غريب وهو أن قول الصحابي مثلا متفرع عن السنة، إذ هم أدرى بمرامي الشرع!!!
ثم يفصل في تلك المراحل فيذكر في المرحلة الأولى موضوع الإجماع ص68 وينقل كلام د. الزحيلي في كتابه أصول الفقه، ويستطيع كتابة ذلك كل طالب علم، وانظره متفضلا.
وكذا كلامه السطحي جدا في المرحلة الثانية عن جمع النصوص ص71، وكأنه يخاطب طلابا في المدرسة! فيعرّف القرآن! (وهنا ينقل عن الآمدي! لا عن الزحيلي ولا الأشقر!) ثم ما يشتمل عليه القرآن من أنواع الأحكام! والقطعي منها والظني، ثم يعرف السنة، ويبين طريق التحقق من صحة النصوص، فيعرف المتواتر والآحاد! (نقلا عن د. عتر، وزكي الدين شعبان!)، والصحيح والحسن والضعيف (نقلا عن عتر ومحمود الطحان!).
وما نقله عن الشريف التلمساني في استنباط الأحكام في المرحلة الثالثة ص78، يحسنه كل طالب علم، ليس فيه أدنى جدة وتحقيق.
ونقل موضوع القياس ص84، عن الزحيلي بشكل بسيط.
ونقل في موضوع التعارض بين الأدلة عن الزحيلي صفحات أيضا ص85، ولم يتنبه إلى الاختلافات بين المذاهب في هذا الموضوع، مما يجعله سطحيا للغاية.
ثم نقل صفحات في المصلحة المرسلة والاستصلاح والعرف عن عبد الكريم زيدان في الوجيز وعن الزحيلي ص87-91.
وانظر إلى السطحية في كلامه عن الخطوات التي يجب على المفتي السير بها ص96-103، وخاصة في الخطوة الثانية ص98 (معرفة ظروف المستفتي) فإنه سامحه الله لما أراد أن يذكر أمثلة في هذا الموضوع الذي تكثر فيه الوقائع والحوادث، لجأ إلى كتاب د. محمد نعيم ياسين «الإيمان» لينقل لنا منه الاعتبارات التي تراعى عند إصدار الحكم على من يلقي المصحف في القاذورات! وفي المثال الثاني يذكر لنا المقرر في مذهب المالكية في وجوب الموالاة في أعضاء الوضوء، والظروف التي لا بد من اعتبارها في ذلك مثل الطقس وغيره!!
وكان يمكنه سامحه الله أن يأتينا بأمثلة تظهر دقيق فهمه للعلوم والمسائل، ومثل هذه الأمثلة في غاية السذاجة!
ثم اعجب لإنفاقه 40 صفحة ص116-157في تلخيص كتاب «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني، وحشوها بين الفصول، من غير داع ولا ضرورة، ولو كتبه طالب في البكالوريوس لأشبعناه نقدا!
والمزعج بعد ذلك أنه يخرج علينا بنتيجة هذا التلخيص! ذاكرا أن الباحث لا يصح له استخدام القاعدة ونقيضها في البحث! ص158، وكأنه كان محتاجا إلى كل ذلك الحشو ليصل إلى هذه النتيجة الواضحة للغاية!
ولم يذكر جديدا في فصل التزام العلماء بالمذاهب الأربعة، فقد نقل عن البوطي، وذكر طبقات الاجتهاد. ص167-182، وكذلك ما بعده.
وفي ص194 -203 أكثره نقل عن الشيخ محمد عوامة، ولا جديد فيه.
ومن أمثلة السطحية في البحث: ذكره ص114 أن قواعد الاستنباط للأئمة الذين اندرست مذاهبهم قد حوتها المذاهب الفقهية الأربعة! مستدلا بذلك على مسألتين من مسائل الإمام الثوري! وهي سطحية هائلة.
ويلتحق بالقسم النظري جملة أمور ذكرها أثناء المناقشة التفصيلية مع القرضاوي، منها ص348 حول شذوذ الأحاديث وأقوال الصحابة، وظاهر هناك أن ما ذكره لا علاقة له بالمبحث، فانظره.
وكذا مثاله في رد أقوال الصحابة والتابعين إذا خالفت الأدلة وما عليه العمل ص350، وتأمل في تناقضه وفهمه المغلوط لكلام أبي ثور وابن قدامة، ثم اعجب من الجرأة.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
واعجب غاية العجب من الجرأة الهائلة في التقعيد في العنوان الذي ذكره ص 352: «الحقيقة الأولى: أن ما صح العمل به من أقوال الصحابة والتابعين يقول به مذهب من المذاهب الأربعة»!!!! وانظر السذاجة الهائلة في المثال الذي ذكره!
فهذه بعض أمثلة، وهناك أشياء أخر كثيرة لا يتسع الوقت لذكرها.
وعلى أي حال، فإن هذه السطحية في البحث مع إهمال قضايا شائكة نحتاج بحثهما بعمق ودقة: مضر للغاية بصورة البحث.
فمن تلك القضايا الشائكة التي قد يحتج بها بعض المعاصرين في خروجهم عن المذاهب الأربعة. . .قول بعض أئمتنا بجواز تقليد قول الصحابي وإن كان خارجا عن المذاهب الأربعة، بشرط ثبوته فقط، لا معرفة شروطه وتقييداته، وقد قال به العز بن عبد السلام والسبكي كما نقل ابن حجر الهيتمي في الفتاوى، فقد يحتج به بعض المعاصرين، معارضين للمشهور عندنا بأنه لا يمكن الأخذ بأقوالهم لعدم تحرير مذاهبهم، (وقد ذكر الطرابلسي القول المشهور في ص347 وفسره بكل سطحية وسذاجة، تفسيرا لا أعرف من قال به قبله!)
وقد يحتجون كذلك بخروج بعض أئمتنا عن المذاهب الأربعة، كما فعل الإمام التقي السبكي في مصنفه «الطريقة النافعة» كما يفهم من كلام ابنه التاج في الترشيح، وقد ذكر في الترشيح أيضا مسائل خرج فيها الإمام التقي السبكي عن الأربعة، آخذا بقول بعض التابعين وغيرهم، بل آخذا بقول ابن حزم في بعض المسائل خلافا للأئمة الأربعة! فلا بد من تحرير هذه المسألة تحريرا جيدا، بدلا من أن نملأ صفحات بالنقول عن كتب للمبتدئين.
ومثل تلك المسألة مسائل كثيرة ما زالت تحتاج تحريرا وبحثا منا نحن المقلدين- لنفهم منهجنا على وجهه، مثل مسألة تقييدات المتأخرين (نقلة المذهب) ومنزلتها في المذهب، إذ يعترض بعض المعاصرين على ذلك، مرجعين المسائل المذهبية إلى المتقدمين لا إلى أصحاب الحواشي، الذين ظهروا في عصر يرونه عصر انحطاط وانتكاس... بل لقد اعترض بعض العلماء المعاصرين من المذهبيين على تقييدات المتأخرين، ذاكرا أنه لا يحتج بها، ولا بد من بقاء إطلاق المتقدمين على ما هو عليه، وهي مسألة هامة للغاية أيضا...
ومما لا بد من بحثه أيضا ما نراه كتب أئمتنا المتأخرين (نقلة المذاهب) من استدلالات بالأحاديث على الأحكام الشرعية، وترجيح بين الآراء في المذهب بناء على الحديث وغيره، هل يمكن لهم ذلك؟ و ما معنى كونهم نقلة؟
ومما نحتاج إلى بحثه أيضا تلك الشروط الموضوعة في الكتب الأصولية للمجتهد واحتجاج بعض المعاصرين بها على سهولة الاجتهاد...
ونحتاج بحثا في ضوابط التيسير الذي كان ينزع إليه بعض أئمتنا، وعلى رأسهم الإمام الغزالي في الإحياء، إذ قد خرج عن المذهب الشافعي غير مرة لا سيما في مسائل الطهارة- معللا ذلك بالتيسير...
وكل هذه المسائل مما يحتج به بعض المعاصرين على مناهجهم، فإغفالها ثم جمع الأوراق بالنقول لا يمكن أن يقال فيه إنه بحث علمي جاد...
ثانيا: عاب الأستاذ على الشيخ القرضاوي موضوع الترجيح بين المذاهب ذاكرا أن من يفعل ذلك لا بد له أن يكون أعلم من أئمة المذاهب ص393، وهذا مناقض لما ذكره في القسم النظري من إمكانية الترجيح بين المذاهب، ص99، فضلا عن سطحية النقد، وانظر ص168.
ثالثا: جل ما ذكره الأستاذ من اضطراب منهج الشيخ القرضاوي يمكن مناقشته فيه.
والمناقشة عندي من جهتين:
الأولى: متى نعد العالم متناقضا؟
الثانية: مناقشة تفصيلية للمسائل التي ذكرها.
أما الأولى، فإننا إن وجدنا عشرة مسائل اختلف فيها قول العالم المتفنن جعلنا ذلك تناقضا، فإننا بذلك نكون قد حكمنا على أكثر علماء الإسلام بالتناقض...
ذلك أنك قلما تجد عالما اتفق قوله في مصنفاته، المتقدم منها والمتأخر، والأمر أظهر من ذكر أمثلة، ولا يقال إن ذلك في بعض مسائل الفقه الفرعية، لأننا قد شاهدنا مناهج أصولية تختلف عند العالم الواحد من كتاب إلى آخر، فضلا عن مسائل اعتقادية، ودونك كتاب الزركان عن الإمام الرازي.
وعلى أي حال فإن عشرة مسائل وعشرين وقع فيها العالم بالتناقض والخطأ، لا تجعلنا نحكم بها على منهجه برمته، لا سيما إن كانت نسبة هذه المسائل بين فتاويه وأبحاثه لا تتعدى 1%!!
فإن انضم إلى ذلك تسرع في الاتهام، وسوء فهم للمسائل، وتمحل في الإلزام، عاد الأمر على المُتهِم لا المتهَم.
وهذا هو موضوع الجهة الثانية، إذ قد وجدت ذلك عند الشيخ الطرابلسي، وإليك تفصيل المواضع، (مع العلم بأنني لم أرجع إلى كتب الشيخ القرضاوي إذ ليست عندي، وإنما أناقش الشيخ الطرابلسي بما نقل):
-ذكر في المثال الأول تناقضه في حجية قول الصحابي، ومن يدقق في المثالين الذين ذكرهما الأستاذ يجد أن بينهما فرقا كبيرا، إذ الأول في جواز تقليد أقوال الصحابة والثاني في حجية قوله كمصدر من مصادر التشريع، وفرق كبير بينهما، ولا أظن الأستاذ أتي إلا من قبل تسرعه في انتقاد القرضاوي، وأربأ به أن لا يكون مدركا لذلك الفرق، لأنه معلوم لدى المبتدئين من طلاب العلم، ومذكور في كتب الأصول، (ثم إني قرأت كلاما له ص346 يدل على أنه فعلا لا يفرق بينهما، ثم يعترض على القرضاوي، ويرى أن ذلك مما يعرفه كل دارس للفقه وتاريخه، سامحه الله)
-ذكر في (ثانيا: تناقضه بين النظرية والتطبيق في صفة دليل التحريم) أن الشيخ القرضاوي يقرر اشتراط قطعية دليل التحريم، وإذا دققت في النقلين عن القرضاوي لم تجده كذلك أبدا، فالنص الأول من كتاب الحلال والحرام في سياق الهروب من الفتوى كما هو واضح ظاهر لي عند قراءة مثل هذا النص، والنقل الثاني يقرر فيه ما عند الحنفية والمالكية، ولا يرجح ذلك، فلا يمكن جعله مذهبا للشيخ القرضاوي، فاعجب للأخ الطرابلسي بعد تمحله هذا يشتد في انتقاده بأنه يفتي كثيرا بالتحريم بناء على أدلة ظنية!
ذكر في (ثالثا: تناقضه في تحديد دلالة صيغة الأمر أهي للوجوب أم للندب) والأمر فيه واضح، إذ قول القرضاوي مختلف كما أفهم من ظاهر النقول التي نقلها الأخ الطرابلسي، لكن الملاحظ أيضا أن القول بأن صيغة الأمر للتحريم كانت في الكتب الفقهية وكتب الفتاوى، لا سيما فقه الزكاة وهو من الكتب الأوائل للشيخ القرضاوي، وترجيح إفادة الأمر للسنية في كتابه نحو أصول فقه ميسر، فكأني به لما أراد دراسة المسألة من الناحية الأصولية تغير رأيه ورجح غير ما كان يرى قديما، وهذا التغير من عادة العلماء، والأمثلة كثيرة على ذلك.
ذكر في (رابعا: تناقضه في تخصيص عام القرآن بخبر الآحاد) أن الشيخ يقرر أن يخصص عمومات القرآن بأخبار الآحاد، ثم ينقل عنه نصا في دفاعه عن الشيخ محمد الغزالي فيه رد لحديث لا يقتل مسلم بكافر معتبرا ذلك تناقضا وخرقا للإجماع، وواضح أن الأخ الطرابلسي لا يفرق بين رد الحديث لشذوذه (كما يرى الغزالي) ومسألة التخصيص، فضلا عن كون الشيخ القرضاوي ذكر تأويلا للحديث ليتسق مع مفهوم الآية، فلم يرد الحديث مطلقا، وفوق ذلك كله فإن الموضوع منصب على فكر الشيخ الغزالي لا القرضاوي.
وفي كلام الطرابلسي في هذا الموضع تمحلات وتناقضات، تعجبت للغاية منها، ولا أطيل بذكرها، فالمرجو الرجوع لها والتدقيق.
- ذكر في (خامسا: تناقضه في تقرير قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) أن الشيخ متناقض في هذه المسألة، والذي أراه أن لا تناقض إنما هو تفصيل وإجمال، ولذا تجده في الموضع الثاني يقرر أنه لا بد من الرجوع إلى سبب النزول لفهم النص، وهذا ما يقرره العلماء أيضا مع تسليمهم بالقاعدة فلا تناقض، ولا بد من النظر في السياق والقرائن في تطبيق هذه القاعدة كما قرره ابن دقيق العيد ونقله الحافظ في الفتح، ولا يحضرني موضعه الآن، وهو عين ما فعله الشيخ القرضاوي.
- ذكر في (سادسا: تناقضه في تعليل جواز تمثيل المرأة، وتعليل منعها من إمامة الرجال في الصلاة)، والفرق واضح كبير بين المسألتين، ذكر بعضه الشيخ القرضاوي في النصوص التي نقلها الطرابلسي، خاصة في كلامه عن الحضور في الصلاة، ويمكن أن يفرق بينهما بفروق كثيرة، يدركها من تأمل المسألة جيدا، دون أن تغلب عليه معاداة القرضاوي، وعلى أي حال فلا أظن عالما من المعاصرين الآن يمنع تمثيل المرأة بالشروط التي ذكرها القرضاوي، وإن منعوا إمامة المرأة.
-ذكر في (سابعا: تناقضه في شروط الإجماع) أنه لم يجد مسألة اضطرب فيها كلام الأستاذ القرضاوي وتناقض كهذه المسألة.
لكن المدقق في نصه يعجب من أسلوب الأستاذ هداه الله إذ إنه يلزم القرضاوي بعدم الأخذ بحجية الإجماع إلزاما، من فهمه هو لسياق كلام القرضاوي، دون أن يصرح القرضاوي بذلك البتة! بل بعد أن ينقل القرضاوي عن الشوكاني عدم أخذه بحجية الإجماع، يقول: هذا ما قاله الشوكاني ومع هذا لا نريد أن نقف عنده، ولنسلم بذلك كله (أي حجية الإجماع) فهل نرى الأمة أجمعت على ذلك.
ومن يقرأ عبارات الأستاذ هناك (ص318-319) يجد مقدار التجني الذي وقع على الشيخ القرضاوي، وسببه في نظري التمحل في إلزام الخصم بأسلوب لا يليق!
ولا يصح بعد ذلك إلزامه بالتناقض في مواضع يرى القرضاوي أن لا إجماع فيها كمسألة المرتد (وإن تحفظت)ص 320، ومسألة التفريق بين الزوجين ص321...
أما في موضوع قتال الطلب ص321، فيمكن إدراك مقدار التمحل والتجني على القرضاوي بمراجعة كتاب الجهاد للبوطي، ولا أطيل، وكذا في قضية الرجم، إذ الموضوع عند أبي زهرة والزرقا، والأخير من كبار علماء الأحناف المقلدين في القرن العشرين...
نعم، كلام الشيخ القرضاوي في مسألة فناء النار لا يستقيم، لكن طريقة بحث الأخ الطرابلسي معه في هذه المسألة عجيب للغاية.
ثم إن الطرابلسي طوّل بعد ذلك في مناقشات مع القرضاوي، ذكرت رأيي في بعضها في الكلام عن سطحية النقد فوق، ثم رجع بعد ذلك إلى التناقضات، وأكثرها على المنوال الذي سبق، وأقف هنا عند مثال واحد رأى الطرابلسي فيه تناقضا، وأنا أراه سوء فهم لعبارة القرضاوي أو تمحل.
ذكر الطرابلسي ص440 أن القرضاوي تناقض في موضوع تكفير الشيعة الإمامية، وأرجو من القارئ الكريم أن يقرأ نص القرضاوي الذي نقله الطرابلسي في فقرة (د) متصلا دون تعليقات الطرابلسي، ليفهم كلام القرضاوي على وجهه، ثم يقرأ بعد ذلك تعليق الطرابلسي، ليدرك أنه لم يفهم كلام القرضاوي أبدا.
ويظهر أن الأخ الطرابلسي لا يعرف الكثير عن الشيعة الاثني عشرية في قوله معترضا على القرضاوي: «ولا ننسى أن غير المعتدلين هؤلاء الذين أشار لهم الشيخ: مالك والبخاري وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي ....»، في إشارة منه إلى أن هؤلاء يكفرون الشيعة الاثني عشرية!!! ولاحظ عدم التوثيق!
وقد أزعجني للغاية إنكاره على الشيخ القرضاوي أخذه بمذهب متأخري الشافعية في كراهة حلق اللحية!! ص467، مستدلا عليه بكلام النووي، والأحاديث!!!! فانتقل الشيخ الطرابلسي إلى مرحلة الاستنباط من الحديث !
رابعا: جملة أخطاء فنية لا تقبل في بحث علمي:
أحزنني جدا أن يتصدى شخص لكتابة بحث علمي في موضوع مهم مثل هذا ثم يتجاوز بدهيات البحث العلمي فنيا، ومثال ذلك أن الطرابلسي سامحه الله نقل لنا ص186 أن دعوة مشايخ السلفية في الشام للاجتهاد كانت متسامحة، ومثل لذلك بالشيخ جمال الدين القاسمي، وهو مشكور على هذه المعلومة اللطيفة، وقد كان يمكنه الرجوع في ذلك إلى مصادر معروفة مشهورة عن حياة الشيخ القاسمي، وهناك بعض أهل العلم المتخصصين في ذلك، لكنه آثر أن يكون مصدره في الحاشية هكذا: (1) موقع منتديات الشام. !!
ومن مراجعه الغريبة: أنه يذكر الجيل المعاصر من المنادين بالاجتهاد ص188 -189ثم يقول: «ومنهم من يرى أن صحة الحديث كافية للعمل به، ويحتج لذلك بقول الإمام الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي» ويذكر في الحاشية عند هذا الموضع تحديدا: «(1) تقي الدين السبكي، معنى قول الإمام المطلبي ... ص85» .
وفي ص209 ينقل قصة صلاة الحنفي عن المعاصرين وينتقدهم، والقصة عند الإمام الجويني والغزالي قبل!
ويخرج حديث عمر من إعلام الموقعين لابن القيم ص57 .
وبعد هذا، فهذا رأيي في هذا الكتاب...
والحمد لله رب العالمين
رضوان عبد المنعم الفاضل
تعليق