بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه أما بعد :
كثيرا ما يسمع الواحد من عند الناس في تخاطبهم اليومي و دعائهم بعضهم لبعض أو على بعض، بل مما تحدث به الطامة أن تجد أئمة بقنتون بالناس و لا يحسنون أدب الدعاء و لا يجتنبون ما نهي عنه فيه، و قد حدث مرة أن كنت خلف إمام مسجدنا و هو يقنت و يدعو قائلا: اللهم فرج الهم علينا و على المسلمين، اللهم ارفع غضبك علينا ، و كان الناس من خلفه يؤمنون، فالله المستعان...و ما دعاني إلى أن أنقل إليكم هذا الكلام النفيس للإمام القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق هو طلب كثير من الناس أن يغفر الله للمسلمين جميعا و يشافي مرضى المسلمين جميعا و أن يرفع كل بلاء عن أمة الإسلام و ما إلى ذلك من صيغ قد يأتي بها الواحد بكل عفوية و حسن نية، و ربما يقع بها في محظور أو سوء أدب مع الله، و ربما دعا على نفسه و على من أمن خلفه... و ليعذرني السادة على كثرة أخطائي الإملائية المتعبة في ما كان من غير النقل...
قال الإمام القرافي رحمه الله و أثابه عنا و عن المسلمين كل خير:
الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مِنْ الدُّعَاءِ كُفْرٌ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ : اعْلَمْ أَنَّ الدُّعَاءَ الَّذِي هُوَ الطَّلَبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ حُكْمٌ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ طَلَبٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ النَّدْبُ لِاشْتِمَالِ ذَاتِهِ عَلَى خُضُوعِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَإِظْهَارِ ذِلَّتِهِ وَافْتِقَارِهِ إلَى مَوْلَاهُ فَهَذَا وَنَحْوُهُ مَأْمُورٌ بِهِ ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ مَا يُوجِبُهُ أَوْ يُحَرِّمُهُ وَالتَّحْرِيمُ قَدْ يَنْتَهِي لِلْكُفْرِ ، وَقَدْ لَا يَنْتَهِي فَاَلَّذِي يَنْتَهِي لِلْكُفْرِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ : ( الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي نَفْيَ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْقَاطِعُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى ثُبُوتِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ : ( الْأَوَّلُ ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تُعَذِّبْ مَنْ كَفَرَ بِك أَوْ اغْفِرْ لَهُ ، وَقَدْ دَلَّتْ الْقَوَاطِعُ السَّمْعِيَّةُ عَلَى تَعْذِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ مَاتَ كَافِرًا بِاَللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كُفْرًا ؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ لِتَكْذِيبِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ وَطَلَبُ ذَلِكَ كُفْرٌ فَهَذَا الدُّعَاءُ كُفْرٌ . ( الثَّانِي ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تُخَلِّدْ فُلَانًا الْكَافِرَ فِي النَّارِ ، وَقَدْ دَلَّتْ النُّصُوصُ الْقَاطِعَةُ عَلَى تَخْلِيدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ فَيَكُونُ الدَّاعِي طَالِبًا لِتَكْذِيبِ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ كُفْرٌ . ( الثَّالِثُ ) أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُرِيحَهُ مِنْ الْبَعْثِ حَتَّى يَسْتَرِيحَ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ بَعْثِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ الثَّقَلَيْنِ فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ كُفْرًا ؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ لِتَكْذِيبِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَبَرِهِ .
( الْقِسْمُ الثَّانِي ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ السَّمْعِيُّ عَلَى نَفْيِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ : ( الْأَوَّلُ ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ خَلِّدْ فُلَانًا الْمُسْلِمَ عَدُوِّي فِي النَّارِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ سُوءَ الْخَاتِمَةِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا قَاطِعًا بِأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْجَنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاَللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ كُفْرًا . ( الثَّانِي ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي أَبَدًا حَتَّى أَسْلَمَ مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَكَرْبِهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَوْتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ هَذَا الْخَبَرِ فَيَكُونُ كُفْرًا . ( الثَّالِثُ ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ إبْلِيسَ مُحِبًّا نَاصِحًا لِي وَلِبَنِي آدَمَ أَبَدَ الدَّهْرِ حَتَّى يَقِلَّ الْفَسَادُ وَتَسْتَرِيحَ الْعِبَادُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ { إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاِتَّخَذُوهُ عَدُوًّا } فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ هَذَا الْخَبَرِ فَيَكُونُ كُفْرًا وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرُهَا
. ( الْقِسْمُ الثَّالِثُ ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى ثُبُوتِهِ مِمَّا يُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ : ( الْأَوَّلُ ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ عِلْمِهِ أَوْ عَالَمِيَّتِهِ الْقَدِيمَةِ حَتَّى يَسْتَتِرَ الْعَبْدُ فِي قَبَائِحِهِ وَيَسْتَرِيحَ مِنْ اطِّلَاعِ رَبِّهِ عَلَى فَضَائِحِهِ ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى وُجُوبِ ثُبُوتِ الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى أَزَلًا وَأَبَدًا فَيَكُونُ هَذَا الدَّاعِي طَالِبًا لِقِيَامِ الْجَهْلِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ كُفْرٌ . ( الثَّانِي ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ قُدْرَتِهِ الْقَدِيمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَأْمَنَ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى وُجُوبِ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى أَزَلًا أَبَدًا لَا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ وَلَا الْفَنَاءَ فَطَلَبُ عَدَمِهَا طَلَبٌ لِعَجْزِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ كُفْرٌ . ( الثَّالِثُ ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ وَارْتِفَاعَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الدَّاعِي بِالتَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَيَأْمَنَ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى شُمُولِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ فَيَكُونُ الدَّاعِي طَالِبًا لِسَلْبِ ذَلِكَ فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ كُفْرًا وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرُهَا
. ( الْقِسْمُ الرَّابِعُ ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى نَفْيِهِ مِمَّا يُخِلُّ ثُبُوتُهُ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ مُثُلٌ : أَنْ يَعْظُمَ شَوْقُ الدَّاعِي إلَى رَبِّهِ حَتَّى يَسْأَلَهُ أَنْ يَحِلَّ فِي بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ حَتَّى يَجْتَمِعَ بِهِ أَوْ يَعْظُمَ خَوْفُهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَسْأَلَ اللَّهَ ذَلِكَ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَسْتَبْدِلَ مِنْ وَحْشَتِهِ أُنْسًا ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ فَطَلَبُ ذَلِكَ كُفْرٌ . ( الثَّانِي ) أَنْ تَعْظُمَ حَمَاقَةُ الدَّاعِي وَتَجَرُّؤُهُ فَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الْعَالَمِ مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ الرَّبَّانِيَّةِ مِنْ الْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ وَالْقَضَاءِ النَّافِذِ الْمُحَتَّمِ ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ طَلَبُ ذَلِكَ طَلَبًا لِلشَّرِكَةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُلْكِ وَهُوَ كُفْرٌ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ جُهَّالِ الصُّوفِيَّةِ فَيَقُولُونَ فُلَانٌ أُعْطِيَ كَلِمَةَ كُنْ وَيَسْأَلُونَ أَنْ يُعْطَوْا كَلِمَةَ كُنْ الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا أَمْرُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وَمَا يَعْلَمُونَ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَعْلَمُونَ مَا مَعْنَى إعْطَائِهَا إنْ صَحَّ أَنَّهَا أُعْطِيت ، وَهَذِهِ أَغْوَارٌ بَعِيدَةُ الرَّوْمِ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمُحَصِّلِينَ فَضْلًا عَنْ الصُّوفِيَّةِ الْمُتَخَرِّصِينَ فَيَهْلَكُونَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مُتَقَرِّبُونَ وَهُمْ عَنْهُ مُتَبَاعِدُونَ عَصَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْفِتَنِ وَأَسْبَابِهَا وَالْجَهَالَاتِ وَشَبَهِهَا . ( الثَّالِثُ ) أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَسَبًا فَيَحْصُلَ لَهُ الشَّرَفُ عَلَى الْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ النَّسَبِ وَأَسْبَابِ الِاسْتِيلَادِ الْمُوجِبَةِ لِلْأَنْسَابِ فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ طَلَبًا لِصُدُورِ الِاسْتِيلَادِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ كُفْرًا وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرُهَا فَهَذِهِ كُلُّهَا وُجُوهٌ مُخِلَّةٌ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ تَقَعُ لِلْعِبَادِ الْجُهَّالِ وَمَنْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ بِنَاءَ الْكَنَائِسِ كُفْرٌ إذَا بَنَاهَا مُسْلِمٌ وَيَكُونُ رِدَّةً فِي حَقِّهِ لِاسْتِلْزَامِهِ إرَادَةَ الْكُفْرِ وَكَذَلِكَ أَفْتَى بِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا قَتَلَ نَبِيًّا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ رِسَالَتِهِ كَانَ كَافِرًا لِإِرَادَتِهِ إمَاتَةَ شَرِيعَتِهِ وَإِرَادَةُ إمَاتَةِ الشَّرَائِعِ كُفْرٌ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَهْلَ بِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةُ لَيْسَ عُذْرًا لِلدَّاعِي عِنْدَ اللَّه تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ كُلَّ جَهْلٍ يُمْكِنُ الْمُكَلَّفَ دَفْعُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً لِلْجَاهِلِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ رُسُلَهُ إلَى خَلْقِهِ بِرَسَائِلِهِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ كَافَّةً أَنْ يُعَلِّمُوهَا ثُمَّ يَعْمَلُوا بِهَا فَالْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِهَا وَاجِبَانِ فَمَنْ تَرَكَ التَّعَلُّمَ وَالْعَمَلَ وَبَقِيَ جَاهِلًا فَقَدْ عَصَى مَعْصِيَتَيْنِ لِتَرْكِهِ وَاجِبَيْنِ وَإِنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ فَقَدْ عَصَى مَعْصِيَةً وَاحِدَةً بِتَرْكِ الْعَمَلِ وَمَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ فَقَدْ نَجَا وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { النَّاسُ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْعَالِمُونَ وَالْعَالِمُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْعَامِلُونَ وَالْعَامِلُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْمُخْلِصُونَ وَالْمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ } فَحَكَمَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ بِالْهَلَاكِ إلَّا الْعُلَمَاءَ مِنْهُمْ . ثُمَّ ذَكَرَ شُرُوطًا أُخَرَ مَعَ الْعِلْمِ فِي النَّجَاةِ مِنْ الْهَلَاكِ نَعَمْ الْجَهْلُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ لِلْمُكَلَّفِ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ يَكُونُ عُذْرًا كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ فَظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً أَوْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ خَلًّا أَوْ أَكَلَ طَعَامًا نَجِسًا يَظُنُّهُ طَاهِرًا مُبَاحًا فَهَذِهِ الْجَهَالَاتُ يُعْذَرُ بِهَا إذْ لَوْ اُشْتُرِطَ الْيَقِينُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَشَبَهِهَا لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فَيُعْذَرُونَ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا الْجَهْلُ الَّذِي يُمْكِنُ رَفْعُهُ لَا سِيَّمَا مَعَ طُولِ الزَّمَانِ وَاسْتِمْرَارِ الْأَيَّامِ وَاَلَّذِي لَا يُعْلَمُ الْيَوْمَ يُعْلَمُ فِي غَدٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْخِيرِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ فَسَادٌ فَلَا يَكُونُ عُذْرًا لِأَحَدٍ وَلِذَلِكَ أَلْحَقَ مَالِكٌ الْجَاهِلَ فِي الْعِبَادَاتِ بِالْعَامِدِ دُونَ النَّاسِي ؛ لِأَنَّهُ جَهْلٌ يُمْكِنُهُ رَفْعُهُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ } أَيْ بِجَوَازِ سُؤَالِهِ فَاشْتَرَطَ الْعِلْمَ بِالْجَوَازِ قَبْلَ الْإِقْدَامِ عَلَى الدُّعَاءِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدُّعَاءِ التَّحْرِيمُ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهَا فِي الْفُرُوقِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَنْبَغِي لِلسَّائِلِ أَنْ يَحْذَرَ هَذِهِ الْأَدْعِيَةَ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا حَذَرًا شَدِيدًا لِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ مِنْ سَخَطِ الدَّيَّانِ وَالْخُلُودِ فِي النِّيرَانِ وَحُبُوطِ الْأَعْمَالِ وَانْفِسَاخِ الْأَنْكِحَةِ وَاسْتِبَاحَةِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَمْوَالِ وَهَذَا فَسَادٌ كُلُّهُ يَتَحَصَّلُ بِدُعَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْإِسْلَامِ وَلَا تَرْتَفِعُ أَكْثَرُ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ إلَّا بِتَجْدِيدِ الْإِسْلَامِ وَالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَإِنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ أَمْرُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ مِنْ مُوجِبَاتِ عِقَابِهِ ، وَأَصْلُ كُلِّ فَسَادٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّمَا هُوَ الْجَهْلُ فَاجْتَهِدْ فِي إزَالَتِهِ عَنْك مَا اسْتَطَعْت كَمَا أَنَّ أَصْلَ كُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ فَاجْتَهِدْ فِي تَحْصِيلِهِ مَا اسْتَطَعْت وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُعِينُ عَلَى الْخَيْرِ كُلِّهِ فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَقْسَامُ بِتَمَيُّزِهَا حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُوَ كُفْرٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَمَا لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ
( الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ مُحَرَّمًا ) . وَقَدْ حَضَرَنِي مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ اثْنَا عَشَرَ قِسْمًا ثَبَتَ الْحَصْرُ فِيهَا بِالِاسْتِقْرَاءِ فَتَكُونُ هِيَ الْمُحَرَّمَةَ وَمَا عَدَاهَا لَيْسَ مُحَرَّمًا عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ فِي الْقِسْمَيْنِ ، فَإِنْ ظَفِرَ أَحَدٌ بِقِسْمٍ آخَرَ مُحَرَّمٍ أَضَافَهُ لِهَذِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَهَا أَنَا أُمَثِّلُ كُلَّ قِسْمٍ بِمُثُلِهِ اللَّائِقَةِ بِهِ لِيُقَاسَ عَلَيْهَا نَظَائِرُهَا : الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَحِيلَاتِ الَّتِي لَا تُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ : ( الْأَوَّلُ ) أَنْ يَطْلُبَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَكَانَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ لِيَكُونَ مُطَّلِعًا عَلَى أَحْوَالِ الْإِقْلِيمَيْنِ فَهَذَا سُوءُ أَدَبٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُطْلَبُ مِنْ الْمُلُوكِ إلَّا مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ فِي قُدْرَتِهِمْ وَمَنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ عَرَّضَهُمْ لِلْعَجْزِ لَا سِيَّمَا وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يَطْلُبَ إلَّا مَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ لِئَلَّا يَكُونَ مُتَهَكِّمًا بِالرُّبُوبِيَّةِ . الثَّانِي ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى دَوَامَ إصَابَةِ كَلَامِهِ مِنْ الْحِكَمِ الدَّقِيقَةِ وَالْعُلُومِ الشَّرِيفَةِ أَبَدَ الدَّهْرِ لِيَفْتَخِرَ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ الْفُضَلَاءِ وَيَنْتَفِعَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ . ( الثَّالِثُ ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الِاسْتِغْنَاءَ فِي ذَاتِهِ عَنْ الْأَعْرَاضِ لِيَسْلَمَ طُولَ عُمْرِهِ مِنْ الْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ وَالْأَنْكَادِ وَالْمَخَاوِفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبَلَايَا ، وَقَدْ دَلَّتْ الْعُقُولُ عَلَى اسْتِحَالَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ مُسْتَحِيلَةً فِي حَقِّهِ عَقْلًا كَانَ طَلَبُهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى سُوءَ أَدَبٍ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ طَلَبَهَا يُعَدُّ فِي الْعَادَةِ تَلَاعُبًا وَضَحِكًا مِنْ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَجِبُ لَهُ مِنْ الْإِجْلَالِ فَوْقَ مَا يَجِبُ لِخَلْقِهِ فَمَا نَافَى إجْلَالَ خَلْقِهِ أَوْلَى أَنْ يُنَافِيَ جَلَالَهُ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ بَلْ قَدْ عَابَ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ خَلْقِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أَيْ مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك } أَيْ ثَنَاؤُك الْمُسْتَحَقُّ ثَنَاؤُك عَلَى نَفْسِك أَمَّا ثَنَاءُ الْخَلْقِ فَلَا ؛ لِأَنَّهُ دُونَ الْمُسْتَحَقِّ وَقِسْ عَلَى هَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرَهَا وَاقْضِ بِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ وَلَا تَصِلْ إلَى الْكُفْرِ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ قِلَّةِ الْأَدَبِ فِي الْمُعَامَلَةِ دُونَ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ...
كثيرا ما يسمع الواحد من عند الناس في تخاطبهم اليومي و دعائهم بعضهم لبعض أو على بعض، بل مما تحدث به الطامة أن تجد أئمة بقنتون بالناس و لا يحسنون أدب الدعاء و لا يجتنبون ما نهي عنه فيه، و قد حدث مرة أن كنت خلف إمام مسجدنا و هو يقنت و يدعو قائلا: اللهم فرج الهم علينا و على المسلمين، اللهم ارفع غضبك علينا ، و كان الناس من خلفه يؤمنون، فالله المستعان...و ما دعاني إلى أن أنقل إليكم هذا الكلام النفيس للإمام القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق هو طلب كثير من الناس أن يغفر الله للمسلمين جميعا و يشافي مرضى المسلمين جميعا و أن يرفع كل بلاء عن أمة الإسلام و ما إلى ذلك من صيغ قد يأتي بها الواحد بكل عفوية و حسن نية، و ربما يقع بها في محظور أو سوء أدب مع الله، و ربما دعا على نفسه و على من أمن خلفه... و ليعذرني السادة على كثرة أخطائي الإملائية المتعبة في ما كان من غير النقل...
قال الإمام القرافي رحمه الله و أثابه عنا و عن المسلمين كل خير:
الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مِنْ الدُّعَاءِ كُفْرٌ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ : اعْلَمْ أَنَّ الدُّعَاءَ الَّذِي هُوَ الطَّلَبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ حُكْمٌ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ طَلَبٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ النَّدْبُ لِاشْتِمَالِ ذَاتِهِ عَلَى خُضُوعِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَإِظْهَارِ ذِلَّتِهِ وَافْتِقَارِهِ إلَى مَوْلَاهُ فَهَذَا وَنَحْوُهُ مَأْمُورٌ بِهِ ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ مَا يُوجِبُهُ أَوْ يُحَرِّمُهُ وَالتَّحْرِيمُ قَدْ يَنْتَهِي لِلْكُفْرِ ، وَقَدْ لَا يَنْتَهِي فَاَلَّذِي يَنْتَهِي لِلْكُفْرِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ : ( الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي نَفْيَ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْقَاطِعُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى ثُبُوتِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ : ( الْأَوَّلُ ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تُعَذِّبْ مَنْ كَفَرَ بِك أَوْ اغْفِرْ لَهُ ، وَقَدْ دَلَّتْ الْقَوَاطِعُ السَّمْعِيَّةُ عَلَى تَعْذِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ مَاتَ كَافِرًا بِاَللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كُفْرًا ؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ لِتَكْذِيبِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ وَطَلَبُ ذَلِكَ كُفْرٌ فَهَذَا الدُّعَاءُ كُفْرٌ . ( الثَّانِي ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تُخَلِّدْ فُلَانًا الْكَافِرَ فِي النَّارِ ، وَقَدْ دَلَّتْ النُّصُوصُ الْقَاطِعَةُ عَلَى تَخْلِيدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ فَيَكُونُ الدَّاعِي طَالِبًا لِتَكْذِيبِ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ كُفْرٌ . ( الثَّالِثُ ) أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُرِيحَهُ مِنْ الْبَعْثِ حَتَّى يَسْتَرِيحَ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ بَعْثِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ الثَّقَلَيْنِ فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ كُفْرًا ؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ لِتَكْذِيبِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَبَرِهِ .
( الْقِسْمُ الثَّانِي ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ السَّمْعِيُّ عَلَى نَفْيِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ : ( الْأَوَّلُ ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ خَلِّدْ فُلَانًا الْمُسْلِمَ عَدُوِّي فِي النَّارِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ سُوءَ الْخَاتِمَةِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا قَاطِعًا بِأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْجَنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاَللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ كُفْرًا . ( الثَّانِي ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي أَبَدًا حَتَّى أَسْلَمَ مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَكَرْبِهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَوْتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ هَذَا الْخَبَرِ فَيَكُونُ كُفْرًا . ( الثَّالِثُ ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ إبْلِيسَ مُحِبًّا نَاصِحًا لِي وَلِبَنِي آدَمَ أَبَدَ الدَّهْرِ حَتَّى يَقِلَّ الْفَسَادُ وَتَسْتَرِيحَ الْعِبَادُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ { إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاِتَّخَذُوهُ عَدُوًّا } فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ هَذَا الْخَبَرِ فَيَكُونُ كُفْرًا وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرُهَا
. ( الْقِسْمُ الثَّالِثُ ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى ثُبُوتِهِ مِمَّا يُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ : ( الْأَوَّلُ ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ عِلْمِهِ أَوْ عَالَمِيَّتِهِ الْقَدِيمَةِ حَتَّى يَسْتَتِرَ الْعَبْدُ فِي قَبَائِحِهِ وَيَسْتَرِيحَ مِنْ اطِّلَاعِ رَبِّهِ عَلَى فَضَائِحِهِ ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى وُجُوبِ ثُبُوتِ الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى أَزَلًا وَأَبَدًا فَيَكُونُ هَذَا الدَّاعِي طَالِبًا لِقِيَامِ الْجَهْلِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ كُفْرٌ . ( الثَّانِي ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ قُدْرَتِهِ الْقَدِيمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَأْمَنَ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى وُجُوبِ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى أَزَلًا أَبَدًا لَا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ وَلَا الْفَنَاءَ فَطَلَبُ عَدَمِهَا طَلَبٌ لِعَجْزِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ كُفْرٌ . ( الثَّالِثُ ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ وَارْتِفَاعَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الدَّاعِي بِالتَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَيَأْمَنَ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى شُمُولِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ فَيَكُونُ الدَّاعِي طَالِبًا لِسَلْبِ ذَلِكَ فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ كُفْرًا وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرُهَا
. ( الْقِسْمُ الرَّابِعُ ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى نَفْيِهِ مِمَّا يُخِلُّ ثُبُوتُهُ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ مُثُلٌ : أَنْ يَعْظُمَ شَوْقُ الدَّاعِي إلَى رَبِّهِ حَتَّى يَسْأَلَهُ أَنْ يَحِلَّ فِي بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ حَتَّى يَجْتَمِعَ بِهِ أَوْ يَعْظُمَ خَوْفُهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَسْأَلَ اللَّهَ ذَلِكَ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَسْتَبْدِلَ مِنْ وَحْشَتِهِ أُنْسًا ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ فَطَلَبُ ذَلِكَ كُفْرٌ . ( الثَّانِي ) أَنْ تَعْظُمَ حَمَاقَةُ الدَّاعِي وَتَجَرُّؤُهُ فَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الْعَالَمِ مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ الرَّبَّانِيَّةِ مِنْ الْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ وَالْقَضَاءِ النَّافِذِ الْمُحَتَّمِ ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ طَلَبُ ذَلِكَ طَلَبًا لِلشَّرِكَةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُلْكِ وَهُوَ كُفْرٌ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ جُهَّالِ الصُّوفِيَّةِ فَيَقُولُونَ فُلَانٌ أُعْطِيَ كَلِمَةَ كُنْ وَيَسْأَلُونَ أَنْ يُعْطَوْا كَلِمَةَ كُنْ الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا أَمْرُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وَمَا يَعْلَمُونَ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَعْلَمُونَ مَا مَعْنَى إعْطَائِهَا إنْ صَحَّ أَنَّهَا أُعْطِيت ، وَهَذِهِ أَغْوَارٌ بَعِيدَةُ الرَّوْمِ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمُحَصِّلِينَ فَضْلًا عَنْ الصُّوفِيَّةِ الْمُتَخَرِّصِينَ فَيَهْلَكُونَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مُتَقَرِّبُونَ وَهُمْ عَنْهُ مُتَبَاعِدُونَ عَصَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْفِتَنِ وَأَسْبَابِهَا وَالْجَهَالَاتِ وَشَبَهِهَا . ( الثَّالِثُ ) أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَسَبًا فَيَحْصُلَ لَهُ الشَّرَفُ عَلَى الْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ النَّسَبِ وَأَسْبَابِ الِاسْتِيلَادِ الْمُوجِبَةِ لِلْأَنْسَابِ فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ طَلَبًا لِصُدُورِ الِاسْتِيلَادِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ كُفْرًا وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرُهَا فَهَذِهِ كُلُّهَا وُجُوهٌ مُخِلَّةٌ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ تَقَعُ لِلْعِبَادِ الْجُهَّالِ وَمَنْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ بِنَاءَ الْكَنَائِسِ كُفْرٌ إذَا بَنَاهَا مُسْلِمٌ وَيَكُونُ رِدَّةً فِي حَقِّهِ لِاسْتِلْزَامِهِ إرَادَةَ الْكُفْرِ وَكَذَلِكَ أَفْتَى بِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا قَتَلَ نَبِيًّا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ رِسَالَتِهِ كَانَ كَافِرًا لِإِرَادَتِهِ إمَاتَةَ شَرِيعَتِهِ وَإِرَادَةُ إمَاتَةِ الشَّرَائِعِ كُفْرٌ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَهْلَ بِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةُ لَيْسَ عُذْرًا لِلدَّاعِي عِنْدَ اللَّه تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ كُلَّ جَهْلٍ يُمْكِنُ الْمُكَلَّفَ دَفْعُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً لِلْجَاهِلِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ رُسُلَهُ إلَى خَلْقِهِ بِرَسَائِلِهِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ كَافَّةً أَنْ يُعَلِّمُوهَا ثُمَّ يَعْمَلُوا بِهَا فَالْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِهَا وَاجِبَانِ فَمَنْ تَرَكَ التَّعَلُّمَ وَالْعَمَلَ وَبَقِيَ جَاهِلًا فَقَدْ عَصَى مَعْصِيَتَيْنِ لِتَرْكِهِ وَاجِبَيْنِ وَإِنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ فَقَدْ عَصَى مَعْصِيَةً وَاحِدَةً بِتَرْكِ الْعَمَلِ وَمَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ فَقَدْ نَجَا وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { النَّاسُ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْعَالِمُونَ وَالْعَالِمُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْعَامِلُونَ وَالْعَامِلُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْمُخْلِصُونَ وَالْمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ } فَحَكَمَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ بِالْهَلَاكِ إلَّا الْعُلَمَاءَ مِنْهُمْ . ثُمَّ ذَكَرَ شُرُوطًا أُخَرَ مَعَ الْعِلْمِ فِي النَّجَاةِ مِنْ الْهَلَاكِ نَعَمْ الْجَهْلُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ لِلْمُكَلَّفِ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ يَكُونُ عُذْرًا كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ فَظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً أَوْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ خَلًّا أَوْ أَكَلَ طَعَامًا نَجِسًا يَظُنُّهُ طَاهِرًا مُبَاحًا فَهَذِهِ الْجَهَالَاتُ يُعْذَرُ بِهَا إذْ لَوْ اُشْتُرِطَ الْيَقِينُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَشَبَهِهَا لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فَيُعْذَرُونَ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا الْجَهْلُ الَّذِي يُمْكِنُ رَفْعُهُ لَا سِيَّمَا مَعَ طُولِ الزَّمَانِ وَاسْتِمْرَارِ الْأَيَّامِ وَاَلَّذِي لَا يُعْلَمُ الْيَوْمَ يُعْلَمُ فِي غَدٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْخِيرِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ فَسَادٌ فَلَا يَكُونُ عُذْرًا لِأَحَدٍ وَلِذَلِكَ أَلْحَقَ مَالِكٌ الْجَاهِلَ فِي الْعِبَادَاتِ بِالْعَامِدِ دُونَ النَّاسِي ؛ لِأَنَّهُ جَهْلٌ يُمْكِنُهُ رَفْعُهُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ } أَيْ بِجَوَازِ سُؤَالِهِ فَاشْتَرَطَ الْعِلْمَ بِالْجَوَازِ قَبْلَ الْإِقْدَامِ عَلَى الدُّعَاءِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدُّعَاءِ التَّحْرِيمُ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهَا فِي الْفُرُوقِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَنْبَغِي لِلسَّائِلِ أَنْ يَحْذَرَ هَذِهِ الْأَدْعِيَةَ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا حَذَرًا شَدِيدًا لِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ مِنْ سَخَطِ الدَّيَّانِ وَالْخُلُودِ فِي النِّيرَانِ وَحُبُوطِ الْأَعْمَالِ وَانْفِسَاخِ الْأَنْكِحَةِ وَاسْتِبَاحَةِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَمْوَالِ وَهَذَا فَسَادٌ كُلُّهُ يَتَحَصَّلُ بِدُعَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْإِسْلَامِ وَلَا تَرْتَفِعُ أَكْثَرُ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ إلَّا بِتَجْدِيدِ الْإِسْلَامِ وَالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَإِنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ أَمْرُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ مِنْ مُوجِبَاتِ عِقَابِهِ ، وَأَصْلُ كُلِّ فَسَادٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّمَا هُوَ الْجَهْلُ فَاجْتَهِدْ فِي إزَالَتِهِ عَنْك مَا اسْتَطَعْت كَمَا أَنَّ أَصْلَ كُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ فَاجْتَهِدْ فِي تَحْصِيلِهِ مَا اسْتَطَعْت وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُعِينُ عَلَى الْخَيْرِ كُلِّهِ فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَقْسَامُ بِتَمَيُّزِهَا حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُوَ كُفْرٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَمَا لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ
( الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ مُحَرَّمًا ) . وَقَدْ حَضَرَنِي مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ اثْنَا عَشَرَ قِسْمًا ثَبَتَ الْحَصْرُ فِيهَا بِالِاسْتِقْرَاءِ فَتَكُونُ هِيَ الْمُحَرَّمَةَ وَمَا عَدَاهَا لَيْسَ مُحَرَّمًا عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ فِي الْقِسْمَيْنِ ، فَإِنْ ظَفِرَ أَحَدٌ بِقِسْمٍ آخَرَ مُحَرَّمٍ أَضَافَهُ لِهَذِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَهَا أَنَا أُمَثِّلُ كُلَّ قِسْمٍ بِمُثُلِهِ اللَّائِقَةِ بِهِ لِيُقَاسَ عَلَيْهَا نَظَائِرُهَا : الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَحِيلَاتِ الَّتِي لَا تُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ : ( الْأَوَّلُ ) أَنْ يَطْلُبَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَكَانَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ لِيَكُونَ مُطَّلِعًا عَلَى أَحْوَالِ الْإِقْلِيمَيْنِ فَهَذَا سُوءُ أَدَبٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُطْلَبُ مِنْ الْمُلُوكِ إلَّا مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ فِي قُدْرَتِهِمْ وَمَنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ عَرَّضَهُمْ لِلْعَجْزِ لَا سِيَّمَا وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يَطْلُبَ إلَّا مَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ لِئَلَّا يَكُونَ مُتَهَكِّمًا بِالرُّبُوبِيَّةِ . الثَّانِي ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى دَوَامَ إصَابَةِ كَلَامِهِ مِنْ الْحِكَمِ الدَّقِيقَةِ وَالْعُلُومِ الشَّرِيفَةِ أَبَدَ الدَّهْرِ لِيَفْتَخِرَ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ الْفُضَلَاءِ وَيَنْتَفِعَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ . ( الثَّالِثُ ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الِاسْتِغْنَاءَ فِي ذَاتِهِ عَنْ الْأَعْرَاضِ لِيَسْلَمَ طُولَ عُمْرِهِ مِنْ الْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ وَالْأَنْكَادِ وَالْمَخَاوِفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبَلَايَا ، وَقَدْ دَلَّتْ الْعُقُولُ عَلَى اسْتِحَالَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ مُسْتَحِيلَةً فِي حَقِّهِ عَقْلًا كَانَ طَلَبُهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى سُوءَ أَدَبٍ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ طَلَبَهَا يُعَدُّ فِي الْعَادَةِ تَلَاعُبًا وَضَحِكًا مِنْ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَجِبُ لَهُ مِنْ الْإِجْلَالِ فَوْقَ مَا يَجِبُ لِخَلْقِهِ فَمَا نَافَى إجْلَالَ خَلْقِهِ أَوْلَى أَنْ يُنَافِيَ جَلَالَهُ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ بَلْ قَدْ عَابَ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ خَلْقِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أَيْ مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك } أَيْ ثَنَاؤُك الْمُسْتَحَقُّ ثَنَاؤُك عَلَى نَفْسِك أَمَّا ثَنَاءُ الْخَلْقِ فَلَا ؛ لِأَنَّهُ دُونَ الْمُسْتَحَقِّ وَقِسْ عَلَى هَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرَهَا وَاقْضِ بِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ وَلَا تَصِلْ إلَى الْكُفْرِ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ قِلَّةِ الْأَدَبِ فِي الْمُعَامَلَةِ دُونَ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ...
تعليق