الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن الشعب الليبي عرف بنضاله الطويل ضد جحافل الغزاة وجيوش المستعمرين ولازال كذلك على مر السنين ، وقد سجل التاريخ تلك الملاحم البطولية لجهاد الليبيين ضد المحتل الإيطالي، في معارك لا تحصى في شرق البلاد وغربها ، تحت قيادة شخصيات بطولية سطر التاريخ نضالها ، واحتفظت ذاكرة الليبيين بأسمائها، ولقنوا دروسها لأجيالهم، كي يستشعروا دائماً تلك الملاحم، ويستذكروا تلك الأسماء اللامعة، لتكون دافعاً لهم لخوض المعارك في ساحات الوغى كلما دعت إليها الدواعي، لأن من لا ماضي له لا حاضر له، ومن لا حاضر له لا مستقبل له .
وكان من أبرز تلك الرموز شيخ الشهداء عمر المختار الذي ذاع صيته في أرجاء المعمورة، وعرفته أمم الأرض جميعها، حيث ضرب المثل في مقاومة المحتل، ورفض الاستعمار، ولم يحسب لقوة الغزاة حساباً، بل جابه آلتهم بالإيمان بعدالة القضية، وحق الناس في الحرية، فشهد له التاريخ بأنه رمز من رموز البشرية المحفورة ذكراها في الذاكرة الإنسانية، ولم يكن المختار وحده يقاوم جحافل الغزاة، بل كان معه الليبيون تحت قيادته يرفعون لواء الجهاد، يقدمون أرواحهم رخيصة على مذابح الحرية .
تلك الصورة المرتسمة في ذهن كل ليبي جعلت منه إنساناً لا يرضى الضيم، ويرفض الهيمنة، وترسخ ذلك عنده متوجاً بعقيدة الإسلام التي تأبى له الذلة، ولا ترضى له بغير العزة التي كتب الله أن تكون له ولرسوله وللمؤمنين .
فاستصحب الليبيون ذلك حين رفضوا حكم الطاغوت، وصبروا عليه أربعة عقود وتزيد، لكنهم لم يهضموه، وظلوا يقاومونه بشتى أنواع المقاومة، من محاولات الانقلاب إلى محاولات الاغتيال، إلى محاولات التمرد، كما قاوموه أيديولوجياً في نظام حكمه، ونهج اقتصاده، حتى أجهضوا أفكاره، وأفشلوا نظرياته، وعانوا في سبيل ذلك الكثير من القتل والتشريد، والمطاردة والسجون، وتخلف البلاد في كل المجالات، وشتى الميادين، حتى أذن الله بثورة السابع عشر من فبراير سنة 2011م المجيدة التي فجرت طاقات هذا الشعب، فأظهر شجاعة عز مثليها في تاريخ البشرية، فنظرت إليها الإنسانية بعين الإكبار والإعجاب حين رأت صدور الشباب العارية تقاوم آلة الحرب التي حشدها القذافي ليقتل بها هذا الشعب، ورأى العالم إصرار الليبيين على تحقيق غايتهم، ولو وقفت الدنيا بأسرها ضدهم، ورأت من القذافي فظاظة لم تعهد من أحد قبله، وهمجية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، حين ذاك تحركت الدنيا بأسرها، وقامت جامعة الدول العربية في سابقة هى الأولى في تاريخها بالوقوف في وجه الطاغية، وأسرع العالم من بعدها بطريقة لم تكن معهودة من قبل باستعداده للدفاع عن الشعب الأعزل المظلوم المكلوم، ضد الطاغوت المتجبر المتأله، فحرك آلته، وجمع قوته مختاراً الوقوف مع الشعب ضد جلاده.
ولما كان هذا الجهاد ضارباً في أعماق التاريخ، وكان المختار رمزه وشعاره، المستقر في ضمير هذا الشعب، فإن حب المختار، وإجماع الليبيين عليه جعل منه منارة إليها يهتدي الليبيون، وعلماً إليه يجتمعون، ويحتفظون له بكل الود والاحترام والتقدير والتبجيل، ويصرون على تخليد ذكراه في مناهجهم، وضمائرهم، وبين نشأهم، حتى اندفع بعضهم إلى جمع التبرعات وإعداد الخطط لإعادة بناء ضريحه، ونقل جثمانه .
وذلك لا شك يعبر عن وفاء لهذا الرمز، وعاطفة جياشة نحوه، كما يعبر عن المعدن النفيس لهذا الشعب، الذي يذكر رموزه ويحيي ذكراها، ويأبى تجاهلها أو تناسيها، ونحن نكبر تلك المشاعر الصادقة نحو شيخ الشهداء، وما منا من أحد إلا وله ذلك الشعور، فمقام هذا الرمز مركوز في النفوس، مستقر في القلوب قبل أن يكون عنواناً وشعاراً، يرفع فوق الرءوس، لكن التزام أحكام الشرع، وميزان العقل يحتم علينا ألا نقدم على خطوة حتى نعلم ملابساتها ونستبين حكم الله فيها، فإننا شعب مسلم، ملتزم بتعاليم دينه، والتدين سجية من سجاياه، وذلك يفرض علينا أن ننظر لإعادة بناء ضريح شيخ الشهداء من ذلك المنظار، بعد أن رأينا بعضا من إخواننا الحريصين على تخليد ذكرى شيخ الشهداء قد دفعهم حبه وتقديره إلى جمع الأموال من أجل إعادة ضريحه .
والحق الذي ينبغي علينا أن نجهر به، ونضعه أمام أعيننا جميعاً أن هذا المشروع تحّفُّه أمور من أحكام الشرع وحساب المصالح، تدعو إلى وقفه، وعدم المضي فيه، والتعويض عنه بما هو خير مما يخلد ذكرى هذا الرجل.
ولا يصطدم بشيء من أحكام الشرع، ولا يتعارض مع الأولويات والمصالح المعتبرة، ويمكننا إجمال ذلك فيما يلي:
أولاً : من الناحية الشرعية:
1. إن بناء الأضرحة من الأمور الحادثة بعد القرون المفضلة، كما نرى عند بعض الفرق الزائغة، علاوة على ما نشاهد عند غير المسلمين من بناء الأضرحة، وتزيين القبور، فلا ينبغي للمسلمين أن يحاكوا غيرهم في ذلك، وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما شيد أصحابه قبره، ولا بنوا عليه، وكذلك خلفاؤه وأصحابه وآل بيته، والقرون المفضلة من بعده .
2. إن رفع القبور مخالف لهديه صلى الله عليه وسلم، فقد بعث النبي عليه الصلاة والسلام علَياَّ وأمره بتسوية القبور المشرفة، وأخرج البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنماً؛ أي: مرتفعاً قليلاً على هيئة السنام، والمأذون فيه هو رفع القبر قيد شبر ليعرف ويحترم، قال سحنون: "إن كانت القبور لتسوى بالأرض"، وقال أيضا: "فكيف بمن يريد أن يبني عليها".
3. إن نقل رفات شيخ الشهداء إلى الضريح المزمع بناؤه، ليس فيه مصلحة ترتجى، وقد قال العلماء بجواز نقل الميت ولو بعد دفنه إذا كانت هناك مصلحة، كأن يخشى عليه من السباع، أو أن يأكله البحر، أو ترجى له البركة في المكان المنقول إليه، كدفنه بين قوم صالحين، ونقل رفات الشهيد إلى مكان الضريح ليس فيه شيء من ذلك.
4. إن بناء ضريح شيخ الشهداء يغري ببناء الأضرحة، وتشييد القبور فيكون سنة يقتدى بها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، دون أن ينقص من أوزارهم شيئاً) ومن قواعد الشرع سد ذرائع الفساد.
5. إن ما يدفعه الناس من التبرعات لبناء الضريح إنما قصدهم من ذلك التقرب إلى الله تعالى ، وحصول الأجر والثواب لهم، ومعلوم أن الثواب إنما يكون في الطاعات، وأن باب الصدقات في مواطن القربات، وإذ قد ثبت النهى عن رفع القبور والبناء عليها، وتجصيصها، وتبييضها ونقشها والكتابة عليها، فلا محل لجمع المال لبنائها ما دام مما نهى الشارع عنه، ولا ثواب إلا في الطاعات، ومن عمل عملاً مما نهى الشارع عنه فلا ثواب له عليه، بل عليه وزره، وإن ظن أنه يحسن صنعاً، وقد قال صلى الله عليه وسلم
من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وما يزمع عمله مع شيخ الشهداء مخالف للسنة باتفاق الفقهاء.
6. إن هذا البناء لو أقيم فلا يخلو من نقش وزخرفة، وكل ذلك جاءت السنة بالنهى عنه، بل لا يخلو من كتابة شيء من القرآن على جدرانه، وهو من البدع التي لم تكن معروفة في العصور المفضلة التي هي محل الاقتداء والتأسي، علاوة على أنها قد تؤدي إلى امتهان القرآن، إذ ربما سقط تحت الأقدام مع تقادم الزمان، كما أن ذلك يخرج بالقرآن عما أنزل له، من كونه منهجاً متكاملاً تضبط به حياة الفرد والجماعة، ويؤسس عليه بناء الأمة، فيصير القرآن زخرفاً للأبنية وزينة للجدران، وما أنزله الله لشيء من ذلك.
7. إن جهاد شيخ الشهداء كان لله خالصاً، لا تشوبه من الدنيا شائبة ـ إن شاء الله ـ فكيف يصح لنا أن نأتي اليوم بعمل من أعمال الشهرة؛ لرجل ما نظن أنه دار بخلده يوماً من ذلك شيء .
ثانياً: من حيث الأولويات والمصالح المعتبرة:
. 1معلوم أن البلاد مازالت مشغولة بسيول الدماء، والوقوع في الأعراض، والأسر والفقد والقتال في كل الجبهات، ومواجهة الطاغية وكتائبه ومرتزقته، فلا ينبغي للناس أن يشتغلوا إلا بذلك حتى يمن الله تعالى بالتحرير والنصر والتمكين.
. 2ما تمر به البلاد من أزمة مالية بسبب تجميد الأموال ، وعدم تعاون العالم معنا في هذا المجال يستوجب علينا أن نضع كل درهم في أهم أبوابه ، وأن نقدم الأهم على المهم ناهيك عن الكماليات والتحسينات .
. 3حاجة الناس لضرورات الحياة من المأكل والملبس والعلاج نظراً لنقص السيولة، وعدم الإفراج عن الودائع ، فإخواننا من النازحين إلى تونس، والجبل الغربي، والنازحين من رأس لانوف، والبريقة وبشر، والعقيلة، وغيرهم من الذين خربت بيوتهم، ونهبت ممتلكاتهم، واضطروا إلى هجر بلدانهم ينتظرون عطف الناس عليهم، وينتظرون مساعدات العالم، وإغاثة الجمعيات، وجهات البر والإحسان، فهم أولى بكل درهم عقلاً وشرعاً، فإن إحياء النفوس، وتفريج الكربات مقدم على كل شيء .
. 4حاجة المجاهدين إلى الأموال لإعاشتهم في الجبهات، والقيام بشأن أسرهم من ورائهم، وحاجتهم الماسة إلى السلاح والعتاد حتى يتم النصر بحول الله، كل ذلك مقدم على البناء؛ ولو كان لسكن الناس علاوة عن أن يكون بناء على ميت، لا ينتفع به في دنيا، ولا يشفع له عند الله تعالى في الأخرى.
. 5حاجة المجلس الوطني إلى المال لتصريف الضروري من الأعمال التي لا تقوم البلاد إلا بها، وحاجة الجرحى والمرضى للعلاج خارج البلاد، ومتطلبات إعالة أسر المجاهدين والشهداء، وغير ذلك مما، تدعو إليه الحاجة، يقضي الشرع والعقل بتقديمه على بناء الأضرحة، وادخار كل درهم في هذا السبيل .
. 6حاجة البلاد إلى الأعمال الضرورية اليوم كالكهرباء والمياه وصيانة ما لايمكن تأخيره كالمجاري ونحوها، والعمارات التي خرج منها أهلها مع شدة حاجتهم إليها ولازالت لم تكتمل صيانتها بعد، علاوة على الحاجة الماسة إلى إعادة إعمار البلاد من آثار الحرب المدمرة التي سوت كثيراً من البيوت والمصانع والمحلات بالأرض، بل سوت مدناً بأكملها بالأرض، وتركت أهلها مشردين داخل البلاد وخارجها .
فالأخوة الدينية والوطنية تحتم تقديم تلك الحاجات على ما سواها، وميزان الشرع والعقل يقضي بألا يقدم على تلك الأولويات شيء .
. 7إن شيخ الشهداء لم تفارق روحه ولا ذكره خيال الليبيين، ولا وجدانهم حينما كان ينازل المحتل في صحاري ليبيا وجبالها، ولم يفارق وجدانهم حينما جيء به يرفل في قيوده إلى حبال المشانق، ولا حينما دفن في مقبرة سيدي اعبيد، ولا حينما نقل إلى الضريح في بنغازي، بل ولا حينما نقل إلى مكان استشهاده في مدينة سلوق، وإن كان نقله إلى هناك ينطوي على نية خبيثة من الطاغوت، لكن الليبيين والعالم من حولهم لم ينسوا ذلك الجبل الأشم، فشهرته في جهاده وأمجاده وبطولاته، وليس في ضريح يبنى عليه، أو نصب يقام باسمه .
. 8إننا نقترح أن ينفق ما جمع من الأموال في الضرورات السابقة، ثم بعد زوال الطاغية، واستقرار البلاد ـ إن شاء الله ـ يوظف ما يبقى من الأموال أو ما يجمع بعدها، أو ما تخصصه الدولة آن ذاك، فيما هو خير وأبقى، وأجدى نفعاً للبلاد وأحسن ذكراً لشيخ الشهداء، فتوضع في مشروع خيري، كإقامة معهد علمي، أو مركز بحثي، أو مستشفى خيري، للعلاج المجاني لبعض الأمراض الخطرة، فإن ذلك أولى وأكثر نفعاً، وأعظم أجراً، لأنه من الصدقات الجارية التي يعود ثوابها على رمز الجهاد مادامت قائمة .
وبذا فقد استبان الحكم، وظهرت معالم الحق، والله من وراء القصد.
فإن الشعب الليبي عرف بنضاله الطويل ضد جحافل الغزاة وجيوش المستعمرين ولازال كذلك على مر السنين ، وقد سجل التاريخ تلك الملاحم البطولية لجهاد الليبيين ضد المحتل الإيطالي، في معارك لا تحصى في شرق البلاد وغربها ، تحت قيادة شخصيات بطولية سطر التاريخ نضالها ، واحتفظت ذاكرة الليبيين بأسمائها، ولقنوا دروسها لأجيالهم، كي يستشعروا دائماً تلك الملاحم، ويستذكروا تلك الأسماء اللامعة، لتكون دافعاً لهم لخوض المعارك في ساحات الوغى كلما دعت إليها الدواعي، لأن من لا ماضي له لا حاضر له، ومن لا حاضر له لا مستقبل له .
وكان من أبرز تلك الرموز شيخ الشهداء عمر المختار الذي ذاع صيته في أرجاء المعمورة، وعرفته أمم الأرض جميعها، حيث ضرب المثل في مقاومة المحتل، ورفض الاستعمار، ولم يحسب لقوة الغزاة حساباً، بل جابه آلتهم بالإيمان بعدالة القضية، وحق الناس في الحرية، فشهد له التاريخ بأنه رمز من رموز البشرية المحفورة ذكراها في الذاكرة الإنسانية، ولم يكن المختار وحده يقاوم جحافل الغزاة، بل كان معه الليبيون تحت قيادته يرفعون لواء الجهاد، يقدمون أرواحهم رخيصة على مذابح الحرية .
تلك الصورة المرتسمة في ذهن كل ليبي جعلت منه إنساناً لا يرضى الضيم، ويرفض الهيمنة، وترسخ ذلك عنده متوجاً بعقيدة الإسلام التي تأبى له الذلة، ولا ترضى له بغير العزة التي كتب الله أن تكون له ولرسوله وللمؤمنين .
فاستصحب الليبيون ذلك حين رفضوا حكم الطاغوت، وصبروا عليه أربعة عقود وتزيد، لكنهم لم يهضموه، وظلوا يقاومونه بشتى أنواع المقاومة، من محاولات الانقلاب إلى محاولات الاغتيال، إلى محاولات التمرد، كما قاوموه أيديولوجياً في نظام حكمه، ونهج اقتصاده، حتى أجهضوا أفكاره، وأفشلوا نظرياته، وعانوا في سبيل ذلك الكثير من القتل والتشريد، والمطاردة والسجون، وتخلف البلاد في كل المجالات، وشتى الميادين، حتى أذن الله بثورة السابع عشر من فبراير سنة 2011م المجيدة التي فجرت طاقات هذا الشعب، فأظهر شجاعة عز مثليها في تاريخ البشرية، فنظرت إليها الإنسانية بعين الإكبار والإعجاب حين رأت صدور الشباب العارية تقاوم آلة الحرب التي حشدها القذافي ليقتل بها هذا الشعب، ورأى العالم إصرار الليبيين على تحقيق غايتهم، ولو وقفت الدنيا بأسرها ضدهم، ورأت من القذافي فظاظة لم تعهد من أحد قبله، وهمجية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، حين ذاك تحركت الدنيا بأسرها، وقامت جامعة الدول العربية في سابقة هى الأولى في تاريخها بالوقوف في وجه الطاغية، وأسرع العالم من بعدها بطريقة لم تكن معهودة من قبل باستعداده للدفاع عن الشعب الأعزل المظلوم المكلوم، ضد الطاغوت المتجبر المتأله، فحرك آلته، وجمع قوته مختاراً الوقوف مع الشعب ضد جلاده.
ولما كان هذا الجهاد ضارباً في أعماق التاريخ، وكان المختار رمزه وشعاره، المستقر في ضمير هذا الشعب، فإن حب المختار، وإجماع الليبيين عليه جعل منه منارة إليها يهتدي الليبيون، وعلماً إليه يجتمعون، ويحتفظون له بكل الود والاحترام والتقدير والتبجيل، ويصرون على تخليد ذكراه في مناهجهم، وضمائرهم، وبين نشأهم، حتى اندفع بعضهم إلى جمع التبرعات وإعداد الخطط لإعادة بناء ضريحه، ونقل جثمانه .
وذلك لا شك يعبر عن وفاء لهذا الرمز، وعاطفة جياشة نحوه، كما يعبر عن المعدن النفيس لهذا الشعب، الذي يذكر رموزه ويحيي ذكراها، ويأبى تجاهلها أو تناسيها، ونحن نكبر تلك المشاعر الصادقة نحو شيخ الشهداء، وما منا من أحد إلا وله ذلك الشعور، فمقام هذا الرمز مركوز في النفوس، مستقر في القلوب قبل أن يكون عنواناً وشعاراً، يرفع فوق الرءوس، لكن التزام أحكام الشرع، وميزان العقل يحتم علينا ألا نقدم على خطوة حتى نعلم ملابساتها ونستبين حكم الله فيها، فإننا شعب مسلم، ملتزم بتعاليم دينه، والتدين سجية من سجاياه، وذلك يفرض علينا أن ننظر لإعادة بناء ضريح شيخ الشهداء من ذلك المنظار، بعد أن رأينا بعضا من إخواننا الحريصين على تخليد ذكرى شيخ الشهداء قد دفعهم حبه وتقديره إلى جمع الأموال من أجل إعادة ضريحه .
والحق الذي ينبغي علينا أن نجهر به، ونضعه أمام أعيننا جميعاً أن هذا المشروع تحّفُّه أمور من أحكام الشرع وحساب المصالح، تدعو إلى وقفه، وعدم المضي فيه، والتعويض عنه بما هو خير مما يخلد ذكرى هذا الرجل.
ولا يصطدم بشيء من أحكام الشرع، ولا يتعارض مع الأولويات والمصالح المعتبرة، ويمكننا إجمال ذلك فيما يلي:
أولاً : من الناحية الشرعية:
1. إن بناء الأضرحة من الأمور الحادثة بعد القرون المفضلة، كما نرى عند بعض الفرق الزائغة، علاوة على ما نشاهد عند غير المسلمين من بناء الأضرحة، وتزيين القبور، فلا ينبغي للمسلمين أن يحاكوا غيرهم في ذلك، وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما شيد أصحابه قبره، ولا بنوا عليه، وكذلك خلفاؤه وأصحابه وآل بيته، والقرون المفضلة من بعده .
2. إن رفع القبور مخالف لهديه صلى الله عليه وسلم، فقد بعث النبي عليه الصلاة والسلام علَياَّ وأمره بتسوية القبور المشرفة، وأخرج البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنماً؛ أي: مرتفعاً قليلاً على هيئة السنام، والمأذون فيه هو رفع القبر قيد شبر ليعرف ويحترم، قال سحنون: "إن كانت القبور لتسوى بالأرض"، وقال أيضا: "فكيف بمن يريد أن يبني عليها".
3. إن نقل رفات شيخ الشهداء إلى الضريح المزمع بناؤه، ليس فيه مصلحة ترتجى، وقد قال العلماء بجواز نقل الميت ولو بعد دفنه إذا كانت هناك مصلحة، كأن يخشى عليه من السباع، أو أن يأكله البحر، أو ترجى له البركة في المكان المنقول إليه، كدفنه بين قوم صالحين، ونقل رفات الشهيد إلى مكان الضريح ليس فيه شيء من ذلك.
4. إن بناء ضريح شيخ الشهداء يغري ببناء الأضرحة، وتشييد القبور فيكون سنة يقتدى بها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، دون أن ينقص من أوزارهم شيئاً) ومن قواعد الشرع سد ذرائع الفساد.
5. إن ما يدفعه الناس من التبرعات لبناء الضريح إنما قصدهم من ذلك التقرب إلى الله تعالى ، وحصول الأجر والثواب لهم، ومعلوم أن الثواب إنما يكون في الطاعات، وأن باب الصدقات في مواطن القربات، وإذ قد ثبت النهى عن رفع القبور والبناء عليها، وتجصيصها، وتبييضها ونقشها والكتابة عليها، فلا محل لجمع المال لبنائها ما دام مما نهى الشارع عنه، ولا ثواب إلا في الطاعات، ومن عمل عملاً مما نهى الشارع عنه فلا ثواب له عليه، بل عليه وزره، وإن ظن أنه يحسن صنعاً، وقد قال صلى الله عليه وسلم
من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وما يزمع عمله مع شيخ الشهداء مخالف للسنة باتفاق الفقهاء.6. إن هذا البناء لو أقيم فلا يخلو من نقش وزخرفة، وكل ذلك جاءت السنة بالنهى عنه، بل لا يخلو من كتابة شيء من القرآن على جدرانه، وهو من البدع التي لم تكن معروفة في العصور المفضلة التي هي محل الاقتداء والتأسي، علاوة على أنها قد تؤدي إلى امتهان القرآن، إذ ربما سقط تحت الأقدام مع تقادم الزمان، كما أن ذلك يخرج بالقرآن عما أنزل له، من كونه منهجاً متكاملاً تضبط به حياة الفرد والجماعة، ويؤسس عليه بناء الأمة، فيصير القرآن زخرفاً للأبنية وزينة للجدران، وما أنزله الله لشيء من ذلك.
7. إن جهاد شيخ الشهداء كان لله خالصاً، لا تشوبه من الدنيا شائبة ـ إن شاء الله ـ فكيف يصح لنا أن نأتي اليوم بعمل من أعمال الشهرة؛ لرجل ما نظن أنه دار بخلده يوماً من ذلك شيء .
ثانياً: من حيث الأولويات والمصالح المعتبرة:
. 1معلوم أن البلاد مازالت مشغولة بسيول الدماء، والوقوع في الأعراض، والأسر والفقد والقتال في كل الجبهات، ومواجهة الطاغية وكتائبه ومرتزقته، فلا ينبغي للناس أن يشتغلوا إلا بذلك حتى يمن الله تعالى بالتحرير والنصر والتمكين.
. 2ما تمر به البلاد من أزمة مالية بسبب تجميد الأموال ، وعدم تعاون العالم معنا في هذا المجال يستوجب علينا أن نضع كل درهم في أهم أبوابه ، وأن نقدم الأهم على المهم ناهيك عن الكماليات والتحسينات .
. 3حاجة الناس لضرورات الحياة من المأكل والملبس والعلاج نظراً لنقص السيولة، وعدم الإفراج عن الودائع ، فإخواننا من النازحين إلى تونس، والجبل الغربي، والنازحين من رأس لانوف، والبريقة وبشر، والعقيلة، وغيرهم من الذين خربت بيوتهم، ونهبت ممتلكاتهم، واضطروا إلى هجر بلدانهم ينتظرون عطف الناس عليهم، وينتظرون مساعدات العالم، وإغاثة الجمعيات، وجهات البر والإحسان، فهم أولى بكل درهم عقلاً وشرعاً، فإن إحياء النفوس، وتفريج الكربات مقدم على كل شيء .
. 4حاجة المجاهدين إلى الأموال لإعاشتهم في الجبهات، والقيام بشأن أسرهم من ورائهم، وحاجتهم الماسة إلى السلاح والعتاد حتى يتم النصر بحول الله، كل ذلك مقدم على البناء؛ ولو كان لسكن الناس علاوة عن أن يكون بناء على ميت، لا ينتفع به في دنيا، ولا يشفع له عند الله تعالى في الأخرى.
. 5حاجة المجلس الوطني إلى المال لتصريف الضروري من الأعمال التي لا تقوم البلاد إلا بها، وحاجة الجرحى والمرضى للعلاج خارج البلاد، ومتطلبات إعالة أسر المجاهدين والشهداء، وغير ذلك مما، تدعو إليه الحاجة، يقضي الشرع والعقل بتقديمه على بناء الأضرحة، وادخار كل درهم في هذا السبيل .
. 6حاجة البلاد إلى الأعمال الضرورية اليوم كالكهرباء والمياه وصيانة ما لايمكن تأخيره كالمجاري ونحوها، والعمارات التي خرج منها أهلها مع شدة حاجتهم إليها ولازالت لم تكتمل صيانتها بعد، علاوة على الحاجة الماسة إلى إعادة إعمار البلاد من آثار الحرب المدمرة التي سوت كثيراً من البيوت والمصانع والمحلات بالأرض، بل سوت مدناً بأكملها بالأرض، وتركت أهلها مشردين داخل البلاد وخارجها .
فالأخوة الدينية والوطنية تحتم تقديم تلك الحاجات على ما سواها، وميزان الشرع والعقل يقضي بألا يقدم على تلك الأولويات شيء .
. 7إن شيخ الشهداء لم تفارق روحه ولا ذكره خيال الليبيين، ولا وجدانهم حينما كان ينازل المحتل في صحاري ليبيا وجبالها، ولم يفارق وجدانهم حينما جيء به يرفل في قيوده إلى حبال المشانق، ولا حينما دفن في مقبرة سيدي اعبيد، ولا حينما نقل إلى الضريح في بنغازي، بل ولا حينما نقل إلى مكان استشهاده في مدينة سلوق، وإن كان نقله إلى هناك ينطوي على نية خبيثة من الطاغوت، لكن الليبيين والعالم من حولهم لم ينسوا ذلك الجبل الأشم، فشهرته في جهاده وأمجاده وبطولاته، وليس في ضريح يبنى عليه، أو نصب يقام باسمه .
. 8إننا نقترح أن ينفق ما جمع من الأموال في الضرورات السابقة، ثم بعد زوال الطاغية، واستقرار البلاد ـ إن شاء الله ـ يوظف ما يبقى من الأموال أو ما يجمع بعدها، أو ما تخصصه الدولة آن ذاك، فيما هو خير وأبقى، وأجدى نفعاً للبلاد وأحسن ذكراً لشيخ الشهداء، فتوضع في مشروع خيري، كإقامة معهد علمي، أو مركز بحثي، أو مستشفى خيري، للعلاج المجاني لبعض الأمراض الخطرة، فإن ذلك أولى وأكثر نفعاً، وأعظم أجراً، لأنه من الصدقات الجارية التي يعود ثوابها على رمز الجهاد مادامت قائمة .
وبذا فقد استبان الحكم، وظهرت معالم الحق، والله من وراء القصد.