كتب الأخ همام في رد له عليّ دون أن يكون له علاقة بمن وجهت له الكلام وقتئذ، وقد أعرضت عمّا بدر منه من إساءة متصدقًا بعرضي عليه، فلم ألتفت لما قاله بما لا يليق بمن ينسب نفسه للعلم وأهله متجاوزًا بذلك حدوده.
كما أود التنبيه على جميع المشاركين بمراعاة ألفاظهم عند مخاطبتهم للمشرفين، فقد رأيت في الفترة الأخيرة تجاوز بعضهم لحدوده، ولم نرد الغاء مشاركاتهم تحسنينًا للظن منا فيهم، ولا نحجر على أحد بمخالفته أحد المشرفين الرأي ما دام قوله في حدود العلم والأدب.
وما يهمني في رده نقله القول عن الشيخ سعيد حفظه الله- :
إن شيخنا العلامة سعيد فودة قد قرر أكثر من مرة أنه يجيز تقليد أي مجتهد من أئمة أهل السنة في الفقه....سواء أكان قوله معتمدا في المذهب أما لا.
وقد دار حوار البارحة بيني وبين الشيخ سعيد حفظه الله- إبان زيارتي له في مكتبه، ولم يوافق على إطلاق هذا الكلام، وبين الخلل فيه، وذكر لي رأيه في الموضوع، وذكرت له رأيي، وكانت النهاية اتفاقنا في الرأي، مع تفصيلات من بعض حواشي كتب السادة الشافعية وعد الشيخ بذكرها مع بيان رأيه في مشاركته بالموضوع.
وطلب مني أن نخصص موضوعًا نصل فيه إلى سياسة المنتدى في النظر إلى أقوال الأئمة، وكذا الأقوال الواردة في المذهب صحيحها وضعيفها، لنصل إلى صورة واضحة نتبناها في المنتدى.
وطلب أن يشترك في الموضوع من له اشتغال بالفقه كالشيخ جلال، والشيخ هاني- لنتناقش الموضوع، ويبدي كل واحد منا وجهة نظره المؤسسة على نظر صحيح، ومعرفة بقواعد المذهب.
وهي دعوة مني أيضًا أن يشاركنا الأفاضل ممن له اطلاع على الفقه، وقواعد الأئمة في اعتماد الأقوال وما يتعلق بها كالشيخ نوران، والشيخ أشرف سهيل (وهذا ليس من باب الحصر، فكل من له اطلاع وإلمام بما ذكرت فلا نحجر على أحد).
وأبدأ القول كفاتحة للموضوع:
وما يأتي بين قوسين من توضيحي
المسألة الاولى: نقل ابن الهمام رحمه الله- في تحريره عن الإمام في البرهان: اجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة، بل من بعدهم (من الأئمة) الذين سبروا ووضعوا ودونوا (وهو إشارة منه رحمه الله في حصر الأوصاف الصالحة للعلية في عدد ثم ابطال بعضها، وهو إشارة لكمالهم في باب القياس، بل ما هو أعمق من ذلك من التحقيق والتدقيق والتوضيح والتهذيب، بخلاف مجتهدي الصحابة فإنهم لم يعتنوا بذلك).
وعلى هذا ما ذكر بعض المتأخرين (وهو ابن الصلاح) منع تقليد غير الأربعة؛ لانضباط مذاهبهم، وتقييد مسائلهم، وتخصيص عمومها، ولم يدر مثله في غيرهم الآن؛ لانقراض أتباعهم (وبانقراضهم تعذر ثبوت نقل حقيقة مذاهبهم). اهـ
وعليه فإنَّه يجوز تقليد أي إمام من الأئمة الأربعة لانضباط مذاهبهم.
المسألة الثانية:
هل يجوز تقليد أي قول في المذهب وإن لم يكن معتمدًا، ولم يكن صاحبه من أهل الاجتهاد والترجيح في المذهب؟
أقول: المقرر في مذهبنا أنه لا يجوز الافتاء بغير قول ظاهر الرواية (وهي المسائل المروية عن أصحاب المذهب، وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن ويقال لهم العلماء الثلاثة-
ويلحق بهم زفر بن الهذيل، والحسن بن زياد وغيرهما ممن أخذ عن الإمام، ولكن الغالب الشائع أن يكون قول الثلاثة، أو قول بعضهم. وسمّيت بظاهر الرواية؛ لأنَّها رويت عن محمد برواية الثقات، فهي ثابتة عنه، إما متواترة أو مشهورة عنه ) إلا إذا نصَّ علماء المذهب على أنَّ الفتوى عليه.
وعليه: فإنه يفتى بمسائل ظاهر الرواية وإنْ لم يصرح علماؤنا بتصحيح ما فيها، ويستثنى من ذلك ما صحَّحوه من روايات أخرى وردت في كتب غير ظاهر الرواية، فيصار عندئذ إلى اتباع ما صحَّحوه.
قال الإمام المجتهد قاضيخان رحمه الله- في الفتاوى: (أنه يُفتى بالروايات الظاهرة عن أصحابنا التي لا خلاف فيها بينهم، ولا يُفتى بخلافها وإنْ كان مجتهداً؛ لأنَّ الظاهر أن يكون الحق مع أصحابنا لا يعدوهم، واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، فلا يُنظر إلى قول من خالفَهم، ولا تُقبل حجته؛ لأنَّهم عرفوا الأدلة وميزوا بين ما صحَّ وثبتَ وبين ضده).
وصرَّح ابن قطلوبغا رحمه الله- في فتاويه: (أنَّه لا يعمل بأبحاث شيخه يقصد الكمال بن الهمام- التي تخالف المذهب).
وقال الإمام الطَّرسُوسي الحنفي رحمه الله-: (القاضي المقلد لا يجوز له أن يحكم إلا بما هو ظاهر المذهب، لا بالرواية الشاذة، إلا أن ينصوا على أنَّ الفتوى عليها).
وقال ابن نجيم رحمه الله- نقلاً عن فتاوى ابن قطلوبغا: (وليس للقاضي المقلد أن يحكم بالضَّعيف؛ لأنَّه ليس من أهل التَّرجيح، فلا يعدل عن الصَّحيح إلا إلى قصد غير جميل، ولو حكم لا ينفذ؛ لأنَّ قضاءه قضاء بغير الحق، لأنَّ الحقَّ هو المُصحح).
فالظاهر من عبارات أئمة المذهب رحمهم الله تعالى- أنَّه لا يُعدل في الفتوى والحكم عمَّا هو منصوص عليه في ظاهر الرواية.
قال الإمام الحصكفي رحمه الله- في الدُّر المختار: (وحاصل ما ذكره الشيخ قاسم في تصحيحه: أنَّه لا فرق بين المفتي والقاضي، إلا أن المفتي مخبر عن الحكم، والقاضي ملزم به، وأن الحكم والفتيا بالقول المرجوح جهل وخرق للإجماع).
وعلَّق عليه ابن عابدين - رحمه الله - بقوله: (وأولى من هذا بالبطلان الإفتاء بخلاف ظاهر الرواية إذا لم يُصحَّح، والإفتاء بالقول المرجوع عنه).
وقال ابن عابدين رحمه الله - أيضاً: (إذا كان أحد القولين ظاهر الرواية والآخر غيرها، فقد صرَّحوا إجمالاً بأنَّه لا يُعدل عن ظاهر الرواية، فهو ترجيح ضمني لكلّ ما كان ظاهر الرواية فلا يعدل عنه بلا ترجيح صريح لمقابله).
وذكر الدَّهلوي رحمه الله-: (أن ما تقرر من مسائل في ظاهر المذهب يقبل على كل حال، سواء وافقت الأصول أو خالفت).
هذا هو الأصل في الفتوى والحكم عند السادة الحنفية، إلا أنَّهم صرَّحوا بالعدول عن هذا الأصل، وسوَّغوا الخروج عمَّا اتفق عليه أئمة المذهب للضرورة، أو لتغير الزمان والعرف، أو لأنَّه الأرفق بالناس وغيرها من الأسباب، ولم يعتبروا ذلك خروجاً عن المذهب أو قواعده، بل اعتبروها مذهبه معنىً، إذ لو حدثت هذه الضرورة في زمانه، أو تغير العرف لقال بما قال به المتأخرون، وهذا الخروج كله وفق قواعد المذهب وضوابطه.
لذا استدرك ابن عابدين - رحمه الله الله تعالى- بعدما ذكر الأصل بعدم جواز الخروج عن ظاهر الرواية بقوله: لكن ربما عدلوا عمَّا اتفق عليه أئمتنا لضرورة ونحوها.
وعليه: فليس لأي أحد أن يتخير ويعمل بغير ما قرره الأئمة الأعلام في المذهب، بحجة أنه قول وارد فيه، وسآتي إلى تفصيل ذلك لاحقًا إن شاء الله.
قال العلامة ابن قطلوبغا الحنفي رحمه الله: ( إني قد رأيت من عمل في مذهب أئمتنا رضي الله عنهم- بالتشهي، حتى سمعت من لفظ بعض القضاة: وهل ثمَّ حجر؟ فقلت: نعمن اتباع الهوى حرام، والمرجوح في مقابلة الراجح بمنزلة العدم، والترجيح بغير مرجح في المتقابلات ممنوع). اهـ
وقال العلامة برهان الدين إبراهيم بن علي بن فرحون اليعمري المالكي في كتاب "أصول الأقضية": (من لم يقف على المشهور من الروايتين أو القولين فليس له التشهي في الحكم بما شاء منها من غير نظر في الترجيح). اهـ
وقال العلامة أبو عمرو بن الصلاح في كتاب "أدب المفتي": (اعلم أن من يكتفي بأن يكون فتياه أو عمله موافقًا لقول أو وجه في المسألة ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخرق الإجماع). اهـ
بانتظار مشاركة بقية الأفاضل لإثراء الموضوع
وللحديث بقية إن شاء الله.
تعليق