هل يجوز العمل بكل قول في المذهب؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • لؤي الخليلي الحنفي
    مشرف منتدى الفقه الإسلامي وأصوله
    • Jun 2004
    • 2544

    #1

    هل يجوز العمل بكل قول في المذهب؟



    كتب الأخ همام في رد له عليّ دون أن يكون له علاقة بمن وجهت له الكلام وقتئذ، وقد أعرضت عمّا بدر منه من إساءة متصدقًا بعرضي عليه، فلم ألتفت لما قاله بما لا يليق بمن ينسب نفسه للعلم وأهله متجاوزًا بذلك حدوده.
    كما أود التنبيه على جميع المشاركين بمراعاة ألفاظهم عند مخاطبتهم للمشرفين، فقد رأيت في الفترة الأخيرة تجاوز بعضهم لحدوده، ولم نرد الغاء مشاركاتهم تحسنينًا للظن منا فيهم، ولا نحجر على أحد بمخالفته أحد المشرفين الرأي ما دام قوله في حدود العلم والأدب.
    وما يهمني في رده نقله القول عن الشيخ سعيد حفظه الله- :
    إن شيخنا العلامة سعيد فودة قد قرر أكثر من مرة أنه يجيز تقليد أي مجتهد من أئمة أهل السنة في الفقه....سواء أكان قوله معتمدا في المذهب أما لا.

    وقد دار حوار البارحة بيني وبين الشيخ سعيد حفظه الله- إبان زيارتي له في مكتبه، ولم يوافق على إطلاق هذا الكلام، وبين الخلل فيه، وذكر لي رأيه في الموضوع، وذكرت له رأيي، وكانت النهاية اتفاقنا في الرأي، مع تفصيلات من بعض حواشي كتب السادة الشافعية وعد الشيخ بذكرها مع بيان رأيه في مشاركته بالموضوع.
    وطلب مني أن نخصص موضوعًا نصل فيه إلى سياسة المنتدى في النظر إلى أقوال الأئمة، وكذا الأقوال الواردة في المذهب صحيحها وضعيفها، لنصل إلى صورة واضحة نتبناها في المنتدى.
    وطلب أن يشترك في الموضوع من له اشتغال بالفقه كالشيخ جلال، والشيخ هاني- لنتناقش الموضوع، ويبدي كل واحد منا وجهة نظره المؤسسة على نظر صحيح، ومعرفة بقواعد المذهب.
    وهي دعوة مني أيضًا أن يشاركنا الأفاضل ممن له اطلاع على الفقه، وقواعد الأئمة في اعتماد الأقوال وما يتعلق بها كالشيخ نوران، والشيخ أشرف سهيل (وهذا ليس من باب الحصر، فكل من له اطلاع وإلمام بما ذكرت فلا نحجر على أحد).

    وأبدأ القول كفاتحة للموضوع:
    وما يأتي بين قوسين من توضيحي
    المسألة الاولى: نقل ابن الهمام رحمه الله- في تحريره عن الإمام في البرهان: اجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة، بل من بعدهم (من الأئمة) الذين سبروا ووضعوا ودونوا (وهو إشارة منه رحمه الله في حصر الأوصاف الصالحة للعلية في عدد ثم ابطال بعضها، وهو إشارة لكمالهم في باب القياس، بل ما هو أعمق من ذلك من التحقيق والتدقيق والتوضيح والتهذيب، بخلاف مجتهدي الصحابة فإنهم لم يعتنوا بذلك).
    وعلى هذا ما ذكر بعض المتأخرين (وهو ابن الصلاح) منع تقليد غير الأربعة؛ لانضباط مذاهبهم، وتقييد مسائلهم، وتخصيص عمومها، ولم يدر مثله في غيرهم الآن؛ لانقراض أتباعهم (وبانقراضهم تعذر ثبوت نقل حقيقة مذاهبهم). اهـ

    وعليه فإنَّه يجوز تقليد أي إمام من الأئمة الأربعة لانضباط مذاهبهم.

    المسألة الثانية:
    هل يجوز تقليد أي قول في المذهب وإن لم يكن معتمدًا، ولم يكن صاحبه من أهل الاجتهاد والترجيح في المذهب؟

    أقول: المقرر في مذهبنا أنه لا يجوز الافتاء بغير قول ظاهر الرواية (وهي المسائل المروية عن أصحاب المذهب، وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن ويقال لهم العلماء الثلاثة-
    ويلحق بهم زفر بن الهذيل، والحسن بن زياد وغيرهما ممن أخذ عن الإمام، ولكن الغالب الشائع أن يكون قول الثلاثة، أو قول بعضهم. وسمّيت بظاهر الرواية؛ لأنَّها رويت عن محمد برواية الثقات، فهي ثابتة عنه، إما متواترة أو مشهورة عنه ) إلا إذا نصَّ علماء المذهب على أنَّ الفتوى عليه.
    وعليه: فإنه يفتى بمسائل ظاهر الرواية وإنْ لم يصرح علماؤنا بتصحيح ما فيها، ويستثنى من ذلك ما صحَّحوه من روايات أخرى وردت في كتب غير ظاهر الرواية، فيصار عندئذ إلى اتباع ما صحَّحوه.
    قال الإمام المجتهد قاضيخان رحمه الله- في الفتاوى: (أنه يُفتى بالروايات الظاهرة عن أصحابنا التي لا خلاف فيها بينهم، ولا يُفتى بخلافها وإنْ كان مجتهداً؛ لأنَّ الظاهر أن يكون الحق مع أصحابنا لا يعدوهم، واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، فلا يُنظر إلى قول من خالفَهم، ولا تُقبل حجته؛ لأنَّهم عرفوا الأدلة وميزوا بين ما صحَّ وثبتَ وبين ضده).
    وصرَّح ابن قطلوبغا رحمه الله- في فتاويه: (أنَّه لا يعمل بأبحاث شيخه يقصد الكمال بن الهمام- التي تخالف المذهب).

    وقال الإمام الطَّرسُوسي الحنفي رحمه الله-: (القاضي المقلد لا يجوز له أن يحكم إلا بما هو ظاهر المذهب، لا بالرواية الشاذة، إلا أن ينصوا على أنَّ الفتوى عليها).

    وقال ابن نجيم رحمه الله- نقلاً عن فتاوى ابن قطلوبغا: (وليس للقاضي المقلد أن يحكم بالضَّعيف؛ لأنَّه ليس من أهل التَّرجيح، فلا يعدل عن الصَّحيح إلا إلى قصد غير جميل، ولو حكم لا ينفذ؛ لأنَّ قضاءه قضاء بغير الحق، لأنَّ الحقَّ هو المُصحح).

    فالظاهر من عبارات أئمة المذهب رحمهم الله تعالى- أنَّه لا يُعدل في الفتوى والحكم عمَّا هو منصوص عليه في ظاهر الرواية.

    قال الإمام الحصكفي رحمه الله- في الدُّر المختار: (وحاصل ما ذكره الشيخ قاسم في تصحيحه: أنَّه لا فرق بين المفتي والقاضي، إلا أن المفتي مخبر عن الحكم، والقاضي ملزم به، وأن الحكم والفتيا بالقول المرجوح جهل وخرق للإجماع).

    وعلَّق عليه ابن عابدين - رحمه الله - بقوله: (وأولى من هذا بالبطلان الإفتاء بخلاف ظاهر الرواية إذا لم يُصحَّح، والإفتاء بالقول المرجوع عنه).
    وقال ابن عابدين رحمه الله - أيضاً: (إذا كان أحد القولين ظاهر الرواية والآخر غيرها، فقد صرَّحوا إجمالاً بأنَّه لا يُعدل عن ظاهر الرواية، فهو ترجيح ضمني لكلّ ما كان ظاهر الرواية فلا يعدل عنه بلا ترجيح صريح لمقابله).

    وذكر الدَّهلوي رحمه الله-: (أن ما تقرر من مسائل في ظاهر المذهب يقبل على كل حال، سواء وافقت الأصول أو خالفت).
    هذا هو الأصل في الفتوى والحكم عند السادة الحنفية، إلا أنَّهم صرَّحوا بالعدول عن هذا الأصل، وسوَّغوا الخروج عمَّا اتفق عليه أئمة المذهب للضرورة، أو لتغير الزمان والعرف، أو لأنَّه الأرفق بالناس وغيرها من الأسباب، ولم يعتبروا ذلك خروجاً عن المذهب أو قواعده، بل اعتبروها مذهبه معنىً، إذ لو حدثت هذه الضرورة في زمانه، أو تغير العرف لقال بما قال به المتأخرون، وهذا الخروج كله وفق قواعد المذهب وضوابطه.
    لذا استدرك ابن عابدين - رحمه الله الله تعالى- بعدما ذكر الأصل بعدم جواز الخروج عن ظاهر الرواية بقوله: لكن ربما عدلوا عمَّا اتفق عليه أئمتنا لضرورة ونحوها.

    وعليه: فليس لأي أحد أن يتخير ويعمل بغير ما قرره الأئمة الأعلام في المذهب، بحجة أنه قول وارد فيه، وسآتي إلى تفصيل ذلك لاحقًا إن شاء الله.

    قال العلامة ابن قطلوبغا الحنفي رحمه الله: ( إني قد رأيت من عمل في مذهب أئمتنا رضي الله عنهم- بالتشهي، حتى سمعت من لفظ بعض القضاة: وهل ثمَّ حجر؟ فقلت: نعمن اتباع الهوى حرام، والمرجوح في مقابلة الراجح بمنزلة العدم، والترجيح بغير مرجح في المتقابلات ممنوع). اهـ

    وقال العلامة برهان الدين إبراهيم بن علي بن فرحون اليعمري المالكي في كتاب "أصول الأقضية": (من لم يقف على المشهور من الروايتين أو القولين فليس له التشهي في الحكم بما شاء منها من غير نظر في الترجيح). اهـ

    وقال العلامة أبو عمرو بن الصلاح في كتاب "أدب المفتي": (اعلم أن من يكتفي بأن يكون فتياه أو عمله موافقًا لقول أو وجه في المسألة ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخرق الإجماع). اهـ

    بانتظار مشاركة بقية الأفاضل لإثراء الموضوع
    وللحديث بقية إن شاء الله.
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!
  • نوران محمد طاهر
    طالب علم
    • Nov 2010
    • 139

    #2
    بارك الله فيك شيخنا الفاضل، وهذا الموضوع من أهم الأسس التي يجب البحث فيها، فهو من أبرز العلامات المميزة لأهل السنة والجماعة في الفروع.
    وأهم إشكال يثيره البعض ما يقرؤونه من أمثال الشيخ عبد السلام مثلاً وغيره من شروح الجوهرة ، فيظنون تعميم القول ولا يلتفتون إلى ضوابطه وشروطه.
    وهذه النقول عن ساداتنا الحنفية كالشمس في رابعة النهار، وأبتدأ بمشاركة خجولة لتثمير البحث بإذن الله، وأقول:
    النصوص الواردة في الحض على الأخذ بالكتاب والسنة مهما كثرت وثُوِّرت فيجب حملها على ما قاله العلامة الحافظ الفقيه المحدث أبو عمرو بن الصلاح في «فتاويه» أنها تخصص بمن كان أهلاً للنظر والاجتهاد، ولا توسعة عليه إلا في ذلك، فالناس بين مقلِّد ومقلَّد، ولا ثالث بينهما، ومجتهدو المذهب ونحوهم هم في النهاية من أهل التقليد على التحقيق.
    قال العلامة المناوي في «فيض القدير» (1/209): (لا يجوز تقليد الصحابة وكذا التابعين كما قاله إمام الحرمين مِنْ كلِّ مَنْ لم يدون مذهبه، فيمتنع تقليد غير الأربعة في القضاء والإفتاء؛ لأن المذاهب الأربعة انتشرت وتحررت حتى ظهر تقييد مطلقها وتخصيص عامِّها بخلاف غيرهم لانقراض اتباعهم وقد نقل الإمام الرازي رحمه الله تعالى إجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة وأكابرهم انتهى
    نعم يجوز لغير عامي من الفقهاء المقلدين تقليد غير الأربعة في العمل لنفسه إن علم نسبته لمن يجوز تقليده وجمع شروطه عنده لكن بشرط أن لا يتتبع الرخصة بأن يأخذ من كل مذهب الأهون بحيث تنحل ربقة التكليف من عتقه وإلا لم يجز خلافا لابن عبد السلام حيث أطلق جواز تتبعها وقد يحمل كلامه على ما إذا تتبعها على وجه لا يصل إلى الانحلال)
    وقال العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي في رسالته «خلاصة التحقيق» (ص 1): (وأما تقليد مذهب من مذاهبهم الآن غير المذاهب الأربعة، فلا يجوز لا لنقصان في مذاهبهم، ورجحان المذاهب الأربعة عليهم، لأن فيهم الخلفاء المفضلين على جميع الأمة، بل لعدم تدوين مذاهبهم وعدم معرفتنا الآن بشروطها وقيودها، وعدم وصول ذلك إلينا بطريق التواتر، حتى لو وصل إلينا شيء من ذلك كذلك جاز لنا تقليده، لكنه لم يصل كذلك).
    وقال أيضاً : (انحصر الآن العمل بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم في العمل بما ذهب إليه أحد الأربعة فقط على العموم، فالأمر المتفق عليه المعلوم من الدين بالضرورة لا يحتاج إلى التقليد فيه لأحد الأربعة، كفرضية الصلاة والصوم والزكاة والحج ونحوها، وحرمة الزنا واللواط وشرب الخمر والقتل والسرقة والغصب وما أشبه ذلك.
    والأمر المختلف فيه هو الذي يحتاج إلى التقليد فيه، فإذا قلد فيه الإنسان مذهباً معيناً من المذاهب الأربعة، فهل يلزم ذلك الإنسان الدوام عليه أو يجوز له الانتقال عنه؟
    قال الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الملك البغدادي الحنفي رحمه الله تعالى في رسالة له عملها في بيان حقيقة التقليد:
    اعلم أن التقليد هو قبول قول الغير من غير معرفة دليله، وأما معرفة دليله فليس إلا وظيفة المجتهد، والتقليد مناط العمل، فكما لا يجوز للمجتهد العمل في الوقائع إلا باجتهاده ورأيه، كذلك لا يجوز للمقلد العمل في كل واقعة من الأعمال والأحكام إلا بتقليده واستفتائه من مفتٍ مجتهد أو حامل فقه، وقالوا: الواجب على المقلد المطلق اتباع مجتهد في جميع المسائل، فلا يجوز له العمل في واقعة إلا بتقليد مجتهد، أي مجتهد كان).
    وهناك كلمة تكلم بها العلامة الصاوي في حاشيته على الجلالين أغضبت خصومه لظاهرها، وهي في حقيقتها من مشكاة العلم ونوره، سأنقلها وأبحث فيها.
    قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

    تعليق

    • حمزة عدنان يلدار
      طالب علم
      • Aug 2008
      • 44

      #3
      اعذروني على التطفل على مشايخي الكرام ، لكني أحببت أن أنقل كلاما للسيد محمد الكاف في الموضوع منقولا عن موقع الملتقى الفقهي :


      الالتزام بالمعتمد في العمل للنفس

      قسم الفقهاء العامل لنفسه ، إلى قسمين :
      1- العامي الملتزم بمذهب فقهي .
      2- العامي الذي لم يلتزم بمذهب فقهي .
      التزام العامي بمذهب فقهي أوجبه الأصوليون والفقهاء :
      قال الجلال المحلي(ت864هـ) في شرحه على «جمع الجوامع»:
      (( و) الأصح (أنه يجب) على العامي وغيره ممن لم يبلغ رتبة الاجتهاد (التزام مذهب معين) من مذاهب المجتهدين ) ([1])وكذلك قرره النووي في «المجموع» ([2])وعلله بأن عدم التزام العامي بمذهب يفضي إلى تتبع الرخص المفضي إلى انحلال ربقة التكليف .
      فالملتزم بمذهب ، حكمه أنه لا يعمل إلا براجح مذهبه سائلا عن ذلك من تأهل له ، ويحرم إفتاؤه بالمرجوح وعمله به إن لم تقض بذلك حاجة أو مصلحة([3]) على قياس ما تقرر في المفتي .
      وهو الأمر الذي استقر لدى المتأخرين من جواز العمل بأي قول من أقوال المذاهب في حق النفس ، يقرر ذلك الشيخ ابن حجر ، فيقول :
      (أما على الصحيح وهو التخيير مطلقا وجواز الانتقال إلى أي مذهب من المذاهب المعتبرة ولو بمجرد التشهي ، ما لم يتتبع الرخص ، بل وإن تتبعها على ما مَرَّ ، فله وإن أفتى بحكم أن ينتقل إلى خلافه بأن يقلد القائل به ويفتي به ، ما لم يترتب على ذلك تلفيق التقليد المستلزم بطلان تلك الصورة باجتماع المذهبين) ([4])
      ويقول أيضا:
      (وَيُؤَيِّدُهُ إفْتَاءُ الْبُلْقِينِيُّ بِجَوَازِ تَقْلِيدِ ابْنِ سُرَيْجٍ في الدُّورِ وَإِنَّ ذلك يَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فما في «الْجَوَاهِرِ» عن ابْنِ عبد السَّلَامِ من امْتِنَاعِهِ أَخْذًا من قَوْلِ ابْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّهُ خَطَأٌ غَيْرُ مُتَّجِهٍ.
      وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ السُّبْكِيّ في الْوَقْفِ من« فَتَاوِيهِ» : يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْوَجْهِ الضَّعِيفِ في نَفْسِ الْأَمْرِ أو الْقَوِيِّ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَمَلِ في حَقِّ نَفْسِهِ لَا الْفَتْوَى وَالْحُكْم )([5]) .
      ومسألة جواز الانتقال من مذهب إلى مذهب هو ما استقر عليه الفقهاء المتأخرون ، وليس هنا محل تفصيل ذلك . كما قرره السمهودي(ت911هـ) في «العقد الفريد» ([6]) ، والكردي(ت1194هـ) في «الفوائد المدنية» ([7])والعلامة أبوبكر شطا (ت1310هـ) في «إعانة الطالبين» ([8]) والسيد علوي السقاف(1335هـ) في «الفوائد المكية» ([9])وغيرهم .
      وأما العامي غير الملتزم بمذهب ، فمذهبه مذهب من يفتيه ، ويتخير بين فتاوى من يفتيه إذا تعارضت عنده الفتاوى .
      وهو ما قرره الأصوليون فيما إذا تعارض في حق المستفتي فتوى مفتيين([10]) .
      يقول السيد علوي السقاف(ت1335هـ) : (كقريبِ العهدِ بالإسلامِ ولم يعرف المذاهبَ ولم يترجَّح عنده منها شيءٌ بنحو التَّسامُعِ ، فهذا عليه العملُ بما أفتاه عالمٌ إن اتَّحَدَ ، فإن اختلف عليه عالمانِ مُختَلِفا المذهبِ خُيِّرَ في العملِ بمن شاءَ منهما كما يُخَيَّرُ ذو المذهبِ في قَولَي إمامِه عند فقدِ المُرجِّحاتِ ، وكما يتخيَّرُ العاميُّ المُلتَزِمُ مذهباً في العمل بجوابَي عالِمَين من أهلِ مذهبِه حيثُ استويا عنده) ([11]).
      فالعاميُّ الذي لم يترجَّح عنده مذهبٌ معيَّنٌ ، كأكثرِ عوامِّ زمانٍنا ، مذهبهم مذهب من يفتيهم أيّاً كان ، وله عند الاختلافِ التخيُّر بين فتاوى العلماءِ ، لأنه لا يقدِرُ على الترجيحِ .
      * تقييدات على حكم العمل في حق النفس :
      قيد الفقهاء جواز الخروج عن معتمد المذهب في العمل في حق النفس بقيود، هي نفسها الشروط التي اشترطوها للتقليد ([12]):
      1- أن يكون من أقوال المذاهب الأربعة ، أو من خارجها بحيث تكون المسألة محفوظة بقيودها وشروطها ولا تكون مجرد فتوى مجردة عارية عن الشروط والقيود كفتاوى الصحابة والتابعين .
      يفصل ذلك ابن حجر : (وسئل رحمه الله تعالى هل يجوز تقليد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أم لا ؟ فما الدليل عليه ؟ فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله :
      نقل إمام الحرمين عن المحققين امتناعه على العوام لارتفاع الثقة بمذاهبهم إذ لم تدون وتحرر ، وجزم به ابن الصلاح ، وألحق بالصحابة التابعين وغيرهما ممن لم يدوَّن مذهبه ، أن التقليد متعين للأئمة الأربعة فقط .
      قال :لأن مذاهبهم انتشرت حتى ظهر تقييد مطلقها وتخصيص عامها ، بخلاف غيرهم ففيه فتاوى مجردة لعل لها مكملا أو مقيدا لو انبسط كلامه فيها لظهر خلاف ما يبدو منه ، فامتنع التقليد إذا ، لتعذر الوقوف على حقيقة مذاهبهم . ا هـ
      والقول الثاني : جواز تقليدهم كسائر المجتهدين ، قال ابن السبكي : وهو الصحيح عندي . غير أني أقول : لا خلاف في الحقيقة ، بل إن تحقق مذهب لهم جاز وفاقا وإلا فلا . ا . هـ ) ([13])
      2- عدم تتبع الرخص : وهو أن يختار من كل مذهب رخصه بحيث تنحل ربقة التكليف([14]) .
      3- عدم التلفيق : وهو أن يلفق بين قولين في مسألة واحدة بحيث يتولد منها صورة لا يقول بها أحد الإمامين ، كما إذا توضأ ومسح بعض الرأس على مذهب الإمام الشافعي ثم صلى بعد لمس امرأته ، وإذا نكح بلا ولي تقليداً لأبي حنيفة وبلا شهود تقليداً لمالك([15])
      * من يجوز تقليدهم من الفقهاء :
      يُقرِّرُ العلامةُ باسودان من يجوز تقليدُه من الفقهاءِ ومَن لا يجوز ، بقوله :
      (وقد نصُّوا على أن المراتِبَ الأربع الأولى يجوزُ تقليدُهم ، وأما الأخيرتان فالإجماعُ الفعليُّ من زَمَنِهم إلى الآنَ على الأخذِ بقولهم وترجيحاتِهم في المنقولِ حسبَ المعروفِ في كتبهم) ([16]).
      فهو يقرر أن المراتب الأربعة الأولى وهي : المجتهد المطلق ، والمنتسب ، وأصحاب الوجوه ، ومجتهد الفتوى منصوص على جوازِ تقليدهم .
      لكن المرتبتين الأخيرتين وهما : مرتبة النُّظَّار فيما اختلفَ فيه الشيخانِ ، ومرتبةُ حفظةِ المذهبِ فلا يوجد نَصٌّ في جواز تقليدِهم . ولكن الإجماعَ الفعليَّ أي : عمل الفقهاء المتأخرين على جواز تقليدِهم أيضا فيما ذهبوا إليه .
      يقول القليوبيُّ : (وكذا يجوزُ العَمَلُ في جميعِ الأحكامِ بقولِ مَن يَثِقُ به من الأئمةِ , كالأذرَعيِّ والسُّبكيِّ والإسنويِّ على المعتمد) ([17]).
      ويقول السيد علوي السقاف : (ويجوزُ تقليدُ المختارِين كالنوويِّ وابنِ المنذرِ والسيوطيِّ في اختياراتِهم) ([18]).


      ([1])المحلي ، شرح جمع الجوامع ، (2/440)

      ([2])النووي ، المجموع ، (1/93) .

      ([3])السقاف ، ترشيح المستفيدين ، ص4 .والفوائد المكية ص168

      ([4]) ابن حجر الهيتمي ، الفتاوى الفقهية الكبرى، (4/316) .

      ([5]) ابن حجر الهيتمي ، الفتاوى الفقهية الكبرى، (4/316 ) .

      ([6]) السمهودي ، العقد الفريد ، (ل/15) .

      ([7]) الكردي ، الفوائد المدنية ص233 .

      ([8]) شطا ، إعانة الطالبين ، (4/216) .

      ([9]) السقاف ، الفوائد المكية (4/316) .

      ([10]) الزركشي ، البحر المحيط ، (8/333) .

      ([11])السقاف ، ترشيح المستفيدين ، ص4 . والفوائد المكية ص168

      ([12]) انظر : د. وهبة الزحيلي ، أصول الفقه الإسلامي ، (2/1187) السقاف ، الفوائد المكية ، 155-165 .

      ([13]) ابن حجر الهيتمي الفتاوى الفقهية الكبرى (4/307) .

      ([14]) المحلي ، شرح جمع الجوامع (2/440) . د. وهبة الزحيلي ، أصول الفقه الإسلامي ، (2/1181) .

      ([15]) انظر : د. وهبة الزحيلي ، أصول الفقه الإسلامي ، (2/1172) .

      ([16]) باسودان ، المقاصد السنية ، ص12 .

      ([17]) القليوبي ، حاشية على شرح المحلي ، (3/204) .

      ([18]) السقاف ، ترشيح المستفيدين ، ص3 .

      تعليق

      • لؤي الخليلي الحنفي
        مشرف منتدى الفقه الإسلامي وأصوله
        • Jun 2004
        • 2544

        #4
        جزاكما الله خيرًا، وفتح عليكما.
        ونريد التطرق إلى أقوال العلماء الواردة في كتب المذهب، هل يجوز العمل بأي قول ورد فيها، وهل هناك ضوابط لمعرفة درجة صاحب القول ومن أي طبقة هو في طبقات المذهب.
        وهل إذا تعارض قول إمامين مجتهدين في المذهب يجوز العمل بكلا القولين؟
        وإذا تعارض قولان في المذهب وأصحابهما ليسا من أهل الاجتهاد والترجيح في المذهب فهل يجوز العمل بأقوالهما؟
        وما هي طرق الافتاء عند تعارض الاقوال والتصحيحات؟
        وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
        فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
        فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
        من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

        تعليق

        • حمزة عدنان يلدار
          طالب علم
          • Aug 2008
          • 44

          #5
          بارك الله فيك يا شيخ لؤي على اقتراحك وعلى حذفك مشاركتي الثانية!

          والاقتراح الذي تفضلت فيه طويل ، ولا أظن أن ذكر ضوابط الفتوى على كل مذهب مما يتسع ذكره في منتدى - ولست أهلا من الأصل لذكر ضوابط الفتوى والتعارض والترجيح- ولكن حسبي أن أحيل في المذهب الشافعي على كتابين عظيمين ، أحدهما الفوائد المدنية للعلامة محمد بن سليمان الكردي ، والثانية رسالة ماجستير بعنوان "المعتمد عند الشافعية" للسيد محمد الكاف ، وقد بذل فيها الكاف جهدا عظيما في تحرير ضوابط الفتوى والمعتمد وتقليد أصحاب الطبقات ، وكان خلاصة ما ذكره أن المعتمد عند الشافعية لا يقتصر على قولي ابن حجر والرملي بل يتسع لكلام شيخ الإسلام زكريا الأنصاري وتلامذته ومن جاء بعدهم من أصحاب الشروح والحواشي، ونقل في ذلك عدة نقولات عن محققي المذهب ، بالإضافة إلى النقل السابق عنه في تقليد أصحاب الطبقات .

          والذي أفهمه من منعهم من الفتوى بغير المعتمد هو الفتوى على أنه المذهب أما الإخبار أو التقليد أو العمل فهذا شأن آخر ، وقد تقدم النقل عن العلامة باسودان والقليوبي والسقاف في تقليد أصحاب الطبقات وأصحاب الاختيارات، أما ضوابط هذا التقليد فيحتاج إلى مزيد من البحث ولعل الشيخ أشرف سهيل أو السيد مصطفى بن سميط أو الشيخ المليباري يفيدونا في ذلك ، والله تعالى أعلم.
          التعديل الأخير تم بواسطة حمزة عدنان يلدار; الساعة 20-12-2012, 08:33. سبب آخر: خطأ

          تعليق

          • لؤي الخليلي الحنفي
            مشرف منتدى الفقه الإسلامي وأصوله
            • Jun 2004
            • 2544

            #6
            أخي الكريم: لم تحذف مشاركتك، وإنما نقلت خارج السرب، كونك أظهرت فيها نتائج قبل تمام المقصود من البحث والمحاورة، ولا أعتقد أنك تخالف في خطأ هذه الطريقة بإعطائك النتائج قبل المقدمات وتمام البحث، ويؤكد خطأ هذه الطريقة قولك: بأنت لست أهلا للأمر، فكيف أظهرت النتائج قبل تمام البحث؟!!
            ولست ما اقترحته طويلا لو دققت فيه، فنحن نريد خلاصة المعتمد في الفتوى في كل مذهب، والإجابة عما ذكرته من أسئلة، وهي لا تحتاج إلى أكثر من نقاط معدودة.
            وفقك الله.
            وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
            فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
            فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
            من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

            تعليق

            • هاني علي الرضا
              طالب علم
              • Sep 2004
              • 1190

              #7
              بارك الله فيكم وفي جهودكم شيخ لؤي ، وما تفضلت بذكره ونقله لا يختلف كثيرا عما هو موجود في المذهب المالكي .

              والناس إما محض مقلدة عوام أو علماء حكام ، والعوام ليس لهم في ذا الشأن فتيل أو نقير لعدم الطلب والدربة فالكلام إذن ينحصر كله في العلماء المتفقهين ، وهم إما مجتهد مستقل أوغير مجتهد ، أما المجتهد المستقل فقد عدم وإن وجد فما يأتي من كلام عن الفتوى في المذهب المالكي فلا يدخل فيه ضرورة أنه مجتهد مستقل لا يتبع مذهبنا .

              فنحصر كلامنا في العالم أو الحاكم المالكي .

              وهو أحد ثلاثة :

              يقول ابن رشد في بيان أحوال المفتين والحكام :

              [و الذي أقول به في هذا : أن الجماعة ، التي ذكرت أنها تنتسب إلى العلوم و تتميز من جملة العموم المحفوظ و المفهوم ، تنقسم على ثلاث طوائف :
              طائفة منهم اعتقدت صحة مذهب مالك تقليدا ، بغير دليل ، فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله ، و أقوال أصحابه ، في مسائل الفقه ، دون أن تتفقه في معانيها ، فتميز الصحيح منها من السقيم .

              و طائفة اعتقدت صحة مذهبه بما بان لها من صحة أصوله ، التي بناه عليها ، فأخذت أنفسها ، أيضا ، بتحفظ مجرد أقواله و أقوال أصحابه ، في مسائل الفقه ، و تفقهت في معانيها ، فعلمت الصحيح منها ، الجاري على أصوله ، من السقيم الخارج عنها ، إلا أنها لم تبلغ درجة التحقق بمعرفة قياس الفروع على الأصول .

              و طائفة اعتقدت صحة مذهبه بما بان لها ، أيضا ، من صحة أصوله ، فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله ، و أقوال أصحابه ، في مسائل الفقه ، ثم تفهمت في معانيها ، فعلمت الصحيح منها ، الجاري على أصوله ، من السقيم الخارج عنها ، و بلغت درجة التحقق ، بمعرفة قياس الفروع على الأصول ، لكونها عالمة بأحكام القرآن ، و عارفة بالناسخ منها من المنسوخ ، و المفصل من المجمل ، و الخاص من العام ، عالمين بالسنن الواردة في الأحكام ، مميزة بين صحيحها من معلومها ، عالمة بأقوال العلماء من الصحابة والتابعين ، و من بعدهم من فقهاء الأمصار و ما اتفقوا عليه ، أو اختلفوا و عالمة من علم اللسان ما تفهم به معاني الكلام ، بصيرة بوجه القياس عارفة بوضع الأدلة مواضعها.]
              آ.هـ مسائل ابن رشد 2/1325 طـ دار الجيل .

              ثم شرع في بيان ما يجوز لكل طائف من الإفتاء أو عدمه .

              وقسّم القرافي في الفرق (78) من فروقه ( الفرق بين قاعدة من يجوز له أن يفتي وبين قاعدة من لا يجوز له أن يفتي) العلماء إلى :

              1/ من انحصر تحصيله للمذهب على مختصرات تحتوي مطلقات مقيدة في غير المختصرات أو عمومات مخصصة في غيرها فهذا يحرم عليه الإفتاء بما في تلك المختصرات إلا في مسائل يقطع فيها أن مستوعبة التقييد فينقلها كما هي بلا زيادة أو نقصان وتكون هي عين الواقعة المستفتى فيها لا أنها تشببها او تُخرّج عليها .
              2/ من اتسع تحصيله في المذهب لتفاصيل الشروحات والمقيدات للمطلقات والمخصصات للعمومات ، لكنه لم يضبط أصول إمامه واستنباطاته فهذا يجوز له أن يفتي بمشهور المذهب فقط دون أن يخرّج أو يقيس على ما يحفظه من مسائل المذهب أو أقوال الإمام لما أنه لم يضبط أصول الإمام ومداركه .
              3/ أن يضيف إلى المرتبة الثانية ضبط أصول الإمام ومسنداته في الفروع مع التمكن من أصول الفقه واللغة ، فهذا يفتي نقلا عن مذهبه وتخريجا على أصول إمامه وقياسا على أقواله وحاله مع نصوص إمامه وأصوله كحال إمامه مع نصوص الشرع ، وهذا هو مجتهد المذهب .

              واعتبر الخارج عن حده من هؤلاء الثلاثة فاسقا لاعبا بدين الله ، وليراجع الفروق لكامل النص فإنه نفيس .

              وقال القرافي أيضا في كتابه (الإحكام في تمييز الفتوى عن الأحكام) :

              [الحاكم إن كان مجتهدا فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده ، وإن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه وان يحكم به وإن لم يكن راجحا عنده ، مقلدا في رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده كما يقلده في الفتيا ، واما اتباع الهوى في الحكم أو الفتيا فحرام إجماعا .


              نعم اختلف العلماء فيما إذا تعارضت الأدلة عند المجتهد وتساوت وعجز عن الترجيح : هل يتساقطان أو يختار واحدا منهما يفتي به ؟ قولان للعلماء .

              فعلى القول بأنه يختار أحدهما يفتي به : له أن يختار أحدهما يحكم به ، مع أنه ليس أرجح عنده بطريق الأولى ، لأن الفتيا شرع عام على المكلفين إلى قيام الساعة والحكم يختص بالوقائع الجزئية الخاصة ، فتجويز الاختيار في الشرائع العامة أولى أن يجوز في الأمور الجزئية الخاصة ، وهذا مقتضى الفقه والقواعد الشرعية .

              ومن هذا التقرير يتصور الحكم بالراجح وغير الراجح ، وليس ذلك اتباعا للهوى ، بل ذلك بعد بذل الجهد والعجز عن الترجيح وحصول التساوي ، أما الحكم أو الفتيا بما هو مرجوح فخلاف الاجماع ]
              الإحكام للقرافي صـ 93 ط مكتب المطبوعات الإسلامية حلب .

              فالمقلد من كلام القرافي لا يجوز له أن يأخذ إلا بالراجح/المشهور عند وجوده .
              والفتيا بالمرجوح خلاف الإجماع !

              وقد قسم مفتي المالكية الشيخ الهلالي رحمه الله المفتين في كتابه (نور البصر) إلى مجتهد مطلق وهو معدوم ، وإلى مجتهد مذهب ومقلد ، ثم قال :

              [ والثاني : وهو مجتهد المذهب تجب عليه الفتوى بنصوص المذهب المتفق عليها منها ، وبالراجح من المختلف فيه منها ، وإليه النظر في الترجيح لحصول آلته عنده ، فإن تساوى القولان أو الأقوال أفتى بأحدهما ....
              وإن لم يوجد في المذهب نص فله قياسها على غيرها من مسائل المذهب بشروط القياس ولا يخرج على قواعد المذهب ، وقيل له الخروج عنه ، وقيل لا يقيس أصلا ، أقوال حصلها ابن عرفة من كلام ابن الحاجب .. والراجح هو الأول .

              وأما الثالث [المقلد] وهو فاقد الاتقان للقواعد وما بعدها فله الفتوى بما حفظه من نصوص المذهب بما هو مطابق لعين النازلة .
              ولا بد أن يكون عنده من علم العربية ما يفهم به معاني الكلام إفرادا وتركيبا ، ومن الفهم ما يحسن به التطبيق ، ولا يقيس ما لا نص فيه على النصوص ، و لا يخرّج حكم مسألة على نظيرتها لفقده آلآت القياس ، فقد يظن مسألة مساوية لأخرى وبينهما فرق وأكثر وقد يظن بينهما فرقا وهما متساويتان .

              وبقي قسم رابع ممن ينتسب للعلم ، وهو من حصل بعض المختصرات من كتب المذهب فيها مسائل عامة مخصوصة في غيرها ، ومطلقة مقيدة في غيرها ، وفيها ضعيف وغيره ولا تحقيق عنده ، ولا علم بالمخصصات والقيود ، ولا تمييز للمشهور من الضعيف ، فهذا تحرم عليه الفتوى بما حصله ، لأنه هو والعامي المحض سواء في الجهل بما تجب به الفتوى ، ولهذا لم نعد هذا القسم في طبقات المعرفة . ]
              نور البصر في شرح المختصر للهلالي صـ 118 طـ دار ابن تاشفين .

              فلمجتهد المذهب فقط الترجيح عند التساوي وتخريج النوازل على قواعد الإمام وأقواله وليس له الخروج عن المشهور الراجح عند وجوده ومن باب أولى المقلد .

              وجاء في أجوبة ابن عرفة على الأسئلة التي وجهها له تلميذه أبو اسحاق الشاطبي :

              [المفتي في ذلك إن كان مجتهدا عالما محصلا لشرائط الاجتهاد أفتاه بمقتضى اجتهاده بعد إعلامه أنه يفتيه باجتهاده.
              وإن كان مجتهدا في مذهب معين للسائل مقلد له، أفتاه بمذهبه نصا أو قياسا بشرط ذلك كله.
              وإن عجز عن ذلك ولم يوجد غيره أفتاه بما يتحققه نصا من قول الإمام المقلَّد إن كان مطلعا على أقواله عارفا بحكم اللسان، وقاعدة العام والخاص، والمطلق والمقيد. هذا أدنى ما يشترط فيه ، وقد كان بعضهم يفتي وهو لا يفهم إعراب بسم الله الرحمان الرحيم استنادا منه لحفظ أقوال مالك وأصحابه وظاهر قول المازري في كتاب الأقضية إن فعل هذا لا يجوز والله أعلم. ]
              المعيار المعرب 6/382 طـ دار الغرب .

              وكلامه على اختصاره نفيس ومفيد .

              وصرّح الهلالي في شرحه على مقدمة خليل بأن ما يكون به الفتوى مرتبا :

              1/ المتفق عليه في المذهب .
              2/ المعتمد الراجح ، فإن كان المفتي أهلا للترجيح أفتى وفق ما اقتضت القواعد ترجيحه وإلا قلد شيوخ المذهب المرجحين مفتيا بما رجحوه .
              3/ المشهور ، وبالطبع تشهير قول في المذهب له أهله من المطلعين على المرويات والأقوال كابن رشد الجد والمأزري ومن هم في منزلتهما .
              4/ فإن تساوت الأقوال بحيث لم يكن فيها معتمد أو شُهر فيها أكثر من قول فالمفتي بالخيار ، وقيل يخير المستفتي بينهما .
              5/ أما الفتوى بالمرجوح ضعيفا كان أو شاذا فلا يجوز وفق ما صرح به .
              6/ أما إذا طرأت نازلة ولم يكن في المذهب فيها قول أو نص فللمفتي المجتهد تخريجها على قواعد المذهب ونصوصه .
              أما غير المجتهد فليس له التخريج أو الترجيح لفقد آلتهما ، وليس له إلا الحكم بالمعتمد أو المشهور ، فإن أفتى بغيرهما رفضت فتواه وحكمه لا يرفع خلافا .


              ويلخص هذا القطب الدردير في الشرح الصغير قائلا :

              [( فحكم ) المقلد من خليفة أو قاض وجوبا ( بقول مقلده ) بفتح اللام يعني بالراجح من مذهبه سواء كان قوله أو قول أصحابه ، لا بالضعيف ولا بقول غيره من المذاهب ، وإلا نقض حكمه ، إلا أن يكون للضعيف مدركا ترجح عنده وكان من أهل الترجيح .
              وكذا المفتي .

              ويجوز للإنسان أن يعمل بالضعيف لأمر اقتضى ذلك عنده ، وقيل : بل يقلد قول الغير إذا كان راجحا في مذهب ذلك الغير .
              فإن قيل : ما فائدة ذكر الأقوال الضعيفة في كلامهم إذا كان لا يجوز العمل بها ولا الفتوى ؟ قلنا : أمور ثلاثة : الأول : اتساع النظر والعلم بأن الراجح المذكور ليس بمتفق عليه .
              والثاني : معرفة مدارك الأقوال ، فلمن له الترجيح ترجيح ما ضعف لقوة المدرك عنده .
              والثالث : العمل به في نفسه إذا اقتضت الضرورة ذلك . ]
              آ.هـ

              وحشّى الصاوي قائلا :

              [قوله : [ وكذا المفتي ] : أي لا يجوز له بالإفتاء إلا بالراجح من مذهبه لا بمذهب غيره ولا بالضعيف من مذهبه إلا إذا كان قوي المدرك وكان من أهل الترجيح .
              قوله : [ لأمر اقتضى ذلك عنده ] : أي لضرورة في خاصة نفسه ولا يفتى به لغيره ؛ لأنه لا يتحقق الضرورة بالنسبة لغيره كما يتحققها من نفسه سدا للذريعة كما يفيده ( بن ) .
              قوله : [ وقيل : بل يقلد قول الغير ] إلخ : أي وهو المعتمد لجواز التقليد وإن لم تكن ضرورة . ]
              آ.هـ من بلغة السالك .

              وحشى الدسوقي على كلام الدردير في الشرح الكبير قائلا :

              [( قوله : وكذا المفتي ) أي فلا يجوز له الإفتاء إلا بالراجح من مذهب إمامه لا بمذهب غيره ولا بالضعيف من مذهبه نعم يجوز له العمل بالضعيف في خاصة نفسه إذا تحقق الضرورة ولا يجوز للمفتي الإفتاء بغير المشهور ؛ لأنه لا يتحقق الضرورة بالنسبة لغيره كما يتحققها من نفسه ولذلك سدوا الذريعة وقالوا بمنع الفتوى بغير المشهور خوف أن لا تكون الضرورة متحققة لا لأجل أنه لا يعمل بالضعيف ولو تحققت الضرورة يوما ما قاله بن ويؤخذ من كلامه هذا أنه يجوز للمفتي أن يفتي صديقه بغير المشهور إذا تحقق ضرورته ؛ لأن شأن الصديق لا يخفى على صديقه ا هـ قاله الأمير في حاشية عبق . ] حاشية الدسوقي على الكبير .


              فتلخص من هذا حرمة الافتاء بغير المعتمد المشهور من المذهب إلا إذا كان المفتي من أهل الترجيح ورجح عنده لا مطلقا ، وعليه فلا قيمة في الحقيقة ولا معنى لكثير من فتاوى المعاصرين التي تخالف معتمد المذهب وتأخذ بأي قول ورد ذكره وإن كان ضعيفا أو شاذا إذ جلهم لم يبلغ درجة مجتهد مذهب متأهل للترجيح .


              بقي مسألة واحد : أجاز المالكية الافتاء بالضعيف إن جرى به العمل واعتبروا جريان العمل به مقويا له مجيزا للفتوى به وإن كان ضعيفا أو غير مشهور ، والفتوى بما جرى به العمل من خصائص المالكية ولهم في جواز العمل به والافتاء به شروط لخصها الهلالي في نور البصر وهو من خصائص المالكية ، وهو في حقيقته من باب الضرورات إذ يصار إلى القول الضعيف لأجل ضرورة أو مفسدة يراد دفعها فيكون مندرجا تحت أصل مالك في سد الذرائع ، أو لجلب مصلحة يراد تحصيلها فيكون مندرجا تحت أصل مالك في المصالح المرسلة ، وعليه متى ما زال الموجب عاد الحكم إلى أصله ولم يفت في المسألة بغير المشهور المعتمد ، فالفتوى بما جرى به العمل مؤقتة بوجود مسببها .

              وصورته أن يفتي مجتهد مذهب خلاف المشهور وفق رجحانه لموجب دفع ضرر او جلب مصلحة أو مراعاة لعرف ، ثم يأتي المفتون والقضاة من بعده فيحكمون بما أفتى به وإن كان ضعيفا لأجل ذات الموجب الذي لأجله خالف المجتهد المشهور ، ومتى ما زال موجب تلك الحيدة عن المشهور رجعوا إلى الفتوى بالمشهور والحكم به .

              فالفتوى إذن بما جرى به العمل إنما يصار إليها اضطرارا لموجب فلا تدخل حقيقة في باب ترك المشهور اختيارا للضعيف وإنما اضطرارا . فإذا تعارض المشهور مع ما جرى به العمل في بلدة من البلدات فيقدم ما جرى به العمل في تلك البلدة فقط ما دام موجبه مستمرا لأن جريان العمل بالضعيف لمقصد من المقاصد يصيره راجحا ، أما إذا استوت الأقوال في الشهرة أي وكان من ضمنها ما جرى به العمل - فيقدم عليها ماجرى به العمل مطلقا .

              ومن شاء التوسع في مسألة ما يفتى به في المذهب المالكي فيمكنه الرجوع إلى جامع المعيار إذ جمع فيه المؤلف رحمه الله من فتاوى العلماء ما فيه غنية ، ولعلي أنشط فأستله من الكتاب وأثبته منفصلا هنا إن شاء الله .

              والله الموفق .
              صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

              تعليق

              • الشافعي البحريني
                طالب علم
                • Nov 2011
                • 142

                #8
                الشيخ هاني الرضا المحترم . .
                تفضل بمراجعة الخاص لطفًا .

                تعليق

                يعمل...