الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل
(دراسة فقهية مقارنة)
عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه وبعد :
فهذا بحث موجز في حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل, وقد كثير الكلام حول هذه المسألة, وما أكثر ما وقع فيها من خلط وخبط, والسبب في ذلك هو عدم الرجوع إلى ما قرره الفقهاء والعلماء السابقون رضي الله عنهم, وإهمال التراث الفقهي الإسلامي, والنظر السطحي غير الشمولي في الأدلة الشرعية والفهم السقيم لها, وقد جعلت الموضوع في ستة مباحث:
المبحث الأول: حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب الحنفية, والمبحث الثاني : حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب المالكية, المبحث الثالث: حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب الشافعية, المبحث الرابع: حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب الحنابلة, المبحث الخامس : في أدلة كل فريق على ما قال به, والمبحث السادس : في شروط الجمع في المطر والثلج والوحل عند من قال به
المبحث الأول:
حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب الحنفية
يرى الحنفية أنه لا يجوز الجمع في المطر والثلج والوحل, بل يرون أنه لا يجوز الجمع حتى في السفر وغيره من الأعذار, والجمع إنما يكون عندهم- في موضعين فقط: في عرفة بين الظهر والعصر وفي مزدلفة بين المغرب والعشاء لمن كان محرما بالحج, قال الكاساني في بدائع الصنائع 1/126: (قال أصحابنا: إنه لا يجوز الجمع بين فرضين في وقت أحدهما إلا بعرفة والمزدلفة فيجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة, وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء بمزدلفة, اتفق عليه رواة نسك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه فعله, ولا يجوز الجمع بعذر السفر والمطر, وقال الشافعي : يجمع بين الظهر والعصر في وقت العصر وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء بعذر السفر والمطر)اه
وفي تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 1/88 : ( وعن الجمع بين صلاتين في وقت بعذر ) يعني منع عن الجمع بينهما في وقت واحد بسبب العذر, احترز بقوله (في وقت) عن الجمع بينهما فعلا بأن صلى كل واحدة منهما في وقتها بأن يصلي الأولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها فإنه جمع في حق الفعل وإن لم يكن جمعا في الوقت, واحترز بقوله (بعذر) عن الجمع في عرفة والمزدلفة فإن ذلك يجوز وإن لم يكن لعذر, وقال الشافعي يجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بعذر المطر والمرض والسفر) اه
المبحث الثاني :
حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب المالكية
يرى المالكية -في المعتمد من المذهب- أنه يجوز الجمع في المطر والثلج والوحل بين المغرب والعشاء فقط دون الظهر والعصر في جمع التقديم خاصة, على قيود لهم في بعض الحالات, ففي المنتقى شرح الموطأ (1/ 343): ( مسألة ) ويجمع بين المغرب والعشاء في الطين والظلمة وإن لم يكن مطر قاله ابن القاسم, قال ابن حبيب: والجمع جائز إذا كان المطر والوحل وإن لم تكن ظلمة أو كان المطر المضر ولم يكن وحل ولا ظلمة, ووجه ذلك أن هذه كلها مشاق تمنع التعتيم بالصلاة فأبيح أداء الصلاة في وقت يمكن الانصراف منها وقد بقي من ضوء الشفق ما يخفف المشقة)اه
وفي الكافي في فقه أهل المدينة : (وحكم الجمع في المطر: تؤخر الأولى وتقدم الثانية ويصليان في وسط الوقت بأذانين وإقامتين أو بأذان واحد وإقامتين كل ذلك قد روي عن مالك, ومن لم يدرك الأولى لم يصل الثانية إلا في وقتها على اختلاف من قول مالك في ذلك) اه
وفي شرح الخرشي على خليل 2/71: ( الجماعة إذا شرعوا في صلاة المغرب لوجود سبب الجمع وهو المطر فلما صلوها أو بعضها ارتفع السبب فإنه يجوز لهم التمادي على الجمع, إذ لا تؤمن عودته وظاهره ولو ظهر عدم عودته أما لو انقطع قبل الشروع فلا جمع إلا بسبب غيره فالمراد الشروع في الأولى ) اه
وفي الفواكه الدواني 1/231: ( ورخص ) أي سهل على وجه الندب أو السنية ( في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر ) الغزير الذي يحمل الناس على تغطية رءوسهم بحيث يشق معه الوصول إلى المنازل, ولا فرق بين الواقع أو المتوقع بقرائن الأحوال, واختص الجمع بالمغرب والعشاء للمطر... ( وكذلك ) أي رخص في الجمع بين المغرب والعشاء ( في ) كل ليلة ذات ( طين وظلمة ) لكونها من ليالي آخر الشهر لا ظلمة الغيم نهارا , فلا يجمح لأجلها ولو انضم لها طين أو ريح شديد)اه
وفي شرح الدردير على خليل 1/370: (و) رخص ندبا لمزيد المشقة (في جمع العشاءين فقط) جمع تقديم لا الظهرين لعدم المشقة فيهما غالبا (بكل مسجد) ولو مسجد غير جمعة خلافا لمن خصه بمسجد المدينة أو به وبمسجد مكة (لمطر) واقع أو متوقع (أو طين مع ظلمة) للشهر لا ظلمة غيم, لا (طين) فقط على المشهور (أو ظلمة) فقط اتفاقا) اه
المبحث الثالث:
حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب الشافعية
يرى الشافعية -في المعتمد من المذهب- أنه يجوز الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج دون الوحل وسواء كانت الصلاتان مغربا وعشاءا أم ظهرا وعصرا أم جمعة وعصرا, لكن ذلك في جمع التقديم دون التأخير, قال الإمام الشافعي في الأم - (ج 1 / ص 95): ( ولا يجمع في حضر في غير المطر من قبل أن الأصل أن يصلى الصلوات منفردات والجمع في المطر رخصة لعذر, وإن كان عذر غيره لم يجمع فيه, لان العذر في غيره خاص وذلك المرض والخوف وما أشبهه, وقد كانت أمراض وخوف فلم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع) اه
وقال الإمام النووي في المجموع (4 /381) : (قال الشافعي والأصحاب: يجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المطر, وحكي إمام الحرمين قولا انه يجوز بين المغرب والعشاء في وقت المغرب ولا يجوز بين الظهر والعصر وهو مذهب مالك, وقال المزني: لا يجوز مطلقا, والمذهب الأول وهو المعروف من نصوص الشافعي قديما وجديدا وبه قطع الأصحاب قال أصحابنا وسواء قوى المطر وضعيفه إذا بل الثوب قال أصحابنا والثلج والبرد ان كانا يذوبان ويبلان الثوب جاز الجمع وإلا فلا, هكذا قطع به الجمهور في الطريقتين وهو الصواب, وحكى صاحب التتمة وجها أنه يجوز الجمع بالثلج وان لم يذب ولم يبل الثياب وهو شاذ غلط, وحكى إمام الحرمين والغزالي وجها أنه لا يجوز الجمع بالثلج والبرد مطلقا وهو وجه ضعيف...
وأما الوحل والظلمة والريح والمرض والخوف فالمشهور من المذهب انه لا يجوز الجمع بسببها وبه قطع المصنف والجمهور وقال جماعة من أصحابنا بجوازه) اه
وقال الشيرازي في المهذب 4/ 254 -مع المجموع- : ( يجوز الجمع بين الصلاتين في المطر في وقت الأولى منهما ... وهل يجوز أن يجمع بينهما في وقت الثانية ؟ فيه قولان . قال في الإملاء : يجوز ; لأنه عذر يجوز الجمع به في وقت الأولى فجاز الجمع في وقت الثانية كالجمع في السفر , وقال في الأم: لا يجوز ; لأنه إذا أخر ربما انقطع المطر فجمع من غير عذر...
وأما الثلج فإن كان يبل الثياب فهو كالمطر , وإن لم يبل الثياب لم يجز الجمع لأجله , فأما الوحل والريح والظلمة والمرض فلا يجوز الجمع لأجلها فإنها قد كانت في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينقل أنه جمع لأجلها ) اه
وفي أسنى المطالب لزكريا الأنصاري 1/244: ( فصل: المطر ) ولو ضعيفا إن كان بحيث يبل الثياب (يبيح الجمع) لما يجمع بالسفر ( في وقت الأولى ) ... ( لا ) في وقت ( الثانية ) ; لأن استدامة المطر ليست إلى الجامع بخلاف السفر...
( والشفان كالمطر ) فيما ذكر لتضمنه القدر المبيح ( وهو ) بفتح الشين المعجمة لا بضمها كما وقع في بعض نسخ الروضة ولا بكسرها كما وقع للقمولي وبتشديد الفاء (برد ريح فيه ندوة) أي بلل (وكذا ثلج وبرد يذوبان) لما مر بخلاف ما إذا لم يذوبا لانتفاء التأذي نعم إن كان الثلج قطعا كبارا جاز الجمع به كما في الشامل وغيره وفي معناه البرد وبه صرح في الذخائر ( فرع: يجمع العصر مع الجمعة في المطر) اه
وفي تحفة المحتاج 2/402: ( ويجوز ) ولو للمقيم ( الجمع ) بين ما مر ومنه الجمعة بدل الظهر (بالمطر), وإن ضعف بشرط أن يبل الثوب ومنه شفان وهو ريح باردة فيها مطر خفيف (تقديما)... ( والجديد منعه تأخيرا ) ; لأن المطر قد ينقطع فيؤدي إلى إخراج الأولى عن وقتها بغير عذر ...
( والثلج والبرد كمطر إن ذابا ) وبلا الثوب لوجود ضابطه فيهما حينئذ بخلاف ما إذا لم يذوبا كذلك ومشقتهما نوع آخر لم يرد . نعم إن كان أحدهما قطعا كبارا يخشى منه جاز الجمع على ما صرح به جمع ) اه
وفي مغني المحتاج 1/533 : ( ويجوز الجمع ) ولو لمقيم كما يجمع بالسفر ولو جمعه مع العصر خلافا للروياني في منعه ذلك ( بالمطر ) ولو كان ضعيفا بحيث يبل الثوب ونحوه كثلج وبرد ذائبين وشفان كما سيأتي , ( تقديما ) ... ( والجديد منعه تأخيرا ) لأن استدامة المطر ليست إلى الجامع فقد ينقطع , فيؤدي إلى إخراجها عن وقتها من غير عذر بخلاف السفر والقديم جوازه , ونص عليه في الإملاء أيضا قياسا على السفر) اه
المبحث الرابع:
حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب الحنابلة
يرى الحنابلة -في المعتمد من المذهب- أنه يجوز الجمع في المطر والثلج والوحل والريح الشديدة الباردة بين المغرب والعشاء خاصة دون الظهر والعصر, قال ابن قدامة في المغني 2/58: (فصل: ويجوز الجمع لأجل المطر بين المغرب والعشاء. ويروى ذلك عن ابن عمر, وفعله أبان بن عثمان في أهل المدينة. وهو قول الفقهاء السبعة ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وروي عن مروان وعمر بن عبد العزيز. ولم ( يجوزه ) أصحاب الرأي...
فصل: فأما الجمع بين الظهر والعصر , فغير جائز . قال : الأثرم : قيل لأبي عبد الله : الجمع بين الظهر والعصر في المطر ؟ قال : لا , ما سمعت . وهذا ( اختيار ) أبي بكر , وابن حامد , وقول مالك وقال أبو الحسن التميمي : فيه ( قولان , ) أحدهما أنه لا بأس به . وهو قول أبي الخطاب, ومذهب الشافعي...
فصل: فأما الوحل بمجرده فقال القاضي: قال أصحابنا: هو عذر ; لأن المشقة تلحق بذلك في النعال والثياب, كما تلحق بالمطر. وهو قول مالك. وذكر أبو الخطاب فيه وجها ثانيا , أنه لا يبيح وهو مذهب الشافعي وأبي ثور) اه
وقال المرداوي في الإنصاف (3 /441): (والمطر الذي يبل الثياب) .ومثله الثلج والبرد والجليد . واعلم أن الصحيح من المذهب: جواز الجمع لذلك من حيث الجملة بشرطه نص عليه وعليه الأصحاب. وقيل : لا يجوز الجمع . وهو رواية عن أحمد ...
قوله ( إلا أن جمع المطر يختص العشاءين ، في أصح الوجهين ) .وهما روايتان ، وهذا المذهب بلا ريب . نص عليه في رواية الأثرم . وعليه أكثر الأصحاب ، منهم أبو الخطاب في رءوس المسائل. فإنه جزم به فيها . والوجه الآخر : يجوز الجمع كالعشاءين . اختاره القاضي ، وأبو الخطاب في الهداية ، والشيخ تقي الدين وغيرهم . ولم يذكر ابن هبيرة عن أحمد غيره . وجزم به في نهاية ابن رزين، ونظمها ، والتسهيل . وصححه في المذهب . وقدمه في الخلاصة ، وإدراك الغاية .وأطلقهما في مسبوك الذهب ، والمستوعب ، والتلخيص ، والبلغة ، وخصال ابن البنا ، والطوفي في شرح الخرقي، والحاويين ) اه
وفي كشاف القناع 2/7: (ويجوز) الجمع ( بين العشاءين لا الظهرين لمطر يبل الثياب, زاد جمع:أو) يبل ( النعل أو البدن, وتوجد معه مشقة... و ( لا) يباح الجمع لأجل ( الظل) ولا لمطر خفيف لا يبل الثياب على المذهب, لعدم المشقة . ( و ) يجوز الجمع بين العشاءين دون الظهرين ( لثلج وبرد) لأنهما في حكم المطر. ( و ) يجوز الجمع بين العشاءين ل ( جليد ) لأنه من شدة البرد (ووحل وريح شديدة باردة )اه
وفي مطالب أولى النهي1/734: ( ويختص جمع ) بين ( مغرب وعشاء بثلج وبرد وجليد ووحل وريح شديدة باردة ) ظاهرة : وإن لم تكن الليلة مظلمة , ويعلم مما تقدم كذلك لو كانت شديدة بليلة مظلمة , وإن لم تكن باردة ( ومطر يبل الثياب وتوجد معه مشقة )... والوحل أعظم مشقة من البرد) اه
المبحث الخامس :
في أدلة كل فريق على ما قال به
أولا:
أدلة الحنفية
استدل الحنفية على عدم جواز الجمع في غير عرفة ومزدلفة للحاج بالتالي:
- الآيات والأحاديث الكثيرة التي تدل على عدم جواز تقديم أو تأخير الصلاة عن وقتها, وأجابوا عن أحاديث الجمع في السفر والمطر ونحوهما من الأعذار: بأنها أحاديث آحاد لا يعارض بها المتواتر من القرآن والسنة مع أن الأمر مما تعم به البلوي وتتداعى الهمم لنقله بالتواتر, ومما أجابوا به أيضا: أن التخصيص عندهم يعد من النسخ, والسنة لا تنسخ القرآن, والعموم في مسألتنا هو ما في القرآن من وجوب التوقيت, والتخصيص هو جعل ذلك التوقيت في الحضر دون السفر الوارد في السنة الآحاد, ومما أجابوا به عن أحاديث الجمع أيضا بأن المراد بها الجمع الصوري لا الحقيقي ويؤيده ما رواه ابن حبان عن نافع قال: خرجت مع ابن عمر رضي الله عنهما في سفرة وغابت الشمس فلما أبطأ قلت : الصلاة يرحمك الله فتلفت إلي ومضى حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق فصلى بنا ثم أقبل علينا فقال: [ إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أعجل به السير صنع هكذا]
- روى عبد الرزاق في مصنفه 2/551: (عن الثوري عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد عن بن مسعود قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة قط إلا لوقتها إلا أنه جمع بين الظهر والعصر بعرفة والمغرب والعشاء بجمع)اه ورواه ابن جرير أيضا, ونسبه صاحب تبيين الحقائق والطحطاوي في حاشيته وغيرهما إلى البخاري ومسلم وليس هو فيهما بهذا اللفظ بل بلفظ: (ما رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء وصلى الفجر قبل ميقاتها)اه وأجيب بأن غير ابن مسعود قد رأى الجمع في غير عرفة ومزدلفة والمثبت مقدم على النافي
- في سنن أبي داود 1/ 38: (عن ابن عمر قال: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المغرب والعشاء قط في السفر إلا مرة ) اه قال أبو داود: وهذا يروى عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موقوفا على ابن عمر ... وروي من حديث مكحول عن نافع أنه رأى ابن عمر فعل ذلك مرة أو مرتين)اه وأجيب بأن المثبت مقدم على النافي, وبأنه قد روي موقوفا كما تقدم, وبأن من أهل العلم من ضعف المرفوع
- وقالوا أيضا: كل تأويل يأتي به الجمهور لحديث ابن عباس المشهور في الجمع في المدينة هو تأويل لنا لأحاديث الجمع في السفر, فإذا قبلوا ما يأتون به من تأويل لحديث ابن عباس فلا بد أن يقلبوا تأويلاتنا لأحاديث الجمع في السفر, أو يلزمهم أن يقولوا بجواز الجمع في الحضر من غير خوف ولا مطر أخذا بظاهر حديث ابن عباس, وقد أول الجمهور حديث ابن عباس بعدة تأويلات بعضها مقبول وبعضها متعسف وبعضها بينَ بين, فمن تلك التأويلات: أنه جمع صوري لا حقيقي, ومنها أنه في المطر, ومنها أنه في حالة الحرج والمشقة, ومنها أنه حادثة عين لا عموم لها, ومنها أنه على سبيل الندرة من غير أن يتخذ عادة... إلخ
(دراسة فقهية مقارنة)
عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه وبعد :
فهذا بحث موجز في حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل, وقد كثير الكلام حول هذه المسألة, وما أكثر ما وقع فيها من خلط وخبط, والسبب في ذلك هو عدم الرجوع إلى ما قرره الفقهاء والعلماء السابقون رضي الله عنهم, وإهمال التراث الفقهي الإسلامي, والنظر السطحي غير الشمولي في الأدلة الشرعية والفهم السقيم لها, وقد جعلت الموضوع في ستة مباحث:
المبحث الأول: حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب الحنفية, والمبحث الثاني : حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب المالكية, المبحث الثالث: حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب الشافعية, المبحث الرابع: حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب الحنابلة, المبحث الخامس : في أدلة كل فريق على ما قال به, والمبحث السادس : في شروط الجمع في المطر والثلج والوحل عند من قال به
المبحث الأول:
حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب الحنفية
يرى الحنفية أنه لا يجوز الجمع في المطر والثلج والوحل, بل يرون أنه لا يجوز الجمع حتى في السفر وغيره من الأعذار, والجمع إنما يكون عندهم- في موضعين فقط: في عرفة بين الظهر والعصر وفي مزدلفة بين المغرب والعشاء لمن كان محرما بالحج, قال الكاساني في بدائع الصنائع 1/126: (قال أصحابنا: إنه لا يجوز الجمع بين فرضين في وقت أحدهما إلا بعرفة والمزدلفة فيجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة, وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء بمزدلفة, اتفق عليه رواة نسك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه فعله, ولا يجوز الجمع بعذر السفر والمطر, وقال الشافعي : يجمع بين الظهر والعصر في وقت العصر وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء بعذر السفر والمطر)اه
وفي تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 1/88 : ( وعن الجمع بين صلاتين في وقت بعذر ) يعني منع عن الجمع بينهما في وقت واحد بسبب العذر, احترز بقوله (في وقت) عن الجمع بينهما فعلا بأن صلى كل واحدة منهما في وقتها بأن يصلي الأولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها فإنه جمع في حق الفعل وإن لم يكن جمعا في الوقت, واحترز بقوله (بعذر) عن الجمع في عرفة والمزدلفة فإن ذلك يجوز وإن لم يكن لعذر, وقال الشافعي يجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بعذر المطر والمرض والسفر) اه
المبحث الثاني :
حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب المالكية
يرى المالكية -في المعتمد من المذهب- أنه يجوز الجمع في المطر والثلج والوحل بين المغرب والعشاء فقط دون الظهر والعصر في جمع التقديم خاصة, على قيود لهم في بعض الحالات, ففي المنتقى شرح الموطأ (1/ 343): ( مسألة ) ويجمع بين المغرب والعشاء في الطين والظلمة وإن لم يكن مطر قاله ابن القاسم, قال ابن حبيب: والجمع جائز إذا كان المطر والوحل وإن لم تكن ظلمة أو كان المطر المضر ولم يكن وحل ولا ظلمة, ووجه ذلك أن هذه كلها مشاق تمنع التعتيم بالصلاة فأبيح أداء الصلاة في وقت يمكن الانصراف منها وقد بقي من ضوء الشفق ما يخفف المشقة)اه
وفي الكافي في فقه أهل المدينة : (وحكم الجمع في المطر: تؤخر الأولى وتقدم الثانية ويصليان في وسط الوقت بأذانين وإقامتين أو بأذان واحد وإقامتين كل ذلك قد روي عن مالك, ومن لم يدرك الأولى لم يصل الثانية إلا في وقتها على اختلاف من قول مالك في ذلك) اه
وفي شرح الخرشي على خليل 2/71: ( الجماعة إذا شرعوا في صلاة المغرب لوجود سبب الجمع وهو المطر فلما صلوها أو بعضها ارتفع السبب فإنه يجوز لهم التمادي على الجمع, إذ لا تؤمن عودته وظاهره ولو ظهر عدم عودته أما لو انقطع قبل الشروع فلا جمع إلا بسبب غيره فالمراد الشروع في الأولى ) اه
وفي الفواكه الدواني 1/231: ( ورخص ) أي سهل على وجه الندب أو السنية ( في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر ) الغزير الذي يحمل الناس على تغطية رءوسهم بحيث يشق معه الوصول إلى المنازل, ولا فرق بين الواقع أو المتوقع بقرائن الأحوال, واختص الجمع بالمغرب والعشاء للمطر... ( وكذلك ) أي رخص في الجمع بين المغرب والعشاء ( في ) كل ليلة ذات ( طين وظلمة ) لكونها من ليالي آخر الشهر لا ظلمة الغيم نهارا , فلا يجمح لأجلها ولو انضم لها طين أو ريح شديد)اه
وفي شرح الدردير على خليل 1/370: (و) رخص ندبا لمزيد المشقة (في جمع العشاءين فقط) جمع تقديم لا الظهرين لعدم المشقة فيهما غالبا (بكل مسجد) ولو مسجد غير جمعة خلافا لمن خصه بمسجد المدينة أو به وبمسجد مكة (لمطر) واقع أو متوقع (أو طين مع ظلمة) للشهر لا ظلمة غيم, لا (طين) فقط على المشهور (أو ظلمة) فقط اتفاقا) اه
المبحث الثالث:
حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب الشافعية
يرى الشافعية -في المعتمد من المذهب- أنه يجوز الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج دون الوحل وسواء كانت الصلاتان مغربا وعشاءا أم ظهرا وعصرا أم جمعة وعصرا, لكن ذلك في جمع التقديم دون التأخير, قال الإمام الشافعي في الأم - (ج 1 / ص 95): ( ولا يجمع في حضر في غير المطر من قبل أن الأصل أن يصلى الصلوات منفردات والجمع في المطر رخصة لعذر, وإن كان عذر غيره لم يجمع فيه, لان العذر في غيره خاص وذلك المرض والخوف وما أشبهه, وقد كانت أمراض وخوف فلم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع) اه
وقال الإمام النووي في المجموع (4 /381) : (قال الشافعي والأصحاب: يجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المطر, وحكي إمام الحرمين قولا انه يجوز بين المغرب والعشاء في وقت المغرب ولا يجوز بين الظهر والعصر وهو مذهب مالك, وقال المزني: لا يجوز مطلقا, والمذهب الأول وهو المعروف من نصوص الشافعي قديما وجديدا وبه قطع الأصحاب قال أصحابنا وسواء قوى المطر وضعيفه إذا بل الثوب قال أصحابنا والثلج والبرد ان كانا يذوبان ويبلان الثوب جاز الجمع وإلا فلا, هكذا قطع به الجمهور في الطريقتين وهو الصواب, وحكى صاحب التتمة وجها أنه يجوز الجمع بالثلج وان لم يذب ولم يبل الثياب وهو شاذ غلط, وحكى إمام الحرمين والغزالي وجها أنه لا يجوز الجمع بالثلج والبرد مطلقا وهو وجه ضعيف...
وأما الوحل والظلمة والريح والمرض والخوف فالمشهور من المذهب انه لا يجوز الجمع بسببها وبه قطع المصنف والجمهور وقال جماعة من أصحابنا بجوازه) اه
وقال الشيرازي في المهذب 4/ 254 -مع المجموع- : ( يجوز الجمع بين الصلاتين في المطر في وقت الأولى منهما ... وهل يجوز أن يجمع بينهما في وقت الثانية ؟ فيه قولان . قال في الإملاء : يجوز ; لأنه عذر يجوز الجمع به في وقت الأولى فجاز الجمع في وقت الثانية كالجمع في السفر , وقال في الأم: لا يجوز ; لأنه إذا أخر ربما انقطع المطر فجمع من غير عذر...
وأما الثلج فإن كان يبل الثياب فهو كالمطر , وإن لم يبل الثياب لم يجز الجمع لأجله , فأما الوحل والريح والظلمة والمرض فلا يجوز الجمع لأجلها فإنها قد كانت في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينقل أنه جمع لأجلها ) اه
وفي أسنى المطالب لزكريا الأنصاري 1/244: ( فصل: المطر ) ولو ضعيفا إن كان بحيث يبل الثياب (يبيح الجمع) لما يجمع بالسفر ( في وقت الأولى ) ... ( لا ) في وقت ( الثانية ) ; لأن استدامة المطر ليست إلى الجامع بخلاف السفر...
( والشفان كالمطر ) فيما ذكر لتضمنه القدر المبيح ( وهو ) بفتح الشين المعجمة لا بضمها كما وقع في بعض نسخ الروضة ولا بكسرها كما وقع للقمولي وبتشديد الفاء (برد ريح فيه ندوة) أي بلل (وكذا ثلج وبرد يذوبان) لما مر بخلاف ما إذا لم يذوبا لانتفاء التأذي نعم إن كان الثلج قطعا كبارا جاز الجمع به كما في الشامل وغيره وفي معناه البرد وبه صرح في الذخائر ( فرع: يجمع العصر مع الجمعة في المطر) اه
وفي تحفة المحتاج 2/402: ( ويجوز ) ولو للمقيم ( الجمع ) بين ما مر ومنه الجمعة بدل الظهر (بالمطر), وإن ضعف بشرط أن يبل الثوب ومنه شفان وهو ريح باردة فيها مطر خفيف (تقديما)... ( والجديد منعه تأخيرا ) ; لأن المطر قد ينقطع فيؤدي إلى إخراج الأولى عن وقتها بغير عذر ...
( والثلج والبرد كمطر إن ذابا ) وبلا الثوب لوجود ضابطه فيهما حينئذ بخلاف ما إذا لم يذوبا كذلك ومشقتهما نوع آخر لم يرد . نعم إن كان أحدهما قطعا كبارا يخشى منه جاز الجمع على ما صرح به جمع ) اه
وفي مغني المحتاج 1/533 : ( ويجوز الجمع ) ولو لمقيم كما يجمع بالسفر ولو جمعه مع العصر خلافا للروياني في منعه ذلك ( بالمطر ) ولو كان ضعيفا بحيث يبل الثوب ونحوه كثلج وبرد ذائبين وشفان كما سيأتي , ( تقديما ) ... ( والجديد منعه تأخيرا ) لأن استدامة المطر ليست إلى الجامع فقد ينقطع , فيؤدي إلى إخراجها عن وقتها من غير عذر بخلاف السفر والقديم جوازه , ونص عليه في الإملاء أيضا قياسا على السفر) اه
المبحث الرابع:
حكم الجمع بين الصلاتين في المطر والثلج والوحل في مذهب الحنابلة
يرى الحنابلة -في المعتمد من المذهب- أنه يجوز الجمع في المطر والثلج والوحل والريح الشديدة الباردة بين المغرب والعشاء خاصة دون الظهر والعصر, قال ابن قدامة في المغني 2/58: (فصل: ويجوز الجمع لأجل المطر بين المغرب والعشاء. ويروى ذلك عن ابن عمر, وفعله أبان بن عثمان في أهل المدينة. وهو قول الفقهاء السبعة ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وروي عن مروان وعمر بن عبد العزيز. ولم ( يجوزه ) أصحاب الرأي...
فصل: فأما الجمع بين الظهر والعصر , فغير جائز . قال : الأثرم : قيل لأبي عبد الله : الجمع بين الظهر والعصر في المطر ؟ قال : لا , ما سمعت . وهذا ( اختيار ) أبي بكر , وابن حامد , وقول مالك وقال أبو الحسن التميمي : فيه ( قولان , ) أحدهما أنه لا بأس به . وهو قول أبي الخطاب, ومذهب الشافعي...
فصل: فأما الوحل بمجرده فقال القاضي: قال أصحابنا: هو عذر ; لأن المشقة تلحق بذلك في النعال والثياب, كما تلحق بالمطر. وهو قول مالك. وذكر أبو الخطاب فيه وجها ثانيا , أنه لا يبيح وهو مذهب الشافعي وأبي ثور) اه
وقال المرداوي في الإنصاف (3 /441): (والمطر الذي يبل الثياب) .ومثله الثلج والبرد والجليد . واعلم أن الصحيح من المذهب: جواز الجمع لذلك من حيث الجملة بشرطه نص عليه وعليه الأصحاب. وقيل : لا يجوز الجمع . وهو رواية عن أحمد ...
قوله ( إلا أن جمع المطر يختص العشاءين ، في أصح الوجهين ) .وهما روايتان ، وهذا المذهب بلا ريب . نص عليه في رواية الأثرم . وعليه أكثر الأصحاب ، منهم أبو الخطاب في رءوس المسائل. فإنه جزم به فيها . والوجه الآخر : يجوز الجمع كالعشاءين . اختاره القاضي ، وأبو الخطاب في الهداية ، والشيخ تقي الدين وغيرهم . ولم يذكر ابن هبيرة عن أحمد غيره . وجزم به في نهاية ابن رزين، ونظمها ، والتسهيل . وصححه في المذهب . وقدمه في الخلاصة ، وإدراك الغاية .وأطلقهما في مسبوك الذهب ، والمستوعب ، والتلخيص ، والبلغة ، وخصال ابن البنا ، والطوفي في شرح الخرقي، والحاويين ) اه
وفي كشاف القناع 2/7: (ويجوز) الجمع ( بين العشاءين لا الظهرين لمطر يبل الثياب, زاد جمع:أو) يبل ( النعل أو البدن, وتوجد معه مشقة... و ( لا) يباح الجمع لأجل ( الظل) ولا لمطر خفيف لا يبل الثياب على المذهب, لعدم المشقة . ( و ) يجوز الجمع بين العشاءين دون الظهرين ( لثلج وبرد) لأنهما في حكم المطر. ( و ) يجوز الجمع بين العشاءين ل ( جليد ) لأنه من شدة البرد (ووحل وريح شديدة باردة )اه
وفي مطالب أولى النهي1/734: ( ويختص جمع ) بين ( مغرب وعشاء بثلج وبرد وجليد ووحل وريح شديدة باردة ) ظاهرة : وإن لم تكن الليلة مظلمة , ويعلم مما تقدم كذلك لو كانت شديدة بليلة مظلمة , وإن لم تكن باردة ( ومطر يبل الثياب وتوجد معه مشقة )... والوحل أعظم مشقة من البرد) اه
المبحث الخامس :
في أدلة كل فريق على ما قال به
أولا:
أدلة الحنفية
استدل الحنفية على عدم جواز الجمع في غير عرفة ومزدلفة للحاج بالتالي:
- الآيات والأحاديث الكثيرة التي تدل على عدم جواز تقديم أو تأخير الصلاة عن وقتها, وأجابوا عن أحاديث الجمع في السفر والمطر ونحوهما من الأعذار: بأنها أحاديث آحاد لا يعارض بها المتواتر من القرآن والسنة مع أن الأمر مما تعم به البلوي وتتداعى الهمم لنقله بالتواتر, ومما أجابوا به أيضا: أن التخصيص عندهم يعد من النسخ, والسنة لا تنسخ القرآن, والعموم في مسألتنا هو ما في القرآن من وجوب التوقيت, والتخصيص هو جعل ذلك التوقيت في الحضر دون السفر الوارد في السنة الآحاد, ومما أجابوا به عن أحاديث الجمع أيضا بأن المراد بها الجمع الصوري لا الحقيقي ويؤيده ما رواه ابن حبان عن نافع قال: خرجت مع ابن عمر رضي الله عنهما في سفرة وغابت الشمس فلما أبطأ قلت : الصلاة يرحمك الله فتلفت إلي ومضى حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق فصلى بنا ثم أقبل علينا فقال: [ إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أعجل به السير صنع هكذا]
- روى عبد الرزاق في مصنفه 2/551: (عن الثوري عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد عن بن مسعود قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة قط إلا لوقتها إلا أنه جمع بين الظهر والعصر بعرفة والمغرب والعشاء بجمع)اه ورواه ابن جرير أيضا, ونسبه صاحب تبيين الحقائق والطحطاوي في حاشيته وغيرهما إلى البخاري ومسلم وليس هو فيهما بهذا اللفظ بل بلفظ: (ما رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء وصلى الفجر قبل ميقاتها)اه وأجيب بأن غير ابن مسعود قد رأى الجمع في غير عرفة ومزدلفة والمثبت مقدم على النافي
- في سنن أبي داود 1/ 38: (عن ابن عمر قال: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المغرب والعشاء قط في السفر إلا مرة ) اه قال أبو داود: وهذا يروى عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موقوفا على ابن عمر ... وروي من حديث مكحول عن نافع أنه رأى ابن عمر فعل ذلك مرة أو مرتين)اه وأجيب بأن المثبت مقدم على النافي, وبأنه قد روي موقوفا كما تقدم, وبأن من أهل العلم من ضعف المرفوع
- وقالوا أيضا: كل تأويل يأتي به الجمهور لحديث ابن عباس المشهور في الجمع في المدينة هو تأويل لنا لأحاديث الجمع في السفر, فإذا قبلوا ما يأتون به من تأويل لحديث ابن عباس فلا بد أن يقلبوا تأويلاتنا لأحاديث الجمع في السفر, أو يلزمهم أن يقولوا بجواز الجمع في الحضر من غير خوف ولا مطر أخذا بظاهر حديث ابن عباس, وقد أول الجمهور حديث ابن عباس بعدة تأويلات بعضها مقبول وبعضها متعسف وبعضها بينَ بين, فمن تلك التأويلات: أنه جمع صوري لا حقيقي, ومنها أنه في المطر, ومنها أنه في حالة الحرج والمشقة, ومنها أنه حادثة عين لا عموم لها, ومنها أنه على سبيل الندرة من غير أن يتخذ عادة... إلخ
تعليق