(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) الشيخ : أحمد بن حمد الخليلي

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • خالد أحمد الحارثي
    طالب علم
    • Sep 2013
    • 228

    #1

    (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) الشيخ : أحمد بن حمد الخليلي





    قال تعالى : {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام : 121]، أرجو من سماحة المفتي أن يوضح لنا معنى هذه الآية وما هو الهدف منها ؟ وهل تنطبق هذه الآية على ما يستورد في هذه الأيام ؟ وهل هنالك فرق بين ما يستورد من بلد إسلامي أو غير إسلامي ؟


    ولقد أجاب سماحة الشيخ : أحمد بن حمد الخليلي


    نص الفتوى
    إن الله سبحانه وتعالى قد امتّن على عباده بما أحل لهم من الطيبات ، ومن هذه الطيبات التي أحلها لهم لحوم الأنعام وغيرها من الحيوانات المحللة للإنسان كالطيور والأسماك ، ولا شك أن توصل الإنسان إلى الاستمتاع بهذه اللحوم من هذه الحيوانات مع أنها ذات حياة ومع أنها تتألم كما يتألم الإنسان إنما هو بحكم الله الذي شرّف هذا الإنسان ومنحه الحق في تذكية الحيوانات المحللة للتغذي والاستمتاع بلحومها ، وعليه فإن توصل الإنسان إلى استباحة لحوم الطيبات إنما هو بطريق حكمه سبحانه وتعالى ، فلذلك شرع ذكر اسم الله تعالى عند ذبح الذبيحة إعلاماً بأن الذابح إنما استباح ذبح هذا الحيوان واستساغ أن يسطو عليه باسم الله وحده لا باسم غيره ، ولقد جاء في القرآن الأمر بذكر اسم الله تعالى عند التذكية ، والأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه والنهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ، فالأمر بذكر اسم الله تعالى هو في قول الحق سبحانه وتعالى : {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج : 36]، والأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه هو في قول الحق تعالى : {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام : 118]، والنهي عن أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه جاء في هذه الآية الكريمة : {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام : 121]، وهذه الآية الكريمة تدل بمنطوقها على تحريم أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه كما تدل بمفهومها على إباحة أكل ما ذكر اسم الله عليه ، والآية الأخرى وهي قول الحق تعالى : {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام : 118]دالة بمنطوقها على إباحة أكل ما ذكر اسم الله عليه وبمفهومها على النهي عن أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه ، فما دلت عليه هذه الآية بالمنطوق دلت عليه تلك بالمفهوم ، ودلالة كل واحدة من الآيتين شادة من دلالة الآية الأخرى ، والعلماء مع هذا كله اختلفوا من لدن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - في أكل ما لم يُذكر اسم الله تعالى عليه ، منهم من أباح على الإطلاق أكل الحيوان المحلل إذا ذبح من غير ذكر اسم الله تعالى ، وقد روي هذا القول عن طائفة من الصحابة ، منهم ابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهما ، وروي عن الإمام جابر بن زيد وغيره من التابعين وهو قول الإمام الشافعي ، وذهب طائفة من الصحابة منهم ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، وطائفة من التابعين كمحمد بن سيرين ، وطائفة من أئمة العلم كالإمام مالك ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، إلى تحريم أكل ما لم يُذكر اسم الله تعالى عليه من غير أن يفرّقوا بين أن يكون ترك ذكر اسم الله تعالى عمداً أو نسياناً ، وروي عن الإمام مالك والإمام أحمد التفرقة بين حالتي العمد والنسيان كما روي أيضاً عن الإمام أبي حنيفة وهو القول المشهور في المذهب الحنفي ، وهذه الأقوال كلها موجودة عند أصحابنا رحمهم الله كما جاء ذلك في النيل وشرحه ، وهناك قول آخر روي عن أشهب من أصحاب مالك وهو الكراهة إذا كان الترك من غير استخفاف بالاسم الكريم ، وينبغي أن نناقش وجوه هذه الأقوال مع هذا النص الصريح في القرآن الكريم ومع الأحاديث الكثيرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم التي هي صريحة في الأمر بذكر اسم الله تعالى عند الذبح أو عند إرسال السهم أو إغراء الكلب ، كما جاء ذلك في أحاديث الشيخين من طريق عبادة بن الصامت وغيره ، ومن هذه الأحاديث: «ما أنهر الدم وقطع الجلد وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر »[رواه البخاري في كتاب الشركة باب من عدل عشراً من الغنم بجزور رقم ( 2372 ) ومسلم في كتاب الأضاحي باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم رقم ( 1968 ) .] ، فالحديث صريح في اشتراط ذكر اسم الله تعالى ، والعلماء الذين بحثوا في هذا الخلاف مع وجود النص الصريح في القرآن الكريم على النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه انقسموا إلى قسمين ، فمنهم من نظر إلى المسألة من ناحية قواعد اللغة العربية ، ومن هؤلاء أبو البقاء في الكليات ، فقد صور مناظرة بين الشافعي وأبي حنيفة في هذه المسألة ، وذلك أن الإمام أبا حنيفة أخذ يناقش الإمام الشافعي في إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه قائلاً له : من أين لك ذلك مع أن الله تعالى يقول : {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام : 121] ، فأجابه : بأن النهي في الآية الكريمة مقيد بكون المذبوح فسقاً ، والفسق قد بينته آية أخرى وهي قول الله تعالى : { أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام : 145]، وذلك أن الواو واو الحال وليست عاطفة ، ومن شأن الحال أن تفيد التقييد ، فأجابه الإمام أبو حنيفة : من أين لك ذلك مع أن جعلها للحال أمر مجازي لا يصار إليه إلا مع القرينة الصّارفة لها عن حقيقتها وهي العطف ، فأجابه : إن القرينة هاهنا قائمة وهي امتناع عطف الخبر على الإنشاء ، فأجابه : بأن ذلك ليس مجمعاً عليه وأن وجود التأكيد في قوله " إنه " وفي قوله " لفسق " مما يدل على أن الجملة غير حالية لأن الحال لا يحتاج إلى تأكيد ،


    وفي الواقع أننا إذا نظرنا إلى هذه المناقشة رأينا أنها تدور حول جعل الواو للحال أو جعلها للعطف ، فمن جعلها للحال استند إلى أن الخبر لا يعطف على الإنشاء ، فإن قول الله تعالى : " لا تأكلوا " إنشاء ، وقوله: " إنه لفسق " خبر ، والخبر لا يعطف على الإنشاء ، ولكن إذا رجعنا إلى الآية نفسها وجدنا ما يدل على أن الواو ليست هاهنا للحال فإن الله تعالى يقول بعد ذلك : {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام : 121]، ومن المعلوم أن قوله " إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم " لا يُراد منه الحال، إذ لو كان المراد منه الحال للزم تقييد النهي بهذه الحالة وهي حالة مجادلة الشياطين ، ومن المعلوم أن الحرف العاطف إذا تخلل الجمل المتعاطفة يجعل حكمها كحكم الجملة الواحدة ، وقول الله تعالى : " وإنه لفسق " عطف عليه قوله : {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام : 121] فلو كانت الواو للحال فيه لزم أن ينسحب حكم الحال على الجمل المعطوفة على هذه الجملة ، وأيضاً فإن الخبر هاهنا في حكم الإنشاء لأنه سيق مساق التأكيد للإنشاء كما في قول الله تعالى : {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور : 4] وإذا كان الخبر مسوقاً مساق التأكيد للإنشاء أعطي حكم الإنشاء وجاز عطفه عليه ، على أن الصحيح جواز عطف الخبر على الإنشاء مطلقاً كالعكس كما بينته في غير هذا الموضع ، والفريق الثاني من العلماء رد الخلاف إلى مسألة أصولية لها ارتباط بهذه المسألة ، ومن هؤلاء القرطبي في تفسيره ، فقد رد الخلاف إلى القاعدة المشهورة عند الأصوليين وهي أن الحكم العام هل يكون مقصوراً على سببه الخاص أو أنه لا تأثير لخصوص السبب في تخصيص عموم اللفظ ؟ والمشهور عند الأصوليين والفقهاء أنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ ، إذ لو كانت العبرة بخصوص السبب للزم قصر عمومات كثيرة على أسبابها الخاصة ، وبذلك يكون الحكم لا يتعدى الشخص الذي كان سبباً لوروده ، والذين قالوا بأن حكم العموم يقصر على سببه الخاص نظروا إلى أن هذه الآية الكريمة قد نزلت بسبب خاص ، فإنه ورد في جامع الترمذي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن سبب نزول الآية الكريمة أن المشركين احتجوا على المسلمين وقالوا : أنأكل ما قتلنا ولا نأكل ما قتله الله ؟[رواه الترمذي في كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة الأنعام رقم ( 3069 ) .] ومعنى أطعتموهم في الآية الكريمة أي إن أطعتموهم في تحليل الميتة ، فهل تكون هذه الآية قاصرة على هذا السبب الخاص ويكون النهي فيها مقصوراً على ما مات حتف أنفه ولم يذكر اسم الله عليه ولا يشمل ما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه ، أو ينسحب هذا الحكم على كل ما لم يذكر اسم الله عليه سواءً مات حتف أنفه بدون ذبح أو مات بذبح ؟ ، والذين يفرقون بين العمد والنسيان يحتجون بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : « رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان » [رواه ابن ماجة في كتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي رقم ( 2043 ) .] ، كما يحتجون بحديث ورد موقوفاً على ابن عباس ، وروي أيضاً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووقفه هو الصواب : « يجزي الذابح اسمه إذا لم يذكر اسم الله فليسم الله وليأكله » [رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصيد والذبائح باب من ترك التسمية .] ، وجاء أيضاً : « اسم الله على قلب كل مسلم » [رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصيد والذبائح باب من ترك التسمية .] ، ولكن الحديث موقوف على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذ لم يثبت مرفوعاً ولا حجة في الموقوف إن عورض برأي آخر من الصحابة ، وقد عول على هذا المروي عن ابن عباس جماعة من العلماء فقالوا : إن اسم الله تعالى قارٌّ في قلوب المسلمين فهو يجزي عن ذكره بألسنتهم عند الذبح ، وهؤلاء يُرّد عليهم بأن الله تعالى يقول في القرآن : {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت : 49] ، ومع ذلك فإنه لا يجزي كونه آيات بينات في صدورهم عن تلاوتهم له في الصلاة ، وكما هو معلوم أن النهي لم يأت بصيغة ولا تذبح بدون ذكر اسم الله وإنما جاء بصيغة ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ، وهو يعم ما ترك ذكر اسم الله تعالى عليه عمداً أو نسياناً ، وبعض العلماء قالوا إن الذبح إيلام والإيلام يتنافى مع ذكر اسم الله تعالى وهذا شيء يخالف النصوص القاطعة ، ولقد استنكر ذلك ابن العربي المالكي الفقيه المشهور فقال : وأعجب من رأس المحققين إمام الحرمين حيث قال : إن الذبح إيلام وهو يتنافى مع ذكر اسم الله تعالى ، ومما احتج به من أباحوا أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ما جاء في الحديث عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم عن ذبائح الأعراب وقيل له : لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لا ؟ فقال : «سموا الله أنتم وكلوا » [رواه البخاري ، كتاب الذبائح والصيد ، باب ذبيحة الأعراب ، رقم ( 5188 ) .] وذكر بعضهم : بأن الحديث يؤكد وجوب ذكر اسم الله ولكنه يعين ذكر اسم الله تعالى وأنه في حالة الأكل لا في حالة الذبح ، ولكن هذا الرأي مردود لأن الله تعالى يقول : {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام : 121] و" لا " تخلص المضارع للاستقبال و" لم " تصرفه إلى المضي وليست هنالك حالة في المضي قبل حالة الأكل إلا حالة الذبح ومما يؤكد ذلك قول الله تعالى : {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج : 36] ، ولا ريب أن ذلك في حالة النحر لا حالة الأكل ، أما قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " سموا الله أنتم وكلوا " فإنه إنما يدل على التسامح في ذبائح المسلمين وإن أسلموا من جديد أو كانوا من الأعراب حسن ظن بهم ، فإن الأصل في ذبيحة المسلم أن تكون موافقة الطريقة المشروعة الجائزة .
    ويستخلص من هذا كله أن الراجح أن الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها تحرم سواءً كان الترك عمداً أو نسياناً ، من دون تخطئة لمن لم يقل بهذا القول ، أما الذبائح المستوردة من بلاد أخرى فالنظر إلى الجهة المستورد منها ، هل هي بلد إسلامي أو غير إسلامي ، فإن كان البلد الذي استوردت منه بلداً إسلامياً فيحكم على ذبائحهم أنها محللة كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم في ذبائح القوم الذين كانوا جديدي عهد بدخول الإسلام : " سموا الله أنتم وكلوا " ، وأما إذا كانت مستوردة من بلد غير إسلامي فلابد من ضامن يضمن ذبحها على الطريقة المشروعة في الإسلام ، لا سيما في هذا الوقت الذي كثر فيه الذبح بالطرق غير المشروعة في الإسلام كالخنق وكالصعق الكهربائي ، ومع ذلك فلابد من أن يضمن هذا الضامن أن الذابح ممن تجوز ذبيحته في الإسلام

    والله سبحانه وتعالى أعلم .





    وما كل طول في الكلام بطائل ~ ولا كل مقصور الكلام قصير
    وما كل منطوق بليغ هداية ~ ولا كل زحار المياه نمير
    وما كل موهوم الظنون حقائق ~ ولا كل مفهوم التعقل نور
    وما كل مرئي البصائر حجة ~ ولا كل عقل بالصواب بصير
    وما كل معلوم بحق ولا الذي ~ تقيل علما بالأحق جدير
    ولكن نور الله وهب لحكمة ~ يصير مع التوفيق حيث يصير

    كل ما اكتبه يمثل وجهة نظري فقط
يعمل...