مفهوم الخلافة في الفقه السياسي الاسلامى: قراءه منهجيه1

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبرى محمد خليل خيرى
    طالب علم
    • Jan 2010
    • 416

    #1

    مفهوم الخلافة في الفقه السياسي الاسلامى: قراءه منهجيه1

    مفهوم الخلافة في الفقه السياسي الاسلامى: قراءه منهجيه 1) (
    د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
    تعريف الخلافة لغة واصطلاحا: الخلافة لغة : مصدر خلف يخلف، يقال: خلفه خليفة, أي كان خليفته وبقي بعده ( لسان العرب)، والخليفة: هو السلطان والرئيس والإمام والأمير والحاكم, وسُمِّيَ خليفة لأنه يخلف النبي-صلى الله عليه وسلم-في أمته. أما اصطلاحا فقد عرفها علماء آهل السنة بأنها خلافه الرسول (صلى الله عليه وسلم) في حراسه الدين وسياسة الدنيا ، يقول الماوردي (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة, في حراسة الدين وسياسة الدنيا)( الأحكام السلطانية)،ويعرفها ابن خلدون بأنها (خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا)،
    ألخلافه والامامه : من تعريفات علماء اهل السنة للخلافة يتضح لنا ان هناك ارتباط وثيق بين الخلافة والامامه،غير أن مفهوم الامامه اشمل من مفهوم الخلافة،حيث ان الخلافة هى نمط من أنماط الامامه.
    تعريف الامامه : فالإمامة لغة: مشتقة من أمَّ القوم إذا صار لهم إمامًا يتبعونه ويقتدون به، يقول ابن منظور(الإمام كل من ائتمَّ به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين)( لسان العرب "21/42"، مادة "أمم" ). ولا يختلف معناها الاصطلاح عن معناها اللغوي ، لان مضمونه الإتباع والاقتداء.
    أقسام الامامه:ويمكن تقسيم الامامه إلى أقسام متعددة ، نتيجة لتعدد المعايير المستخدمة في تقسيمها: حيث أنها تنقسم طبقا لمعيار الهدايه أو الضلال إلى قسمين هما: أولا:إمامه الهدايه: وقد أشار إليها القران الكريم في عده مواضع ، كقوله تعالى ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون )، ومضمونها اقتداء وإتباع بدليل يلزم منه الهدايه . ثانيا:إمامه الضلال :وقد أشار إليها القران الكريم في عده مواضع ،كقوله تعالى﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾،ومضمونها اقتداء وإتباع بدون دليل يلزم منه الضلال.كما تنقسم الامامه طبقا لمعيار التعيين " الخصوص والعموم" إلى قسمين هما اولا: إمامه خاصة: وهى إمامه معينه بالنص، من جهتي الاسم والصفات ، كما في قوله تعالى (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) ، وهى مقصورة على الأنبياء والرسل (عليهم السلام )، وبختم النبوة وانقطاع الوحي بوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) انتهى هذا القسم من أقسام الامامه .ثانيا:إمامه عامه: وهى إمامه غير معينه بالنص، واعلي درجاتها إمامه الصحابة ( رضي الله عنهم)، لان إمامتهم معينه بالنص من جهة الصفات ، كما في قوله تعالى (فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (البقرة: 137) .كما تنقسم الامامه طبقا لمعيار الفرد والجماعة إلى قسمين هما:اولا: إمامه فرديه :وهى إمامه فرد كما في قوله تعالى (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ).ثانيا:إمامه جماعية : وهى إمامه جماعه كما في قوله تعالى ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)(القصص : 5). ومن أشكالها إمامه الامه . كما تنقسم الامامه طبقا لمعيار التكليف أو التكوين إلى قسمين هما :أولا:إمامه تكليفيه :ومضمونها إتباع واقتداء متعلق بالوحي ، ومثالها إمامه الأنبياء (عليهم السلام )كما فى قوله تعالى( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} (الأنبياء/72 ــ 73)، ثانيا:إمامه تكوينيه: ومضمونها إتباع واقتداء متعلق السنن الالهيه "الكلية والنوعية" التي تضبط حركه الوجود الشهادى الشامل للوجود الانسانى " المستخلف والطبيعي" المسخر"، ومثالها إمامه أولى الأمر الشرعيين ، قال تعالى( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) )(النساء 59) .
    الامامه ألتكوينيه الصغرى والكبرى " ألخلافه": وإمامه أولى الأمر تنقسم إلى قسمين : إمامه صغرى ،وهى مقصورة على شعب مسلم معينه أو امه مسلمه معينه" اى شعب او امه ذو اغلبيه مسلمه"، وقد عبر عنها بعض العلماء بلفظ اماره . وإمامه كبرى وتشمل كل الشعوب والامم المسلمة "وليس كل المسلمين فى العالم فهناك شعوب وامم ذات اغلبيه غير مسلمه والمسلمين فيها اقليه- " وهى الخلافة ، فهي ألدوله التي تجسد وحده الشعوب و الأمم ألمسلمه.ويترتب على هذا أن العلاقة بين الامامه التكوينية الكبرى"ألخلافه" والصغرى ليست علاقة إلغاء وتناقض- كما ترى بعض المذاهب فى الفكر السياسي الاسلامى الحديث والمعاصر،ولكنها علاقة تحديد وتكامل، فالامامه التكوينيه الكبرى " ألخلافه " تحدد الامامه الصغرى، كما يحدد الكل الجزء الكل فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه ، ويمكن الاستدلال على هذه العلاقة من استخدام علماء آهل السنه لمصطلحات تفيد الشمول مثل الجويني (الإمامة رئاسة تامة ورعاية تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدنيا والدين). ويترتب على ما سبق ان هناك خصائص تشترك فيها الامامه الكبرى" الخلافة" مع الامامه الكبرى- وهى خصائص تمثل اوجه الاشتراك بين الكل والجزء- كما ان هناك خصائص تنفرد بها الامامه الكبرى- وهى خصائص تمثل ما يتميز به الكل عن الجزء-.
    دلالتي مصطلح الامامه (السلطة والدولة) :غير انه يجب تقرير أن علماء أهل السنة استخدموا مصطلح الامامه، عند الحديث عن هذا النمط من أنماط الامامه " الامامه ألتكليفيه " بدلالتين ، الدلالة الأولى تفيد معنى السلطة في الفكر السياسي المعاصر، فالحديث هنا عن الإمام أو الخليفة كشخص يرأس السلطة التنفيذية في الدولة . أما الدلالة الثانية فتفيد معنى الدولة في الفكر السياسي المعاصر، فالحديث هنا عن الامامه أو الخلافة اى عن الدولة بأركانها من شعب وسلطه وارض ، واستخدامهم لذات المصطلح بدلالتين، يتسق مع تقرير الفكر السياسي المعاصر أن مفهوم الدولة اشمل من مفهوم السلطة ، باعتبار أن أركان الدولة هي الشعب والأرض والسلطة.
    الامامه "بمعنى السلطة" من فروع الدين وليست من أصوله: اجمع علماء أهل السنه بمذاهبهم الاعتقاديه والفقهية المتعددة - على ان الامامه- التكليفيه - طبقا لدلالتها الأولى - التى تتفيد معنى السلطة - هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، يقول الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات ، بحيث لا يسع المكلَّف الإعراض عنها والجهل بها ... ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363) ، ويقول الإيجي ( وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) ،ويقول الإمام الغزالي ( اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات ، وليس أيضاً من فنّ المعقولات ، بل من الفقهيات ... ) (الإقتصاد في الإعتقاد : ص 234) ، ويقول التفتازاني ( لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة ، بعلم الفروع أَليق ... ) (شرح المقاصد : ج 2، ص 271)، وبهذا يخالف مذهب اهل السنه تفريعاته المتعدده المذهب الشيعى القائم على ان الامامه" دون تمييز بين دلالاتها المتعدده" أصل من أصول الدين ، فعلى سبيل المثال لا الحصر ينقل الشيعة عن أبي جعفر انه قال( بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة: فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان )( الكافي ، 2/16، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام). وقد رد الامام ابن تيميه (في منهاج السنة:1/75) هذا الأصل من أصول المذهب الشيعي ، حيث يقول ( فقوله إن مسألة الإمامة أهم المطالب كذب بالإجماع؛ إذ الإيمان أهم, فمن المعلوم بالضرورة، أن الكفار على عهد النبي-صلى الله عليه و سلم-كانوا إذا أسلموا أجري عليهم أحكام الإسلام, ولم تذكر لهم الإمامة بحال, فكيف تكون أهمّ المطالب) ثم يقول(: و قوله أن الإمامة أحد أركان الدين جهل وبهتان, فإن النبي-صلى الله عليه و سلم-فسَّر الإيمان وشعبه, ولم يذكر الإمامة في أركانه, ولا جاء ذلك في القرآن).
    نصب إمام أو خليفه" معين"قضيه اجتهاديه وليست نصيه: ويترتب على تقرير علماء أهل السنه ان الامامه التكليفيه طبقا لدلالتها الأولى التي تفيد معنى السلطة هى من فروع الدين ، ان مذهب اهل السنه قائم على أساس ان نصب او عزل إمام أو خليفة معين"اى فى زمان ومكان معينين" هو قضيه اجتهاديه، يجوز الاختلاف فيها ، ولا يجوز تكفير المخالف فيها.
    وبناء على هذا فان المذهب القائل ان نصب إمام او خليفة معين، هي قضيه نصيه لا يجوز الاختلاف فيها ويكفر فيه المخالف، يلتقى مع احد أصول المذهب الشيعي، ويخالف احد أصول المذهب السنى .
    وجوب الامامه "بمعنى الدوله" ووجوب نصب إمام أو خليفه "مطلقا": كما اجمع علماء اهل السنه بمذاهبهم الاعتقاديه والفقهيه المتعدده - على وجوب الامامه - التكليفيه - طبقا لدلالتها الثانية التى تفيد معنى الدولة،وقد عبروا عن هذا الوجوب من خلال تقريرهم وجوب نصب إمام او خليفة مطلقا "اى فى كل زمان ومكان" ،يقول الماوردي ( وعقدها- أي الإمامة - لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع...) (الأحكام السلطانية)، ويقول القاضي أبو يعلى ( نصبة الإمام واجبة...)(المصدر السابق)، ويقول النووي( وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة...) (نيل الأوطار). فهذه الأقوال لا تتحدث عن نصب امام فى زمان وكان معينيناى لا تتحدث عن السلطة- بل تتحدث عن نصب إمام او خليفه فى كل زمان ومكان- اى تتحدث عن الدوله ، فهى ئؤكد على مبدا ان الدولة هى ضرورة اجتماعيه، وهذا المبدأ اتفقت عليه جميع الفرق الاسلاميه ماعدا الخوارج النجدات ، بل اتفقت عليه جميع المذاهب السياسية في الفكر السياسي الحديث والمعاصر ماعدا المذهب الفوضوي ( مذهب اللا دوله)، ويمكن التحقق من صحة ذلك ، من خلال استقراء هذه الأقوال ، ودراسة السياق الذي ورد فيه القول بوجوب نصب الإمام ، فعلى سبيل المثال يقول الإيجي ( نَصْبُ الإمام عندنا واجبٌ علينا سمعاًوقال : انه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي ? على امتناع خلو الوقت عن إمام، حتى قال أبو بكر رضى اله عنه في خطبته ألا إن محمداً قد مات، ولا بدَّ لهذا الدين ممن يقوم به ، فبادر الكل إلى قبوله، وتركوا له أهم الأشياء، وهو دفن رسول الله ، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر)(المواقف ، ص 395 ). فهذا النص يتحدث عن نصب الأمام في كل زمان ، وليس نصب الإمام في زمان معين، كما تفيد العبارات( تواتر إجماع المسلمين على امتناع خلو الوقت عن إمام) ، و (لم يزل الناس على ذلك مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر).
    نصب امام أو خليفة "معين" فرض كفاية لا فرض عين: إن الاتساق بين تقرير علماء أهل وجوب نصب امام او خليفة "مطلقا " الذي يتصل بالدلالة الأولى لمصطلح الامامه التى تفيد معنى الدولة- وكون المذهب السني قائم على أساس أن نصب امام أو خليفة "معين" هى قضيه اجتهاديه- وهو ما يتصل بالدلالة الثانية لمصطلح الامامه التى تفيد معنى السلطه يتحقق من خلال تقرير علماء أهل السنة أن وجوب نصب امام أو خليفة "مطلقا" هو وجوب كفائي لا عيني، اى أن نصب إمام او خليفة " مطلقا " هو فرض كفاية لا فرض عين ، اى ان الوجوب هنا لا يشمل الجميع ، يقول الماوردي ( فإذا ثبت وجوبها ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط ففرضها على الكفاية، وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان: أحدهما أهل الاختيار حتى يختاروا إمامًا للأمة، والثاني: أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهما للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم، وإذا تميز هذان الفريقان من الأمة في فرض الإمامة وجب أن يعتبر كل فريق منهما بالشروط المعتبرة فيه) ( الأحكام السلطانية: ص 5) ، ويقول القاضي أبو يعلى: (وهي فرض على الكفاية ، مخاطبا بها طائفتان من الناس، إحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا، والثانية: من يوجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة) (الأحكام السلطانية: ص)19)، ويقول الإمام النووي: (تولي الإمامة فرض كفاية ، فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعين عليه ، ولزمه طلبها إن لم يبتدؤه، هذا إذا كان الدافع له الحرص على مصلحة المسلمين ، وإلا فإن من شروط الإمام ألا يطلبها لنفسه كما سيأتي في الشروط) (روضة الطالبين :10/43). اما المذهب الشيعي فلا يميز بين دلالتي مصطلح الامامه ( اى الدلالة التى تفيد معنى السلطة والدلاله التى تفيد معنى الدولة )، ويجعل الامامه من أصول الدين "دون تمييز بين دلالاتها كما ذكرنا سابقا" ، وبالتالى لا يميز بين نصب امام مطلقا ونصب امام معين ، لذا جعل وجوب الامامه وجوب عينى وليس وجوب كفائى، اى فرض عين وليس فرض كفايه .
    تحقيق المصالح الدنيوية والدينية: من الخصائص المشتركة بين الامامه التكوينية الصغرى والكبرى"الخلافة" ، إن وظيفة كليهما تحقيق مصالح المسلمين الدينية " التي عنها علماء أهل السنة بمصطلح حراسه الدين "، والدنيوية" التي عبر عنها علماء أهل السنة بمصطلح سياسة الدنيا"، وقد أشار علماء أهل السنة إلى بعض هذه المصالح كإقامة الحدود ، وتدبير أمور الأمة ، وتنظيم الجيوش ، وسد الثغور ، وردع الظالم وحماية المظلوم ، وقيادة المسلمين في حجهم وغزوهم وتقسيم الفئ بينهم (الماوردي : الأحكام السلطانية ) .بناء على هذا فانه لا يمكن اطلاق صفه الامامه الصغرى أو الكبرى "الخلافة"، على دوله لا تعمل على تحقيق مصالح المسلمين الدينية والدنيوية .
    مفهوم "حراسه الدين " وضمان نفاذ النظام القانوني الاسلامى: وقد اتفق علماء اهل السنه على ان من اهم وظائف الامامه التكوينيه الصغرى والكبرى " الخلافه" حراسه الدين، والمقصود بالدين هنا الإسلام كنظام ملزم للعلاقات بين الأفراد في المجتمع ، ومضمون حراسه الدين هنا هو حفظ النظام القانوني الاسلامى وقوه الإلزام فيه ، وما يقتضيه هذا الإلزام من تشريع (تقنيين) واداره وقضاء تنفيذ وردع يقول الماوردي (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا) (الأحكام السلطانية)، ويقول ابن تيمية ( يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين ، بل لا قيام للدين إلا بها . فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ، ولا بد لحراسة الدين من رأس ) (ابن تيمية : السياسة الشرعية ، ص 165.غير أن مفهوم حراسه الدين هو اشمل من المعنى السابق ، المتصل بحفظ قواعد الإسلام، إذ يتعداه إلى حفظ مفاهيم وقيم الإسلام وهو معنى متصل بالمجتمع المسلم ، والعلماء كطليعة للمجتمع المسلم ، يقول ابن تيمية (فالمرصدون للعلم، عليهم للأمة حفظ الدين وتبليغه، فإذا لم يبلغوهم علم الدين، أو ضيعوا حفظه، كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين...)( الرد علي المخالف من أصول الإسلام،ص8).
    أقامه الدين- أصلا - مسئوليه المجتمع : أما اقامه الدين فهي أصلا- مسئوليه الجماعة (المجتمع المسلم) ، ويدل على هذا عموم الآيات الداعية إلى اقامه الدين ، قال تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)( الشورى: 14) ، ورد في تفسير الطبري (وَعَنَى بِقَوْلِهِ أَنْ أَقِيمُوا الدِّين أَنْ اعْمَلُوا بِهِ عَلَى مَا شَرَعَ لَكُمْ وَفَرَضَ , كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْل فِي قَوْله أَقِيمُوا الصَّلَاة وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل ..)، كما ورد في تفسير القرطبي (.. وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : أَنْ أَقِيمُوا الدِّين وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أَيْ اِجْعَلُوهُ قَائِمًا ; يُرِيد دَائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقَرًّا مِنْ غَيْر خِلَاف فِيهِ وَلَا اِضْطِرَاب ..). ومضمون اقامه الدين هو التزام المجتمع المسلم بمفاهيم وقيم وقواعد الإسلام، ورد في تفسير القرطبي ( أَنْ أَقِيمُوا الدِّين وَهُوَ تَوْحِيد اللَّه وَطَاعَته , وَالْإِيمَان بِرُسُلِهِ وَكُتُبه وَبِيَوْمِ الْجَزَاء , وَبِسَائِرِ مَا يَكُون الرَّجُل بِإِقَامَتِهِ مُسْلِمًا . وَلَمْ يُرِدْ الشَّرَائِع الَّتِي هِيَ مَصَالِح الْأُمَم عَلَى حُسْن أَحْوَالهَا , فَإِنَّهَا مُخْتَلِفَة مُتَفَاوِتَة) . أما مسئوليه الدولة الاسلاميه (الامامه الصغرى أو الكبرى "الخلافة") عن أقامه الدين فهي مسئوليه تبعية (باعتبارها ممثل للمجتمع).
    شروط الامامه والخلافة عند الفقهاء : وقد تحدث الفقهاء عن شروط الامامه والخلافة، ولكنهم ركزوا هنا على الشروط الواجب توافرها في الإمام أو الخليفة كفرد في ذاته ، كالإسلامِ والبلوغِ والعقلِ والعدالةِ... وهذا التركيز على هذه الشروط "الشخصية" يتسق مع واقعهم، اى واقع الدولة التي كانت السلطة فيها مركزيه...وسوف نركز هنا على الشروط المرتبطة بالإمام أو الخليفة كفرد في جماعه منظمه قانونيا، اى الشروط ذات الطابع الاجتماعي ، كالشورى والبيعة ...
    الشورى:الشورى من المفاهيم الكلية للفلسفة السياسية التي أشارت إليها نصوص قطعيه الورود والدلالة كقوله تعالى(وأمرهم شورى بينهم)وقوله تعالى (وشاورهم في الأمر) ،ومضمون الشورى - كمفهوم كلى - تبادل العلم بمشكله مشتركة ،ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة وأساليب تحقيقها، ثم تعين القرار الذي يرى كل مشارك انه الحل الصحيح للمسألة والمعرفة ،وذلك بالإشارة به على الآخرين،أما كيفيه تطبيق هذا المفهوم الكلى في زمان ومكان معينين فمتروك لاجتهاد المسلمين،ويتضمن هذا الاجتهاد استفادة المسلمين من إسهامات المجتمعات المعاصرة لهم ، بشرط عدم تناقضها مع أصول الدين وواقع المجتمعات، لذا نهت النصوص عن نصب إمام بدون مشورة المسلمين ، جاء في صحيح البخاريِّ عن عُمرَ رضي الله عنه أنَّه قال: ((مَن بايع رجلًا عن غير مشورةٍ من المسلمين، فلا يُبايَع هو ولا الذي بايَعَه؛ تغِرَّةَ أن يُقتلَا))، أيْ: حذرًا أن يُقتلَا.قال الحافظ ابنُ حجر رحمه الله في [الفتح] (12/150): (فيه إشارةٌ إلى التحذير من المسارعة إلى مِثل ذلك، حيث لا يكون هناك مثلُ أبي بكر؛ لِمَا اجتمع فيه من الصِّفات المحمودة، من قِيامه في أمْر الله، ولِينِ جانبه للمسلمين، وحُسنِ خُلُقه، ومعرفتِه بالسِّياسة، وورعِه التامِّ، ممَّن لا يوجد فيه مثلُ صِفاته، لا يُؤمَنُ مِن مبايعته عن غيرِ مشورةٍ الاختلافُ الذي يَنشأ عنه الشَّرُّ). اتساقا مع النصوص السابقة، فقد قرر الفقهاء أن من شروط الامامه الصغرى والكبرى " الخلافة" مشورة المسلمين، بناء على هذا فانه لا يمكن أن توصف اى دوله قائمه على الاستبداد بأنها إمامه صغرى أو كبرى "خلافه" .
    البيعة : اتساقا مع مفهوم الشورى فان مصدر شرعية ولاية الإمام أو الخليفة ( كراس للحكومة أو السلطة التنفيذية ) البيعة والتي مضمونها عقد اجتماعي بين الجماعة والحاكم ، مؤسس على الاختيار الحر بدون إكراه أو الإجبار ، يقول الماوردي عن البيعة أنها ( عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار ) ،ويترتب على البيعة أن الحاكم نائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله إذا جار ،يقول أبو يعلي أن الخليفة (وكيل للمسلمين ) ، ويقول الباقلاني ( إن الإمام إنما ينصب لإقامة الأحكام وحدود وأمور شرعها الرسول وقد علم الأمة بها، وهو في جميع ما يتولاه وكيل للأمة عليها خلعة والاستبدال به متي اقترف ما يوجب خلعة)
    قسما البيعة:وللبيعة قسمين:
    أولا:البيعة الخاصة ( بيعة أهل الحل والعقد): في الفقه السياسي الإسلامي نجد أن هنالك جماعة تسمي بأهل الحل والعقد وأهل الاختيار وهي الجماعة التي لها حق البيعة الإمام من بين أعضائها وهي تقارب ما يسمى في الفكر السياسي الحديث ( الهيئة التشريعية) التي تكون من ممثلين الأغلبية الشعب بانتخاب والتي تتولي اختيار الحكومة (السلطة التنفيذية) التي تكون مسئولية أمام هولاء الممثلين ( النظام البرلماني) .أما كون أهل الحل والعقد كانوا ممثلين لأغلبية الشعب تفويضا فنلاحظه في جماعه المهاجرين الأولين التي تكون من عشرة كانوا يمثلون أهم البطون من القرشيين الذين هاجروا من مكة إلى يثرب وهم ابوبكر وطلحة بن عبد الله ( يتم) وعمر بن الخطاب وسعيد بن زيد ( عدي) وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن أبى وقاص ( زهرة ) وعلي بن أبى طالب ( هاشم)وعثمان بن عفان ( أمية) والزبير بن العوام ( أسد) وأبو عبيدة بن الجراح ( فهد)،فكان ذلك تفويضا ولذا يجوز أن يكون اختيار أهل الحل والعقد في عصرنا بالانتخاب باعتبار ذلك وسيلة لضمان كونهم يمثلون أغلبية الجماعة يوضح الإمام الغزالي صفات من له الحق في العقد للإمام ( أن يكون مطاعا ذا شوكه .. فالشخص الواحد المتبوع المطاع الموصوف بهذا الغرض لا شخصين أو ثلاثة فلا بد من اتفاقهم وليس المقصود أعيان المبايعين وإنما الغرض قيام شوكه الإمام بالإتباع والأشياع ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأثرين من معتبري كل زمان)، وهذة البيعة بمثابة الترشيح.
    ثانيا:البيعة العامة: إن البيعة الأولي لا تكفي وحدها فلابد من البيعة العامة التي هي بمثابة تصديق علي الترشيح وإكمال للعقد .يقول ابن تيمية (وكذلك عمر لما عهد إليه ابوبكر ولم يبايعوة لم يصر إمام ،وكذلك عثمان لم يصر إمام باختيار بعضهم بل بمبايعة الناس له"ويقول الغزالي ولو لم يبايع ابا بكر غير عمر وبقي كافة جميع الخلق مخالفين له لما انعقدت الإمامة فان المقصود الذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين "
    .
يعمل...