أخي الكريم
موضوع إرخاء اللحية
التالي هي الإجابة على هذا الموضوع الذي أشغل به المسلمون .
ومن كثرة وضعه موضع البحث كثر أصحاب اللحى بين المسلمين
ومع هذه الكثرة زاد السوء في الوضع الإسلامي العام . هذا القول زيادة السوء لا ارتباط بينها وبين موضوع حكم اللحية ، هي مجرد تنبيه للواقع ليس إلا .
يقدم من هم من أهل الحماس لوجوب إرخاء اللحية بعض مقدمات ، هذه واحدة منها :
إن حلق اللحية فيه تشبه بالنساء ، فيحرم من هذا الباب . فما الرد على هذا ؟
للإجابة على هذا السؤال لابد من بعض التوضيح ، وهو أن النساء تفترق عن الرجال بالأنوثة فقط ، لان الله هيأها لان تكون أُماً ـ أي محلاً للحمل والولادة والرضاعة ـ هذا هو الفرق الوحيد بين الرجال والنساء ، فالشعر ليس هو الفرق بين الذكر والأنثى ، وإلا لقيل : إن الأمرد امرأة ، وان المرأة ـ التي يظهر شعرٌ في شواربها ولحيها ووجهيها ـ هي أيضا رجلٌ ، فعليه لا تبقى قيمة للسؤال بعد فهم مثل هذا الواقع .
إن موضوع إرخاء ؛ أو إرجاء ؛ أو توفير ؛ أو إبقاء ، أو إعفاء اللحية ، أورده البخاري ومسلم وأحمد من حديث (أبو هريرة وابن عمر) ، ولم يرد عن غير هذين اللذين لهما فضلُ صحبة : لتأخر إسلام أولـهما ، وصغر ثانيهما ، ومن الضروري ملاحظة أنهما تتلمذا على كعب الأحبار ، ويمكن مراجعة ترجمة كعب الأحبار في الإصابة ، ليعلم من يريد التحقق صدق ذلك ، وبالطبع ورد في كتب الحديث الأخرى عن هذين الصحابيين فقط .
تمتلئ بعض أو أكثر مرويات (أبو هريرة) (البالغة 5374) حديثاً ، بما يجعل متونها منكرة كل الإنكار ، ومرويات (أبو هريرة) تحتاج إلى رجل علم مبدأي ، يحققها ، ويقول الرأي الحق فيها ، بغض النظر عن رضا الناس.
أما عبد الله بن عمر ـ والذي كان صغيراً يوم احد ـ فانه يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 2630 حديثاً ، وهو الرجل الثاني في عدد مروياته عن رسول الله ، ويوم الجمل وصفين اعتزل القتال ، وبايع يزيداً ولم يخلعه يوم خلعه أهل الحرمين ، اثر ثورة أهل المدينة عليه بسبب استشهاد الحسين عليه السلام على يد جند يزيد ، وفي مروياته منكرات مثل أحاديث (ابن صياد).
لقد نُقلت روايات عن ابن عمر وعن أبي هريرة لحديث خمس من الفطرة ، ولم يرد فيها موضوع توفير اللحية ، ولم يرد موضوع اللحية ، رغم تعددِ نقله سنن الفطرة إلا في حديث عبد الله بن الزبير عن عائشة ، فهو هنا يذكر عشرة من الفطرة ، خلافاً للأحاديث التي تعدها بخمس ، وعبد الله بن الزبير أيضا تتلمذ على كعب كما ورد بالإصابة.
ما سبق لا يشكل طعناً بأحد ، وإنما هي وقائع ـ لابد من اعتبارها ـ للوصول إلى الرأي الراجح صوابه في الموضوع ، وهو موضوع أشغل الكثير من أوقات المسلمين ، ويجب أن يكون واضحاً جلياً [أن أي فرد من الصحابة كائناً ما كان] غير معصوم في نقله ، إذ قد يعتري نقلَه الوهمُ ، أو الخطأ بل والكذب المتعمد ، والتمدح الشرعي (آيات وأحاديث) جاء لمجموعهم ، وليس لأفرادهم ، والعصمة لـمجموعهم ، وليس لأي واحد منهم على انفراد.
تحوي أحاديث اللحية أمرا بالإرخاء ، والتوفير ، والإرجاء ، والإعفاء ، والإيفاء ، وهو أمر متابع بالبيان ـ المساق وكأنه علة للأمر ـ (خالفوا المشركين) كما هي في رواية ابن عمر في البخاري ومسلم واحمد .
إن هناك ملاحظة تلفت النظر ، هي أن أهل الأوثان وأهل الكتاب و الـمجوس ـ كما هي أيام الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، أن هؤلاء جميعا يرخون اللحى ، فكيف يطلب الرسول مخالفتهم مع إن ظاهر الأمر موافقتهم ؟! يظهر أن المخالفة المطلوبة هي حف الشارب ، فالمفارقة بين المسلمين وبينهم هي الأخذ من حواف الشوارب ، [حفوا الشوارب] بينما هم ـ كما يفهم ـ لا يأخذون من حواف شواربهم ـ هذا حين الإعفاء . أي يعفون الشوارب واللحى .
وعودة الآن - أنا وأنت وأي قارئ لـهذا الجواب إلى أمور أُصولية هي :
أولـها : هل الأمر للوجوب ؟ أم للإباحة ؟ أم للطلب ؟ [والقرنية تعين نوع الطلب].
ثانيها : هل الإخبار عن أمر انه من الفطرة يعني وجوب إتباع الفطرة ؟.
أما بالنسبة للأمر الأول ، فان العرب وضعت الأمر للطلب ، والقرينة هي التي تعين نوع الطلب والقرينة تكون نصاً ضمن النص ، أو نفس موضوع النص ، أو نصا أخر ، والقرآن الكريم وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ـ كما لا يخفى ـ كلام عربي ، تنطبق عليه قوانين العرب المعروفة عنهم في فهم النص .
وأما بالنسبة للأمر الثاني ، إن أمر الفطرة لا يدل إلا على الإباحة ، على أن النتف للإبط ، وقص العانة ، وحف الشارب ، وتقليم الإظفر ، والختان ، هي أعمال ضد الفطرة ، فالقول بالفطرة يعني تركها على فطرتها .
اعتمد كثيرٌ من الفقهاء ـ وكلهم من المتأخرين زمنا ـ في فهم الحكم المستفاد من الحديث ، على واقع الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ، ثم تتابع الأجيال ، في إرخاء اللحية ، واستمرار الإرخاء إلى عصور متأخرة .
إن الاعتماد على ذلك ـ والكل يرى أمورا أخرى كثيرة جرى فيها التغيير ، فاعتبار الوضع الذي كان أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ، يؤدي إلى القول بجملة محرمات ؟ فهل يكون حراماً هذا الثوب الذي يلبس الآن بما فيه من تطورات ؟ ـ لم تكن موجودة في العهود السابقة ، ولكان أن حرّمنا أساليب الأبنية وجميع التقنيات الحديثة.
على أن الأمر يمكن أن تعكسه ، فيقال لـهم : هل كان المشركون والمجوس لا يرخون لحاهم ؟ وما العمل بالحديث الذي يقول بمخالفة المشركين مرة ، والمجوس مرة أخرى ؟ وما القول بكهان اليهود وبطارقة النصارى ودهاقنة المجوس ؟ وما القول بكل الناس قبل أن تسهل أمر الحلاقة الناعمة.
لا يوجد معرفة أو علمٌ في النص على مستوى التطبيق ، أي هل ورد إن أحدا من الناس حلق لحيته فأوقع احد القضاة عليه حكماً تعزيرياً : الجلد ، أو الحبس ؟ سواء في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو الراشدين ، وهل أن هذه المخالفة لم تقع مطلقاً ـ لا في زمن الرسول ، ولا في زمن الصحابة ، ولا التابعين ، ولا تابعي التابعين !؟ ومن المعلوم أن العرب بل ربما كل الناس آنذاك كانت ترخي اللحى على العادة لا على التدين ، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرخى لحيته قبل النبوة وطيلة أيام الدعوة بمكة ، وقبل تداول هذا النص ، إذ التداول إذا صح فهو في زمن متأخر .
إن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم المتعلقة باللحية ، لا يمكن أن تُفهم أنها توجب هذا العمل أي الإرخاء ، لان القرائن الموضوعية التي تحف بها وهي : واقع المشركين والوثنيين من العرب والمجوس ، وأهل الكتاب ، هو واقع الإرخاء والتوفير والإرجاء والإعفاء والإيفاء ، والمخالفة لـهم لا تتحقق إلا بحلق اللحية ، وبما أن هذا لم يتحقق عملياً من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون الأمر (بهذه القرينة) لمجرد الإرشاد ، أي لإباحة الحلق والإرخاء ، والمندوب هو مخالفة الشكل الذي عليه أهل الكفر قاطبة ، من حيث شكل اللحية والشارب ، أي التمييز ، فان كانت عادتهم على أساس أنها دين ، وهو عدم الأخذ من الشارب ـ وهو الذي يظهر عليهم ـ فالمفروض على المسلمين الأخذ من حوافه ، على إن الأخذ من حواف الشوارب هو المطلوب كما هو نص الحديث .
إن التراث الإسلامي فقه (مقولات الفقهاء) ، حديث (مصطلح وجرح وتعديل) ، وتفسير (أصول تفسير ومناهج تفسير) ، وتاريخ (تحقيق وتمحيص) ، ولغة (فقه لغة ومعاني) ، كل هذا التراث دون الأصول يحتاج إلى موقف إبداعي ، يلد الحاضر ، ويحمل المستقبل ، [لاعلاقة لهذا القول بالمطالب الليبرالية] وما لم يتحقق ذلك فسيبقى حوار الطرشان ، يقود المعركة الجدلية دون الوصول إلى أساس يمكن البناء عليه ، وسيبقى كل على موقفه يراوحه ولا يريد أن يتزحزح عنه .
مقولات الفقهاء وخاصة الشافعية ـ وليس الشافعي رضي الله عنه ـ ثم الحنابلة في الجزيرة العربية وبلاد مصر والشام ، صارت أقوالهم مقدساً لأهل تلك الديار ، ومن هنا تجد مثل هذا التعنت الذي لا يصدر عن فهم للدليل ، وصحة الاستدلال به ، وإنما يعبر عن الكينونة المقدسة لأهل تلك المقولات ومن هنا تصعّب الأمر ، والمعركة الآن هي معركة تأصيل أصول ، والنجاح في تأصيل أصول متعلقة بالدليل ، وكيفية الاستدلال ، هي التي يجب أن تكون موضع النقاش ، ولذلك يجب أن يقال لـمن أوجب إرخاء اللحية : ما دليله ؟ وكيف استدل بـهذا الدليل ؟ فإن قال : إن الفقهاء قالوا بذلك يقال له : مقالة الفقيه لا تصلح دليلاً ، بل هي تحتاج إلى دليل . وان قال : الدليل حديث رسول الله فيسأل ، كيف عرفت إن الأمر للوجوب وليس للإرشاد أو للإباحة ؟ وهكذا يكون النقاش في كيفية الاستدلال.
بقي أمر أخير ، في مناقشة استدلال من يقول بوجوب اللحية ، وهو مقدار حد الإرخاء والأخذ من الحواف ، والأطراف ، فان قالوا : تترك على حالها لا يؤخذ منها أبدا ، طولبوا بالدليل ، وإن قالوا : بجواز الأخذ ، سألوا عن حد الأخذ ، فان قالوا : إن ابن عمر كان يأخذ ما زاد على القبضة قيل لـهم : عمل ابن عمر لا يصلح دليلاً ، فان أجازوا الأخذ منها دون تحديد ، فقد وقعوا في جواز الحلق ، لان الحلق هو أخذ ، إذ هي في ثاني يوم من حلقها بأنعم أنواع الحلاقة ، تكون قد ظهرت .
تلك هي الإجابة على موضوع اللحية ، وهي إجابة كافية لمن يريد أن يعلم ويفهم ، ويتقي الله بأمر المسلمين ، ويعمل بجدية : بالإسلام عملاً ، وللإسلام دعوة ، والله ناصرٌ من ينصره ، إن الله لقوي عزيز . بقيت نقطة لقد تعددت الرسائل في موضوع إرخاء اللحية وكثرت ، وكانت واحدة لعلي حسن عبد الحميد ، والعجيب أنه استعمل المغالطات ، فحلق اللحية كفعل من
أفعال الإهانة جعله دليلا على حرمة حلقها ، وأورد حديث من أمركما وسكت عنه !!! .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موضوع إرخاء اللحية
التالي هي الإجابة على هذا الموضوع الذي أشغل به المسلمون .
ومن كثرة وضعه موضع البحث كثر أصحاب اللحى بين المسلمين
ومع هذه الكثرة زاد السوء في الوضع الإسلامي العام . هذا القول زيادة السوء لا ارتباط بينها وبين موضوع حكم اللحية ، هي مجرد تنبيه للواقع ليس إلا .
يقدم من هم من أهل الحماس لوجوب إرخاء اللحية بعض مقدمات ، هذه واحدة منها :
إن حلق اللحية فيه تشبه بالنساء ، فيحرم من هذا الباب . فما الرد على هذا ؟
للإجابة على هذا السؤال لابد من بعض التوضيح ، وهو أن النساء تفترق عن الرجال بالأنوثة فقط ، لان الله هيأها لان تكون أُماً ـ أي محلاً للحمل والولادة والرضاعة ـ هذا هو الفرق الوحيد بين الرجال والنساء ، فالشعر ليس هو الفرق بين الذكر والأنثى ، وإلا لقيل : إن الأمرد امرأة ، وان المرأة ـ التي يظهر شعرٌ في شواربها ولحيها ووجهيها ـ هي أيضا رجلٌ ، فعليه لا تبقى قيمة للسؤال بعد فهم مثل هذا الواقع .
إن موضوع إرخاء ؛ أو إرجاء ؛ أو توفير ؛ أو إبقاء ، أو إعفاء اللحية ، أورده البخاري ومسلم وأحمد من حديث (أبو هريرة وابن عمر) ، ولم يرد عن غير هذين اللذين لهما فضلُ صحبة : لتأخر إسلام أولـهما ، وصغر ثانيهما ، ومن الضروري ملاحظة أنهما تتلمذا على كعب الأحبار ، ويمكن مراجعة ترجمة كعب الأحبار في الإصابة ، ليعلم من يريد التحقق صدق ذلك ، وبالطبع ورد في كتب الحديث الأخرى عن هذين الصحابيين فقط .
تمتلئ بعض أو أكثر مرويات (أبو هريرة) (البالغة 5374) حديثاً ، بما يجعل متونها منكرة كل الإنكار ، ومرويات (أبو هريرة) تحتاج إلى رجل علم مبدأي ، يحققها ، ويقول الرأي الحق فيها ، بغض النظر عن رضا الناس.
أما عبد الله بن عمر ـ والذي كان صغيراً يوم احد ـ فانه يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 2630 حديثاً ، وهو الرجل الثاني في عدد مروياته عن رسول الله ، ويوم الجمل وصفين اعتزل القتال ، وبايع يزيداً ولم يخلعه يوم خلعه أهل الحرمين ، اثر ثورة أهل المدينة عليه بسبب استشهاد الحسين عليه السلام على يد جند يزيد ، وفي مروياته منكرات مثل أحاديث (ابن صياد).
لقد نُقلت روايات عن ابن عمر وعن أبي هريرة لحديث خمس من الفطرة ، ولم يرد فيها موضوع توفير اللحية ، ولم يرد موضوع اللحية ، رغم تعددِ نقله سنن الفطرة إلا في حديث عبد الله بن الزبير عن عائشة ، فهو هنا يذكر عشرة من الفطرة ، خلافاً للأحاديث التي تعدها بخمس ، وعبد الله بن الزبير أيضا تتلمذ على كعب كما ورد بالإصابة.
ما سبق لا يشكل طعناً بأحد ، وإنما هي وقائع ـ لابد من اعتبارها ـ للوصول إلى الرأي الراجح صوابه في الموضوع ، وهو موضوع أشغل الكثير من أوقات المسلمين ، ويجب أن يكون واضحاً جلياً [أن أي فرد من الصحابة كائناً ما كان] غير معصوم في نقله ، إذ قد يعتري نقلَه الوهمُ ، أو الخطأ بل والكذب المتعمد ، والتمدح الشرعي (آيات وأحاديث) جاء لمجموعهم ، وليس لأفرادهم ، والعصمة لـمجموعهم ، وليس لأي واحد منهم على انفراد.
تحوي أحاديث اللحية أمرا بالإرخاء ، والتوفير ، والإرجاء ، والإعفاء ، والإيفاء ، وهو أمر متابع بالبيان ـ المساق وكأنه علة للأمر ـ (خالفوا المشركين) كما هي في رواية ابن عمر في البخاري ومسلم واحمد .
إن هناك ملاحظة تلفت النظر ، هي أن أهل الأوثان وأهل الكتاب و الـمجوس ـ كما هي أيام الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، أن هؤلاء جميعا يرخون اللحى ، فكيف يطلب الرسول مخالفتهم مع إن ظاهر الأمر موافقتهم ؟! يظهر أن المخالفة المطلوبة هي حف الشارب ، فالمفارقة بين المسلمين وبينهم هي الأخذ من حواف الشوارب ، [حفوا الشوارب] بينما هم ـ كما يفهم ـ لا يأخذون من حواف شواربهم ـ هذا حين الإعفاء . أي يعفون الشوارب واللحى .
وعودة الآن - أنا وأنت وأي قارئ لـهذا الجواب إلى أمور أُصولية هي :
أولـها : هل الأمر للوجوب ؟ أم للإباحة ؟ أم للطلب ؟ [والقرنية تعين نوع الطلب].
ثانيها : هل الإخبار عن أمر انه من الفطرة يعني وجوب إتباع الفطرة ؟.
أما بالنسبة للأمر الأول ، فان العرب وضعت الأمر للطلب ، والقرينة هي التي تعين نوع الطلب والقرينة تكون نصاً ضمن النص ، أو نفس موضوع النص ، أو نصا أخر ، والقرآن الكريم وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ـ كما لا يخفى ـ كلام عربي ، تنطبق عليه قوانين العرب المعروفة عنهم في فهم النص .
وأما بالنسبة للأمر الثاني ، إن أمر الفطرة لا يدل إلا على الإباحة ، على أن النتف للإبط ، وقص العانة ، وحف الشارب ، وتقليم الإظفر ، والختان ، هي أعمال ضد الفطرة ، فالقول بالفطرة يعني تركها على فطرتها .
اعتمد كثيرٌ من الفقهاء ـ وكلهم من المتأخرين زمنا ـ في فهم الحكم المستفاد من الحديث ، على واقع الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ، ثم تتابع الأجيال ، في إرخاء اللحية ، واستمرار الإرخاء إلى عصور متأخرة .
إن الاعتماد على ذلك ـ والكل يرى أمورا أخرى كثيرة جرى فيها التغيير ، فاعتبار الوضع الذي كان أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ، يؤدي إلى القول بجملة محرمات ؟ فهل يكون حراماً هذا الثوب الذي يلبس الآن بما فيه من تطورات ؟ ـ لم تكن موجودة في العهود السابقة ، ولكان أن حرّمنا أساليب الأبنية وجميع التقنيات الحديثة.
على أن الأمر يمكن أن تعكسه ، فيقال لـهم : هل كان المشركون والمجوس لا يرخون لحاهم ؟ وما العمل بالحديث الذي يقول بمخالفة المشركين مرة ، والمجوس مرة أخرى ؟ وما القول بكهان اليهود وبطارقة النصارى ودهاقنة المجوس ؟ وما القول بكل الناس قبل أن تسهل أمر الحلاقة الناعمة.
لا يوجد معرفة أو علمٌ في النص على مستوى التطبيق ، أي هل ورد إن أحدا من الناس حلق لحيته فأوقع احد القضاة عليه حكماً تعزيرياً : الجلد ، أو الحبس ؟ سواء في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو الراشدين ، وهل أن هذه المخالفة لم تقع مطلقاً ـ لا في زمن الرسول ، ولا في زمن الصحابة ، ولا التابعين ، ولا تابعي التابعين !؟ ومن المعلوم أن العرب بل ربما كل الناس آنذاك كانت ترخي اللحى على العادة لا على التدين ، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرخى لحيته قبل النبوة وطيلة أيام الدعوة بمكة ، وقبل تداول هذا النص ، إذ التداول إذا صح فهو في زمن متأخر .
إن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم المتعلقة باللحية ، لا يمكن أن تُفهم أنها توجب هذا العمل أي الإرخاء ، لان القرائن الموضوعية التي تحف بها وهي : واقع المشركين والوثنيين من العرب والمجوس ، وأهل الكتاب ، هو واقع الإرخاء والتوفير والإرجاء والإعفاء والإيفاء ، والمخالفة لـهم لا تتحقق إلا بحلق اللحية ، وبما أن هذا لم يتحقق عملياً من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون الأمر (بهذه القرينة) لمجرد الإرشاد ، أي لإباحة الحلق والإرخاء ، والمندوب هو مخالفة الشكل الذي عليه أهل الكفر قاطبة ، من حيث شكل اللحية والشارب ، أي التمييز ، فان كانت عادتهم على أساس أنها دين ، وهو عدم الأخذ من الشارب ـ وهو الذي يظهر عليهم ـ فالمفروض على المسلمين الأخذ من حوافه ، على إن الأخذ من حواف الشوارب هو المطلوب كما هو نص الحديث .
إن التراث الإسلامي فقه (مقولات الفقهاء) ، حديث (مصطلح وجرح وتعديل) ، وتفسير (أصول تفسير ومناهج تفسير) ، وتاريخ (تحقيق وتمحيص) ، ولغة (فقه لغة ومعاني) ، كل هذا التراث دون الأصول يحتاج إلى موقف إبداعي ، يلد الحاضر ، ويحمل المستقبل ، [لاعلاقة لهذا القول بالمطالب الليبرالية] وما لم يتحقق ذلك فسيبقى حوار الطرشان ، يقود المعركة الجدلية دون الوصول إلى أساس يمكن البناء عليه ، وسيبقى كل على موقفه يراوحه ولا يريد أن يتزحزح عنه .
مقولات الفقهاء وخاصة الشافعية ـ وليس الشافعي رضي الله عنه ـ ثم الحنابلة في الجزيرة العربية وبلاد مصر والشام ، صارت أقوالهم مقدساً لأهل تلك الديار ، ومن هنا تجد مثل هذا التعنت الذي لا يصدر عن فهم للدليل ، وصحة الاستدلال به ، وإنما يعبر عن الكينونة المقدسة لأهل تلك المقولات ومن هنا تصعّب الأمر ، والمعركة الآن هي معركة تأصيل أصول ، والنجاح في تأصيل أصول متعلقة بالدليل ، وكيفية الاستدلال ، هي التي يجب أن تكون موضع النقاش ، ولذلك يجب أن يقال لـمن أوجب إرخاء اللحية : ما دليله ؟ وكيف استدل بـهذا الدليل ؟ فإن قال : إن الفقهاء قالوا بذلك يقال له : مقالة الفقيه لا تصلح دليلاً ، بل هي تحتاج إلى دليل . وان قال : الدليل حديث رسول الله فيسأل ، كيف عرفت إن الأمر للوجوب وليس للإرشاد أو للإباحة ؟ وهكذا يكون النقاش في كيفية الاستدلال.
بقي أمر أخير ، في مناقشة استدلال من يقول بوجوب اللحية ، وهو مقدار حد الإرخاء والأخذ من الحواف ، والأطراف ، فان قالوا : تترك على حالها لا يؤخذ منها أبدا ، طولبوا بالدليل ، وإن قالوا : بجواز الأخذ ، سألوا عن حد الأخذ ، فان قالوا : إن ابن عمر كان يأخذ ما زاد على القبضة قيل لـهم : عمل ابن عمر لا يصلح دليلاً ، فان أجازوا الأخذ منها دون تحديد ، فقد وقعوا في جواز الحلق ، لان الحلق هو أخذ ، إذ هي في ثاني يوم من حلقها بأنعم أنواع الحلاقة ، تكون قد ظهرت .
تلك هي الإجابة على موضوع اللحية ، وهي إجابة كافية لمن يريد أن يعلم ويفهم ، ويتقي الله بأمر المسلمين ، ويعمل بجدية : بالإسلام عملاً ، وللإسلام دعوة ، والله ناصرٌ من ينصره ، إن الله لقوي عزيز . بقيت نقطة لقد تعددت الرسائل في موضوع إرخاء اللحية وكثرت ، وكانت واحدة لعلي حسن عبد الحميد ، والعجيب أنه استعمل المغالطات ، فحلق اللحية كفعل من
أفعال الإهانة جعله دليلا على حرمة حلقها ، وأورد حديث من أمركما وسكت عنه !!! .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تعليق