حكم التجسيم والمجسمة في المذاهب الأربعة ( دراسة فقهية )
عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وأتباعه وبعد :
فهذا مقال عن حكم التجسيم والمجسمة في المذاهب الأربعة, وقد يقال : إن التجسيم مسألة عقدية فما دخل المذاهب الفقهية الأربعة فيها , والجواب هو : أن مسألة التجسيم لها تعلقان :
الأول : حقيقة التجسيم وبيان بطلانه وما يتعلق بذلك من مسائل فهذا محله كتب العقائد
والثاني : حكم التجسيم من حيث الفسق والكفر وهذا يدرس في كتب العقائد والفقه جميعا , أما كتب العقائد فلأنها تهتم بمعرفة المدى الذي وصلت إليه البدعة هل هو الكفر أم الفسق ؟ , وأما كتب الفقه فلأن هناك كثيرا من الأحكام متعلقة بذلك كالصلاة والمناكحة والذبائح والشهادة ووو
وقد اجتمع على تنزيه الله تعالى عن الجسمية كل المذاهب العقدية الإسلامية ( من أهل الحديث والأشاعرة والماتردية والمعتزلة والخوارج والإباضية والزيدية والإمامية وغيرهم ) إلا ما نسبت إلى بعض متقدمي الشيعة والكرامية ومن تأثر بهم من القول بالتجسيم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
وقد جعلت هذا المقال في مباحث :
المبحث الأول
حكم التجسيم والمجسمة عند الحنفية
للحنفية تفصيل في من قال إن الله جسم :
- فمن قال هو جسم كالأجسام أو أطلق فقال جسم فقد وقع في بدعة مكفرة
- ومن قال إن الله جسم لا كالأجسام فقد وقع في بدعة مفسقة غير مكفرة وقيل مكفرة
وهذه بعض نصوص الحنفية في الحكم على التجسيم والمجسمة :
*في تبيين الحقائق للزيلعي : 1/135 : ( والمشبه إذا قال له تعالى يد ورجل كما للعباد فهو كافر ملعون وإن قال جسم لا كالأجسام فهو مبتدع ; لأنه ليس فيه إلا إطلاق لفظ الجسم عليه وهو موهم للنقص فرفعه بقوله لا كالأجسام فلم يبق إلا مجرد الإطلاق وذلك معصية تنتهض سببا للعقاب لما قلنا من الإيهام بخلاف ما لو قاله على التشبيه فإنه كافر وقيل يكفر بمجرد الإطلاق أيضا وهو حسن بل أولى بالتكفير ...
بخلاف مطلق اسم الجسم مع نفي التشبيه فإنه يكفر لاختياره إطلاق ما هو موهم النقص بعد علمه بذلك ولو نفى التشبيه فلم يبق منه إلا التساهل والاستخفاف بذلك) اه
وانظر نحو ذلك أيضا في فتح القدير 1/350 وكنز الدقائق 1/370
*وقال ابن نجيم في البحر الرائق 5/ 151
أما لو كان مؤديا إلى الكفر فلا يجوز أصلا كالغلاة من الروافض والقدرية والمشبهة القائلين بأنه تعالى جسم كالأجسام ومن ينكر الشفاعة أو الرؤية أو عذاب القبر أو الكرام الكاتبين
أما من يفضل عليا فحسب فهو مبتدع من المبتدعة الذين يجوز الاقتداء بهم مع الكراهة وكذا من يقول أنه تعالى جسم لا كالأجسام ومن قال أنه تعالى لا يرى لجلاله وعظمته ) اه
*وقال الخادمي ( ت 1168) في بريقة محمودية 1/95 : ( والبدعة في الاعتقاد هي المتبادرة من إطلاق البدعة و المبتدع والهوى وأهل الأهواء فبعضها كفر ) .. والكفر كاعتقاد الجسمية كسائر الأجسام والتفصيل فيما سيذكره المصنف ...
( وبعضها ليست به ) أي بكفر كإنكار سؤال القبر واعتقاد أنه جسم لا كالأجسام
( ولكنها أكبر من كل كبيرة في العمل ) .. ( وليس فوقها ) أي البدعة في الاعتقاد ( إلا الكفر ) اه
ولكن ما هو المراد بقولهم جسم لا كالأجسام ؟
المراد أن القائل يطلق على الله لفظ الجسم دون حقيقته ولوازمه فهو عنده بمعنى الموجود والقائم بنفسه ولا يريد ما يمكن فرض الأبعاد فيه فيكون الخلاف معه حينئذ في إطلاق اللفظ
أما إذا قال إن الله جسم بمعنى أنه يمكن فرض الأبعاد فيه وأن له مقدار وحدا ونهاية وجرم وكثافة فهذا داخل في قولهم ( جسم كالأجسام ) وإن قال صاحبه لا كالأجسام فهو لذر الرماد على العيون فهو في الحقيقة جعله كالأجسام
*يبين هذا الخادمي في بريقة محمودية 1/225 بقوله : ( وفيها ( أي التترخانية ) ( إن ) ( اعتقد أن لله تعالى رجلا ) ( وهي الجارحة ) المستلزمة للجسمية قيد بهذا الاعتقاد , إذ ورد في الحديث الصحيح إطلاق القدم عليه تعالى وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : { تطلب النار الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه } فقيل للتعظيم وقيل وقيل .
( يكفر وفيها ومن ) ( قال بأن الله تعالى جسم لا كالأجسام ) التي تتركب من الأجزاء وكان لها طول وعرض وعمق ( فهو مبتدع ) لعدم ورود الشرع ولإيهامه الجسم المنفي ( وليس بكافر ) ; لأنه حينئذ يكون بمعنى الذات أو النفس أو الشيء وإطلاقها عليه تعالى جائز وهذا إنما لا يكون كفرا إذا لم يثبت شيء من خواص الجسم كالحيز , والجهة إلى أن لا يبقى إلا اسم الجسم وإلا فكفر أيضا ) اه
*وقال أيضا في بريقة محمودية 1/228 : ( وفيها ) ( رجل وصف الله تعالى بالفوق أو بالتحت ) ( فهذا تشبيه ) أي بالأجسام فتجسيم ( وكفر ) لعله إن كان مراده من الفوق هو العلو , والرفعة , والقهر , والغلبة فلا يكفر بل ينبغي إجراء التفصيل السابق من إرادة حكاية ما في الأخبار كقوله تعالى { يد الله فوق أيديهم } { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } ) اه
*وفي حاشية ابن عابدين 1/562: ( قوله كقوله جسم كالأجسام ) وكذا لو لم يقل كالأجسام , وأما لو قال لا كالأجسام فلا يكفر لأنه ليس فيه إلا إطلاق لفظ الجسم الموهم للنقص فرفعه بقوله لا كالأجسام , فلم يبق إلا مجرد الإطلاق وذلك معصية ) اه
* وفي التقرير والتحبير (لابن أمير الحاج حنفي ) 3/319
ولا تقبل شهادة المجسمة ; لأنهم كفرة ويوافقه ما في المواقف وقد كفر المجسمة مخالفوهم
قال الشارحون من أصحابنا والمعتزلة وقال شيخنا المصنف رحمه الله في المسايرة , وهو أظهر , فإن إطلاق الجسم مختارا بعد علمه بما فيه من اقتضاء النقص استخفاف )
*وقال الملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر ص271 : ( من اعتقد أن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها فهو كافر وإن عُدّ قائله من أهل البدعة، وكذا من قال: بأنه سبحانه جسم وله مكان ويمرّ عليه زمان ونحو ذلك كافر، حيث لم تثبت له حقيقة الإيمان ) اه
المبحث الثاني
حكم التجسيم والمجسمة عند المالكية
لا يختلف حكم التجسيم والمجسمة عند المالكية عنه عند الحنفية فلهم نفس التفصيل في من قال إن الله جسم :
- فمن قال هو جسم كالأجسام أو أطلق فقال جسم فقد وقع في بدعة مكفرة
- ومن قال إن الله جسم لا كالأجسام فقد وقع في بدعة مفسقة غير مكفرة وقيل مكفرة
وهذه بعض نصوص المالكية في الحكم على التجسيم والمجسمة :
*في أحكام القران لابن العربي 2/475 : ( فإذا أنكر أحد الرسل أو كذبهم فيما يخبرون عنه من التحليل والتحريم , والأوامر والندب , فهو كافر
وكل جملة من هذه الوجوه الثلاثة له تفصيل تدل عليه هذه الجملة التي أشرنا بها اختلف الناس في التكفير بذلك التفصيل , والتفسيق والتخطئة والتصويب ; وذلك كالقول في التشبيه والتجسيم والجهة , أو الخوض في إنكار العلم والقدرة , والإرادة والكلام والحياة , فهذه الأصول يكفر جاحدها بلا إشكال ) اه
*وفي الفواكه الدواني 1/94 : ( وقع نزاع في تكفير المجسم قال ابن عرفة : الأقرب كفره , واختيار العز عدم كفره لعسر فهم العوام برهان نفي الجسمية ) اه
*وفي شرح الخرشي على خليل 8/62
مثال اللفظ المقتضي للكفر أن يجحد ما علم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة , ولو جزءا منها , وكذا إذا قال : الله جسم متحيز ) اه
وفي حاشية العدوي على على شرح الخرشي : ( قوله : وكذا إذا قال : الله جسم متحيز ) أي : آخذ قدرا من الفراغ , والمراد أنه قال : جسم كالأجسام هذا هو الذي يكفر قائله , أو معتقده , وأما من قال : جسم لا كالأجسام فهو مبتدع على الصحيح ) اه
*وفي حاشية العدوي على كفاية الطالب 1/102 : ( فالذنب المخل بالإيمان يكفر به ; لأنه حينئذ ليس بمسلم أي كرمي مصحف بقذر وكمن يعتقد أن الله جسم كالأجسام , وأما من يعتقد أنه جسم لا كالأجسام فلا يكفر إلا أنه عاص ; لأن المولى سبحانه وتعالى ليس بجسم ) اه
* وفي حاسية الصاوى على الشرح الصغير 4/432
قوله : [ أي يقتضي الكفر ] : أي يدل عليه دلالة التزامية كقوله جسم متحيز أو كالأجسام , وأما لو قال : جسم لا كالأجسام فهو فاسق , وفي كفره قولان رجح عدم كفره ) اه
*و في منح الجليل شرح مختصر خليل 9/206 : قال الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي ( ت 1299) عند ذِكر ما يوقع في الكفر والعياذ بالله ما نصه :
(باب الردة كفر المسلم بقول صريح أو بلفظ يقتضيه ) أي يستلزم اللفظ الكفر استلزاما بينا كجحد مشروعية شيء مجمع عليه معلوم من الدين ضرورة , فإنه يستلزم تكذيب القرآن أو الرسول , وكاعتقاد جسمية الله وتحيزه , فإنه يستلزم حدوثه واحتياجه لمحدث ونفي صفات الألوهية عنه جل جلاله وعظم شأنه ) اه كلام عليش
*وقال محمد بن علي بن حسين مفتي المالكية في مكة ( 1367هـ) في تهذيبه للفروق المسمى (تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية ) 4 /266 :
( والقسم الثاني ) ما ورد نظيره في كتاب أو سنة صحيحة وإلى مثاله وحكمه أشار العلامة الأمير في حاشيته على شرح الشيخ عبد السلام على جوهرة التوحيد بقوله واعلم أن من قال جسم [ لا ]كالأجسام فاسق ولا يعول على استظهار بعض أشياخنا كفره كيف وقد صح وجه لا كالوجوه ويد لا كالأيدي نعم لم ترد عبارة جسم فليتأمل
اهـ بلفظها
قلت [ القائل هو المالكي ] : ومن هذا القسم قول القائل إنه تعالى في مكان ليس كمكان الحوادث لأنه قد صح استواء على العرش لا كالاستواء على السرير نعم لم ترد عبارة مكان ) اهـ
المبحث الثالث
حكم التجسيم والمجسمة عند الشافعية
للشافعية في حكم التجسيم والمجسمة ثلاثة أقول :
- الأول : أن التجسيم كفر بإطلاق
- والثاني : أن التجسيم ليس بكفر بإطلاق
- والثالث : التفصيل فالتجسيم الصريح كفر والتجسيم غير الصريح ليس بكفر والمراد بالتجسيم الصريح هو التصريح بأن الله جسم ذو أبعاد . وغير الصريح هو إثبات ما يلزم منه التجسيم , أو القول بأنه جسم لا كالأجسام
وهذه بعض نصوص الشافعية في ذلك :
*قال العز بن عبد السلام في قواعده 1/202 : ( قد رجع الأشعري رحمه الله عند موته عن تكفير أهل القبلة , لأن الجهل بالصفات ليس جهلا بالموصوفات
وقال : اختلفنا في عبارات والمشار إليه واحد , وقد مثل ذلك بمن كتب إلى عبيده " فأمرهم ونهاهم " فاختلفوا في صفاته هل هو أبيض أو أسود أو أحمر أو أسمر ؟ فلا يجوز أن يقال : إن اختلافهم في " صفته " اختلاف في كونه سيدهم المستحق لطاعتهم وعبادتهم , فكذلك اختلاف المسلمين في صفات الإله " ليس " اختلافا في كونه سبحانه وتعالى في جهة " " كونه خالقهم " وسيدهم المستحق لطاعتهم
فإن قيل : يلزم من الاختلاف في كونه سبحانه " وتعالى " في جهة كونه حادثا قلنا : لازم المذهب ليس بمذهب , لأن المجسمة جازمون بأنه في جهة وجازمون بأنه قديم أزلي ليس بمحدث ) اه
*وفي قواعد العز بن عبد السلام 1/202
وكل ذلك مما لا يمكن تصويب للمجتهدين فيه بل الحق مع واحد منهم , والباقون مخطئون خطأ معفوا عنه لمشقة الخروج منه والانفكاك عنه , ولا سيما قول معتقد الجهة فإن اعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا منفصل عن العالم ولا متصل به , ولا داخل فيه ولا خارج عنه لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة في العادة , ولا يهتدي إليه أحد إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرك عسرة الفهم فلأجل هذه المشقة عفا الله عنها في حق العادي [ كذا ولعله العامي ]
ولذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يلزم أحدا ممن أسلم على البحث عن ذلك بل كان يقرهم على ما يعلم أنه لا انفكاك لهم عنه , وما زال الخلفاء الراشدون والعلماء المهتدون يقرون على ذلك مع علمهم بأن العامة لم يقفوا على الحق فيه ولم يهتدوا إليه , وأجروا عليهم أحكام الإسلام من جواز المناكحات والتوارث والصلاة عليهم إذا ماتوا وتغسيلهم وتكفينهم وحملهم ودفنهم في مقابر المسلمين , ولولا أن الله قد سامحهم بذلك وعفا عنه لعسر الانفصال منه ولما أجريت عليهم أحكام المسلمين بإجماع المسلمين , ومن زعم أن الإله يحل في شيء من أجساد الناس أو غيرهم فهو كافر لأن الشرع إنما عفا عن المجسمة لغلبة التجسم على الناس فإنهم لا يفهمون موجودا في غير جهة بخلاف الحلول فإنه لا يعم الابتلاء به ولا يخطر على قلب عاقل ولا يعفى عنه ) اه
*وفي المجموع للنووي 4/150
فرع ) قد ذكرنا أن من يكفر ببدعته لا تصح الصلاة وراءه , ومن لا يكفر تصح , فممن يكفر من يجسم تجسيما صريحا , ومن ينكر العلم بالجزئيات ) اه
*وفي روضة الطالبين للنووي 10/64 : ( ويحصل ذلك [ أي الردة ] تارة بالقول الذي هو كفر وتارة بالفعل والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمد واستهزاء بالدين صريح كالسجود للصنم أو للشمس وإلقاء المصحف في القاذورات والسحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها
قال الإمام في بعض التعاليق عن شيخي أن الفعل بمجرده لا يكون كفرا قال وهذا زلل عظيم من المعلق ذكرته للتنبيه على غلطه وتحصل الردة بالقول الذي هو كفر سواء صدر عن اعتقاد أو عناء أو استهزاء
هذا قول جملي وأما التفصيل فقال المتولي من اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع أو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع ككونه عالما قادرا أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان أو أثبت له الاتصال والانفصال كان كافرا ) اه
*وفي أسنى المطالب لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري 4/117: ( وأورد في المهمات على الأخير أن المجسمة ملتزمون بالألوان مع أنا لا نكفرهم على المشهور كما سيأتي في الشهادات قال لكن في شرح المهذب في صفة الأئمة الجزم بتكفيرهم ) اه
*وفي حاشية الرملي عليه : ( قوله : مع أنا لا نكفرهم على المشهور ) , وهو الراجح ( قوله : قال لكن في شرح المهذب في صفة الأئمة إلخ ) , قال شيخنا الأصح الأول ) اه
*وفي حاشية الرملي على أسنى المطالب 1/220 : ( قوله : (وما في المجموع من تكفير من يصرح بالتجسيم ) أشار إلى تضعيفه وكتب أيضا كأنه احترز بالتصريح عمن يثبت الجهة فإنه لا يكفر كما قاله الغزالي في كتاب التفرقة بين الإسلام , والزندقة
وقال ابن عبد السلام في القواعد : إنه الأصح بناء على أن لازم المذهب ليس بمذهب ر وكتب أيضا قال البلقيني الصحيح , أو الصواب خلاف ما قال وقال ابن القشيري في المرشد من كان من أهل القبلة وانتحل شيئا من البدع كالمجسمة , والقدرية وغيرهم هل يكفر للأصحاب فيه طريقان وكلام الأشعري يشعر بهما وأظهر مذهبيه ترك الكفر وهو اختيار القاضي فمن قال قولا أجمع المسلمون على تكفير قائله كفرناه وإلا فلا ) اه
عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وأتباعه وبعد :
فهذا مقال عن حكم التجسيم والمجسمة في المذاهب الأربعة, وقد يقال : إن التجسيم مسألة عقدية فما دخل المذاهب الفقهية الأربعة فيها , والجواب هو : أن مسألة التجسيم لها تعلقان :
الأول : حقيقة التجسيم وبيان بطلانه وما يتعلق بذلك من مسائل فهذا محله كتب العقائد
والثاني : حكم التجسيم من حيث الفسق والكفر وهذا يدرس في كتب العقائد والفقه جميعا , أما كتب العقائد فلأنها تهتم بمعرفة المدى الذي وصلت إليه البدعة هل هو الكفر أم الفسق ؟ , وأما كتب الفقه فلأن هناك كثيرا من الأحكام متعلقة بذلك كالصلاة والمناكحة والذبائح والشهادة ووو
وقد اجتمع على تنزيه الله تعالى عن الجسمية كل المذاهب العقدية الإسلامية ( من أهل الحديث والأشاعرة والماتردية والمعتزلة والخوارج والإباضية والزيدية والإمامية وغيرهم ) إلا ما نسبت إلى بعض متقدمي الشيعة والكرامية ومن تأثر بهم من القول بالتجسيم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
وقد جعلت هذا المقال في مباحث :
المبحث الأول
حكم التجسيم والمجسمة عند الحنفية
للحنفية تفصيل في من قال إن الله جسم :
- فمن قال هو جسم كالأجسام أو أطلق فقال جسم فقد وقع في بدعة مكفرة
- ومن قال إن الله جسم لا كالأجسام فقد وقع في بدعة مفسقة غير مكفرة وقيل مكفرة
وهذه بعض نصوص الحنفية في الحكم على التجسيم والمجسمة :
*في تبيين الحقائق للزيلعي : 1/135 : ( والمشبه إذا قال له تعالى يد ورجل كما للعباد فهو كافر ملعون وإن قال جسم لا كالأجسام فهو مبتدع ; لأنه ليس فيه إلا إطلاق لفظ الجسم عليه وهو موهم للنقص فرفعه بقوله لا كالأجسام فلم يبق إلا مجرد الإطلاق وذلك معصية تنتهض سببا للعقاب لما قلنا من الإيهام بخلاف ما لو قاله على التشبيه فإنه كافر وقيل يكفر بمجرد الإطلاق أيضا وهو حسن بل أولى بالتكفير ...
بخلاف مطلق اسم الجسم مع نفي التشبيه فإنه يكفر لاختياره إطلاق ما هو موهم النقص بعد علمه بذلك ولو نفى التشبيه فلم يبق منه إلا التساهل والاستخفاف بذلك) اه
وانظر نحو ذلك أيضا في فتح القدير 1/350 وكنز الدقائق 1/370
*وقال ابن نجيم في البحر الرائق 5/ 151
أما لو كان مؤديا إلى الكفر فلا يجوز أصلا كالغلاة من الروافض والقدرية والمشبهة القائلين بأنه تعالى جسم كالأجسام ومن ينكر الشفاعة أو الرؤية أو عذاب القبر أو الكرام الكاتبين أما من يفضل عليا فحسب فهو مبتدع من المبتدعة الذين يجوز الاقتداء بهم مع الكراهة وكذا من يقول أنه تعالى جسم لا كالأجسام ومن قال أنه تعالى لا يرى لجلاله وعظمته ) اه
*وقال الخادمي ( ت 1168) في بريقة محمودية 1/95 : ( والبدعة في الاعتقاد هي المتبادرة من إطلاق البدعة و المبتدع والهوى وأهل الأهواء فبعضها كفر ) .. والكفر كاعتقاد الجسمية كسائر الأجسام والتفصيل فيما سيذكره المصنف ...
( وبعضها ليست به ) أي بكفر كإنكار سؤال القبر واعتقاد أنه جسم لا كالأجسام
( ولكنها أكبر من كل كبيرة في العمل ) .. ( وليس فوقها ) أي البدعة في الاعتقاد ( إلا الكفر ) اه
ولكن ما هو المراد بقولهم جسم لا كالأجسام ؟
المراد أن القائل يطلق على الله لفظ الجسم دون حقيقته ولوازمه فهو عنده بمعنى الموجود والقائم بنفسه ولا يريد ما يمكن فرض الأبعاد فيه فيكون الخلاف معه حينئذ في إطلاق اللفظ
أما إذا قال إن الله جسم بمعنى أنه يمكن فرض الأبعاد فيه وأن له مقدار وحدا ونهاية وجرم وكثافة فهذا داخل في قولهم ( جسم كالأجسام ) وإن قال صاحبه لا كالأجسام فهو لذر الرماد على العيون فهو في الحقيقة جعله كالأجسام
*يبين هذا الخادمي في بريقة محمودية 1/225 بقوله : ( وفيها ( أي التترخانية ) ( إن ) ( اعتقد أن لله تعالى رجلا ) ( وهي الجارحة ) المستلزمة للجسمية قيد بهذا الاعتقاد , إذ ورد في الحديث الصحيح إطلاق القدم عليه تعالى وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : { تطلب النار الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه } فقيل للتعظيم وقيل وقيل .
( يكفر وفيها ومن ) ( قال بأن الله تعالى جسم لا كالأجسام ) التي تتركب من الأجزاء وكان لها طول وعرض وعمق ( فهو مبتدع ) لعدم ورود الشرع ولإيهامه الجسم المنفي ( وليس بكافر ) ; لأنه حينئذ يكون بمعنى الذات أو النفس أو الشيء وإطلاقها عليه تعالى جائز وهذا إنما لا يكون كفرا إذا لم يثبت شيء من خواص الجسم كالحيز , والجهة إلى أن لا يبقى إلا اسم الجسم وإلا فكفر أيضا ) اه
*وقال أيضا في بريقة محمودية 1/228 : ( وفيها ) ( رجل وصف الله تعالى بالفوق أو بالتحت ) ( فهذا تشبيه ) أي بالأجسام فتجسيم ( وكفر ) لعله إن كان مراده من الفوق هو العلو , والرفعة , والقهر , والغلبة فلا يكفر بل ينبغي إجراء التفصيل السابق من إرادة حكاية ما في الأخبار كقوله تعالى { يد الله فوق أيديهم } { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } ) اه
*وفي حاشية ابن عابدين 1/562: ( قوله كقوله جسم كالأجسام ) وكذا لو لم يقل كالأجسام , وأما لو قال لا كالأجسام فلا يكفر لأنه ليس فيه إلا إطلاق لفظ الجسم الموهم للنقص فرفعه بقوله لا كالأجسام , فلم يبق إلا مجرد الإطلاق وذلك معصية ) اه
* وفي التقرير والتحبير (لابن أمير الحاج حنفي ) 3/319
ولا تقبل شهادة المجسمة ; لأنهم كفرة ويوافقه ما في المواقف وقد كفر المجسمة مخالفوهم قال الشارحون من أصحابنا والمعتزلة وقال شيخنا المصنف رحمه الله في المسايرة , وهو أظهر , فإن إطلاق الجسم مختارا بعد علمه بما فيه من اقتضاء النقص استخفاف )
*وقال الملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر ص271 : ( من اعتقد أن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها فهو كافر وإن عُدّ قائله من أهل البدعة، وكذا من قال: بأنه سبحانه جسم وله مكان ويمرّ عليه زمان ونحو ذلك كافر، حيث لم تثبت له حقيقة الإيمان ) اه
المبحث الثاني
حكم التجسيم والمجسمة عند المالكية
لا يختلف حكم التجسيم والمجسمة عند المالكية عنه عند الحنفية فلهم نفس التفصيل في من قال إن الله جسم :
- فمن قال هو جسم كالأجسام أو أطلق فقال جسم فقد وقع في بدعة مكفرة
- ومن قال إن الله جسم لا كالأجسام فقد وقع في بدعة مفسقة غير مكفرة وقيل مكفرة
وهذه بعض نصوص المالكية في الحكم على التجسيم والمجسمة :
*في أحكام القران لابن العربي 2/475 : ( فإذا أنكر أحد الرسل أو كذبهم فيما يخبرون عنه من التحليل والتحريم , والأوامر والندب , فهو كافر
وكل جملة من هذه الوجوه الثلاثة له تفصيل تدل عليه هذه الجملة التي أشرنا بها اختلف الناس في التكفير بذلك التفصيل , والتفسيق والتخطئة والتصويب ; وذلك كالقول في التشبيه والتجسيم والجهة , أو الخوض في إنكار العلم والقدرة , والإرادة والكلام والحياة , فهذه الأصول يكفر جاحدها بلا إشكال ) اه
*وفي الفواكه الدواني 1/94 : ( وقع نزاع في تكفير المجسم قال ابن عرفة : الأقرب كفره , واختيار العز عدم كفره لعسر فهم العوام برهان نفي الجسمية ) اه
*وفي شرح الخرشي على خليل 8/62
مثال اللفظ المقتضي للكفر أن يجحد ما علم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة , ولو جزءا منها , وكذا إذا قال : الله جسم متحيز ) اه وفي حاشية العدوي على على شرح الخرشي : ( قوله : وكذا إذا قال : الله جسم متحيز ) أي : آخذ قدرا من الفراغ , والمراد أنه قال : جسم كالأجسام هذا هو الذي يكفر قائله , أو معتقده , وأما من قال : جسم لا كالأجسام فهو مبتدع على الصحيح ) اه
*وفي حاشية العدوي على كفاية الطالب 1/102 : ( فالذنب المخل بالإيمان يكفر به ; لأنه حينئذ ليس بمسلم أي كرمي مصحف بقذر وكمن يعتقد أن الله جسم كالأجسام , وأما من يعتقد أنه جسم لا كالأجسام فلا يكفر إلا أنه عاص ; لأن المولى سبحانه وتعالى ليس بجسم ) اه
* وفي حاسية الصاوى على الشرح الصغير 4/432
قوله : [ أي يقتضي الكفر ] : أي يدل عليه دلالة التزامية كقوله جسم متحيز أو كالأجسام , وأما لو قال : جسم لا كالأجسام فهو فاسق , وفي كفره قولان رجح عدم كفره ) اه *و في منح الجليل شرح مختصر خليل 9/206 : قال الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي ( ت 1299) عند ذِكر ما يوقع في الكفر والعياذ بالله ما نصه :
(باب الردة كفر المسلم بقول صريح أو بلفظ يقتضيه ) أي يستلزم اللفظ الكفر استلزاما بينا كجحد مشروعية شيء مجمع عليه معلوم من الدين ضرورة , فإنه يستلزم تكذيب القرآن أو الرسول , وكاعتقاد جسمية الله وتحيزه , فإنه يستلزم حدوثه واحتياجه لمحدث ونفي صفات الألوهية عنه جل جلاله وعظم شأنه ) اه كلام عليش
*وقال محمد بن علي بن حسين مفتي المالكية في مكة ( 1367هـ) في تهذيبه للفروق المسمى (تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية ) 4 /266 :
( والقسم الثاني ) ما ورد نظيره في كتاب أو سنة صحيحة وإلى مثاله وحكمه أشار العلامة الأمير في حاشيته على شرح الشيخ عبد السلام على جوهرة التوحيد بقوله واعلم أن من قال جسم [ لا ]كالأجسام فاسق ولا يعول على استظهار بعض أشياخنا كفره كيف وقد صح وجه لا كالوجوه ويد لا كالأيدي نعم لم ترد عبارة جسم فليتأمل
اهـ بلفظها
قلت [ القائل هو المالكي ] : ومن هذا القسم قول القائل إنه تعالى في مكان ليس كمكان الحوادث لأنه قد صح استواء على العرش لا كالاستواء على السرير نعم لم ترد عبارة مكان ) اهـ
المبحث الثالث
حكم التجسيم والمجسمة عند الشافعية
للشافعية في حكم التجسيم والمجسمة ثلاثة أقول :
- الأول : أن التجسيم كفر بإطلاق
- والثاني : أن التجسيم ليس بكفر بإطلاق
- والثالث : التفصيل فالتجسيم الصريح كفر والتجسيم غير الصريح ليس بكفر والمراد بالتجسيم الصريح هو التصريح بأن الله جسم ذو أبعاد . وغير الصريح هو إثبات ما يلزم منه التجسيم , أو القول بأنه جسم لا كالأجسام
وهذه بعض نصوص الشافعية في ذلك :
*قال العز بن عبد السلام في قواعده 1/202 : ( قد رجع الأشعري رحمه الله عند موته عن تكفير أهل القبلة , لأن الجهل بالصفات ليس جهلا بالموصوفات
وقال : اختلفنا في عبارات والمشار إليه واحد , وقد مثل ذلك بمن كتب إلى عبيده " فأمرهم ونهاهم " فاختلفوا في صفاته هل هو أبيض أو أسود أو أحمر أو أسمر ؟ فلا يجوز أن يقال : إن اختلافهم في " صفته " اختلاف في كونه سيدهم المستحق لطاعتهم وعبادتهم , فكذلك اختلاف المسلمين في صفات الإله " ليس " اختلافا في كونه سبحانه وتعالى في جهة " " كونه خالقهم " وسيدهم المستحق لطاعتهم
فإن قيل : يلزم من الاختلاف في كونه سبحانه " وتعالى " في جهة كونه حادثا قلنا : لازم المذهب ليس بمذهب , لأن المجسمة جازمون بأنه في جهة وجازمون بأنه قديم أزلي ليس بمحدث ) اه
*وفي قواعد العز بن عبد السلام 1/202
وكل ذلك مما لا يمكن تصويب للمجتهدين فيه بل الحق مع واحد منهم , والباقون مخطئون خطأ معفوا عنه لمشقة الخروج منه والانفكاك عنه , ولا سيما قول معتقد الجهة فإن اعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا منفصل عن العالم ولا متصل به , ولا داخل فيه ولا خارج عنه لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة في العادة , ولا يهتدي إليه أحد إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرك عسرة الفهم فلأجل هذه المشقة عفا الله عنها في حق العادي [ كذا ولعله العامي ] ولذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يلزم أحدا ممن أسلم على البحث عن ذلك بل كان يقرهم على ما يعلم أنه لا انفكاك لهم عنه , وما زال الخلفاء الراشدون والعلماء المهتدون يقرون على ذلك مع علمهم بأن العامة لم يقفوا على الحق فيه ولم يهتدوا إليه , وأجروا عليهم أحكام الإسلام من جواز المناكحات والتوارث والصلاة عليهم إذا ماتوا وتغسيلهم وتكفينهم وحملهم ودفنهم في مقابر المسلمين , ولولا أن الله قد سامحهم بذلك وعفا عنه لعسر الانفصال منه ولما أجريت عليهم أحكام المسلمين بإجماع المسلمين , ومن زعم أن الإله يحل في شيء من أجساد الناس أو غيرهم فهو كافر لأن الشرع إنما عفا عن المجسمة لغلبة التجسم على الناس فإنهم لا يفهمون موجودا في غير جهة بخلاف الحلول فإنه لا يعم الابتلاء به ولا يخطر على قلب عاقل ولا يعفى عنه ) اه
*وفي المجموع للنووي 4/150
فرع ) قد ذكرنا أن من يكفر ببدعته لا تصح الصلاة وراءه , ومن لا يكفر تصح , فممن يكفر من يجسم تجسيما صريحا , ومن ينكر العلم بالجزئيات ) اه*وفي روضة الطالبين للنووي 10/64 : ( ويحصل ذلك [ أي الردة ] تارة بالقول الذي هو كفر وتارة بالفعل والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمد واستهزاء بالدين صريح كالسجود للصنم أو للشمس وإلقاء المصحف في القاذورات والسحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها
قال الإمام في بعض التعاليق عن شيخي أن الفعل بمجرده لا يكون كفرا قال وهذا زلل عظيم من المعلق ذكرته للتنبيه على غلطه وتحصل الردة بالقول الذي هو كفر سواء صدر عن اعتقاد أو عناء أو استهزاء
هذا قول جملي وأما التفصيل فقال المتولي من اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع أو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع ككونه عالما قادرا أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان أو أثبت له الاتصال والانفصال كان كافرا ) اه
*وفي أسنى المطالب لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري 4/117: ( وأورد في المهمات على الأخير أن المجسمة ملتزمون بالألوان مع أنا لا نكفرهم على المشهور كما سيأتي في الشهادات قال لكن في شرح المهذب في صفة الأئمة الجزم بتكفيرهم ) اه
*وفي حاشية الرملي عليه : ( قوله : مع أنا لا نكفرهم على المشهور ) , وهو الراجح ( قوله : قال لكن في شرح المهذب في صفة الأئمة إلخ ) , قال شيخنا الأصح الأول ) اه
*وفي حاشية الرملي على أسنى المطالب 1/220 : ( قوله : (وما في المجموع من تكفير من يصرح بالتجسيم ) أشار إلى تضعيفه وكتب أيضا كأنه احترز بالتصريح عمن يثبت الجهة فإنه لا يكفر كما قاله الغزالي في كتاب التفرقة بين الإسلام , والزندقة
وقال ابن عبد السلام في القواعد : إنه الأصح بناء على أن لازم المذهب ليس بمذهب ر وكتب أيضا قال البلقيني الصحيح , أو الصواب خلاف ما قال وقال ابن القشيري في المرشد من كان من أهل القبلة وانتحل شيئا من البدع كالمجسمة , والقدرية وغيرهم هل يكفر للأصحاب فيه طريقان وكلام الأشعري يشعر بهما وأظهر مذهبيه ترك الكفر وهو اختيار القاضي فمن قال قولا أجمع المسلمون على تكفير قائله كفرناه وإلا فلا ) اه
تعليق