حكم تعدد الحكام وتعدد الدول الإسلامية ( دراسة فقهية مقارنة )
عبد الفتاح بن صالح قُدَيش اليافعي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد :
فقد ابتليت الأمة الإسلامية في هذا الأيام بالتشتت والتشرذم والتفرق والاختلاف في كافة المجالات والأصعدة , مما أدى بها إلى الضعف والوهن والتأخر , فتسلط عليها الأعداء وتكالبت الأمم وتداعت عليها كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها , فصارت في حال لا تحسد عليه , يندى له الجبين ويدمي له القلب , فحق لنا أن نتمثل بقول الرندي :
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان
ومن تلك الاختلافات تفرق دولة الإسلام إلى أكثر من خمسين دولة لكل دولة حاكم وأمير , وزاد الطين بلة عقد الولاء والبراء على تلك المسميات وعلى تلك الحدود السياسية فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما وصل إليه حال الأمة .
وهذا مقال في حكم تعدد الحكام وتفرق المسلمين إلى دول , ذكرنا فيه حكم هذا الأمر عند الأئمة الفقهاء عليهم رضوان الله وقد جعلناه على مباحث :
المبحث الأول : في حكم تعدد الحكام والدول في المسلمين
والمبحث الثاني : في ذكر أدلة المانعين وأدلة المجيزين
والمبحث الثالث : في العمل إذا تعدد الحكام والدول
المبحث الأول :
حكم تعدد الحكام والدول في المسلمين
تعدد الحكام والدول في المسلمين له حالتان :
الحالة الأولى :
أن يكون التعدد تحت ظل الدولة الإسلامية الواحدة , بمعنى أن يكون للمسلمين دولة واحدة وخليفة واحد لكنه ينصب على كل إقليم حاكما ويفوض إليه شؤون تلك الناحية لكن ذلك الحاكم في النهاية يكون تحت إمرته وسلطانه يعزله متى شاء , فهذه الحالة لا خلاف في جوازها بل هي الحالة السوية التي كانت في زمن الخلافة الراشدة
والحالة الثانية :
أن تكون كل دولة مستقلة عن الأخرى وكل حاكم مستقل عن الآخر وهذه الحالة لها حالتان :
الأولى :
ألا تتباعد الأقاليم عن مركز الخلافة بحيث يستطيع الخليفة متابعة شؤون الأقاليم ويستطيع أن ينيب من يقوم بالأمر عنه ففي هذه الحالة لا يجوز التعدد بلا خلاف , وقد حكى الماوردي الإجماع على ذلك لكن قد خالف في ذلك الكرامية وبعض الزيدية كما سيأتي
والثانية :
أن تتباعد الأقاليم بحيث يصعب على الخليفة أن يتابع شؤون الأقاليم البعيدة عن مركز الخلافة ولا يستطيع أن ينيب عنه من يقيم بالأمر , وهنا وقع الخلاف بين أهل العلم :
- فالجماهير من أهل العلم على عدم جواز التعدد في هذه الحالة وهذا هو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة وهو قول في مذهب المالكية
- وقد تقدم أن الكرامية وبعض الزيدية ذهبوا إلى جواز ذلك بلا حاجة فالجواز عندهم للحاجة من باب أولى
- وذهب المالكية - وهو اختيار لبعض الشافعية - إلى جواز التعدد في هذه الحالة بقدر الحاجة
قال الإمام الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين ص136 : ( فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا يجوز إجماعا . فأما في بلدان شتى وأمصار متباعدة فقد ذهبت طائفة شاذة إلى جواز ذلك ) اه
وقال الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان 1/30 : ( هل يجوز نصب خليفتين كلاهما مستقل دون الآخر ؟ في ذلك ثلاثة أقوال :
- القول الأول : قول الكرامية بجواز ذلك مطلقا ...
- القول الثاني : قول جماهير العلماء من المسلمين أنه لا يجوز تعدد الإمام الأعظم بل يجب كونه واحدا وأن لا يتولى على قطر من الأقطار إلا أمراؤه المولون من قبله ...
- القول الثالث : التفصيل فيمنع نصب إمامين في البلد الواحد والبلاد المتقاربة ويجوز في الأقطار المتنائية كالأندلس وخراسان , قال القرطبي : لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك ... وممن قال بجواز ذلك الأستاذ أبو إسحاق كما نقله عنه إمام الحرمين ونقله عنه ابن كثير والقرطبي , قال ابن كثير قلت : وهذا يشبه حال الخلفاء بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب ) اه
لكن إذا تأملنا أقوال المالكية الآتية فإننا نجد بعضهم أطلق الجواز وبعضهم أطلق المنع وبعضهم قيد الجواز بعدم إمكان النيابة مع التباعد فعلى هذا القول لا يكاد يكون هناك خلاف فلا أظن أحدا من الجمهور يمنع من التعدد عند التباعد وعدم إمكان النيابة ولذا قال العدوي في حاشية على شرح الخرشي 7 /144 : ( أشعر فرض المصنف جواز تعدد القاضي بمنع تعدد الإمام الأعظم وهو كذلك ولو تناءت الأقطار جدا لإمكان النيابة وقيل إلا أن لا تمكن النيابة واقتصر عليه ابن عرفة ونحوه للأصوليين . ( أقول ) ولا ينبغي أن يكون ذلك محل خلاف .) اه
وهذا بعض أقوال أهل العلم في هذه المسألة :
من أقوال الحنفية :
في الأشباه والنظائر لابن نجيم 4/ 111 مع شرح الحموي : ( مما افترق فيه الإمامة العظمى والقضاء - يشترط في الإمام أن يكون قرشيا بخلاف القاضي
- ولا يجوز تعدده في عصر واحد وجاز تعدد القاضي , ولو في مصر واحد .
- ولا ينعزل الإمام بالفسق بخلاف القاضي على قول .) اه
وفي شرح الحموي عليه المسمى بغمز عيون البصائر 4/ 111 : ( فإذا اجتمع عدد من الموصوفين فالإمام من انعقد له البيعة من أكثر الخلق , والمخالف لأكثر الخلق باغ يجب رده إلى انقياد المحق ) اه
من أقوال المالكية :
في حاشية الدسوقي 4/134 : ( تنبيه ) أشعر ما ذكره المصنف من جواز تعدد القاضي بمنع تعدد الإمام الأعظم وهو كذلك ولو تباعدت الأقطار جدا لإمكان النيابة , وقيل بالجواز إذا كان لا يمكن النيابة لتباعد الأقطار جدا واقتصر عليه ابن عرفة . ) اه
وفي شرح الدردير على اقرب المسالك 4/190 : ( ولا يجوز تعدد الخليفة إلا إذا اتسعت وبعدت الأقطار ) اه
وفي حاشية الصاوي عليه :قوله : [ إلا إذا اتسعت وبعدت الأقطار ] : أي كما في زماننا . ) ا ه
وتقدم معنا ما في حاشية العدوي على شرح الخرشي 7/144 : ( أشعر فرض المصنف جواز تعدد القاضي بمنع تعدد الإمام الأعظم وهو كذلك ولو تناءت الأقطار جدا لإمكان النيابة وقيل إلا أن لا تمكن النيابة واقتصر عليه ابن عرفة ونحوه للأصوليين . ( أقول ) ولا ينبغي أن يكون ذلك محل خلاف .) اه
وفي تفسير القرطبي 1/273 : ( وهذا أدل دليل على منع إقامة إمامين ولأن ذلك يؤدي إلى النفاق والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك ) اه
من أقوال الشافعية :
قال الماوردي في الأحكام السلطانية ص9 : ( وإذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد إمامتهما , لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد وإن شذ قوم فجوزوه . ) اه
وتقدم معنا قوله في أدب الدنيا والدين ص136 : ( فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد , وبلد واحد فلا يجوز إجماعا . فأما في بلدان شتى وأمصار متباعدة فقد ذهبت طائفة شاذة إلى جواز ذلك ) اه
وقال ابن حجر في تحفة المحتاج 9/78 : ( فرع ) لا يجوز عقدها لاثنين في وقت واحد ثم إن ترتبا يقينا تعين الأول وإلا بطلا ... ) اه
وفي حاشية العبادي عليه : ( ( قوله : لا يجوز عقدها لاثنين إلخ ) أي فأكثر ولو بأقاليم ولو تباعدت . مغني وروض مع شرحه ) اه .
وقال الشربيني في مغني المحتاج 5/425 : ( ولا يجوز عقدها لإمامين فأكثر ولو بأقاليم ولو تباعدت لما في ذلك من اختلال الرأي وتفرق الشمل ,) اه
وفي قواعد العز بن عبد السلام 1/74 : ( إذا شغر الزمان عن من له الولاية العظمى , وحضر اثنان يصلحان للولاية , لم يجز الجمع بينهما , لما يؤدي إليه من الفساد باختلاف الآراء : فتتعطل المصالح بسبب ذلك , لأن أحدهما يرى ما لا يرى الآخر من جلب المصالح ودرء المفاسد , فيختل أمر الأمة فيما يتعلق بالمصالح والمفاسد , وإنما تنصب الولاة في كل ولاية عامة أو خاصة للقيام بجلب مصالح المولى عليهم , وبدرء المفاسد عنه , بدليل قول موسى لأخيه هارون عليه السلام : { اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } .) اه
وفي أسنى المطالب 4/ 111 : ( ولا يجوز عقدها لإمامين ) فأكثر , ولو بأقاليم ( ولو تباعدت الأقاليم ) لما في ذلك من اختلاف الرأي , وتفرق الشمل ) اه
من أقوال الحنابلة :
في مطالب أولي النهى 3/263 : ( ويتجه ) أنه ( لا يجوز تعدد الإمام ) لما قد يترتب عليه من التنافر المفضي إلى التنازع والشقاق ووقوع الاختلاف في بعض الأطراف , وهو مناف لاستقامة الحال , يؤيد هذا قولهم : " وإن تنازع في الإمامة كفؤان أقرع بينهما إذ لو جاز التعدد لما احتيج إلى القرعة .) اه
وفي دقائق أولى النهى 3/389 : ( ( و ) إن بويعا ( معا أو جهل السابق ) منهما ( بطل العقد ) لامتناع تعدد الإمام وعدم المرجح لأحدهما ) اه
وفي منار السبيل 2/252 : ( قال أحمد في رواية العطار : ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله أن يبيت ولا يراه إماما برا كان أو فاجرا
وقال في الغاية ويتجه لا يجوز تعدد الإمام وأنه لو تغلب كل سلطان على ناحية كزماننا فحكمة كالإمام !!! ) اه
من أقوال الزيدية
مذهب الزيدية في ذلك كالجمهور , وقال بعض الزيدية بقول الكرامية ففي البحر الزخار 1/93 : ( وأكثر الزيدية : لا يصح إمامان في زمان . الكرامية وبعض الزيدية : يصح . لنا : إجماع الصحابة بعد قول الأنصار " منا أمير ومنكم أمير " .) اه
وفي البحر الزخار أيضا 6/384 : ( مسألة : ولا يصح إمامان للإجماع يوم السقيفة حين قال [ عمر ] : " سيفان في غمد إذن لا يصلحان " ) اه
وفي التاج المذهب 4/411 : ( ولا يصح ) أن يقوم بها ( إمامان ) في وقت واحد وإن تباعدت الديار بل يجب على المتأخر التسليم للمتقدم وإن كان أفضل مهما كان الأول كامل الشروط . ) اه
من أقوال الظاهرية
رأى الإمام ابن حزم في ذلك كرأي الجمهور ففي المحلى 1/66 : ( مسألة : ولا يجوز الأمر لغير بالغ ولا لمجنون ولا امرأة , ولا يجوز أن يكون في الدنيا إلا إمام واحد فقط ) اه
وفي المحلى أيضا 8/422 : ( مسألة : ولا يحل أن يكون في الدنيا إلا إمام واحد , والأمر للأول بيعة ) اه
المبحث الثاني
الأدلة :
أولا : أدلة المانعين :
1-الآيات والأحاديث التي تنهى عن التفرق والاختلاف بين المسلمين :
وهي كثيرة مشهورة ووجه الدلالة في تلك الآيات والأحاديث أن الله سبحانه وتعالى حرم على المسلمين التفرق والتنازع , وإذا كان للأمة إمامان فقد حصل التفرق المحرم ووجد التنازع
2-حديث أبي سعيد رضي الله عنه :
في صحيح مسلم 3/1480 : (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ) اه
قال الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين ص136 : ( وذهب الجمهور إلى أن إقامة إمامين في عصر واحد لا يجوز شرعا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إذا بويع أميران فاقتلوا أحدهما } . ) اه
3-حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما :
في صحيح مسلم 3/1472 : ( من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر ) اه
4-حديث عرفجة رضي الله عنه :
في صحيح مسلم 3/1480 : ( عن عرفجة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول : من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ) اه
وفي لفظ عند مسلم 3/1479 : ( إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان ) اه
5-حديث أبي هريرة رضي الله عنه :
في صحيح البخاري 3/1273 ومسلم 2/1471 : ( عن أبي هريرة عن النبي قال كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم ) اه
في شرح النووي على مسلم 12/242 : ( وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله ... واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد سواء اتسعت دار الإسلام أم لا وقال إمام الحرمين في كتابه الإرشاد : قال أصحابنا : لا يجوز عقدها شخصين , قال : وعندي أنه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد وهذا مجمع عليه , قال : فإن بعد ما بين الإمامين وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال , قال : وهو خارج من القواطع
وحكى المازري هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الأصول وأراد به إمام الحرمين وهو قول فاسد مخالف لما عليه السلف والخلف ولظواهر إطلاق الأحاديث والله أعلم ) اه
6-حديث علي رضي الله عنه :
في مسند أحمد 1/108 والحاكم 3/73 وقال صحيح الإسناد : ( عن على رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله من يؤمر بعدك قال : إن تؤمروا أبا بكر رضي الله عنه تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة , وان تؤمروا عمر رضي الله عنه تجدوه قويا أمينا لا يخاف في الله لومه لائم , وان تؤمروا عليا رضي الله عنه ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الطريق المستقيم ) اه
وللحديث شاهد عن حذيفة رواه الحاكم 3/74
قال الماوردي في أدب الدنيا والدين ص136 في وجه الدلالة من هذا الحديث: ( فبين بظاهر هذا الكلام أن إقامة جميعهم في عصر واحد لا يصح , ولو صح لأشار إليه , ولنبه عليه .) اه
7-قصة سقيفة بني ساعدة :
حيث قال الأنصار : منا أمير ومنكم أمير فرفض عمر ذلك وأقره الجميع ففي البحر الزخار 1/93 : ( لنا : إجماع الصحابة بعد قول الأنصار " منا أمير ومنكم أمير " .) اه
وفي البحر الزخار أيضا 6/384 : ( مسألة : ولا يصح إمامان للإجماع يوم السقيفة حين قال [ عمر ] " سيفان في غمد إذن لا يصلحان " ) اه
8-ما يترتب على ذلك من مفاسد على المسلمين من ضعف وتفرق وما شابه ذلك
عبد الفتاح بن صالح قُدَيش اليافعي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد :
فقد ابتليت الأمة الإسلامية في هذا الأيام بالتشتت والتشرذم والتفرق والاختلاف في كافة المجالات والأصعدة , مما أدى بها إلى الضعف والوهن والتأخر , فتسلط عليها الأعداء وتكالبت الأمم وتداعت عليها كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها , فصارت في حال لا تحسد عليه , يندى له الجبين ويدمي له القلب , فحق لنا أن نتمثل بقول الرندي :
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان
ومن تلك الاختلافات تفرق دولة الإسلام إلى أكثر من خمسين دولة لكل دولة حاكم وأمير , وزاد الطين بلة عقد الولاء والبراء على تلك المسميات وعلى تلك الحدود السياسية فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما وصل إليه حال الأمة .
وهذا مقال في حكم تعدد الحكام وتفرق المسلمين إلى دول , ذكرنا فيه حكم هذا الأمر عند الأئمة الفقهاء عليهم رضوان الله وقد جعلناه على مباحث :
المبحث الأول : في حكم تعدد الحكام والدول في المسلمين
والمبحث الثاني : في ذكر أدلة المانعين وأدلة المجيزين
والمبحث الثالث : في العمل إذا تعدد الحكام والدول
المبحث الأول :
حكم تعدد الحكام والدول في المسلمين
تعدد الحكام والدول في المسلمين له حالتان :
الحالة الأولى :
أن يكون التعدد تحت ظل الدولة الإسلامية الواحدة , بمعنى أن يكون للمسلمين دولة واحدة وخليفة واحد لكنه ينصب على كل إقليم حاكما ويفوض إليه شؤون تلك الناحية لكن ذلك الحاكم في النهاية يكون تحت إمرته وسلطانه يعزله متى شاء , فهذه الحالة لا خلاف في جوازها بل هي الحالة السوية التي كانت في زمن الخلافة الراشدة
والحالة الثانية :
أن تكون كل دولة مستقلة عن الأخرى وكل حاكم مستقل عن الآخر وهذه الحالة لها حالتان :
الأولى :
ألا تتباعد الأقاليم عن مركز الخلافة بحيث يستطيع الخليفة متابعة شؤون الأقاليم ويستطيع أن ينيب من يقوم بالأمر عنه ففي هذه الحالة لا يجوز التعدد بلا خلاف , وقد حكى الماوردي الإجماع على ذلك لكن قد خالف في ذلك الكرامية وبعض الزيدية كما سيأتي
والثانية :
أن تتباعد الأقاليم بحيث يصعب على الخليفة أن يتابع شؤون الأقاليم البعيدة عن مركز الخلافة ولا يستطيع أن ينيب عنه من يقيم بالأمر , وهنا وقع الخلاف بين أهل العلم :
- فالجماهير من أهل العلم على عدم جواز التعدد في هذه الحالة وهذا هو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة وهو قول في مذهب المالكية
- وقد تقدم أن الكرامية وبعض الزيدية ذهبوا إلى جواز ذلك بلا حاجة فالجواز عندهم للحاجة من باب أولى
- وذهب المالكية - وهو اختيار لبعض الشافعية - إلى جواز التعدد في هذه الحالة بقدر الحاجة
قال الإمام الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين ص136 : ( فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا يجوز إجماعا . فأما في بلدان شتى وأمصار متباعدة فقد ذهبت طائفة شاذة إلى جواز ذلك ) اه
وقال الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان 1/30 : ( هل يجوز نصب خليفتين كلاهما مستقل دون الآخر ؟ في ذلك ثلاثة أقوال :
- القول الأول : قول الكرامية بجواز ذلك مطلقا ...
- القول الثاني : قول جماهير العلماء من المسلمين أنه لا يجوز تعدد الإمام الأعظم بل يجب كونه واحدا وأن لا يتولى على قطر من الأقطار إلا أمراؤه المولون من قبله ...
- القول الثالث : التفصيل فيمنع نصب إمامين في البلد الواحد والبلاد المتقاربة ويجوز في الأقطار المتنائية كالأندلس وخراسان , قال القرطبي : لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك ... وممن قال بجواز ذلك الأستاذ أبو إسحاق كما نقله عنه إمام الحرمين ونقله عنه ابن كثير والقرطبي , قال ابن كثير قلت : وهذا يشبه حال الخلفاء بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب ) اه
لكن إذا تأملنا أقوال المالكية الآتية فإننا نجد بعضهم أطلق الجواز وبعضهم أطلق المنع وبعضهم قيد الجواز بعدم إمكان النيابة مع التباعد فعلى هذا القول لا يكاد يكون هناك خلاف فلا أظن أحدا من الجمهور يمنع من التعدد عند التباعد وعدم إمكان النيابة ولذا قال العدوي في حاشية على شرح الخرشي 7 /144 : ( أشعر فرض المصنف جواز تعدد القاضي بمنع تعدد الإمام الأعظم وهو كذلك ولو تناءت الأقطار جدا لإمكان النيابة وقيل إلا أن لا تمكن النيابة واقتصر عليه ابن عرفة ونحوه للأصوليين . ( أقول ) ولا ينبغي أن يكون ذلك محل خلاف .) اه
وهذا بعض أقوال أهل العلم في هذه المسألة :
من أقوال الحنفية :
في الأشباه والنظائر لابن نجيم 4/ 111 مع شرح الحموي : ( مما افترق فيه الإمامة العظمى والقضاء - يشترط في الإمام أن يكون قرشيا بخلاف القاضي
- ولا يجوز تعدده في عصر واحد وجاز تعدد القاضي , ولو في مصر واحد .
- ولا ينعزل الإمام بالفسق بخلاف القاضي على قول .) اه
وفي شرح الحموي عليه المسمى بغمز عيون البصائر 4/ 111 : ( فإذا اجتمع عدد من الموصوفين فالإمام من انعقد له البيعة من أكثر الخلق , والمخالف لأكثر الخلق باغ يجب رده إلى انقياد المحق ) اه
من أقوال المالكية :
في حاشية الدسوقي 4/134 : ( تنبيه ) أشعر ما ذكره المصنف من جواز تعدد القاضي بمنع تعدد الإمام الأعظم وهو كذلك ولو تباعدت الأقطار جدا لإمكان النيابة , وقيل بالجواز إذا كان لا يمكن النيابة لتباعد الأقطار جدا واقتصر عليه ابن عرفة . ) اه
وفي شرح الدردير على اقرب المسالك 4/190 : ( ولا يجوز تعدد الخليفة إلا إذا اتسعت وبعدت الأقطار ) اه
وفي حاشية الصاوي عليه :قوله : [ إلا إذا اتسعت وبعدت الأقطار ] : أي كما في زماننا . ) ا ه
وتقدم معنا ما في حاشية العدوي على شرح الخرشي 7/144 : ( أشعر فرض المصنف جواز تعدد القاضي بمنع تعدد الإمام الأعظم وهو كذلك ولو تناءت الأقطار جدا لإمكان النيابة وقيل إلا أن لا تمكن النيابة واقتصر عليه ابن عرفة ونحوه للأصوليين . ( أقول ) ولا ينبغي أن يكون ذلك محل خلاف .) اه
وفي تفسير القرطبي 1/273 : ( وهذا أدل دليل على منع إقامة إمامين ولأن ذلك يؤدي إلى النفاق والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك ) اه
من أقوال الشافعية :
قال الماوردي في الأحكام السلطانية ص9 : ( وإذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد إمامتهما , لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد وإن شذ قوم فجوزوه . ) اه
وتقدم معنا قوله في أدب الدنيا والدين ص136 : ( فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد , وبلد واحد فلا يجوز إجماعا . فأما في بلدان شتى وأمصار متباعدة فقد ذهبت طائفة شاذة إلى جواز ذلك ) اه
وقال ابن حجر في تحفة المحتاج 9/78 : ( فرع ) لا يجوز عقدها لاثنين في وقت واحد ثم إن ترتبا يقينا تعين الأول وإلا بطلا ... ) اه
وفي حاشية العبادي عليه : ( ( قوله : لا يجوز عقدها لاثنين إلخ ) أي فأكثر ولو بأقاليم ولو تباعدت . مغني وروض مع شرحه ) اه .
وقال الشربيني في مغني المحتاج 5/425 : ( ولا يجوز عقدها لإمامين فأكثر ولو بأقاليم ولو تباعدت لما في ذلك من اختلال الرأي وتفرق الشمل ,) اه
وفي قواعد العز بن عبد السلام 1/74 : ( إذا شغر الزمان عن من له الولاية العظمى , وحضر اثنان يصلحان للولاية , لم يجز الجمع بينهما , لما يؤدي إليه من الفساد باختلاف الآراء : فتتعطل المصالح بسبب ذلك , لأن أحدهما يرى ما لا يرى الآخر من جلب المصالح ودرء المفاسد , فيختل أمر الأمة فيما يتعلق بالمصالح والمفاسد , وإنما تنصب الولاة في كل ولاية عامة أو خاصة للقيام بجلب مصالح المولى عليهم , وبدرء المفاسد عنه , بدليل قول موسى لأخيه هارون عليه السلام : { اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } .) اه
وفي أسنى المطالب 4/ 111 : ( ولا يجوز عقدها لإمامين ) فأكثر , ولو بأقاليم ( ولو تباعدت الأقاليم ) لما في ذلك من اختلاف الرأي , وتفرق الشمل ) اه
من أقوال الحنابلة :
في مطالب أولي النهى 3/263 : ( ويتجه ) أنه ( لا يجوز تعدد الإمام ) لما قد يترتب عليه من التنافر المفضي إلى التنازع والشقاق ووقوع الاختلاف في بعض الأطراف , وهو مناف لاستقامة الحال , يؤيد هذا قولهم : " وإن تنازع في الإمامة كفؤان أقرع بينهما إذ لو جاز التعدد لما احتيج إلى القرعة .) اه
وفي دقائق أولى النهى 3/389 : ( ( و ) إن بويعا ( معا أو جهل السابق ) منهما ( بطل العقد ) لامتناع تعدد الإمام وعدم المرجح لأحدهما ) اه
وفي منار السبيل 2/252 : ( قال أحمد في رواية العطار : ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله أن يبيت ولا يراه إماما برا كان أو فاجرا
وقال في الغاية ويتجه لا يجوز تعدد الإمام وأنه لو تغلب كل سلطان على ناحية كزماننا فحكمة كالإمام !!! ) اه
من أقوال الزيدية
مذهب الزيدية في ذلك كالجمهور , وقال بعض الزيدية بقول الكرامية ففي البحر الزخار 1/93 : ( وأكثر الزيدية : لا يصح إمامان في زمان . الكرامية وبعض الزيدية : يصح . لنا : إجماع الصحابة بعد قول الأنصار " منا أمير ومنكم أمير " .) اه
وفي البحر الزخار أيضا 6/384 : ( مسألة : ولا يصح إمامان للإجماع يوم السقيفة حين قال [ عمر ] : " سيفان في غمد إذن لا يصلحان " ) اه
وفي التاج المذهب 4/411 : ( ولا يصح ) أن يقوم بها ( إمامان ) في وقت واحد وإن تباعدت الديار بل يجب على المتأخر التسليم للمتقدم وإن كان أفضل مهما كان الأول كامل الشروط . ) اه
من أقوال الظاهرية
رأى الإمام ابن حزم في ذلك كرأي الجمهور ففي المحلى 1/66 : ( مسألة : ولا يجوز الأمر لغير بالغ ولا لمجنون ولا امرأة , ولا يجوز أن يكون في الدنيا إلا إمام واحد فقط ) اه
وفي المحلى أيضا 8/422 : ( مسألة : ولا يحل أن يكون في الدنيا إلا إمام واحد , والأمر للأول بيعة ) اه
المبحث الثاني
الأدلة :
أولا : أدلة المانعين :
1-الآيات والأحاديث التي تنهى عن التفرق والاختلاف بين المسلمين :
وهي كثيرة مشهورة ووجه الدلالة في تلك الآيات والأحاديث أن الله سبحانه وتعالى حرم على المسلمين التفرق والتنازع , وإذا كان للأمة إمامان فقد حصل التفرق المحرم ووجد التنازع
2-حديث أبي سعيد رضي الله عنه :
في صحيح مسلم 3/1480 : (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ) اه
قال الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين ص136 : ( وذهب الجمهور إلى أن إقامة إمامين في عصر واحد لا يجوز شرعا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إذا بويع أميران فاقتلوا أحدهما } . ) اه
3-حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما :
في صحيح مسلم 3/1472 : ( من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر ) اه
4-حديث عرفجة رضي الله عنه :
في صحيح مسلم 3/1480 : ( عن عرفجة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول : من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ) اه
وفي لفظ عند مسلم 3/1479 : ( إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان ) اه
5-حديث أبي هريرة رضي الله عنه :
في صحيح البخاري 3/1273 ومسلم 2/1471 : ( عن أبي هريرة عن النبي قال كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم ) اه
في شرح النووي على مسلم 12/242 : ( وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله ... واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد سواء اتسعت دار الإسلام أم لا وقال إمام الحرمين في كتابه الإرشاد : قال أصحابنا : لا يجوز عقدها شخصين , قال : وعندي أنه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد وهذا مجمع عليه , قال : فإن بعد ما بين الإمامين وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال , قال : وهو خارج من القواطع
وحكى المازري هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الأصول وأراد به إمام الحرمين وهو قول فاسد مخالف لما عليه السلف والخلف ولظواهر إطلاق الأحاديث والله أعلم ) اه
6-حديث علي رضي الله عنه :
في مسند أحمد 1/108 والحاكم 3/73 وقال صحيح الإسناد : ( عن على رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله من يؤمر بعدك قال : إن تؤمروا أبا بكر رضي الله عنه تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة , وان تؤمروا عمر رضي الله عنه تجدوه قويا أمينا لا يخاف في الله لومه لائم , وان تؤمروا عليا رضي الله عنه ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الطريق المستقيم ) اه
وللحديث شاهد عن حذيفة رواه الحاكم 3/74
قال الماوردي في أدب الدنيا والدين ص136 في وجه الدلالة من هذا الحديث: ( فبين بظاهر هذا الكلام أن إقامة جميعهم في عصر واحد لا يصح , ولو صح لأشار إليه , ولنبه عليه .) اه
7-قصة سقيفة بني ساعدة :
حيث قال الأنصار : منا أمير ومنكم أمير فرفض عمر ذلك وأقره الجميع ففي البحر الزخار 1/93 : ( لنا : إجماع الصحابة بعد قول الأنصار " منا أمير ومنكم أمير " .) اه
وفي البحر الزخار أيضا 6/384 : ( مسألة : ولا يصح إمامان للإجماع يوم السقيفة حين قال [ عمر ] " سيفان في غمد إذن لا يصلحان " ) اه
8-ما يترتب على ذلك من مفاسد على المسلمين من ضعف وتفرق وما شابه ذلك
ومنها ) لو عقدت الإمامة لاثنين في عقدين مترتبين وجهل السابق منهما فقال القاضي : يخرج على روايتين . إحداهما بطلان العقد فيهما . والثانية : استعمال القرعة بناء على ما إذا زوج الوليان وجهل السابق منهما , فإنه على روايتين كذلك هنا انتهى . ولكن المشهور في حكاية الرواية الأولى في كتاب القاضي وأصحابه أنه يفسخ النكاحان وقياس هذا أنه يفسخ العقدان لأنهما يبطلان من غير فسخ .) اه
تعليق