[b][b][b]
التعريف بالموسوعة الفقهية
تعريف " الموسوعة . .
تطلق الموسوعة - أو دائرة المعارف , أو المعلّمة - على المؤلّف الشّامل لجميع معلومات علم أو أكثر , معروضةً من خلال عناوين متعارف عليها , بترتيب معيّن لا يحتاج معه إلى خبرة وممارسة , مكتوبةً بأسلوب مبسّط لا يتطلّب فهمه توسّط المدرّس أو الشّروح بل يكفي للاستفادة منها الحدّ الأوسط من الثّقافة العامّة مع الإلمام بالعلم الموضوعة له , ولا بدّ مع هذا كلّه من توافر دواعي الثّقة بمعلوماتها بعزوها للمراجع المعتمدة , أو نسبتها إلى المختصّين الّذين عهد إليهم بتدوينها ممّن يطمأنّ بصدورها عنهم . فخصائص ( الموسوعة ) الّتي توجب لها استحقاق هذه التّسمية هي : الشّمول , والتّرتيب السّهل , والأسلوب المبسّط , وموجبات الثّقة . ويتبيّن من هذا التّعريف التّوضيحيّ العامّ أنّ " الموسوعة الفقهيّة " هي ما كانت فيها هذه الخصائص , وأنّ أساس التّرتيب فيها هو المصطلحات المتداولة في الفقه ( وهي الكلمات العنوانيّة لأبوابه ومسائله المشهورة ) , والّتي ترتّب ألفبائيًّا لتمكين المختصّ وغيره من الوصول لمظانّ البحث , وإنّ موجبات الثّقة هي بيان الأدلّة والعزو للمراجع الأصليّة , وأنّه لا بدّ من التّنسيق بين جميع معلوماتها بما يتحقّق به التّرابط والتّكامل والبيان المتكافئ . فهي إذن غير ما يطلق عليه اسم : المدوّنات , أو المطوّلات , أو المبسوطات , أو الأمّهات من كتب فقهيّة لم تراع فيها جميع الخصائص المشار إليها , وإنّ وجود خصيصة منها أو أكثر , بالقصد أو التّوافق , ولا سيّما شمول قدر كبير من المادّة الفقهيّة الموثّقة , هو الّذي يسيغ إطلاق اسم الموسوعات عليها , من باب التّجوّز لا الحقيقة , لأنّها تفتقر إلى أهمّ الخصائص : اتّخاذ المصطلحات المرتّبة أساسًا للبحث فيها , فضلًا عن سهولة الأسلوب وإطلاق الحدود للبيان المتناسق . والفقه الإسلاميّ غنيّ بأمثال تلك المراجع الّتي إن خدمت بفهارس تحليليّة كانت بمثابة موسوعات مبدئيّة
لمذهب أو أكثر , وهي بهذه الخدمة ستكون ممّا يوطّئ للموسوعة ويسدّ الفراغ إلى حين .
أهداف الموسوعة الفقهيّة :
فضلًا عمّا في إصدار الموسوعة الفقهيّة من إثراء للمكتبة الإسلاميّة ببحوث تتّصف بجدّة الصّياغة ومعالجة الموضوعات بتعمّق كلّ على حدة , وبجهد جماعيّ تتلاقح فيه الأفكار والأنظار قبل إخراجه للنّاس , فإنّها هي السّبيل لتوفير الوقت على المختصّين - وغيرهم بالأحرى - في التّعمّق بدراساتهم الشّرعيّة ولا سيّما في التّعليم العالي والقضاء والتّشريع , وفي إحياء التّراث الفقهيّ وترشيحه للدّراسات الدّوليّة الحقوقيّة المقارنة ( وهو الهدف التّاريخيّ لبزوغ فكرة الموسوعة ) . وبالموسوعة تسهل العودة إلى الشّريعة الإسلاميّة لاستنباط الحلول القويمة منها لمشكلات القضايا المعاصرة ولا سيّما مع الإقبال العامّ على تطوير التّشريعات باستمدادها من الشّريعة , وهي أيضًا وسيلة للإلمام بأحكام الدّين والاطّلاع على ما استنبطه الفقهاء من الكتاب والسّنّة لتنظيم جميع شئون الحياة , ولهذا أعظم الأثر في الفلاح والفوز برضا اللّه سبحانه والحياة الطّيّبة . وبإنجاز الموسوعة يتحقّق للفقه الإسلاميّ مواكبة ما وصلت إليه العلوم والمعارف من تطوير في الشّكل والأسلوب , فيجمع إلى أصالة مضمونه وغزارة تراثه جمال الإخراج وسهولة التّرتيب , وذلك لتدارك الفجوة الّتي حدثت بالتّطوّر السّريع في عالم النّشر وعرض المعلومات بطرق تجمع بين السّهولة وتحقيق السّرعة .
تطور كتابة الفقه الإسلامي :
مرّ الفقه الإسلاميّ في رحلة تدوينه بأطوار مختلفة تشبه أطوار تكوينه , ولا يتّسع المجال لأكثر من الإشارة إلى أنّه بدأ ممتزجًا بالسّنّة والآثار , ثمّ ظهر في صورة الأمالي والمسائل والجوامع المهتمّة بالصّور والفروع أكثر من المبادئ , ثمّ تلا ذلك تأليف المدوّنات وأمّهات الكتب المبسوطة الّتي حفظت بها المذاهب من الاندثار , وقد آل التّصنيف في الفقه بعدئذ إلى عرضه بأسلوب علميّ شديد التّركيز , متفاوت التّرتيب , مستغلق العبارة لغير المتمرّس , وظهرت ( المتون ) الّتي استلزم إيضاحها وضع ( الشّروح ) وتعليق ( الحواشي ) على نمط صعب لا تكمل الفائدة منه إلّا للمتخصّص , بل ربّما تنحصر خبرة الفرد بمذهب دون آخر , لما تعارف عليه أهل كلّ مذهب , في دراسته والإفتاء به والتّأليف فيه , من أصول ورموز واصطلاحات , بعضها مدوّن في مواطن متفرّقة , وبعضها لا يدرك إلّا بالتّلقين والتّوقيف عليه .
والغرض هنا الإشارة إلى ظهور بعض المؤلّفات المطوّرة في عرض الفقه تشبه الموسوعة - إذا غضّ النّظر عن قضيّة التّرتيب , على أهمّيّتها - لاشتمالها على بعض خصائص الكتابة الموسوعيّة كالشّمول وإطلاق البحث عن التّقيّد بإيضاح كتاب , أو منهج تدريس , أو طاقة الفرد العاديّ . . . والأمثلة على ذلك كثيرة في الكتب الّتي تجمع في صعيد واحد ما تفرّق في غيرها من المؤلّفات , وتعنى بما كان يسمّى : علم الخلاف ( مقارنة المذاهب ) وتجرى على أسلوب البسط والاستيفاء لكلّ ما يحتاج إليه بحسب تقدير المؤلّف . . لكنّ تلك الأشباه الموسوعيّة كانت جهودًا فرديّةً ( أو شبه فرديّة حين تخترم المنية المؤلّف فيأتي من يضع تكملةً لكتابه ) والنّزر اليسير منها كان جهدًا جماعيًّا وغالبه ثمرة اهتمام أولي الأمر اقتراحًا , أو تشجيعًا , أو تبنّيًا واحتضانًا .
ومن الأمثلة للجهد الجماعيّ في المؤلّفات الفقهيّة الجارية مجرى الموسوعات : الكتاب المعروف في الفقه الحنفيّ بالفتاوى الهنديّة , والّذي اشترك في إنجازه ( 23 ) فقيهًا من كبار علماء الهند بطلب وتمويل ملكها ( محمّد أورنكزيب ) الملقّب : " عالم كير " أي فاتح العالم , ولذا سمّيت " الفتاوى العالمكيرية " . ويجري على هذا المنوال من حيث تحقّق بعض أهداف الموسوعة بالرّجوع إليها والاعتماد على ما فيها : المختارات التّشريعيّة الفقهيّة الّتي كانت مثابةً للقضاة والمفتين بالالتزام فضلًا عن الإلزام , كمجلّة الأحكام العدليّة المعروفة والّتي وضعتها لجنة من الفقهاء بتكليف من الخلافة العثمانيّة , وكان بين أعضائها الشّيخ علاء الدّين بن عابدين ( نجل صاحب الحاشية المشهورة في الفقه الحنفيّ ) . ويقاربها في الذّيوع ثلاثة كتب للعلّامة محمّد قدري باشا مصوغةً كقوانين مقترحةً ( وهي مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان , والأحكام الشّرعيّة في الأحوال الشّخصيّة , والعدل والإنصاف في أحكام الأوقاف ) تلك الكتب الّتي يورد بعض الكتّاب احتمال أن يكون مؤلّفها قد أعانه عليها قوم آخرون , بالرّغم من أهليّته العلميّة الّتي لا يستغرب معها نهوضه بهذا العمل وحده , وهو ممّا ينوء به الأفراد .
ولا يتّسع المقام للإفاضة في هذا الموضوع وضرب الأمثلة الكثيرة عليه , فهو ممّا يعني به علم وصف الكتب ( الببليوغرافيا ) وما كتب في تاريخ الفقه والتّشريع , والدّاخل إلى الفقه ومذاهبه وسير الأئمّة وطبقات الفقهاء .
تاريخ الموسوعة الفقهيّة :
إصدار الموسوعة الفقهيّة أمل إسلاميّ قديم ومتجدّد , فقد تطلّع إلى ذلك كثير من المهتمّين بنهضة الأمّة الإسلاميّة , على تفاوت في وضوح الفكرة والطّريقة المقترحة . غير أنّ أهمّ النّداءات الّتي تردّدت لإنجاز هذا المشروع العلميّ المبتكر بالنّسبة للفقه تمثّل في النّداء الصّادر عن مؤتمر أسبوع الفقه الإسلاميّ في باريس 1370 هـ ( 1951 م ) واشترك فيه ثلّة من فقهاء العالم الإسلاميّ . فكان بين توصياته الدّعوة إلى تأليف موسوعة فقهيّة تعرض فيها المعلومات الحقوقيّة الإسلاميّة وفقًا للأساليب الحديثة والتّرتيب المعجميّ . وفي 1375 هـ ( 1956 م ) كانت بداية المحاولات الرّسميّة لإبراز هذا القرار التّاريخيّ العالميّ إلى حيّز الواقع من قبل لجنة ملحقة بكلّيّة الشّريعة في جامعة دمشق مكوّنةً بمرسوم جمهوريّ , تمّ تعزيره بعد الوحدة السّوريّة المصريّة بقرار جمهوريّ . فصدر عام 1381 هـ ( 1961 م ) جزء يتضمّن نماذج من بحوث الموسوعة - لتلقّي الملاحظات - كتبها فقهاء من البلدين ثمّ صدر عن الموسوعة بعدئذ في سوريّة بعض الأعمال التّمهيديّة كمعجم فقه ابن حزم , ودليل مواطن البحث عن المصطلحات الفقهيّة . أمّا في مصر , فإنّ فكرة الموسوعة الّتي احتضنتها وزارة الأوقاف عام 1381 هـ ( 1961 م ) بين لجان المجلس الأعلى للشّئون الإسلاميّة صدر أوّل أجزائها 1386 هـ وبلغت ( 15 ) جزءًا ولا تزال في المصطلحات الأولى , وهي ليست كلّ ما أنجزته فإنّ النّشر يتأخّر في مسيرته عن الإنجاز . وفي 1386 هـ ( 1967 م ) - ومع ظهور الحاجة إلى تكاتف الجهود الإسلاميّة لضمان إنجاز هذا المشروع في أيّ قطر إسلاميّ مقتدر بالمال أو الرّجال - احتضنت وزارة الأوقاف والشّئون الإسلاميّة في دولة الكويت هذا المشروع , باعتباره من الفروض الكفائيّة الّتي يتمّ بها واجب تقديم الفقه بالصّورة العصريّة الدّاعية لتعلّمه والميسّرة للعمل به , ومثل ذلك لا بدّ من المبادرة إلى القيام به لاغتنام الفضل والأجر , وإسقاط المؤاخذة والمسئوليّة عن الأمّة كافّةً . وممّا لا بدّ من بيانه هنا أنّه لا ضير من تعدّد الجهود في خدمة الفقه الإسلاميّ لافتقاره الشّديد في مجال العرض الحديث والإخراج الفنّيّ . ومن الملحوظ فيما ظهر من نتاج الموسوعات الثّلاث القائمة ( في سوريّة ومصر والكويت ) أنّ لكلّ منها وجهةً تسعى من خلالها إلى إغناء الفقه في مجال , أو بطريقة , غير ما تسعى إليه الأخرى وإنّ في هذا التّنوّع ما يفي بالحاجات المختلفة وألوان العناية بالفقه وتقريبه إلى طالبيه .
التعريف بالموسوعة الفقهية
تعريف " الموسوعة . .
تطلق الموسوعة - أو دائرة المعارف , أو المعلّمة - على المؤلّف الشّامل لجميع معلومات علم أو أكثر , معروضةً من خلال عناوين متعارف عليها , بترتيب معيّن لا يحتاج معه إلى خبرة وممارسة , مكتوبةً بأسلوب مبسّط لا يتطلّب فهمه توسّط المدرّس أو الشّروح بل يكفي للاستفادة منها الحدّ الأوسط من الثّقافة العامّة مع الإلمام بالعلم الموضوعة له , ولا بدّ مع هذا كلّه من توافر دواعي الثّقة بمعلوماتها بعزوها للمراجع المعتمدة , أو نسبتها إلى المختصّين الّذين عهد إليهم بتدوينها ممّن يطمأنّ بصدورها عنهم . فخصائص ( الموسوعة ) الّتي توجب لها استحقاق هذه التّسمية هي : الشّمول , والتّرتيب السّهل , والأسلوب المبسّط , وموجبات الثّقة . ويتبيّن من هذا التّعريف التّوضيحيّ العامّ أنّ " الموسوعة الفقهيّة " هي ما كانت فيها هذه الخصائص , وأنّ أساس التّرتيب فيها هو المصطلحات المتداولة في الفقه ( وهي الكلمات العنوانيّة لأبوابه ومسائله المشهورة ) , والّتي ترتّب ألفبائيًّا لتمكين المختصّ وغيره من الوصول لمظانّ البحث , وإنّ موجبات الثّقة هي بيان الأدلّة والعزو للمراجع الأصليّة , وأنّه لا بدّ من التّنسيق بين جميع معلوماتها بما يتحقّق به التّرابط والتّكامل والبيان المتكافئ . فهي إذن غير ما يطلق عليه اسم : المدوّنات , أو المطوّلات , أو المبسوطات , أو الأمّهات من كتب فقهيّة لم تراع فيها جميع الخصائص المشار إليها , وإنّ وجود خصيصة منها أو أكثر , بالقصد أو التّوافق , ولا سيّما شمول قدر كبير من المادّة الفقهيّة الموثّقة , هو الّذي يسيغ إطلاق اسم الموسوعات عليها , من باب التّجوّز لا الحقيقة , لأنّها تفتقر إلى أهمّ الخصائص : اتّخاذ المصطلحات المرتّبة أساسًا للبحث فيها , فضلًا عن سهولة الأسلوب وإطلاق الحدود للبيان المتناسق . والفقه الإسلاميّ غنيّ بأمثال تلك المراجع الّتي إن خدمت بفهارس تحليليّة كانت بمثابة موسوعات مبدئيّة
لمذهب أو أكثر , وهي بهذه الخدمة ستكون ممّا يوطّئ للموسوعة ويسدّ الفراغ إلى حين .
أهداف الموسوعة الفقهيّة :
فضلًا عمّا في إصدار الموسوعة الفقهيّة من إثراء للمكتبة الإسلاميّة ببحوث تتّصف بجدّة الصّياغة ومعالجة الموضوعات بتعمّق كلّ على حدة , وبجهد جماعيّ تتلاقح فيه الأفكار والأنظار قبل إخراجه للنّاس , فإنّها هي السّبيل لتوفير الوقت على المختصّين - وغيرهم بالأحرى - في التّعمّق بدراساتهم الشّرعيّة ولا سيّما في التّعليم العالي والقضاء والتّشريع , وفي إحياء التّراث الفقهيّ وترشيحه للدّراسات الدّوليّة الحقوقيّة المقارنة ( وهو الهدف التّاريخيّ لبزوغ فكرة الموسوعة ) . وبالموسوعة تسهل العودة إلى الشّريعة الإسلاميّة لاستنباط الحلول القويمة منها لمشكلات القضايا المعاصرة ولا سيّما مع الإقبال العامّ على تطوير التّشريعات باستمدادها من الشّريعة , وهي أيضًا وسيلة للإلمام بأحكام الدّين والاطّلاع على ما استنبطه الفقهاء من الكتاب والسّنّة لتنظيم جميع شئون الحياة , ولهذا أعظم الأثر في الفلاح والفوز برضا اللّه سبحانه والحياة الطّيّبة . وبإنجاز الموسوعة يتحقّق للفقه الإسلاميّ مواكبة ما وصلت إليه العلوم والمعارف من تطوير في الشّكل والأسلوب , فيجمع إلى أصالة مضمونه وغزارة تراثه جمال الإخراج وسهولة التّرتيب , وذلك لتدارك الفجوة الّتي حدثت بالتّطوّر السّريع في عالم النّشر وعرض المعلومات بطرق تجمع بين السّهولة وتحقيق السّرعة .
تطور كتابة الفقه الإسلامي :
مرّ الفقه الإسلاميّ في رحلة تدوينه بأطوار مختلفة تشبه أطوار تكوينه , ولا يتّسع المجال لأكثر من الإشارة إلى أنّه بدأ ممتزجًا بالسّنّة والآثار , ثمّ ظهر في صورة الأمالي والمسائل والجوامع المهتمّة بالصّور والفروع أكثر من المبادئ , ثمّ تلا ذلك تأليف المدوّنات وأمّهات الكتب المبسوطة الّتي حفظت بها المذاهب من الاندثار , وقد آل التّصنيف في الفقه بعدئذ إلى عرضه بأسلوب علميّ شديد التّركيز , متفاوت التّرتيب , مستغلق العبارة لغير المتمرّس , وظهرت ( المتون ) الّتي استلزم إيضاحها وضع ( الشّروح ) وتعليق ( الحواشي ) على نمط صعب لا تكمل الفائدة منه إلّا للمتخصّص , بل ربّما تنحصر خبرة الفرد بمذهب دون آخر , لما تعارف عليه أهل كلّ مذهب , في دراسته والإفتاء به والتّأليف فيه , من أصول ورموز واصطلاحات , بعضها مدوّن في مواطن متفرّقة , وبعضها لا يدرك إلّا بالتّلقين والتّوقيف عليه .
والغرض هنا الإشارة إلى ظهور بعض المؤلّفات المطوّرة في عرض الفقه تشبه الموسوعة - إذا غضّ النّظر عن قضيّة التّرتيب , على أهمّيّتها - لاشتمالها على بعض خصائص الكتابة الموسوعيّة كالشّمول وإطلاق البحث عن التّقيّد بإيضاح كتاب , أو منهج تدريس , أو طاقة الفرد العاديّ . . . والأمثلة على ذلك كثيرة في الكتب الّتي تجمع في صعيد واحد ما تفرّق في غيرها من المؤلّفات , وتعنى بما كان يسمّى : علم الخلاف ( مقارنة المذاهب ) وتجرى على أسلوب البسط والاستيفاء لكلّ ما يحتاج إليه بحسب تقدير المؤلّف . . لكنّ تلك الأشباه الموسوعيّة كانت جهودًا فرديّةً ( أو شبه فرديّة حين تخترم المنية المؤلّف فيأتي من يضع تكملةً لكتابه ) والنّزر اليسير منها كان جهدًا جماعيًّا وغالبه ثمرة اهتمام أولي الأمر اقتراحًا , أو تشجيعًا , أو تبنّيًا واحتضانًا .
ومن الأمثلة للجهد الجماعيّ في المؤلّفات الفقهيّة الجارية مجرى الموسوعات : الكتاب المعروف في الفقه الحنفيّ بالفتاوى الهنديّة , والّذي اشترك في إنجازه ( 23 ) فقيهًا من كبار علماء الهند بطلب وتمويل ملكها ( محمّد أورنكزيب ) الملقّب : " عالم كير " أي فاتح العالم , ولذا سمّيت " الفتاوى العالمكيرية " . ويجري على هذا المنوال من حيث تحقّق بعض أهداف الموسوعة بالرّجوع إليها والاعتماد على ما فيها : المختارات التّشريعيّة الفقهيّة الّتي كانت مثابةً للقضاة والمفتين بالالتزام فضلًا عن الإلزام , كمجلّة الأحكام العدليّة المعروفة والّتي وضعتها لجنة من الفقهاء بتكليف من الخلافة العثمانيّة , وكان بين أعضائها الشّيخ علاء الدّين بن عابدين ( نجل صاحب الحاشية المشهورة في الفقه الحنفيّ ) . ويقاربها في الذّيوع ثلاثة كتب للعلّامة محمّد قدري باشا مصوغةً كقوانين مقترحةً ( وهي مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان , والأحكام الشّرعيّة في الأحوال الشّخصيّة , والعدل والإنصاف في أحكام الأوقاف ) تلك الكتب الّتي يورد بعض الكتّاب احتمال أن يكون مؤلّفها قد أعانه عليها قوم آخرون , بالرّغم من أهليّته العلميّة الّتي لا يستغرب معها نهوضه بهذا العمل وحده , وهو ممّا ينوء به الأفراد .
ولا يتّسع المقام للإفاضة في هذا الموضوع وضرب الأمثلة الكثيرة عليه , فهو ممّا يعني به علم وصف الكتب ( الببليوغرافيا ) وما كتب في تاريخ الفقه والتّشريع , والدّاخل إلى الفقه ومذاهبه وسير الأئمّة وطبقات الفقهاء .
تاريخ الموسوعة الفقهيّة :
إصدار الموسوعة الفقهيّة أمل إسلاميّ قديم ومتجدّد , فقد تطلّع إلى ذلك كثير من المهتمّين بنهضة الأمّة الإسلاميّة , على تفاوت في وضوح الفكرة والطّريقة المقترحة . غير أنّ أهمّ النّداءات الّتي تردّدت لإنجاز هذا المشروع العلميّ المبتكر بالنّسبة للفقه تمثّل في النّداء الصّادر عن مؤتمر أسبوع الفقه الإسلاميّ في باريس 1370 هـ ( 1951 م ) واشترك فيه ثلّة من فقهاء العالم الإسلاميّ . فكان بين توصياته الدّعوة إلى تأليف موسوعة فقهيّة تعرض فيها المعلومات الحقوقيّة الإسلاميّة وفقًا للأساليب الحديثة والتّرتيب المعجميّ . وفي 1375 هـ ( 1956 م ) كانت بداية المحاولات الرّسميّة لإبراز هذا القرار التّاريخيّ العالميّ إلى حيّز الواقع من قبل لجنة ملحقة بكلّيّة الشّريعة في جامعة دمشق مكوّنةً بمرسوم جمهوريّ , تمّ تعزيره بعد الوحدة السّوريّة المصريّة بقرار جمهوريّ . فصدر عام 1381 هـ ( 1961 م ) جزء يتضمّن نماذج من بحوث الموسوعة - لتلقّي الملاحظات - كتبها فقهاء من البلدين ثمّ صدر عن الموسوعة بعدئذ في سوريّة بعض الأعمال التّمهيديّة كمعجم فقه ابن حزم , ودليل مواطن البحث عن المصطلحات الفقهيّة . أمّا في مصر , فإنّ فكرة الموسوعة الّتي احتضنتها وزارة الأوقاف عام 1381 هـ ( 1961 م ) بين لجان المجلس الأعلى للشّئون الإسلاميّة صدر أوّل أجزائها 1386 هـ وبلغت ( 15 ) جزءًا ولا تزال في المصطلحات الأولى , وهي ليست كلّ ما أنجزته فإنّ النّشر يتأخّر في مسيرته عن الإنجاز . وفي 1386 هـ ( 1967 م ) - ومع ظهور الحاجة إلى تكاتف الجهود الإسلاميّة لضمان إنجاز هذا المشروع في أيّ قطر إسلاميّ مقتدر بالمال أو الرّجال - احتضنت وزارة الأوقاف والشّئون الإسلاميّة في دولة الكويت هذا المشروع , باعتباره من الفروض الكفائيّة الّتي يتمّ بها واجب تقديم الفقه بالصّورة العصريّة الدّاعية لتعلّمه والميسّرة للعمل به , ومثل ذلك لا بدّ من المبادرة إلى القيام به لاغتنام الفضل والأجر , وإسقاط المؤاخذة والمسئوليّة عن الأمّة كافّةً . وممّا لا بدّ من بيانه هنا أنّه لا ضير من تعدّد الجهود في خدمة الفقه الإسلاميّ لافتقاره الشّديد في مجال العرض الحديث والإخراج الفنّيّ . ومن الملحوظ فيما ظهر من نتاج الموسوعات الثّلاث القائمة ( في سوريّة ومصر والكويت ) أنّ لكلّ منها وجهةً تسعى من خلالها إلى إغناء الفقه في مجال , أو بطريقة , غير ما تسعى إليه الأخرى وإنّ في هذا التّنوّع ما يفي بالحاجات المختلفة وألوان العناية بالفقه وتقريبه إلى طالبيه .
تعليق