الذكر بالاسم المفرد بين المجيزين والمانعين ( دراسة فقهية مقارنة )
عبد الفتاح بن صالح قُدَيش اليافعي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد :
فإن رمت أن تحظى بقلب منوَّرٍ نقيٍّ من الأكدار فاعكف على الذكرِ
وثابر عليه في الظلام وفي الضيا وفي كل حال باللسان وبالســـرِّ
فإنك إن لازمته بتوجــــهٍ بدا لك نورٌ ليس كالشمس والبـدرِ
ولكنه نورٌ مـــن الله واردٌ أتى ذكره في سورة النورِ فاستقــرِ
الدر المنظوم لذوي العقول والفهوم ص 233
ذكر الله تعالى هو مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح .. ذكر الله تعالى هو العمدة في الطريق وعليه معول أهل التحقيق .. ذكر الله تعالى هو منشور ولاية المحبوب وطريق صفاء القلوب .. من ذكر الله ذكره ( اذكروني أذكركم ) .. الذكر جليس الرحمن ( أنا جليس من ذكرني ) .. فضائل ذكر الله تعالى لا تحصى ولا تعد .. وحسبك أن المذكور هو : الله الله الله .. وكفى بذلك شرفا وفخرا وتيها
وهذا مقال في حكم الذكر باسم الله المفرد كأن يقول الذاكر ( الله الله الله ... ) ونحو ذلك وقد جعلته على مباحث :
المبحث الأول : ذكر الخلاف في ذلك على سبيل الإجمال
المبحث الثاني : ذكر أقوال بعض من قال بالمشروعية
المبحث الثالث : ذكر بعض من قال بعدم المشروعية
المبحث الرابع : ذكر من قال إن ذلك ليس بذكر , ومن قال يثاب فاعله ولو لم يكن ذكرا
المبحث الخامس : أدلة من قال بعدم المشروعية
المبحث السادس : أدلة من قال بالمشروعية
المبحث الأول
ذكر الخلاف في ذلك على سبيل الإجمال
اختلف في مشروعية الذكر بالاسم المفرد على قولين:
القول الأول : أن ذلك مشروع وبذلك قال الكثير من الأئمة ومنهم :
الجنيد والشبلي وأبو يزيد البسطامي والنوري والجيلاني والزبيدي والسجزي والغزالي والرازي والغرناطي والمرسي وابن عجيبة وابن أمير الحاج والخادمي وزكريا الأنصاري وابن حجر الهيتمي والرملي والمناوي والدمياطي وابن عابدين وغيرهم كما سيأتي إن شاء الله , وعليه عمل الأئمة من أهل السلوك على مر الزمان بل بالغ بعضهم فقال إنه أفضل الذكر
القول الثاني : أن ذلك غير مشروع وعليه بعض أهل العلم :
كالعز بن عبد السلام حيث حكم عليه بأنه بدعة وله قول آخر بأن لذلك وجها , وابن تيمية حيث حكم عليه بأنه بدعة مكروهة وتابعه تلميذه ابن القيم , وهو قول الخطيب الشربيني وابن الأمير الصنعاني
وسيأتي ذكر أقوال الجميع على التفصيل في المبحثين التاليين إن شاء الله
المبحث الثاني :
ذكر أقوال بعض من قال بالمشروعية
-الإمام أبو الحسين النوري :
في تفسير السلمي 1/29 : ( وحكى أن أبا الحسين النوري بقي في منزله سبعة أيام لم يأكل ولم ينم ولم يشرب ويقول في ولهه ودهشه : ( الله الله ) وهو قائم يدور
فأُخبر الجنيد بذلك فقال : انظروا أمحفوظ عليه أوقاته أم لا فقيل إنه يصلي الفرائض فقال الحمد لله الذي لم يجعل للشيطان عليه سبيلاً ثم قال قوموا حتى نزوره إما نستفيد منه أو نفيده فدخل عليه وهو في ولهه قال : يا أبا الحسين ما الذي دهاك قال أقول : ( الله الله ) زيدوا علي ... ) اه
وفي التعرف للكلاباذي 131 : ( والفاني يكون محفوظا في وظائف الحق كما قال الجنيد وقيل له إن أبا الحسين النوري قائم في مسجد الشونيزي منذ أيام لا يأكل ولا يشرب ولا ينام وهو يقول : ( الله الله ) ويصلي الصلوات لأوقاتها
فقال بعض من حضره : إنه صاحٍ فقال الجنيد : لا ولكن أرباب المواجيد محفوظون بين يدي الله في مواجيدهم فإن رد الفاني إلى الأوصاف لم يرد إلى أوصاف نفسه ولكن يقام مقام البقاء بأوصاف الحق ) اه
وفي شعب البيهقي 5/452 : ( أخبرنا أبو محمد بن يوسف ، سمعت أبا العباس عبد العزيز بن عمر المسعودي ، بدينور ، يقول : حكي لنا عن أبي الحسين النوري ، أنه بقي في مسجد سبعة أيام ولياليها ، لا يأكل ، ولا يشرب ، ولا ينام ، يجيء من أول المسجد إلى آخره ، فأبلغ ذلك الجنيد ، وابن عطاء ، والشبلي ، فجاءوا فوقفوا عليه ، فقيل له : هذا الجنيد وابن عطاء والشبلي ، ففتح عينيه فنظر إليهم ، فقال له الجنيد : ما أدري دهاك ما أنت فيه ، أخبرنا ، فقال النوري : أنا أقول : الله ، تزيدوا على قول الله ؟ ، فقال الشبلي : إن كنت تقول : ( الله بالله ) فالمنة لله فيما تقول ، وإن كنت تقول : الله بك ، فليس لك من الله شيء ، قال : فسجد ، فقال : أنا تائب ، أنا تائب ، أنا تائب ، فقال الجنيد : إن سيوف الشبلي تقطر دما ) اه
- الإمام الشبلي :
في طبقات المناوي 1/560 في ترجمة الشبلي ونحوه في مفتاح الفلاح لابن عطاء الله ص 37 : ( قال له رجل : لم تقول : الله , ولا تقول : لا إله إلا الله ؟ فقال : أستحي من ذكر كلمة النفي في حضرته
قال له : أريد أعلى قال : لا أبغي به ضدا
قال : أريد أعلى قال : أخشى أن أوجد في وحشة الجحد , وفي رواية : أخاف أن أموت عند الإنكار فلا أصل إلى القرار
قال : أريد أعلى قال : قال الله تعالى : ( قل الله ثم ذرهم ... )
فصعق الرجل ففارقته روحه فتعلقت أولياؤه بالشبلي وادعوا عليه بثأره فخرجت الرسل من الخليفة فسأله عن الجواب ؟ فقال : روح حنت فرنت فدُعيت فأجابت فما ذنب الشبلي فصاح الخليفة : خلوه فلا ذنب له ) اه
ومعنى قوله : ولا تقول : لا إله إلا الله أي لمَ تذكر الله بقولك : ( الله الله ) ولا تذكره بقولك : ( لا إله إلا الله ) ؟ وذلك في نهايته , فكان جوابه تلك الأوجه المذكورة , وهذه الأمر واضح وإنما نبهنا عليه كي لا يتوهم متوهم أن الشبلي لا يقول : لا إله إلا الله
-الإمام الجنيد :
قال الجنيد : ( ذاكر هذا الاسم ( الله) ذاهب عن نفسه، متصل بربه، قائم بأداء حقه، ناظرٌ إليه بقلبه، قد أحرقت أنوار الشهود صفات بشريته ) اه نور التحقيق لحامد صقر ص174
-الإمام أبو الوقت السجزي :
في سير النبلاء 20/309 وتاريخ الإسلام للذهبي 8/365 في ترجمة أبى الوقت السجزي : ( فرفع طرفه إليه وتلا ( يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ) فدهش إليه هو ومن حضر من الأصحاب ولم يزل يقرأ حتى ختم السورة وقال ( الله الله الله ) وتوفي وهو جالس على السجادة ) اه
-الإمام الزبيدي صاحب الجمع بين الصحيحين :
في سير النبلاء 20/318 وفي تاريخ الإسلام للذهبي 8/377 : في ترجمة الزبيدي : ( قال ابن عساكر : قال ولده إسماعيل كان أبي في كل يوم وليلة من أيام مرضه يقول : ( الله الله ) نحوا من خمسة عشر ألف مرة فما زال يقولها حتى طفئ ) اه
-الإمام ابن المظفر :
في تاريخ الإسلام للذهبي 9/43 : ( محمّد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفّر ابن رئيس الرؤساء أبي القاسم ... وخرج من بيته حاجّاً في رابع ذي القعدة، فضربه واحد من الباطنيّة أربع ضربات على باب قطُفتا، فحمل إلى دار هناك، فلم يتكلّم، إلاّ أنّه كان يقول : ( الله الله ) وقال: ادفنوني عند أبي , ثم مات بعد الظّهر، رحمه الله تعالى.) اه
-الإمام الجريري :
في رسالة القشيري ص 217: ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يقول سمعت الحسين بن يحي يقول سمعت جعفر بن نصير يقول سمعت الجريري يقول : كان بين أصحابنا رجل يكثر من أن يقول : ( الله الله ) فوقع يوما على رأسه جذع فانشج رأسه ووقع الدم فكتب على الأرض : الله الله ) اه
-الإمام صدر الدين القونوي :
وفي تفسير إسماعيل حقي روح البيان 4/334 : ( قال الشيخ الكبير صدر الدين القونوي قدس سره : أكده بالتكرار ولا شك أن لا يذكر الله ذكرا حقيقيا وخصوصا بهذا الاسم الأعظم الجامع المنعوت بجميع الأسماء إلا الذي يعرف الحق بالمعرفة التامة وأتم الخلق معرفة بالله في كل عصر ) اه
-حجة الإسلام الغزالي :
في الإحياء 3/77 : ( وعند ذلك يلقنه ذكرا من الأذكار حتى يشغل به لسانه وقلبه فيجلس ويقول مثلا ( الله الله ) أو سبحان الله سبحان الله أو ما يراه الشيخ من الكلمات
فلا يزال يواظب عليه حتى تسقط حركة اللسان وتكون الكلمة كأنها جارية على اللسان من غير تحريك ثم لا يزال يواظب عليه حتى يسقط الأثر عن اللسان وتبقي صورة اللفظ في القلب ثم لا يزال كذلك حتى يمحى عن القلب حروف اللفظ وصورته وتبقى حقيقة معناه لازمة للقلب حاضرة معه غالبة عليه قد فرغ عن كل ما سواه ) اه
-الإمام عبد القادر الجيلاني والدمياطي :
في حاشية إعانة الطالبين للدمياطي 1/10 : ( قال سيدي عبد القادر الجيلاني : الله هو الاسم الأعظم وإنما يستجاب لك إذا قلت : ( الله ) وليس في قلبك غيره .
ولهذا الاسم خواص وعجائب منها أن من داوم عليه في خلوة مجردا بأن يقول ( الله الله ) حتى يغلب عليه منه حال شاهد عجائب الملكوت ... ) اه
-الإمام الرازي :
قال الرازي في تفسيره 1/155 : ( أما قوله : ( الله ) فاعلموا أيها الناس أني أقول طول حياتي ( الله ) , فإذا مت أقول ( الله ) ، وإذا سئلت في القبر أقول ( الله ) ، وإذا جئت يوم القيامة أقول ( الله ) ، وأذا أخذت الكتاب أقول ( الله ) , وإذا وزنت أعمالي أقول الله ، وإذا جزت الصراط أقول ( الله ) ، وإذا دخلت الجنة أقول ( الله ) ، وإذا رأيت الله قلت ( الله ) اه
وقال الرازي في كتابه عجائب القرآن ص 137 في مسألة الذكر بالاسم المفرد ما ملخصه : ( اختلف المحققون في ذلك :
- فقال الأكثر : يكون الابتداء ب ( لا إله إلا الله ) والانتهاء ب ( الله الله )
- ومنهم من واظب في الابتداء والانتهاء على ( لا إله إلا الله ) وحجتهم أن القلب مشحون بغير الله فلا بد من النفي لغير الله
- وأما الآخرون فلهم وجوه :
1- أن نفي الغير عدم لأن النفي عدم
2- أن الذاكر حين ينطق بالنفي لعله لا يمهل ليصل إلى الإثبات فيبقى في النفي والجحود والنفي هنا إنما أريد لأجل الإثبات
3- أن في المواظبة على ذلك تعظيم لله لأن الاشتغال بنفي الأغيار دليل على شغل القلب بالأغيار أما من اشتغل بالاسم المفرد فهو مشتغل بالله وحده فأين أحدهما من الآخر
4- أن نفي الشيء إنما يحتاج إليه عند خطور ذلك الشيء بالبال وذلك يكون عند نقص الحال أما الكاملون فلا يخطر ببالهم الشريك فلم يكلفوا بنفيه ولا يخطر ببالهم إلا الله فلا جرم يكفيهم أن يقولوا : ( الله الله )
5- قوله تعالى ( قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) فأمره بذكر الله ومنعه من الخوض معهم باللعب ) اه كلام الرازي بتصرف
-الإمام أحمد الرفاعي :
في البرهان المؤيد ص 64 : (... ترى أن أحدهم كالغائب على حال الحاضر كالحاضر على حال الغائب يهتزون اهتزاز الأغصان التي تحركت بالوارد لا بنفسها يقولون : ( لا إله إلا الله ) ولا تشتغل قلوبهم بسواه يقولون : ( الله ) ولا يعبدون إلا إياه يقولون : ( هو ) وبه لا بغيره يتباهون إذا غناهم الحادي يسمعون منه التذكار فتعلوا همتهم في الأذكار ) اه
-الإمام أبو العباس المرسي:
قال أبو العباس المرسي : ( ليكن ذكرك ( الله، الله ) فإن هذا الاسم سلطان الأسماء، وله بساط وثمرة، فبساطه العلم، وثمرته النور، فينبغي الإكثار من ذكره ، لتضمنه جميع ما في لا اله إلا الله من العقائد والعلوم والآداب والحقائق... إلخ) اه نور التحقيق لحامد صقر ص 174
عبد الفتاح بن صالح قُدَيش اليافعي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد :
فإن رمت أن تحظى بقلب منوَّرٍ نقيٍّ من الأكدار فاعكف على الذكرِ
وثابر عليه في الظلام وفي الضيا وفي كل حال باللسان وبالســـرِّ
فإنك إن لازمته بتوجــــهٍ بدا لك نورٌ ليس كالشمس والبـدرِ
ولكنه نورٌ مـــن الله واردٌ أتى ذكره في سورة النورِ فاستقــرِ
الدر المنظوم لذوي العقول والفهوم ص 233
ذكر الله تعالى هو مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح .. ذكر الله تعالى هو العمدة في الطريق وعليه معول أهل التحقيق .. ذكر الله تعالى هو منشور ولاية المحبوب وطريق صفاء القلوب .. من ذكر الله ذكره ( اذكروني أذكركم ) .. الذكر جليس الرحمن ( أنا جليس من ذكرني ) .. فضائل ذكر الله تعالى لا تحصى ولا تعد .. وحسبك أن المذكور هو : الله الله الله .. وكفى بذلك شرفا وفخرا وتيها
وهذا مقال في حكم الذكر باسم الله المفرد كأن يقول الذاكر ( الله الله الله ... ) ونحو ذلك وقد جعلته على مباحث :
المبحث الأول : ذكر الخلاف في ذلك على سبيل الإجمال
المبحث الثاني : ذكر أقوال بعض من قال بالمشروعية
المبحث الثالث : ذكر بعض من قال بعدم المشروعية
المبحث الرابع : ذكر من قال إن ذلك ليس بذكر , ومن قال يثاب فاعله ولو لم يكن ذكرا
المبحث الخامس : أدلة من قال بعدم المشروعية
المبحث السادس : أدلة من قال بالمشروعية
المبحث الأول
ذكر الخلاف في ذلك على سبيل الإجمال
اختلف في مشروعية الذكر بالاسم المفرد على قولين:
القول الأول : أن ذلك مشروع وبذلك قال الكثير من الأئمة ومنهم :
الجنيد والشبلي وأبو يزيد البسطامي والنوري والجيلاني والزبيدي والسجزي والغزالي والرازي والغرناطي والمرسي وابن عجيبة وابن أمير الحاج والخادمي وزكريا الأنصاري وابن حجر الهيتمي والرملي والمناوي والدمياطي وابن عابدين وغيرهم كما سيأتي إن شاء الله , وعليه عمل الأئمة من أهل السلوك على مر الزمان بل بالغ بعضهم فقال إنه أفضل الذكر
القول الثاني : أن ذلك غير مشروع وعليه بعض أهل العلم :
كالعز بن عبد السلام حيث حكم عليه بأنه بدعة وله قول آخر بأن لذلك وجها , وابن تيمية حيث حكم عليه بأنه بدعة مكروهة وتابعه تلميذه ابن القيم , وهو قول الخطيب الشربيني وابن الأمير الصنعاني
وسيأتي ذكر أقوال الجميع على التفصيل في المبحثين التاليين إن شاء الله
المبحث الثاني :
ذكر أقوال بعض من قال بالمشروعية
-الإمام أبو الحسين النوري :
في تفسير السلمي 1/29 : ( وحكى أن أبا الحسين النوري بقي في منزله سبعة أيام لم يأكل ولم ينم ولم يشرب ويقول في ولهه ودهشه : ( الله الله ) وهو قائم يدور
فأُخبر الجنيد بذلك فقال : انظروا أمحفوظ عليه أوقاته أم لا فقيل إنه يصلي الفرائض فقال الحمد لله الذي لم يجعل للشيطان عليه سبيلاً ثم قال قوموا حتى نزوره إما نستفيد منه أو نفيده فدخل عليه وهو في ولهه قال : يا أبا الحسين ما الذي دهاك قال أقول : ( الله الله ) زيدوا علي ... ) اه
وفي التعرف للكلاباذي 131 : ( والفاني يكون محفوظا في وظائف الحق كما قال الجنيد وقيل له إن أبا الحسين النوري قائم في مسجد الشونيزي منذ أيام لا يأكل ولا يشرب ولا ينام وهو يقول : ( الله الله ) ويصلي الصلوات لأوقاتها
فقال بعض من حضره : إنه صاحٍ فقال الجنيد : لا ولكن أرباب المواجيد محفوظون بين يدي الله في مواجيدهم فإن رد الفاني إلى الأوصاف لم يرد إلى أوصاف نفسه ولكن يقام مقام البقاء بأوصاف الحق ) اه
وفي شعب البيهقي 5/452 : ( أخبرنا أبو محمد بن يوسف ، سمعت أبا العباس عبد العزيز بن عمر المسعودي ، بدينور ، يقول : حكي لنا عن أبي الحسين النوري ، أنه بقي في مسجد سبعة أيام ولياليها ، لا يأكل ، ولا يشرب ، ولا ينام ، يجيء من أول المسجد إلى آخره ، فأبلغ ذلك الجنيد ، وابن عطاء ، والشبلي ، فجاءوا فوقفوا عليه ، فقيل له : هذا الجنيد وابن عطاء والشبلي ، ففتح عينيه فنظر إليهم ، فقال له الجنيد : ما أدري دهاك ما أنت فيه ، أخبرنا ، فقال النوري : أنا أقول : الله ، تزيدوا على قول الله ؟ ، فقال الشبلي : إن كنت تقول : ( الله بالله ) فالمنة لله فيما تقول ، وإن كنت تقول : الله بك ، فليس لك من الله شيء ، قال : فسجد ، فقال : أنا تائب ، أنا تائب ، أنا تائب ، فقال الجنيد : إن سيوف الشبلي تقطر دما ) اه
- الإمام الشبلي :
في طبقات المناوي 1/560 في ترجمة الشبلي ونحوه في مفتاح الفلاح لابن عطاء الله ص 37 : ( قال له رجل : لم تقول : الله , ولا تقول : لا إله إلا الله ؟ فقال : أستحي من ذكر كلمة النفي في حضرته
قال له : أريد أعلى قال : لا أبغي به ضدا
قال : أريد أعلى قال : أخشى أن أوجد في وحشة الجحد , وفي رواية : أخاف أن أموت عند الإنكار فلا أصل إلى القرار
قال : أريد أعلى قال : قال الله تعالى : ( قل الله ثم ذرهم ... )
فصعق الرجل ففارقته روحه فتعلقت أولياؤه بالشبلي وادعوا عليه بثأره فخرجت الرسل من الخليفة فسأله عن الجواب ؟ فقال : روح حنت فرنت فدُعيت فأجابت فما ذنب الشبلي فصاح الخليفة : خلوه فلا ذنب له ) اه
ومعنى قوله : ولا تقول : لا إله إلا الله أي لمَ تذكر الله بقولك : ( الله الله ) ولا تذكره بقولك : ( لا إله إلا الله ) ؟ وذلك في نهايته , فكان جوابه تلك الأوجه المذكورة , وهذه الأمر واضح وإنما نبهنا عليه كي لا يتوهم متوهم أن الشبلي لا يقول : لا إله إلا الله
-الإمام الجنيد :
قال الجنيد : ( ذاكر هذا الاسم ( الله) ذاهب عن نفسه، متصل بربه، قائم بأداء حقه، ناظرٌ إليه بقلبه، قد أحرقت أنوار الشهود صفات بشريته ) اه نور التحقيق لحامد صقر ص174
-الإمام أبو الوقت السجزي :
في سير النبلاء 20/309 وتاريخ الإسلام للذهبي 8/365 في ترجمة أبى الوقت السجزي : ( فرفع طرفه إليه وتلا ( يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ) فدهش إليه هو ومن حضر من الأصحاب ولم يزل يقرأ حتى ختم السورة وقال ( الله الله الله ) وتوفي وهو جالس على السجادة ) اه
-الإمام الزبيدي صاحب الجمع بين الصحيحين :
في سير النبلاء 20/318 وفي تاريخ الإسلام للذهبي 8/377 : في ترجمة الزبيدي : ( قال ابن عساكر : قال ولده إسماعيل كان أبي في كل يوم وليلة من أيام مرضه يقول : ( الله الله ) نحوا من خمسة عشر ألف مرة فما زال يقولها حتى طفئ ) اه
-الإمام ابن المظفر :
في تاريخ الإسلام للذهبي 9/43 : ( محمّد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفّر ابن رئيس الرؤساء أبي القاسم ... وخرج من بيته حاجّاً في رابع ذي القعدة، فضربه واحد من الباطنيّة أربع ضربات على باب قطُفتا، فحمل إلى دار هناك، فلم يتكلّم، إلاّ أنّه كان يقول : ( الله الله ) وقال: ادفنوني عند أبي , ثم مات بعد الظّهر، رحمه الله تعالى.) اه
-الإمام الجريري :
في رسالة القشيري ص 217: ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يقول سمعت الحسين بن يحي يقول سمعت جعفر بن نصير يقول سمعت الجريري يقول : كان بين أصحابنا رجل يكثر من أن يقول : ( الله الله ) فوقع يوما على رأسه جذع فانشج رأسه ووقع الدم فكتب على الأرض : الله الله ) اه
-الإمام صدر الدين القونوي :
وفي تفسير إسماعيل حقي روح البيان 4/334 : ( قال الشيخ الكبير صدر الدين القونوي قدس سره : أكده بالتكرار ولا شك أن لا يذكر الله ذكرا حقيقيا وخصوصا بهذا الاسم الأعظم الجامع المنعوت بجميع الأسماء إلا الذي يعرف الحق بالمعرفة التامة وأتم الخلق معرفة بالله في كل عصر ) اه
-حجة الإسلام الغزالي :
في الإحياء 3/77 : ( وعند ذلك يلقنه ذكرا من الأذكار حتى يشغل به لسانه وقلبه فيجلس ويقول مثلا ( الله الله ) أو سبحان الله سبحان الله أو ما يراه الشيخ من الكلمات
فلا يزال يواظب عليه حتى تسقط حركة اللسان وتكون الكلمة كأنها جارية على اللسان من غير تحريك ثم لا يزال يواظب عليه حتى يسقط الأثر عن اللسان وتبقي صورة اللفظ في القلب ثم لا يزال كذلك حتى يمحى عن القلب حروف اللفظ وصورته وتبقى حقيقة معناه لازمة للقلب حاضرة معه غالبة عليه قد فرغ عن كل ما سواه ) اه
-الإمام عبد القادر الجيلاني والدمياطي :
في حاشية إعانة الطالبين للدمياطي 1/10 : ( قال سيدي عبد القادر الجيلاني : الله هو الاسم الأعظم وإنما يستجاب لك إذا قلت : ( الله ) وليس في قلبك غيره .
ولهذا الاسم خواص وعجائب منها أن من داوم عليه في خلوة مجردا بأن يقول ( الله الله ) حتى يغلب عليه منه حال شاهد عجائب الملكوت ... ) اه
-الإمام الرازي :
قال الرازي في تفسيره 1/155 : ( أما قوله : ( الله ) فاعلموا أيها الناس أني أقول طول حياتي ( الله ) , فإذا مت أقول ( الله ) ، وإذا سئلت في القبر أقول ( الله ) ، وإذا جئت يوم القيامة أقول ( الله ) ، وأذا أخذت الكتاب أقول ( الله ) , وإذا وزنت أعمالي أقول الله ، وإذا جزت الصراط أقول ( الله ) ، وإذا دخلت الجنة أقول ( الله ) ، وإذا رأيت الله قلت ( الله ) اه
وقال الرازي في كتابه عجائب القرآن ص 137 في مسألة الذكر بالاسم المفرد ما ملخصه : ( اختلف المحققون في ذلك :
- فقال الأكثر : يكون الابتداء ب ( لا إله إلا الله ) والانتهاء ب ( الله الله )
- ومنهم من واظب في الابتداء والانتهاء على ( لا إله إلا الله ) وحجتهم أن القلب مشحون بغير الله فلا بد من النفي لغير الله
- وأما الآخرون فلهم وجوه :
1- أن نفي الغير عدم لأن النفي عدم
2- أن الذاكر حين ينطق بالنفي لعله لا يمهل ليصل إلى الإثبات فيبقى في النفي والجحود والنفي هنا إنما أريد لأجل الإثبات
3- أن في المواظبة على ذلك تعظيم لله لأن الاشتغال بنفي الأغيار دليل على شغل القلب بالأغيار أما من اشتغل بالاسم المفرد فهو مشتغل بالله وحده فأين أحدهما من الآخر
4- أن نفي الشيء إنما يحتاج إليه عند خطور ذلك الشيء بالبال وذلك يكون عند نقص الحال أما الكاملون فلا يخطر ببالهم الشريك فلم يكلفوا بنفيه ولا يخطر ببالهم إلا الله فلا جرم يكفيهم أن يقولوا : ( الله الله )
5- قوله تعالى ( قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) فأمره بذكر الله ومنعه من الخوض معهم باللعب ) اه كلام الرازي بتصرف
-الإمام أحمد الرفاعي :
في البرهان المؤيد ص 64 : (... ترى أن أحدهم كالغائب على حال الحاضر كالحاضر على حال الغائب يهتزون اهتزاز الأغصان التي تحركت بالوارد لا بنفسها يقولون : ( لا إله إلا الله ) ولا تشتغل قلوبهم بسواه يقولون : ( الله ) ولا يعبدون إلا إياه يقولون : ( هو ) وبه لا بغيره يتباهون إذا غناهم الحادي يسمعون منه التذكار فتعلوا همتهم في الأذكار ) اه
-الإمام أبو العباس المرسي:
قال أبو العباس المرسي : ( ليكن ذكرك ( الله، الله ) فإن هذا الاسم سلطان الأسماء، وله بساط وثمرة، فبساطه العلم، وثمرته النور، فينبغي الإكثار من ذكره ، لتضمنه جميع ما في لا اله إلا الله من العقائد والعلوم والآداب والحقائق... إلخ) اه نور التحقيق لحامد صقر ص 174
سئل ) : عن قول الشيخ العيدروس السيد العارف بالله تعالى عبد الله قدس الله روحه وسره في كتابه الكبريت الأحمر : أجمع العارفون على أن أفضل العبادات مع الله الأنفاس أعني أن يكون خروجها ودخولها بذكر الجلالة ولو قولك : ( الله الله ) أو ذكر لا إله إلا الله وهو الذكر الخفي الذي لم تتحرك به الشفتان أعني أفضل العبادات حفظ الأنفاس كونها الأنفاس الهوائية الجسمانية يكون دخولها وخروجها على أفضل الرضا والذكر ; لأنها جواهر الأعمار المثمرات للأسرار والأنوار وهذا معدود من المقامات . ا هـ كلامه .
لا قوة إلا بالله لم يضره شيء ) اه
تعليق