تصوير *
التّعريف :
1 - التّصوير لغة : صنع الصّورة . وصورة الشّيء هي هيئته الخاصّة الّتي يتميّز بها عن غيره . وفي أسمائه تعالى :" المصوِّر "، ومعناه : الّذي صوّر جميع الموجودات ورتّبها ، فأعطى كلّ شيء منها صورته الخاصّة وهيئته المفردة ، على اختلافها وكثرتها .
وورد في حديث ابن عمر تسمية الوجه صورة ، قال رضي الله عنه : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن تضرب الصّورة ، أو نهى عن الوسم في الوجه » أي : أن يضرب الوجه أو يوسم الحيوان في وجهه . والتّصوير أيضاً : ذكر صورة الشّيء ، أي : صفته ، يقال : صوّرت لفلان الأمر ، أي : وصفته له . والتّصوير أيضاً : صنع الصّورة الّتي هي تمثال الشّيء ، أي : ما يماثل الشّيء ويحكي هيئته الّتي هو عليها ، سواء أكانت الصّورة مجسّمة أو غير مجسّمة ، أو كما يعبّر بعض الفقهاء : ذات ظلّ أو غير ذات ظلّ .
والمراد بالصّورة المجسّمة أو ذات الظّلّ ما كانت ذات ثلاثة أبعاد ، أي لها حجم ، بحيث تكون أعضاؤها نافرة يمكن أن تتميّز باللّمس ، بالإضافة إلى تميّزها بالنّظر .
وأمّا غير المجسّمة ، أو الّتي ليس لها ظلّ ، فهي المسطّحة ، أو ذات البعدين ، وتتميّز أعضاؤها بالنّظر فقط ، دون اللّمس ، لأنّها ليست نافرة ، كالصّور الّتي على الورق ، أو القماش ، أو السّطوح الملساء .
والتّصوير والصّورة في اصطلاح الفقهاء يجري على ما جرى عليه في اللّغة .
وقد تسمّى الصّورة تصويرة ، وجمعها تصاوير ، وقد ورد من ذلك في السّنّة حديث عائشة رضي الله عنها في شأن السّتر قوله صلى الله عليه وسلم : « أميطي عنّا قرامك هذا ، فإنّه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي » .
أنواع الصّور :
2 - إنّ الصّورة - بالإضافة إلى ما ذكرناه من الصّور الثّابتة - قد تكون صورة مؤقّتة كصورة الشّيء في المرآة ، وصورته في الماء والسّطوح اللامعة ، فإنّها تدوم ما دام الشّيء مقابلاً للسّطح ، فإن انتقل الشّيء عن المقابلة انتهت صورته .
ومن الصّور غير الدّائمة : ظلّ الشّيء إذا قابل أحد مصادر الضّوء . ومنه ما كانوا يستعملونه في بعض العصور الإسلاميّة ، ويسمّونه : صور الخيال ، أو صور خيال الظّلّ . فإنّهم كانوا يقطعون من الورق صوراً للأشخاص ، ثمّ يمسكونها بعصيّ صغيرة ، ويحرّكونها أمام السّراج ، فتنطبع ظلالها على شاشة بيضاء يقف خلفها المتفرّجون ، فيرون ما هو في الحقيقة صورة الصّورة . ومن الصّور غير الدّائمة : الصّور التّليفزيونيّة ، فإنّها تدوم ما دام الشّريط متحرّكاً فإذا وقف انتهت الصّورة .
3 - ثمّ إنّ الصّورة قد تكون لشيء حيّ عاقل ذي روح ، كصورة الإنسان .
أو غير عاقل ، كصورة الطّائر أو الأسد . أو لحيّ غير الحيوان كصور الأشجار والزّهور والأعشاب . أو للجمادات كصور الشّمس والقمر والنّجوم والجبال ، أو صور المصنوعات الإنسانيّة كصورة منزل أو سيّارة أو منارة أو سفينة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّماثيل :
4 - التّماثيل جمع تمثال " بكسر التّاء " وتمثال الشّيء : صورته في شيء آخر . وهو من المماثلة ، وهي المساواة بين الشّيئين . والتّمثيل : التّصوير . يقال : مثّل له الشّيء إذا صوّره له كأنّه ينظر إليه ، ومثّلت له كذا : إذا صوّرت له مثاله بكتابة أو غيرها ، وفي الحديث : « أشدّ النّاس عذاباً ممثّل من الممثّلين » أي مصوّر . وظلّ كلّ شيء تمثاله . فالفرق بين التّمثال وبين الصّورة : أنّ صورة الشّيء قد يراد بها الشّيء نفسه ، وقد يراد به غيره ممّا يحكي هيئة الأصل ، أمّا التّمثال فهو الصّورة الّتي تحكي الشّيء وتماثله ، ولا يقال لصورة الشّيء في نفسه : إنّها تمثاله .
5 - وممّا يبيّن أنّ التّمثال أيضاً في اللّغة يستعمل لصور الجمادات ما ورد في صحيح البخاريّ أنّ المسيح الدّجّال يأتي ومعه تمثال الجنّة والنّار .
أمّا في عرف الفقهاء ، فإنّه باستقراء كلامهم تبيّن أنّ أكثرهم لا يفرّقون في الاستعمال بين لفظي ( الصّورة ) ( والتّمثال ) ، إلا أنّ بعضهم خصّ التّمثال بصورة ما كان ذا روح ، أي صورة الإنسان أو الحيوان ، سواء أكان مجسّماً أو مسطّحاً ، دون صورة شمس أو قمر أو بيت ، وأمّا الصّورة فهي أعمّ من ذلك . نقله ابن عابدين عن المغرب .
وهذا البحث جار على الاصطلاح الأغلب عند الفقهاء ، وهو أنّ الصّورة الّتي تحكي الشّيء ، والتّمثال بمعنى واحد .
ب - الرّسم :
6 - الرّسم في اللّغة : أثر الشّيء . وقيل : بقيّة الأثر . وأثر الشّيء قد يشاكله في الهيئة . ومن هنا سمّوا " الرّوسم " ، وهو الخشبة الّتي فيها نقوش يختم بها الأشياء المراد بقاؤها مخفاة ، لئلا تستعمل . وقال ابن سيده : " الرّوسم الطّابع " . ومنه " المرسوم " لأنّه يختم بخاتم . والرّسم في الاستعمال المعاصر بمعنى : الصّورة المسطّحة ، أو التّصوير المسطّح ، إذا كان معمولا باليد . ولا تسمّى الصّورة الفوتوغرافيّة رسما . بل يقال : رسمت دارا ، أو إنسانا ، أو شجرة .
ج - التّزويق ، والنّقش ، والوشي ، والرّقم :
7 - هذه الكلمات الأربع تكاد تكون بمعنى واحد ، وهو تجميل الشّيء المسطّح أو غير المسطّح بإضافة أشكال تجميليّة إليه ، سواء أكانت أشكالا هندسيّة أو نمنمات أو صورا أو غير ذلك . قال صاحب اللّسان : ثوب منمنم أي : موقوم موشّى ، وقال : النّقش : النّمنمة . فكلّ منها يكون بالصّور أو بغيرها .
د - النّحت :
8 - النّحت : الأخذ من كتلة صلبة كالحجر أو الخشب بأداة حادّة كالإزميل أو السّكّين ، حتّى يكون ما يبقى منها على الشّكل المطلوب ، فإن كان ما بقي يمثّل شيئا آخر فهو تمثال أو صورة ، وإلا فلا .
ترتيب هذا البحث :
9 - يحتوي هذا البحث على ما يلي :
أوّلاً : ما يتعلّق من الأحكام بالصّورة الإنسانيّة .
ثانياً : أحكام التّصوير ، أي : صناعة الصّور .
ثالثاً : أحكام اقتناء الصّور ، أي : اتّخاذها واستعمالها .
رابعاً : أحكام الصّور من حيث التّعامل والتّعرّف فيها .
القسم الأوّل : ما يتعلّق من الأحكام بالصّورة الإنسانيّة :
10 - ينبغي للإنسان أن يعتني بتجميل صورته الظّاهرة ، بالإضافة إلى اعتنائه بتكميل صورته الباطنة ، ويقوم بحقّ اللّه تعالى بشكره على أنّه جمّل صورته .
والعناية بالصّورة الباطنة تكون بالإيمان والتّطهّر من الذّنوب والشّكر للّه ، والتّجمّل بالأخلاق الحميدة .
والعناية بالصّورة الظّاهرة تكون بالتّطهّر بالوضوء والاغتسال والتّنظّف وإزالة التّفث ، والتّزيّن بالزّينة المشروعة من العناية بالشّعر والملابس الحسنة وغير ذلك ، ( ر : زينة ) .
11 - ولا يحلّ للإنسان أن يشوّه جسمه بإتلاف عضو من أعضائه ، أو إخراجه عن وضعه الّذي خلقه اللّه عليه . كما لا يحلّ له أن يفعل ذلك بغيره ، إلا حيث أذن اللّه تعالى بذلك وقد « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن النُهْبى والمثلة » . ( ر : مثلة ) . كما لا يحلّ له أن يقصد تشويه نفسه بلبس ما ينفر النّاس منه ويخرجه عن المعتاد ( ر : ألبسة ) .
ومن ذلك أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى أن يمشي الرّجل في نعل واحدة » أي : في إحدى قدميه دون الأخرى . وشرع للمسلم أن يتطيّب ويتعطّر . وللمرأة زينتها الخاصّة . وراجع مباحث ( اكتحال . اختضاب . حليّ ، إلخ ) .
12 - أمّا الزّينة الباطنة ، فقد قال ابن القيّم : الجمال الباطن هو محلّ نظر اللّه من عبده وموضع محبّته ، كما في الحديث : « إنّ اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » . وهذا الجمال الباطن يزيّن الصّورة الظّاهرة وإن لم تكن ذات جمال ، فتكسو صاحبها من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتسبت روحه من تلك الصّفات . فإنّ المؤمن يعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه ، فمن رآه هابه ، ومن خالطه أحبّه ، وهذا أمر مشهود بالعيان . فإنّك ترى الرّجل الصّالح ذا الأخلاق الجميلة من أحلى النّاس صورة ، وإن كان غير جميل ، ولا سيّما إذا رزق حظّا من صلاة اللّيل ، فإنّها تنوّر الوجه .
قال : وأمّا الجمال الظّاهر فزينة خصّ اللّه بها بعض الصّور عن بعض ، وهي من زيادة الخلق الّتي قال اللّه فيها : { يَزِيدُ في الخَلْقِ مَا يَشَاءُ } قال المفسّرون : هو الصّوت الحسن والصّورة الحسنة . والقلوب مطبوعة على محبّته ، كما هي مفطورة على استحسانه .
قال : وكلّ من الجمال الظّاهر والجمال الباطن نعمة من اللّه تعالى توجب على العبد شكراً بالتّقوى والصّيانة ، وبهما يزداد جمالاً على جماله .
وإن استعمل جماله في معاصي اللّه قلب اللّه محاسنه شينا وقبحا . وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو النّاس إلى جمال الباطن بجمال الظّاهر ، « قال جرير بن عبد اللّه البجليّ رضي الله عنه : قال لي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أنت امرؤ حسّن اللّه خَلْقَك ، فحسِّنْ خُلُقَكَ » . « وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم أجمل الخلق وأحسنهم وجهاً » . « وقد سئل البراء بن عازب : أكان وجه النّبيّ صلى الله عليه وسلم مثل السّيف ؟ فقال : لا ، بل مثل القمر » . وكان صلى الله عليه وسلم يستحبّ أن يكون الرّسول الّذي يرسل إليه حسن الوجه حسن الاسم ، فكان يقول : « إذا أَبْرَدْتُم إليّ بَرِيداً فاجعلوه حسنَ الوجه حسنَ الاسم » وقد أمتع اللّه عباده المؤمنين في دار كرامته بحسن الصّور ، كما في الحديث « أوّل زُمْرة تدخل الجنّةَ على صورةِ القمر ليلةَ البدر ، والّذين على أثرهم كأشدِّ كوكبٍ إضاءةً ، قلوبُهم على قلبِ رجل واحد ، يسبّحون اللّه بُكرة وعشيّة . صورهم على صورة القمر ليلة البدر ».
القسم الثّاني : حكم التّصوير " صناعة الصّور "
أ - تحسين صورة الشّيء المصنوع :
13 - يستحسن للصّانع إذا صنع شيئا أن يحسّن صورة ذلك الشّيء ، إذ إنّ ذلك من إتقان العمل وإحسانه . وقد مدح اللّه تعالى نفسه بقوله : { ذَلكَ عَالِمُ الغَيبِ والشَّهَادةِ العَزيزُ الرَّحيمُ الّذي أَحْسنَ كلَّ شَيءٍ خَلَقَه وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسانِ منْ طِينٍ } وقال : { خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأَحْسَنَ صُوَرَكم وإليه المَصِيرُ } وفي الحديث عن النّبيّ أنّه قال : « إنّ اللّه يُحِبُّ إذا عَمِلَ أحدُكم عملاً أنْ يُتقنه » وقال : « إنّ اللّه كَتَبَ الإحسانَ على كلّ شيء ، فإذا قتلتم فأَحسِنُوا القِتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة . . . الحديث » .
ب - تصوير المصنوعات :
14 - لا بأس بتصوير الأشياء الّتي يصنعها البشر ، كصورة المنزل والسّيّارة والسّفينة والمسجد وغير ذلك اتّفاقا ، لأنّ للإنسان أن يصنعها ، فكذلك له أن يصوّرها .
ج - صناعة تصاوير الجمادات المخلوقة :
15 - لا بأس بتصوير الجمادات الّتي خلقها اللّه تعالى - على ما خلقها عليه - كتصوير الجبال والأودية والبحار ، وتصوير الشّمس والقمر والسّماء والنّجوم ، دون اختلاف بين أحد من أهل العلم ، إلّا من شذّ . غير أنّ ذلك لا يعني جواز صناعة شيء منها إذا علم أنّ الشّخص المصنوعة له يعبد تلك الصّورة من دون اللّه ، وذلك كعبّاد الشّمس أو النّجوم . أشار إلى ذلك ابن عابدين . ويستدلّ لحكم هذه المسألة وأنّ ذلك ليس بداخل في التّصوير المنهيّ عنه بما يأتي في المسألة التّالية وما بعدها .
وقد نقل ابن حجر في الفتح عن أبي محمّد الجوينيّ أنّه نقل وجهاً بمنع تصوير الشّمس والقمر ، لأنّ من الكفّار من عبدهما من دون اللّه ، فيمتنع تصويرهما لذلك .
ووجّهه ابن حجر بعموم قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الّذين يضاهون بخلق اللّه » وقوله في الحديث القدسيّ : « ومن أظلم ممّن ذهب يخلُق خلقاً كخلقي » فإنّه يتناول ما فيه روح وما لا روح فيه . غير أنّ هذا مُؤوَّل وخاصّ بما فيه روح كما يأتي .
د - تصوير النّباتات والأشجار :
16 - جمهور الفقهاء على أنّه لا بأس شرعاً بتصوير الأعشاب والأشجار والثّمار وسائر المخلوقات النّباتيّة ، وسواء أكانت مثمرة أم لا ، وأنّ ذلك لا يدخل فيما نهي عنه من التّصاوير . ولم ينقل في ذلك خلاف ، إلا ما روي عن مجاهد أنّه رأى تحريم تصوير الشّجر المثمر دون الشّجر غير المثمر . قال عياض : هذا لم يقله أحد غير مجاهد .
قال ابن حجر : وأظنّ مجاهداً سمع حديث أبي هريرة ، ففيه : « فَلْيَخْلقوا ذرّة ، وليخلقوا شعيرة » فإنّ في ذكر الذّرّة إشارة إلى ما فيه روح ، وفي ذكر الشّعيرة إشارة إلى ما ينبت ممّا يؤكل ، وأمّا ما لا روح فيه ولا يثمر فلم تقع الإشارة إليه .
وكراهة تصوير النّباتات والأشجار وجه في مذهب أحمد ، والمذهب على خلافه .
وقد احتجّ الجمهور بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من صوّر صورة في الدّنيا كلّف أن ينفخ فيها الرّوح ، وليس بنافخ » فخصّ النّهي بذوات الأرواح وليس الشّجر منها ، وبحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه نهى المصوّر عن التّصوير ، ثمّ قال له : " إن كنت فاعلاً فصوّر الشّجر وما لا روح فيه "قال الطّحاويّ : ولأنّ صورة الحيوان لمّا أبيحت بعد قطع رأسها - لأنّها لا تعيش بدونه - دلّ ذلك على إباحة تصوير ما لا روح فيه أصلاً .
بل إنّ في بعض روايات حديث عائشة رضي الله عنها « أنّ جبريل عليه السلام قال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم مر برأس التّمثال فليقطع حتّى يكون كهيئة الشّجرة » فهذا تنبيه على أنّ الشّجرة في الأصل لا يتعلّق النّهي بتصويرها .
هذا ما يذكره الفقهاء في الاستدلال على أنّه لا يحرم تصوير الشّجر والنّبات وما لا روح فيه
وفي مسند أحمد من حديث عليّ رضي الله عنه « أنّ جبريل قال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم إنّها ثلاث، لن يلج عليك مَلَكٌ ما دام فيها واحد منها : كلب ، أو جنابة ، أو صورة روح » .
هـ تصوير صورة الحيوان أو الإنسان :
17 هذا النّوع من التّصوير فيه اختلاف بين الفقهاء وتفصيل يتبيّن فيما يلي ، وإلى هذا النّوع خاصّة ينصرف قول من يطلق تحريم التّصوير ، دون غيره من الأنواع المتقدّم ذكرها.
التّصوير في الدّيانات السّابقة :
18 - قال مجاهد قوله تعالى في حقّ سليمان عليه السلام وطاعة الجنّ له : { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالجَوَابِ } قال : كانت صوراً من نحاس . أخرجه الطّبريّ . وقال قتادة : كانت من الزّجاج والخشب أخرجه عبد الرّزّاق .
قال ابن حجر : كان ذلك جائزاً في شريعتهم ، وكانوا يعملون أشكال الأنبياء والصّالحين منهم على هيئتهم في العبادة ليتعبّدوا كعبادتهم . وقال أبو العالية : لم يكن ذلك في شريعتهم حراماً . وقال مثل ذلك الجصّاص .
قال ابن حجر : ولكن ثبت في الصّحيحين « أنّ أمّ حبيبة وأمّ سلمة رضي الله عنهما ذكرتا للنّبيّ صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها بأرض الحبشة ، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم أولئك قوم كانوا إذا مات فيهم الرّجل الصّالح بنوا على قبره مسجدا ، وصوّروا فيه تلك الصّور . أولئك شرار الخلق عند اللّه » .
قال : فإنّ ذلك يشعر بأنّه لو كان جائزاً في شريعتهم ما أطلق على الّذي فعله أنّه شرّ الخلق ، هكذا قال . لكنّ الأظهر أنّه ذمّهم لبناء المساجد على القبور ، ولجعلهم الصّور في المساجد ، لا لمطلق التّصوير ، ليوافق الآية ، واللّه أعلم .
تصوير صورة الإنسان والحيوان في الشّريعة الإسلاميّة :
19 - اختلف العلماء في حكم تصوير ذوات الأرواح من الإنسان أو الحيوان على ثلاثة أقوال :
20 - القول الأوّل : إنّ ذلك غير حرام . ولا يحرم منه إلا أن يصنع صنماً يعبد من دون اللّه تعالى ، لقوله تعالى : { قال أَتَعْبُدونَ ما تَنْحِتُونَ واللّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلونَ } ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه ورسولَه حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » .
- واحتجّ القائلون بالإباحة بقوله تعالى في حقّ سليمان عليه السلام : { يَعْمَلونَ له مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } .
قالوا : وشرع من قبلنا شرع لنا لقوله تعالى : { أولئك الّذين هدى اللّه فبهداهم اقتده } .
واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حقّ المصوّرين « الّذين يضاهون بخلق اللّه » وفي بعض الرّوايات « الّذين يشبّهون بخلق اللّه » وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه تبارك وتعالى : « ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا حبّة ، أو ليخلقوا ذرّة » قالوا : ولو كان هذا على ظاهره لاقتضى تحريم تصوير الشّجر والجبال والشّمس والقمر ، مع أنّ ذلك لا يحرم بالاتّفاق ، فتعيّن حمله على من قصد أن يتحدّى صنعة الخالق عزّ وجلّ ويفتري عليه بأنّه يخلق مثل خلقه .
21 - واستدلّوا بقوله صلى الله عليه وسلم في حقّ المصوّرين « إنّ أشدّ النّاس عذاباً عند اللّه يوم القيامة المصوّرون » قالوا : لو حمل على التّصوير المعتاد لكان ذلك مشكلاً على قواعد الشّريعة . فإنّ أشدّ ما فيه أن يكون معصية كسائر المعاصي ليس أعظم من الشّرك وقتل النّفس والزّنا ، فكيف يكون فاعله أشدّ النّاس عذاباً ، فتعيّن حمله على من صنع التّماثيل لتعبد من دون اللّه .
- واحتجّوا أيضاً بما يأتي من استعمال الصّور في بيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبيوت أصحابه ، ومن جملة ذلك تعاملهم بالدّنانير الرّوميّة والدّراهم الفارسيّة دون نكير ، وبالأحوال الفرديّة للاستعمال الواقع منهم ممّا يرد ذكره في تضاعيف هذا البحث ، دون تأويل . وقد نقل الألوسيّ هذا القول في تفسيره عند تفسير الآية " 13 " من سورة سبأ ، حيث ذكر أنّ النّحّاس ومكّيّ بن أبي طالب وابن الفرس نقلوه عن قوم ولم يعيّنهم .
من أجل ذلك فإنّ هذا القول يغفل ذكره الفقهاء في كتبهم المطوّلة والمختصرة ، ويقتصرون في ذكر الخلاف على الأقوال الآتية :
22 - القول الثّاني : وهو مذهب المالكيّة وبعض السّلف ، ووافقهم ابن حمدان من الحنابلة ، أنّه لا يحرم من التّصاوير إلا ما جمع الشّروط الآتية :
الشّرط الأوّل : أن تكون صورة الإنسان أو الحيوان ممّا له ظلّ ، أي تكون تمثالاً مجسّداً ، فإن كانت مسطّحة لم يحرم عملها ، وذلك كالمنقوش في جدار ، أو ورق ، أو قماش .
بل يكون مكروهاً . ومن هنا نقل ابن العربيّ الإجماع على أنّ تصوير ما له ظلّ حرام .
الشّرط الثّاني : أن تكون كاملة الأعضاء ، فإن كانت ناقصة عضو ممّا لا يعيش الحيوان مع فقده لم يحرم ، كما لو صوّر الحيوان مقطوع الرّأس أو مخروق البطن أو الصّدر .
الشّرط الثّالث : أن يصنع الصّورة ممّا يدوم من الحديد أو النّحاس أو الحجارة أو الخشب أو نحو ذلك ، فإن صنعها ممّا لا يدوم كقشر بطّيخ أو عجين لم يحرم ، لأنّه إذا نشف تقطّع . على أنّ في هذا النّوع عندهم خلافاً ، فقد قال الأكثر منهم : يحرم ولو كان ممّا لا يدوم . ونقل قصر التّحريم على ذوات الظّلّ عن بعض السّلف أيضاً كما ذكره النّوويّ .
وقال ابن حمدان من الحنابلة : المراد بالصّورة أي : المحرّمة ما كان لها جسم مصنوع له طول وعرض وعمق .
23 - القول الثّالث : أنّه يحرم تصوير ذوات الأرواح مطلقاً ، أي سواء أكان للصّورة ظلّ أو لم يكن . وهو مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
وتشدّد النّوويّ حتّى ادّعى الإجماع عليه . وفي دعوى الإجماع نظر يعلم ممّا يأتي .
وقد شكّك في صحّة الإجماع ابن نجيم كما في الطّحطاويّ على الدّرّ ، وهو ظاهر ، لما تقدّم من أنّ المالكيّة لا يرون تحريم الصّور المسطّحة . لا يختلف المذهب عندهم في ذلك .
وهذا التّحريم عند الجمهور هو من حيث الجملة .
ويستثنى عندهم بعض الحالات المتّفق عليها أو المختلف فيها ممّا سيذكر فيما بعد .
- والتّصوير المحرّم صرّح الحنابلة بأنّه من الكبائر . قالوا : لما في الحديث من التّوعّد عليه بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « إنّ أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة المصوّرون » . أدلّة القولين الثّاني والثّالث بتحريم التّصوير من حيث الجملة :
24 - استند العلماء في تحريم التّصوير من حيث الجملة إلى الأحاديث التّالية :
الحديث الأوّل : عن عائشة رضي الله عنها قالت : « قدم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من سفر ، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل ، فلمّا رآه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هتكه ، وتلوّن وجهه . فقال : يا عائشة : أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة الّذين يضاهون بخلق اللّه . قالت عائشة : فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين » . وفي رواية أنّه قال : « إنّ من أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة الّذين يشبّهون بخلق اللّه » . وفي رواية أخرى قال : « إنّ أصحاب هذه الصّور يعذّبون يوم القيامة ، ويقال لهم : أحيوا ما خلقتم ». وفي رواية : « إنّها قالت : فأخذت السّتر فجعلته مرفقة أو مرفقتين ، فكان يرتفق بهما في البيت » . وهذه الرّوايات متّفق عليها .
هذا وإنّ قوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون » رواه الشّيخان أيضا مرفوعاً من حديث ابن مسعود رضي الله عنه .
وقوله : « إنّ أصحاب هذه الصّور يعذّبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم » روياه أيضاً من حديث عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما .
الحديث الثّاني : عن عائشة رضي الله عنها قالت : « واعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جبريل أن يأتيه في ساعة ، فجاءت تلك السّاعة ولم يأته . قالت : وكان بيده عصاً فطرحها ، وهو يقول : ما يخلف اللّه وعده ولا رسله . ثمّ التفت ، فإذا جرو كلب تحت سرير ، فقال : متى دخل هذا الكلب ؟ فقلت : واللّه ما دريت به . فأمر به فأخرج ، فجاءه جبريل ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : وعدتني فجلست لك ولم تأتني ؟ فقال : منعني الكلب الّذي كان في بيتك . إنّا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة » .
وروت ميمونة رضي الله عنها حادثة مثل هذه ، وفيها قول جبريل : « إنّا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة » . وروى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخبره بحادثة جبريل ، وما قال له . وروى القصّة أيضاً أبو هريرة رضي الله عنه . الحديث الثّالث : عن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّه دخل داراً تبنى بالمدينة لسعيد ، أو لمروان ، فرأى مصوّراً يصوّر في الدّار ، فقال سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : قال اللّه تعالى : ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقاً كخلقي ، فليخلقوا ذرّة ، أو ليخلقوا حبّة ، أو ليخلقوا شعيرة » .
الحديث الرّابع : عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه جاءه رجل فقال : إنّي رجل أصوّر هذه الصّور فأفتني فيها . فقال : ادن منّي ، فدنا منه ، ثمّ قال : ادن منّي ، فدنا منه ، حتّى وضع يده على رأسه ، وقال : أنبّئك بما سمعت من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « كلّ مصوّر في النّار ، يجعل له بكلّ صورة صوّرها نفساً ، فيعذّبه في جهنّم » ثمّ قال : إن كنت لا بدّ فاعلاً فاصنع الشّجر وما لا نفس له .
الحديث الخامس : عن أبي الهيّاج الأسديّ أنّ عليّا رضي الله عنه قال له : « ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ألا تدع صورة إلا طمستها ، ولا قبراً مشرفا إلا سوّيته » .
تعليل تحريم التّصوير :
يتبع ..............................
التّعريف :
1 - التّصوير لغة : صنع الصّورة . وصورة الشّيء هي هيئته الخاصّة الّتي يتميّز بها عن غيره . وفي أسمائه تعالى :" المصوِّر "، ومعناه : الّذي صوّر جميع الموجودات ورتّبها ، فأعطى كلّ شيء منها صورته الخاصّة وهيئته المفردة ، على اختلافها وكثرتها .
وورد في حديث ابن عمر تسمية الوجه صورة ، قال رضي الله عنه : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن تضرب الصّورة ، أو نهى عن الوسم في الوجه » أي : أن يضرب الوجه أو يوسم الحيوان في وجهه . والتّصوير أيضاً : ذكر صورة الشّيء ، أي : صفته ، يقال : صوّرت لفلان الأمر ، أي : وصفته له . والتّصوير أيضاً : صنع الصّورة الّتي هي تمثال الشّيء ، أي : ما يماثل الشّيء ويحكي هيئته الّتي هو عليها ، سواء أكانت الصّورة مجسّمة أو غير مجسّمة ، أو كما يعبّر بعض الفقهاء : ذات ظلّ أو غير ذات ظلّ .
والمراد بالصّورة المجسّمة أو ذات الظّلّ ما كانت ذات ثلاثة أبعاد ، أي لها حجم ، بحيث تكون أعضاؤها نافرة يمكن أن تتميّز باللّمس ، بالإضافة إلى تميّزها بالنّظر .
وأمّا غير المجسّمة ، أو الّتي ليس لها ظلّ ، فهي المسطّحة ، أو ذات البعدين ، وتتميّز أعضاؤها بالنّظر فقط ، دون اللّمس ، لأنّها ليست نافرة ، كالصّور الّتي على الورق ، أو القماش ، أو السّطوح الملساء .
والتّصوير والصّورة في اصطلاح الفقهاء يجري على ما جرى عليه في اللّغة .
وقد تسمّى الصّورة تصويرة ، وجمعها تصاوير ، وقد ورد من ذلك في السّنّة حديث عائشة رضي الله عنها في شأن السّتر قوله صلى الله عليه وسلم : « أميطي عنّا قرامك هذا ، فإنّه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي » .
أنواع الصّور :
2 - إنّ الصّورة - بالإضافة إلى ما ذكرناه من الصّور الثّابتة - قد تكون صورة مؤقّتة كصورة الشّيء في المرآة ، وصورته في الماء والسّطوح اللامعة ، فإنّها تدوم ما دام الشّيء مقابلاً للسّطح ، فإن انتقل الشّيء عن المقابلة انتهت صورته .
ومن الصّور غير الدّائمة : ظلّ الشّيء إذا قابل أحد مصادر الضّوء . ومنه ما كانوا يستعملونه في بعض العصور الإسلاميّة ، ويسمّونه : صور الخيال ، أو صور خيال الظّلّ . فإنّهم كانوا يقطعون من الورق صوراً للأشخاص ، ثمّ يمسكونها بعصيّ صغيرة ، ويحرّكونها أمام السّراج ، فتنطبع ظلالها على شاشة بيضاء يقف خلفها المتفرّجون ، فيرون ما هو في الحقيقة صورة الصّورة . ومن الصّور غير الدّائمة : الصّور التّليفزيونيّة ، فإنّها تدوم ما دام الشّريط متحرّكاً فإذا وقف انتهت الصّورة .
3 - ثمّ إنّ الصّورة قد تكون لشيء حيّ عاقل ذي روح ، كصورة الإنسان .
أو غير عاقل ، كصورة الطّائر أو الأسد . أو لحيّ غير الحيوان كصور الأشجار والزّهور والأعشاب . أو للجمادات كصور الشّمس والقمر والنّجوم والجبال ، أو صور المصنوعات الإنسانيّة كصورة منزل أو سيّارة أو منارة أو سفينة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّماثيل :
4 - التّماثيل جمع تمثال " بكسر التّاء " وتمثال الشّيء : صورته في شيء آخر . وهو من المماثلة ، وهي المساواة بين الشّيئين . والتّمثيل : التّصوير . يقال : مثّل له الشّيء إذا صوّره له كأنّه ينظر إليه ، ومثّلت له كذا : إذا صوّرت له مثاله بكتابة أو غيرها ، وفي الحديث : « أشدّ النّاس عذاباً ممثّل من الممثّلين » أي مصوّر . وظلّ كلّ شيء تمثاله . فالفرق بين التّمثال وبين الصّورة : أنّ صورة الشّيء قد يراد بها الشّيء نفسه ، وقد يراد به غيره ممّا يحكي هيئة الأصل ، أمّا التّمثال فهو الصّورة الّتي تحكي الشّيء وتماثله ، ولا يقال لصورة الشّيء في نفسه : إنّها تمثاله .
5 - وممّا يبيّن أنّ التّمثال أيضاً في اللّغة يستعمل لصور الجمادات ما ورد في صحيح البخاريّ أنّ المسيح الدّجّال يأتي ومعه تمثال الجنّة والنّار .
أمّا في عرف الفقهاء ، فإنّه باستقراء كلامهم تبيّن أنّ أكثرهم لا يفرّقون في الاستعمال بين لفظي ( الصّورة ) ( والتّمثال ) ، إلا أنّ بعضهم خصّ التّمثال بصورة ما كان ذا روح ، أي صورة الإنسان أو الحيوان ، سواء أكان مجسّماً أو مسطّحاً ، دون صورة شمس أو قمر أو بيت ، وأمّا الصّورة فهي أعمّ من ذلك . نقله ابن عابدين عن المغرب .
وهذا البحث جار على الاصطلاح الأغلب عند الفقهاء ، وهو أنّ الصّورة الّتي تحكي الشّيء ، والتّمثال بمعنى واحد .
ب - الرّسم :
6 - الرّسم في اللّغة : أثر الشّيء . وقيل : بقيّة الأثر . وأثر الشّيء قد يشاكله في الهيئة . ومن هنا سمّوا " الرّوسم " ، وهو الخشبة الّتي فيها نقوش يختم بها الأشياء المراد بقاؤها مخفاة ، لئلا تستعمل . وقال ابن سيده : " الرّوسم الطّابع " . ومنه " المرسوم " لأنّه يختم بخاتم . والرّسم في الاستعمال المعاصر بمعنى : الصّورة المسطّحة ، أو التّصوير المسطّح ، إذا كان معمولا باليد . ولا تسمّى الصّورة الفوتوغرافيّة رسما . بل يقال : رسمت دارا ، أو إنسانا ، أو شجرة .
ج - التّزويق ، والنّقش ، والوشي ، والرّقم :
7 - هذه الكلمات الأربع تكاد تكون بمعنى واحد ، وهو تجميل الشّيء المسطّح أو غير المسطّح بإضافة أشكال تجميليّة إليه ، سواء أكانت أشكالا هندسيّة أو نمنمات أو صورا أو غير ذلك . قال صاحب اللّسان : ثوب منمنم أي : موقوم موشّى ، وقال : النّقش : النّمنمة . فكلّ منها يكون بالصّور أو بغيرها .
د - النّحت :
8 - النّحت : الأخذ من كتلة صلبة كالحجر أو الخشب بأداة حادّة كالإزميل أو السّكّين ، حتّى يكون ما يبقى منها على الشّكل المطلوب ، فإن كان ما بقي يمثّل شيئا آخر فهو تمثال أو صورة ، وإلا فلا .
ترتيب هذا البحث :
9 - يحتوي هذا البحث على ما يلي :
أوّلاً : ما يتعلّق من الأحكام بالصّورة الإنسانيّة .
ثانياً : أحكام التّصوير ، أي : صناعة الصّور .
ثالثاً : أحكام اقتناء الصّور ، أي : اتّخاذها واستعمالها .
رابعاً : أحكام الصّور من حيث التّعامل والتّعرّف فيها .
القسم الأوّل : ما يتعلّق من الأحكام بالصّورة الإنسانيّة :
10 - ينبغي للإنسان أن يعتني بتجميل صورته الظّاهرة ، بالإضافة إلى اعتنائه بتكميل صورته الباطنة ، ويقوم بحقّ اللّه تعالى بشكره على أنّه جمّل صورته .
والعناية بالصّورة الباطنة تكون بالإيمان والتّطهّر من الذّنوب والشّكر للّه ، والتّجمّل بالأخلاق الحميدة .
والعناية بالصّورة الظّاهرة تكون بالتّطهّر بالوضوء والاغتسال والتّنظّف وإزالة التّفث ، والتّزيّن بالزّينة المشروعة من العناية بالشّعر والملابس الحسنة وغير ذلك ، ( ر : زينة ) .
11 - ولا يحلّ للإنسان أن يشوّه جسمه بإتلاف عضو من أعضائه ، أو إخراجه عن وضعه الّذي خلقه اللّه عليه . كما لا يحلّ له أن يفعل ذلك بغيره ، إلا حيث أذن اللّه تعالى بذلك وقد « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن النُهْبى والمثلة » . ( ر : مثلة ) . كما لا يحلّ له أن يقصد تشويه نفسه بلبس ما ينفر النّاس منه ويخرجه عن المعتاد ( ر : ألبسة ) .
ومن ذلك أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى أن يمشي الرّجل في نعل واحدة » أي : في إحدى قدميه دون الأخرى . وشرع للمسلم أن يتطيّب ويتعطّر . وللمرأة زينتها الخاصّة . وراجع مباحث ( اكتحال . اختضاب . حليّ ، إلخ ) .
12 - أمّا الزّينة الباطنة ، فقد قال ابن القيّم : الجمال الباطن هو محلّ نظر اللّه من عبده وموضع محبّته ، كما في الحديث : « إنّ اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » . وهذا الجمال الباطن يزيّن الصّورة الظّاهرة وإن لم تكن ذات جمال ، فتكسو صاحبها من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتسبت روحه من تلك الصّفات . فإنّ المؤمن يعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه ، فمن رآه هابه ، ومن خالطه أحبّه ، وهذا أمر مشهود بالعيان . فإنّك ترى الرّجل الصّالح ذا الأخلاق الجميلة من أحلى النّاس صورة ، وإن كان غير جميل ، ولا سيّما إذا رزق حظّا من صلاة اللّيل ، فإنّها تنوّر الوجه .
قال : وأمّا الجمال الظّاهر فزينة خصّ اللّه بها بعض الصّور عن بعض ، وهي من زيادة الخلق الّتي قال اللّه فيها : { يَزِيدُ في الخَلْقِ مَا يَشَاءُ } قال المفسّرون : هو الصّوت الحسن والصّورة الحسنة . والقلوب مطبوعة على محبّته ، كما هي مفطورة على استحسانه .
قال : وكلّ من الجمال الظّاهر والجمال الباطن نعمة من اللّه تعالى توجب على العبد شكراً بالتّقوى والصّيانة ، وبهما يزداد جمالاً على جماله .
وإن استعمل جماله في معاصي اللّه قلب اللّه محاسنه شينا وقبحا . وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو النّاس إلى جمال الباطن بجمال الظّاهر ، « قال جرير بن عبد اللّه البجليّ رضي الله عنه : قال لي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أنت امرؤ حسّن اللّه خَلْقَك ، فحسِّنْ خُلُقَكَ » . « وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم أجمل الخلق وأحسنهم وجهاً » . « وقد سئل البراء بن عازب : أكان وجه النّبيّ صلى الله عليه وسلم مثل السّيف ؟ فقال : لا ، بل مثل القمر » . وكان صلى الله عليه وسلم يستحبّ أن يكون الرّسول الّذي يرسل إليه حسن الوجه حسن الاسم ، فكان يقول : « إذا أَبْرَدْتُم إليّ بَرِيداً فاجعلوه حسنَ الوجه حسنَ الاسم » وقد أمتع اللّه عباده المؤمنين في دار كرامته بحسن الصّور ، كما في الحديث « أوّل زُمْرة تدخل الجنّةَ على صورةِ القمر ليلةَ البدر ، والّذين على أثرهم كأشدِّ كوكبٍ إضاءةً ، قلوبُهم على قلبِ رجل واحد ، يسبّحون اللّه بُكرة وعشيّة . صورهم على صورة القمر ليلة البدر ».
القسم الثّاني : حكم التّصوير " صناعة الصّور "
أ - تحسين صورة الشّيء المصنوع :
13 - يستحسن للصّانع إذا صنع شيئا أن يحسّن صورة ذلك الشّيء ، إذ إنّ ذلك من إتقان العمل وإحسانه . وقد مدح اللّه تعالى نفسه بقوله : { ذَلكَ عَالِمُ الغَيبِ والشَّهَادةِ العَزيزُ الرَّحيمُ الّذي أَحْسنَ كلَّ شَيءٍ خَلَقَه وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسانِ منْ طِينٍ } وقال : { خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأَحْسَنَ صُوَرَكم وإليه المَصِيرُ } وفي الحديث عن النّبيّ أنّه قال : « إنّ اللّه يُحِبُّ إذا عَمِلَ أحدُكم عملاً أنْ يُتقنه » وقال : « إنّ اللّه كَتَبَ الإحسانَ على كلّ شيء ، فإذا قتلتم فأَحسِنُوا القِتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة . . . الحديث » .
ب - تصوير المصنوعات :
14 - لا بأس بتصوير الأشياء الّتي يصنعها البشر ، كصورة المنزل والسّيّارة والسّفينة والمسجد وغير ذلك اتّفاقا ، لأنّ للإنسان أن يصنعها ، فكذلك له أن يصوّرها .
ج - صناعة تصاوير الجمادات المخلوقة :
15 - لا بأس بتصوير الجمادات الّتي خلقها اللّه تعالى - على ما خلقها عليه - كتصوير الجبال والأودية والبحار ، وتصوير الشّمس والقمر والسّماء والنّجوم ، دون اختلاف بين أحد من أهل العلم ، إلّا من شذّ . غير أنّ ذلك لا يعني جواز صناعة شيء منها إذا علم أنّ الشّخص المصنوعة له يعبد تلك الصّورة من دون اللّه ، وذلك كعبّاد الشّمس أو النّجوم . أشار إلى ذلك ابن عابدين . ويستدلّ لحكم هذه المسألة وأنّ ذلك ليس بداخل في التّصوير المنهيّ عنه بما يأتي في المسألة التّالية وما بعدها .
وقد نقل ابن حجر في الفتح عن أبي محمّد الجوينيّ أنّه نقل وجهاً بمنع تصوير الشّمس والقمر ، لأنّ من الكفّار من عبدهما من دون اللّه ، فيمتنع تصويرهما لذلك .
ووجّهه ابن حجر بعموم قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الّذين يضاهون بخلق اللّه » وقوله في الحديث القدسيّ : « ومن أظلم ممّن ذهب يخلُق خلقاً كخلقي » فإنّه يتناول ما فيه روح وما لا روح فيه . غير أنّ هذا مُؤوَّل وخاصّ بما فيه روح كما يأتي .
د - تصوير النّباتات والأشجار :
16 - جمهور الفقهاء على أنّه لا بأس شرعاً بتصوير الأعشاب والأشجار والثّمار وسائر المخلوقات النّباتيّة ، وسواء أكانت مثمرة أم لا ، وأنّ ذلك لا يدخل فيما نهي عنه من التّصاوير . ولم ينقل في ذلك خلاف ، إلا ما روي عن مجاهد أنّه رأى تحريم تصوير الشّجر المثمر دون الشّجر غير المثمر . قال عياض : هذا لم يقله أحد غير مجاهد .
قال ابن حجر : وأظنّ مجاهداً سمع حديث أبي هريرة ، ففيه : « فَلْيَخْلقوا ذرّة ، وليخلقوا شعيرة » فإنّ في ذكر الذّرّة إشارة إلى ما فيه روح ، وفي ذكر الشّعيرة إشارة إلى ما ينبت ممّا يؤكل ، وأمّا ما لا روح فيه ولا يثمر فلم تقع الإشارة إليه .
وكراهة تصوير النّباتات والأشجار وجه في مذهب أحمد ، والمذهب على خلافه .
وقد احتجّ الجمهور بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من صوّر صورة في الدّنيا كلّف أن ينفخ فيها الرّوح ، وليس بنافخ » فخصّ النّهي بذوات الأرواح وليس الشّجر منها ، وبحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه نهى المصوّر عن التّصوير ، ثمّ قال له : " إن كنت فاعلاً فصوّر الشّجر وما لا روح فيه "قال الطّحاويّ : ولأنّ صورة الحيوان لمّا أبيحت بعد قطع رأسها - لأنّها لا تعيش بدونه - دلّ ذلك على إباحة تصوير ما لا روح فيه أصلاً .
بل إنّ في بعض روايات حديث عائشة رضي الله عنها « أنّ جبريل عليه السلام قال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم مر برأس التّمثال فليقطع حتّى يكون كهيئة الشّجرة » فهذا تنبيه على أنّ الشّجرة في الأصل لا يتعلّق النّهي بتصويرها .
هذا ما يذكره الفقهاء في الاستدلال على أنّه لا يحرم تصوير الشّجر والنّبات وما لا روح فيه
وفي مسند أحمد من حديث عليّ رضي الله عنه « أنّ جبريل قال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم إنّها ثلاث، لن يلج عليك مَلَكٌ ما دام فيها واحد منها : كلب ، أو جنابة ، أو صورة روح » .
هـ تصوير صورة الحيوان أو الإنسان :
17 هذا النّوع من التّصوير فيه اختلاف بين الفقهاء وتفصيل يتبيّن فيما يلي ، وإلى هذا النّوع خاصّة ينصرف قول من يطلق تحريم التّصوير ، دون غيره من الأنواع المتقدّم ذكرها.
التّصوير في الدّيانات السّابقة :
18 - قال مجاهد قوله تعالى في حقّ سليمان عليه السلام وطاعة الجنّ له : { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالجَوَابِ } قال : كانت صوراً من نحاس . أخرجه الطّبريّ . وقال قتادة : كانت من الزّجاج والخشب أخرجه عبد الرّزّاق .
قال ابن حجر : كان ذلك جائزاً في شريعتهم ، وكانوا يعملون أشكال الأنبياء والصّالحين منهم على هيئتهم في العبادة ليتعبّدوا كعبادتهم . وقال أبو العالية : لم يكن ذلك في شريعتهم حراماً . وقال مثل ذلك الجصّاص .
قال ابن حجر : ولكن ثبت في الصّحيحين « أنّ أمّ حبيبة وأمّ سلمة رضي الله عنهما ذكرتا للنّبيّ صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها بأرض الحبشة ، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم أولئك قوم كانوا إذا مات فيهم الرّجل الصّالح بنوا على قبره مسجدا ، وصوّروا فيه تلك الصّور . أولئك شرار الخلق عند اللّه » .
قال : فإنّ ذلك يشعر بأنّه لو كان جائزاً في شريعتهم ما أطلق على الّذي فعله أنّه شرّ الخلق ، هكذا قال . لكنّ الأظهر أنّه ذمّهم لبناء المساجد على القبور ، ولجعلهم الصّور في المساجد ، لا لمطلق التّصوير ، ليوافق الآية ، واللّه أعلم .
تصوير صورة الإنسان والحيوان في الشّريعة الإسلاميّة :
19 - اختلف العلماء في حكم تصوير ذوات الأرواح من الإنسان أو الحيوان على ثلاثة أقوال :
20 - القول الأوّل : إنّ ذلك غير حرام . ولا يحرم منه إلا أن يصنع صنماً يعبد من دون اللّه تعالى ، لقوله تعالى : { قال أَتَعْبُدونَ ما تَنْحِتُونَ واللّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلونَ } ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه ورسولَه حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » .
- واحتجّ القائلون بالإباحة بقوله تعالى في حقّ سليمان عليه السلام : { يَعْمَلونَ له مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } .
قالوا : وشرع من قبلنا شرع لنا لقوله تعالى : { أولئك الّذين هدى اللّه فبهداهم اقتده } .
واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حقّ المصوّرين « الّذين يضاهون بخلق اللّه » وفي بعض الرّوايات « الّذين يشبّهون بخلق اللّه » وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه تبارك وتعالى : « ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا حبّة ، أو ليخلقوا ذرّة » قالوا : ولو كان هذا على ظاهره لاقتضى تحريم تصوير الشّجر والجبال والشّمس والقمر ، مع أنّ ذلك لا يحرم بالاتّفاق ، فتعيّن حمله على من قصد أن يتحدّى صنعة الخالق عزّ وجلّ ويفتري عليه بأنّه يخلق مثل خلقه .
21 - واستدلّوا بقوله صلى الله عليه وسلم في حقّ المصوّرين « إنّ أشدّ النّاس عذاباً عند اللّه يوم القيامة المصوّرون » قالوا : لو حمل على التّصوير المعتاد لكان ذلك مشكلاً على قواعد الشّريعة . فإنّ أشدّ ما فيه أن يكون معصية كسائر المعاصي ليس أعظم من الشّرك وقتل النّفس والزّنا ، فكيف يكون فاعله أشدّ النّاس عذاباً ، فتعيّن حمله على من صنع التّماثيل لتعبد من دون اللّه .
- واحتجّوا أيضاً بما يأتي من استعمال الصّور في بيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبيوت أصحابه ، ومن جملة ذلك تعاملهم بالدّنانير الرّوميّة والدّراهم الفارسيّة دون نكير ، وبالأحوال الفرديّة للاستعمال الواقع منهم ممّا يرد ذكره في تضاعيف هذا البحث ، دون تأويل . وقد نقل الألوسيّ هذا القول في تفسيره عند تفسير الآية " 13 " من سورة سبأ ، حيث ذكر أنّ النّحّاس ومكّيّ بن أبي طالب وابن الفرس نقلوه عن قوم ولم يعيّنهم .
من أجل ذلك فإنّ هذا القول يغفل ذكره الفقهاء في كتبهم المطوّلة والمختصرة ، ويقتصرون في ذكر الخلاف على الأقوال الآتية :
22 - القول الثّاني : وهو مذهب المالكيّة وبعض السّلف ، ووافقهم ابن حمدان من الحنابلة ، أنّه لا يحرم من التّصاوير إلا ما جمع الشّروط الآتية :
الشّرط الأوّل : أن تكون صورة الإنسان أو الحيوان ممّا له ظلّ ، أي تكون تمثالاً مجسّداً ، فإن كانت مسطّحة لم يحرم عملها ، وذلك كالمنقوش في جدار ، أو ورق ، أو قماش .
بل يكون مكروهاً . ومن هنا نقل ابن العربيّ الإجماع على أنّ تصوير ما له ظلّ حرام .
الشّرط الثّاني : أن تكون كاملة الأعضاء ، فإن كانت ناقصة عضو ممّا لا يعيش الحيوان مع فقده لم يحرم ، كما لو صوّر الحيوان مقطوع الرّأس أو مخروق البطن أو الصّدر .
الشّرط الثّالث : أن يصنع الصّورة ممّا يدوم من الحديد أو النّحاس أو الحجارة أو الخشب أو نحو ذلك ، فإن صنعها ممّا لا يدوم كقشر بطّيخ أو عجين لم يحرم ، لأنّه إذا نشف تقطّع . على أنّ في هذا النّوع عندهم خلافاً ، فقد قال الأكثر منهم : يحرم ولو كان ممّا لا يدوم . ونقل قصر التّحريم على ذوات الظّلّ عن بعض السّلف أيضاً كما ذكره النّوويّ .
وقال ابن حمدان من الحنابلة : المراد بالصّورة أي : المحرّمة ما كان لها جسم مصنوع له طول وعرض وعمق .
23 - القول الثّالث : أنّه يحرم تصوير ذوات الأرواح مطلقاً ، أي سواء أكان للصّورة ظلّ أو لم يكن . وهو مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
وتشدّد النّوويّ حتّى ادّعى الإجماع عليه . وفي دعوى الإجماع نظر يعلم ممّا يأتي .
وقد شكّك في صحّة الإجماع ابن نجيم كما في الطّحطاويّ على الدّرّ ، وهو ظاهر ، لما تقدّم من أنّ المالكيّة لا يرون تحريم الصّور المسطّحة . لا يختلف المذهب عندهم في ذلك .
وهذا التّحريم عند الجمهور هو من حيث الجملة .
ويستثنى عندهم بعض الحالات المتّفق عليها أو المختلف فيها ممّا سيذكر فيما بعد .
- والتّصوير المحرّم صرّح الحنابلة بأنّه من الكبائر . قالوا : لما في الحديث من التّوعّد عليه بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « إنّ أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة المصوّرون » . أدلّة القولين الثّاني والثّالث بتحريم التّصوير من حيث الجملة :
24 - استند العلماء في تحريم التّصوير من حيث الجملة إلى الأحاديث التّالية :
الحديث الأوّل : عن عائشة رضي الله عنها قالت : « قدم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من سفر ، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل ، فلمّا رآه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هتكه ، وتلوّن وجهه . فقال : يا عائشة : أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة الّذين يضاهون بخلق اللّه . قالت عائشة : فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين » . وفي رواية أنّه قال : « إنّ من أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة الّذين يشبّهون بخلق اللّه » . وفي رواية أخرى قال : « إنّ أصحاب هذه الصّور يعذّبون يوم القيامة ، ويقال لهم : أحيوا ما خلقتم ». وفي رواية : « إنّها قالت : فأخذت السّتر فجعلته مرفقة أو مرفقتين ، فكان يرتفق بهما في البيت » . وهذه الرّوايات متّفق عليها .
هذا وإنّ قوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون » رواه الشّيخان أيضا مرفوعاً من حديث ابن مسعود رضي الله عنه .
وقوله : « إنّ أصحاب هذه الصّور يعذّبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم » روياه أيضاً من حديث عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما .
الحديث الثّاني : عن عائشة رضي الله عنها قالت : « واعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جبريل أن يأتيه في ساعة ، فجاءت تلك السّاعة ولم يأته . قالت : وكان بيده عصاً فطرحها ، وهو يقول : ما يخلف اللّه وعده ولا رسله . ثمّ التفت ، فإذا جرو كلب تحت سرير ، فقال : متى دخل هذا الكلب ؟ فقلت : واللّه ما دريت به . فأمر به فأخرج ، فجاءه جبريل ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : وعدتني فجلست لك ولم تأتني ؟ فقال : منعني الكلب الّذي كان في بيتك . إنّا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة » .
وروت ميمونة رضي الله عنها حادثة مثل هذه ، وفيها قول جبريل : « إنّا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة » . وروى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخبره بحادثة جبريل ، وما قال له . وروى القصّة أيضاً أبو هريرة رضي الله عنه . الحديث الثّالث : عن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّه دخل داراً تبنى بالمدينة لسعيد ، أو لمروان ، فرأى مصوّراً يصوّر في الدّار ، فقال سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : قال اللّه تعالى : ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقاً كخلقي ، فليخلقوا ذرّة ، أو ليخلقوا حبّة ، أو ليخلقوا شعيرة » .
الحديث الرّابع : عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه جاءه رجل فقال : إنّي رجل أصوّر هذه الصّور فأفتني فيها . فقال : ادن منّي ، فدنا منه ، ثمّ قال : ادن منّي ، فدنا منه ، حتّى وضع يده على رأسه ، وقال : أنبّئك بما سمعت من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « كلّ مصوّر في النّار ، يجعل له بكلّ صورة صوّرها نفساً ، فيعذّبه في جهنّم » ثمّ قال : إن كنت لا بدّ فاعلاً فاصنع الشّجر وما لا نفس له .
الحديث الخامس : عن أبي الهيّاج الأسديّ أنّ عليّا رضي الله عنه قال له : « ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ألا تدع صورة إلا طمستها ، ولا قبراً مشرفا إلا سوّيته » .
تعليل تحريم التّصوير :
يتبع ..............................
تعليق