مواضيع من موقع الشيخ عبدالوهاب مهية القديم نأمل التعليق عليها

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • saad ali fadel
    طالب علم
    • Mar 2007
    • 20

    #1

    مواضيع من موقع الشيخ عبدالوهاب مهية القديم نأمل التعليق عليها

    رفع القبح عن قنوت الصبح





    زعم السيد سابق رحمه الله في ( فقه السنة1/167 ) أنّ القنوت في صلاة الصبح غير مشروع إلا في النوازل ، و وافقه الشيخ الألباني رحمه الله على ذلك ، لكنه لامه على قوله : " أن هذا من الإختلاف المباح" فشنّع عليه و قال : " كيف يستوي الفعل و هو غير مشروع مع الترك و هو المشروع ؟ " ( تمام المنة ص 244)

    و الحقيقة أن هذا القنوت ليس مشروعا فحسب ، بل هو سنة ، فعلها رسول الله صلى الله عليه و سلم و الخلفاء من بعده ، و إليك الأدلة :

    عن أنس رضي الله عنه قال :" ما زال رسول الله صلى الله عليه و سلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا " ... رواه عبد الرزاق و أحمد و الدارقطني و الحاكم و قال : حديث صحيح و رواته كلهم ثقات "

    عن عاصم الأحول ، عن أنس قال : سألته عن القنوت ، أقَبل الركوع أو بعده ؟
    فقال : قبل الركوع ، قال : قلت : فإن فلانا أخبرني أنك قلت بعده . قال : كذب ، إنما قنت رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد الركوع شهرا ، أنه كان بعث أناسا يقال لهم القراء...الحديث "
    رواه البخاري و غيره ، و قد تابع عبد العزيز بن بن صهيب عاصما في كتاب المغازي من صحيح البخاري برقم (4089)

    و الحديث ظاهر في أنّ القنوت قنوتان : قنوت نوازل و محله بعد الرفع من الركوع ، و هذا هو الذي فعله رسول الله صلى الله عليه و سلم شهرا ثم تركه . و قنوت راتب ، و محله قبل الركوع و بعد الفراغ من القراءة ، و هو الذي لم يتركه النبي صلىالله عليه و سلم حتى فارق الدنيا. فتأمل !

    - عن العوام بن حمزة قال :
    سألت أبا عثمان النهدي عن القنوت في الصبح ؟ فقال : بعد الركوع . فقلت : عمن ؟ قال : عن أبي بكر و عمر و عثمان.
    قال العلامة أحمد شاكر : رواه البيهقي ، و المروزي في " الوتر" ، و ابن حزم في " المحلى"... و العوام ثقة ، و اسنتكر أحمد منه ثلاثة أحاديث ، و وثقه ابن راهويه و أبو داود و غيرهما .

    عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه : " أنّ عمر قنت في صلاة الغداة قبل الركوع بالسورتين"
    رواه الطحاوي و نحوه البيهقي من طريق الأوزاعي عن عبدة ...
    و عبدة : ثقة و لم ينفرد به . فقد روى الطحاوي أيضا نحوه من طريق شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن عمر . .. و روى نحوه أيضا بأسانيد أخرى ...

    فائدة : السورتان هما قوله : " اللهم إنا نستعينك و نستغفرك و نؤمن بك ، و نخضع لك ، و نخنع و نترك من يكفرك ...

    اللهم إياك نعبد و لك نصلي و نسجد ، و إليك نسعى و نحفد ، و نرجو رحمتك ، و نخاف عذابك ، إن عذابك بالكفار ملحق" رواه أبو داود مرسل ...ا

    روى البيهقي من طريق العلاء بن صالح عن بريد أنه قال : " فذكرت ذلك لمحمد بن الحنفية فقال : إنه الدعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر في قنوته" يعني الدعاء الذي علمه رسول الله صلى الله عليه و سلم الحسن في قنوت الوتر...

    و (بريد) قال عنه ابن معين و أبو زرعة و النسائي و العجلي و غيرهم :" هو ثقة" و قال الدارقطني : على شرط الصحيح ... و ذكره ابن حبان في (الثقات).اهـ(تهذيب التهذيب 1/378)

    و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعلمنا دعاء ندعو به في القنوت من الصبح . قال في ( بلوغ المرام): في سنده ضعف

    و عن أبي رجاء العطاردي قال : صليت مع ابن عباس الغداة في مسجد البصرة فقنت بنا قبل الركوع" رواه الطبري(2/354)

    قال الشيخ الألباني في ( السلسلة الضعيفة 3/387 ) :

    حديث : " ما زال رسول الله صلى الله عليه و سلم يقنت ... " حديث منكر ، لأنه معارض لحديثين ثابتين: أحدهما ، عن أنس نفسه : " أنّ النبي صلى الله عليه و سلم كان لا يقنت إلا إذا دعى لقوم أو دعى على قوم "
    أخرجه الخطيب نفسه في كتاب ( القنوت ) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عنه ...
    و الآخر ، عن أبي هريرة قال : " كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم أو على قوم " .
    قال الزيلعي ( 2/130 ) : أخرجه ابن حبان عن ابراهيم بن سعد ، عن سعيد و أبي سلمة عنه ....
    ( كذا قال ، و الذي في ( الزيلعي ) : عن ابراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد ... )
    قال الألباني : و حديث أنس عزاه الحافظ في ( التلخيص 1/145 ) لابن خزيمة في ( صحيحه ) من طريق سعيد به . انتهى كلامه .
    و الجواب على هذه الشبهة من وجوه :
    أولا : إنما يعتبر التعارض عند استحالة الجمع بأي وجه من الوجوه ، و هذا أمر منتف في هذه الأحاديث كما سترى .
    ثانيا : حديث أنس : " أن النبي صلى الله عليه و سلم كان لا يقنت إلا إذا دعى لقوم أو دعى على قوم " لا ينافي حديثه : " ما زال يقنت ... " ؛ لأن الأول مجمل فيحمل على الثاني ، هذا من جهة ، و من جهة أخرى ، فإن الأول ناف و الثاني مثبت ، فلا تعارض و لله الحمد .
    و أما حديث أبي هريرة ، فلا يعارض حديث أنس في قنوته صلى الله عليه و سلم في الصبح و استمراره على ذلك ، لأنه إنما يعني قنوت النوازل الذي محله بعد الرفع من الركوع ، بدليل ما رواه البخاري في
    ( صحيحه ) عنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أراد أن يدعو على أحد أو لأحد قنت بعد الركوع " ( الفتح 8/226 ).
    و يؤيده ما رواه البخاري ( فتح 2/489 ) : عن عاصم قال : سألت أنس بن مالك عن القنوت ؟ فقال : قد كان القنوت ... قلت : قبل الركوع أو بعده ؟ قال : قبله ... قلت : فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت : بعد الركوع . فقال : كذب ، إنما قنت رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد الركوع شهرا ، أراه كان بعث قوم يقال لهم القراء ... " إلخ الحديث .
    فأنت ترى أنه فصل بين القنوتين ، و هذا ظاهر بيّن لا أدري كيف ذهل عنه الشيخ ناصر و من قبله .
    قال الحافظ ( الفتح 2/491 ) : " و مجموع ما جاء عن أنس من ذلك ، أن القنوت للحاجة بعد الركوع لا خلاف عنه في ذلك . و أما لغير الحاجة فالصحيح عنه أنه قبل الركوع ".اهـ
    قلت : هذا هو الصواب الذي تعضده الأدلة ، و تجتمع به النصوص فلا يصار إلا إليه . و هو أولى من دعوى التعارض ، لأن فيه العمل بجميع الأدلة . و الغريب أن الشيخ الألباني لم يذكرمن كلام الحافظ سوى ما ذكر في ( التلخيص ) ، و هو قوله : " فاختلفت الأحاديث عن أنس ... "و تنكب ما ذكرنا عنه في ( الفتح ) الذي يعد أنظف كتبه بشهادة الشيخ الألباني نفسه .
    فالقنوت في صلاة الصبح لغير حاجة ثابت بالأدلة الصحيحة . قال الحازمي في ( الناسخ و المنسوخ ) : اختلف الناس في قنوت الفجر ؛ فذهب إليه أكثر الصحابة و التابعين فمن بعدهم من علماءالأمصار إلى يومنا .اهـ ثم ذكر من قال بذلك من الصحابة فعدّ منهم الخلفاء الأربعة .
    قال النووي رحمه الله في ( شرح مسلم 3/364 ): " و أما أصل القنوت في الصبح فلم يتركه حتى فارق الدنيا ، كذا صح عن أنس رضي الله عنه .
    قلت : حديث أنس مداره على أبي جعفر الرازي ، و هو حسن الحديث في أقل تقدير عند عامة الحفاظ . غير أن الشيخ الألباني حاول توهينه بنُقول عن ابن التركماني و ابن القيم و ابن الجوزي ، و هو يعلم أن هؤلاء التأخرين ليسوا من أهل الإجتهاد في هذا الفن ....فلنرجع في كل علم إلى أئمته و فحوله ، و لننظر ما يقول هؤلاء في هذا الرجل ؟
    قال ابن معين : كان ثقة خرسانيا ... و في رواية الدوري عنه ، قال : ثقة و هو يخلط فيما يروي عن مغيرة . اهـ
    قلت : و هذا الحديث إنما يرويه عن الربيع بن أنس . " فرجل يوثقه يحيى بن معين و علي بن المديني ، و يبيّنان جهة الضعف في حديثه . لا يقال عنه " ضعيف " . و خصوصا أن الإمام أحمد يقول في رواية
    " صالح الحديث "...
    و قال أبو حاتم : ثقة صدوق ، صالح الحديث !
    و وثقه ابن سعد ، و الحاكم ، و ابن عبد البر ، و غيرهم . انظر ( تهذيب التهذيب 12/59 )
    قلت : كل هؤلاء الموثقين ، و فيهم إماما الجرح و التعديل ؛ ابن معين و ابن المديني ، لم يذكرهم الألباني و لو بالإشارة ....
    و على كلّ ، فالقول ما قاله العلامة النووي و غيره من المحققين من سنية القنوت في الصبح ، فخذ به و لا تعرج على غيره . و الله المستعان و به التوفيق و عليه التكلان .
  • saad ali fadel
    طالب علم
    • Mar 2007
    • 20

    #2
    بسم الله الرحمن الرحيم
    تبصيرالساجد
    بخطإ من يرفع يديه
    في الصلاة و هو قاعد


    الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مُبارَكًا فيه ، و صلى الله و سلّم و بارك على عبده و نبيّه محمد و آله و صحابته أجمعين ...

    من المسائل التي اختلست انتباهي و أنا أقرأ كتاب الشيخ الألباني رحمه الله ( صفة الصلاة ) ، مسألتان ؛

    - كون التكبير و رفع اليدين في قعود التشهد الأوسط ، و قبل القيام .

    - و مشروعية ، بل سنّية رفع اليدين في السجود و الرفع منه . بل و عند كل تكبيرة ...

    فقد قال رحمه الله ، في ( القيام إلى الركعة الثالثة ) : " ثم كان ينهض إلى الركعة الثالثة مكبّرًا " و أحال في الهامش على الصحيحين ، ثمّ قال : " و كان ¨rإذا قام من القعدة كبر ، ثم قام " و ذكر في الحاشية أن الحديث في ذلك رواه أبو يعلى في " مسنده " بسند جيّد و أحال إلى تخريجه في " صحيحته " ، ثم قال : " و كان r يرفع يديه مع هذا التكبير أحيانًا " و أحال على ( البخاري و أبي داود ).

    و نفهم من كلام الشيخ رحمه الله أن رفع اليدين يكون مع التكبير . و أن التكبير في ذلك المحل له حالتان ؛

    الأولى : النهوض بالتكبير ،

    و الثانية : التكبير في القعود ثم القيام .

    لننظر في الحديث الذي أشار إليه الشيخ و جعله دليلا على ما ذهب إليه ...

    فالحديث - كما قال رحمه الله - رواه أبو يعلى في مسنده ( 6029 ) ، قال : "حدثنا كامل بن طلحة

    حدثنا حماد بن سلمة

    عن محمد بن عمرو

    عن أبي سلمة عن أبي هريرة :

    " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يسجد كبر ثم يسجد وإذا قام من القعدة كبر ثم قام "

    يقول العبد الضعيف : و هذا حديث مسلسل بالضعفاء و المخلطين ، مع مخالفته لحديث الثقات الأثبات ...

    كامل بن طلحة ، و إن قال أحمد :" حديثه مقارب " فقد قال فيه يحيى :" ليس بشيء"

    و حماد بن سلمة تغير حفظه بآخرة ، وقال في ( الكاشف 1/349) :" ثقة صدوق يغلط".

    و محمد بن عمرو ، و هو ابن علقمة الليثي قال في التقريب (1/499) :" صدوق له أوهام " ، و قال يحيى بن معين :" ما زال الناس يتقون حديثه " و طعن في حديثه عن أبي سلمة عن أبي هريرة خاصة ؛ قال : " كان محمد بن عمرو يحدث مرة عن أبى سلمة بالشىء من رأيه ثم يحدث به مرة أخرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة ". ( الجرح و التعديل 8/30)

    فالحديث ضعيف لضعف سنده ، منكر لمخالفته رواية الثقات ، فلا يصلح للإحتجاج به.

    و قد رواه الزهري عن أبي سلمة ؛

    رواه عنه يونس بن يزيد ، بلفظ : "... ثم يكبّر حين يقوم بين الثنتين بعد التشهد " أخرجه مسلم (392) و ابن حبان في صحيحه ( 1767)

    و رواه شعيب بلفظ : " ... ثمّ يكبّر حين يقوم من الجلوس في الإثنتين ..." . أخرجه البخاري ( 770) . و المعنى واحد ...

    و خالف معمر فرواه عنه بلفظ :" ... و إذا أراد أن يقوم في الركعتين يكبّر ..." رواه عبد الرزاق في مصنفه (2495) و من طريقه ابن خزيمة .

    وهذا لفظ مخالف لما سبق . و معمر ، و إن كان ثقة ثبتا ، إلا أن له أوهامًا ؛ قال الحافظ في التقريب (1/541) : " ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئا وكذا فيما حدث به بالبصرة "

    قلت : و من سبر روايته عن الزهري وجد شيئًا من ذلك . راجع على سبيل المثال علل الترمذي ( 1/298) ، و علل أبي حاتم ( 1/194).

    و لذلك قال عبد الله بن المبارك رحمه الله : " ما رأيت أحدًا أروى للزهرى من معمر إلا أنّ يونس آخذ للسند ، لأنه كان يكتب "

    و ابن المبارك هو راوي حديث الزهري عن يونس و قد قال فيه :" كتابه صحيح "... انظر : ( الجرح و التعديل 9/248) ، و ( تهذيب التهذيب 11/396) و (الكاشف 2/404)

    و خالف ( معمر ) كذلك ( شعيبًا ) ، و هو معدود من أثبات أصحاب الزهري ؛ قال الحافظ في ( التقريب 1/267) : " ثقة عابد قال بن معين من أثبت الناس في الزهري"

    قلت : و تتمة كلام ابن معين : " ... كان كاتبًا له " أي للزهري . و قال أبوداود : "هو أصح حديثًا عن الزهري ، بعد الزبيدي " . و قال الإمام أحمد : " رأيت كتب شعيب فرأيتها مضبوطة مقيدة ورفع من ذكره " . راجع في هذا ( تهذيب التهذيب 4/307) .

    قلت : و حديثه فوق ذلك مخرّج في صحيح البخاري ، فلفظه هو الأرجح و الأصح ، كما سنبيّن من بعد إن شاء الله .

    و قد يكون الوهم في حديث معمر من عبد الرزاق ، فإنه و إن كان إمامًا حافظًا قد يهم . انظر على سبيل المثال ( علل الترمذي 1/199 ، 1/253) و كذا ( علل أبي حاتم 1/161).

    هذا ، و روى الزهري الحديث كذلك عن أبي بكر بن عبد الرحمن :

    رواه عنه عقيل بلفظ : " ... و يكبّر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس ..." أخرجه البخاري( 789) و مسلم (392)

    و رواه شعيب بلفظ رواية أبي سلمة السابقة الذكر ، خرجه البخاري ( 770)

    و رواه ابن جريج ، بلفظ : " ... و يكبّر حين يقوم من المثنّى بعد الجلوس ..." أخرجه مسلم (392)

    و الحديث رواه نعيم المجمر عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : " ... و إذا قام من الجلوس قال : الله أكبر ..." أخرجه ابن خزيمة ( 499)

    و رواه سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ : " ...و إذا قام من السجدتين قال : الله أكبر ..." أخرجه البخاري ( 762) . و هذه كلها ألفاظ متقاربة و تفيد معنى واحدًا ؛ و هو أنّ التكبير لا يكون إلاّ بعد الإنفصال من الجلوس و الإعتدال في القيام .

    و خلاصة ما سبق :

    بيان شذوذ رواية معمر ، و مخالفتها لرواية من هو أثبت و أكثر عددًا ... و ضعف حديث أبي يعلى ...

    فإن قلت : قد جوّد الألباني رحمه الله سنده ؟ فالجواب : أنّ صحة السند ، بله جودته ، لا تعني بالضرورة صحة الحديث . كما لا تعني صحة الإسناد . و قد نبّه الشيخ الألباني رحمه الله نفسه على ذلك في " القاعدة السادسة " من كتابه ( تمام المنة ) ... و عليه ، فإنّ مأخذ القائلين بالتكبير و الرفع في الجلوس ضعيف ، و لا دليل عليه . كيف ؟ و هو يقول " بعد الجلوس " ؟

    و لعله من المفيد ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظه المتفق عليه ، و الذي كان قد أحال عليه الشيخ الألباني رحمه الله ، و جعله دليلاً على القيام بالتكبير ، وهو :

    " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة ، يكبر حين يقوم ، ثم يكبر حين يركع ، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة ، ثم يقول وهو قائم : ربنا لك الحمد ، ثم يكبر حين يهوي ، ثم يكبر حين يرفع رأسه ، ثم يكبر حين يسجد ، ثم يكبر حين يرفع رأسه ، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها . ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس ".

    و كأنّ الشيخ الألباني رحمه الله انتزع ذلك الحكم من ظاهر قوله : " و يكبر حين يقوم من الثنتين "

    و قد تردد ابن دقيق العيد رحمه الله في ذلك ؛ فقال في ( الإحكام ص244) :

    " اختلفوا في وقت هذا التكبير ، فاختار بعضهم أن يكون عند الشروع في النهوض ، و هو مذهب الشافعي . و اختار بعضهم أن يكون عند الإستواء قائمًا ، و هو مذهب مالك ثم قال : فإن حُمل قوله " حين يرفع " على ابتداء الرفع ، و جُعل ظاهرًا فيه ، دلّ ذلك لمذهب الشافعي قال : و يرجح من جهة المعنى بشغل زمن الفعل بالذكر "اهـ

    يقول العبد الضعيف : بل الراجح ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله ، و يحمل الرفع على نهايته بدليل :

    - قوله أوّل الحديث : " كان إذا قام إلى الصلاة ، يكبر حين يقوم " ، و قد اتفقوا على أن قوله " حين يقوم " ههنا يريد " حين يستوي قائمّا " ، و هذا أمر مجمع عليه .

    - قوله في رواية للدارقطني في ( العلل ) : " و إذا قام من الركعة الثالثة ، بعد التشهد " ، و هذا ظاهر في أنّ قيامه كان في قيام الركعة الثالثة الذي فيه القراءة .

    - رواية عبد الرزاق (2492 ) عن ابن جريج قال أخبرني عطاء قال : " صليت خلف أبي هريرة فسمعته يكبر حين يستفتح ، و حين يركع ، وحين يصوب للسجود ، ثم حين يرفع رأسه ، ثم حين يصوب رأسه ، ثم حين يصوب رأسه ليسجد الثانية ، ثم حين يرفع رأسه ، ثم حين يستوي قائمًا من ثنتين قال لي يعني عطاء -كذلك التكبير في كل صلاة "

    و هذا نص قاطع لكل قيل و قال ، يفسر ما أجمل في غيره من الروايات و يبيّن أنّ المراد من قوله " حين يقوم من الثنتين " الإنتهاء من القيام و الإستواء فيه ، و ليس بدايته.

    و له شواهد كثيرة ، صحيحة صريحة في المقصود ؛ منها :

    - حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : رواه عبد الرزاق ( 2520) ، عن ابن جريج قال : أخبرني نافع أن ابن عمركان يكبر بيديه حين يستفتح وحين يركع وحين يقول سمع الله لمن حمده وحين يرفع رأسه من الركعة وحين يستوي قائمًا من مثنى قال : ولم يكن يكبر بيديه إذا رفع رأسه من السجدتين قلت لنافع : أكان ابن عمر يجعل الأولى منهن أرفعهن ؟ قال : لا سواء قلت : أكان يخلف بشيء منهن أذنيه ؟ قال : لا ، ولا يبلغ وجهه . فأشار لي إلى الثديين أو أسفل منهما " و أخرجه البخاري في (جزء رفع اليدين برقم 38).

    و هذا اللفظ كذلك نصّ قاطع لكل نزاع ، يبيّن بصراحة ما أجمل في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، الذي هو عند البخاري (706) و غيره ، بلفظ : " و إذا قام من الركعتين رفع يديه " ، أنّ المراد من القيام ؛ تمامه و ليس جزءّا منه. و هكذا فإن السنة يصدّق بعضها بعضًا ، و يؤيّد بعضها بعضًا ، و السنن كما قال ابن عبد البر لا تـثبت بالتدافع .

    - حديث ابن الزبير رضي الله عنهما ، و فيه : " و حين ينهض للقيام فيقوم فيشير بيديه " رواه أبوداود ( 739 ) ، و فيه ابن لهيعة ؛ و حديثه حسن في الشواهد . و كأنّ الراوي خشي أن يفهم قوله " حين ينهض للقيام " على أنه أثناء القيام ، فأردف بقوله " فيقوم " ليبيّن أنه يعني الإستواء في القيام .

    - حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه ثم كبر واعتدل قائما حتى يقركل عظم في موضعه معتدلا ثم يقرأ " ... إلى أن قال : " ثم يقوم من السجدتين فيصنع مثل ما صنع حين افتتح الصلاة " . و من المعلوم أنّ الصلاة لا تُستَفتح من قعود.

    فإن قلت : قد روى ابن حبان الحديث في صحيحه (1865) من طريق عمرو بن علي الفلاس عن يحيى بن سعيد ، بلفظ : " ... و إذا قام من الركعتين كبّر ثمّ قام " ، و هذا يفيد أن التكبير يكون حال الجلوس و قبل القيام ؟

    فالجواب : أن ( عمرو بن علي الفلاس ) و إن كان حافظًا ، إلا أنه خالف من هو أحفظ منه و أكثر عددًا ... فقد رواه عن يحيى :

    الإمام أحمد ( 5/434) و لفظه : " حتى إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه ، كما صنع حين افتتح الصلاة "

    و محمد بن بشار ،و هو ممن صحب يحيى طويلاً ، و لفظه كلفظ أحمد سواء بسواء ، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (587) و الترمذي (304) و النسائي (1181) و ابن ماجة (862)

    و بنفس اللفظ ، محمد بن المثنى ، أخرجه الترمذي (304)

    و يحيى بن حكيم ، أخرجه البزار (3711) .

    و يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، أخرجه النسائي (1181).

    فهؤلاء جميعًا وهم من الحفاظ - اتفقوا على لفظ واحد من رواية يحيى بن سعيد ، و لو لم يكن فيهم إلا الإمام أحمد لكان كافيًا لترجيح روايته على رواية (ابن الفلاس).

    و قد تابع يحيى جماعة عن عبد الحميد ؛ منهم :

    أبو أسامة ، بلفظ : " حتى إذا قام من الركعتين كبّر ، و صنع كما صنع في ابتداء الصلاة" . أخرجه ابن حبان في صحيحه ( 1870) .

    و أبو عاصم ، اخرج حديثه ابن حبان (1867 و 1876) و الدارمي (1356) و البيهقي (2347) .

    و عبد الملك بن الصباح المسمعي ، أخرج حديثه ابن خزيمة (677) و لفظه : " ثم يقوم من السجدتين فيصنع مثل ما صنع حين افتتح الصلاة "

    و النتيجة بعد الذي سلف ، هو شذوذ رواية ( عمرو بن علي الفلاس ) لمخالفتها رواية جماعة من الحفاظ المتقنين الأثبات.

    - حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه ؛ عن مطرف قال : " صليت خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنا وعمران بن حصين فكان إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه كبر وإذا نهض من الركعتين كبر فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال قد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم أو قال لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم " . أخرجه البخاري (753) و مسلم (393) و غيرهما .

    قوله :" إذا نهض " أي استتم قائمًا ، بدليل رواية " و إذا نهض من الركوع كبّر " ، قال الإمام ابن خزيمة في صحيحه (1/292) ، في توجيه هذه اللفظة : " إنما أراد وإذا نهض من الركوع فأراد السجود كبر على ما ذكر الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة ثم يقول وهو قائم ربنا لك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدا "

    قلت : و ما لنا نكثر الأقاويل ، و حديث علي رضي الله عنه في هذا الصدد صريح لا يحتاج إلى تأويل ، و فيه :

    " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه ويصنعه إذا قضى قراءته وأراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد وإذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه كذلك " . أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين (9) و ابن خزيمة في صحيحه ( 584) و أبو داود في السنن ( 744) و الترمذي (3423)

    و خلاصة القول ؛ تبيّن مما سبق ، أنّ محل التكبير و رفع اليدين إنما هو بعد الرفع من جلوس التشهد ، و الإستواء في القيام ، و ليس في حال الجلوس و لا أثناء النهوض . بهذا نطقت الأحاديث الصحيحة الصريحة ، و ما عداها فضعيف أو شاذّ لا تقوم به حجة ، و لا يثبت به دليل . هذا فيما يتعلق بالمسألة الأولى .

    أما المسألة الثانية ؛ و هي رفع اليدين في حال السجود و الرفع منه ، فقد قال الشيخ الألباني رحمه الله : " و كان أحيانًا يرفع يديه إذا سجد " و عزا ذلك إلى النسائي و الدارقطني و المخلص في ( الفوائد ) ، و قال : بسندين صحيحين .

    قال : " و ذهب إلى مشروعيته جماعة من السلف ، منهم ؛ ابن عمر ، و ابن عباس ، و الحسن البصري ، و طاووس ، و ابنه عبد الله ، و نافع مولى ابن عمر ، و سالم ابنه ، و القاسم بن محمد ، و عبد الله بن دينار ، و عطاء ". اهـ

    ثم قال رحمه الله في موضع آخر ؛ في ( الرفع من السجود ) : " ثمّ كان ¨rيرفع رأسه من السجود مكبّرًا " ، " و كان يرفع يديه مع هذا التكبير أحيانًا " و عزا ذلك إلى أحمد و أبو داود ، و قال : بسند صحيح . ( و عزاه في موطن لاحق إلى أبي عوانة و أبي داود ، قال : بسندين صحيحين ) و من جملة ما قال : " ... و صح الرفع هنا عن أنس و ابن عمر و نافع و طاووس و الحسن البصري و ابن سيرين و أيوب السختياني ، كما في ( مصنف ابن أبي شيبة ) بأسانيد صحيحة ".اهـ

    و قبل أن نناقش هذه الأدلة بالتفصيل ، ينبغي أن تذكر دائمًا أنّ صحة السند لا تعني بالضرورة صحة الحديث . و لعلك تلاحظ أن الشيخ رحمه الله قصر نظره على ظاهر السند دون المتن .( وهذا غير صحيح فثمة اشياء غير سياق الرواة يلزم النظر فيه وهو الغرابة والتفرد وعدم المخالفة وسلامة المتن ، وقد وجد من الاحاديث حكي فيها انها علىشرط البخاري او مسلم او كليهما وفي متونها نكارة وغرابة، وهذا لا يصح . والشيخان ينظران الى المتون كما ينظران الى الأسانيد والرجال . وهذا قد غفل عنه كثير ممن ينتسب الى العلم من أهل العصر) . من كلام للشيخ الطريفي في شرح بلوغ المرام .

    قلت : لنبدأ أولاً بالحديث الذي استبشر به الشيخ الألباني رحمه الله في ( تمام المنة ) و ذكر أنه على شرط مسلم ، و هو :

    - حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه " أنه رأى النبي ¨r رفع يديه في صلاته إذا ركع ، و إذا رفع رأسه من الركوع ، و إذا سجد ، و إذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه " .

    أخرجه النسائي في ( الكبرى 672) قال : " أخبرنا محمد بن المثنى قال حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث ..."

    و ههنا ينبغي أن نتنبّه إلى أن كل الروايات التي أخرجها النسائي ، و فيها رفع اليدين في السجود و الرفع منه ، و هي ثلاثة ؛

    هذه إحداها ،

    و أخرى عن عبد الأعلى عن سعيد به ،

    و ثالثة عن معاذ بن هشام الدستوائي ، سيأتي الحديث عنها لاحقًا إن شاء الله .

    مدارها كلها على ( محمد بن المثنى ) ... و هو و إن كان ثقة إلا أن النسائي نفسه قال عنه : " لا بأس به ، كان يغيّر في كتابه " انظر تهذيب المزي (26/359) ، و هذا جرح مؤثر في مثل هذه الروايات المخالفة للحفاظ الأثبات .

    فإن قلت : قد تابعه أحمد في روايته عن ابن أبي عدي . فالجواب : أن ابن أبي عدي ، وهو محمد بن إبراهيم ثقة ، لكنه سمع من سعيد بآخرة ، أي بعد الإختلاط . كما في ضعفاء العقيلي (2/112)

    تعليق

    • saad ali fadel
      طالب علم
      • Mar 2007
      • 20

      #3
      فإن قلت : قد أخرج مسلم الحديث في صحيحه عن محمد بن المثنى ، عن ابن أبي عدي به ...

      فالجواب : أن مسلمًا إنما أخرجه مقتصرًا على اللفظ الذي فيه حد الرفع ، و ليس فيه ذكر لمحل الرفع . و من هنا تدرك خطأ مَن أطلق كونه على شرط مسلم . ذلك ، لأنّ مسلمًا من عادته و قد ذكر ذلك في مقدمة صحيحه أن يذكر الحديث أولاً بإسناد نظيف رجاله ثقات متقنين ، و يجعله أصلاً ، ثم يتبعه بإسناد آخر ، أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة ، أو لزيادة فيه تُنبّه على فائدة فيما قدّمه.

      و هكذا ، فإن ذكر رفع اليدين في السجود و الرفع منه منكر . و قد روى الحديثَ الثقات الأثبات من أصحاب ( سعيد بن أبي عروبة ) و لم يذكروا شيئًا من ذلك ، منهم :

      يزيد بن زريع : قال أحمد بن حنبل : كل شيء رواه يزيد بن زريع عن سعيد فلا تبال أن لا تسمعه من أحد . سماعه من سعيد قديم ، وكان يأخذ الحديث بنية .( الكامل 3/393)

      قلت : و حديثه أخرجه النسائي و أبو نعيم و الطبراني .

      وخالد بن الحارث : قال ابن عدي : أثبتهم في سعيد ؛ يزيد بن زريع وخالد بن الحارث ويحيى بن سعيد القطان .( كتاب المختلطين للعلائي 1/41)

      و حديثه أخرجه ابن سعد .

      و عبد الله بن نمير : أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ( 2412) .

      و خالف هؤلاء جميعًا محمد بن جعفر المعروف بـ( غندر ) ، فرواه عن سعيد بلفظ : " يرفع يديه إذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه " . أخرجه أحمد (15642)

      و محمد هذا ، قال فيه الحافظ في التقريب (1/472) : " ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غفلة " قلت : و هو مع تلك الغفلة ، فإنه قد سمع من سعيد بعد الإختلاط ، قاله ابن مهدي ، كما في ( تهذيب التهذيب 9/85) ، فالرواية ضعيفة ...

      و أغلب الظن أن قوله " من السجود " مصحفة من قوله " للسجود ". و قد ورد هذا اللفظ :

      في حديث ابن عمر من طريق عبد الرحمن بن الأسود ، وفيه : " كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ، وإذا كبر للركوع ، وإذا رفع رأسه يكبر للسجود " أخرجه الطبراني في الأوسط (6464) .

      و في حديث أبي هريرة : "... وإذا ركع فعل مثل ذلك ، وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك ..." أبو داود ، و من طريقه ابن عبد البر في التمهيد (23/161)

      و أما الثالثة من الروايات ، فقد أخرجها النسائي في ( الكبرى 674) قال : " أنبأ محمد بن المثنى قال حدثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي ( هشام بن جرير الدستوائي ) عن قتادة به ... و فيها :

      " وإذا ركع فعل مثل ذلك وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك وإذا رفع رأسه من السجود فعل مثل ذلك " .

      قلت : انفرد محمد بن المثنى بذكر " رفع الرأس من السجود " ، و قد رواه عن معاذ بن هشام كلّ من ؛ الحميدي و إسحاق بن راهويه ، و هما أعلى كعبًا منه ، و لم يذكرا ذلك . أخرج الأول أبو عوانة في صحيحه (1587) و الثاني الطبراني في الكبير ( 629) ، و هذا مما يؤكد مقولة النسائي فيه ؛ من أنه كان يغيّر في كتابه .

      و تابعهما عن هشام الدستوائي :

      عبد الصمد و أبو عامر ، أخرجه أحمد (20554) ،

      و يزيد بن زريع ، أخرجه ابن ماجة (859) و الطبراني في الكبير ( 629) .

      و خلاصة القول : أن الصحيح المحفوظ الثابت عن سعيد بن أبي عروبة ، و هشام ، في روايتهما عن قتادة ، الإقتصار في رفع اليدين على المواطن الثلاثة ؛ الإحرام و الركوع و بعد الرفع منه .

      و قد تابعهما على ذلك جِلّة أصحاب قتادة ، منهم :

      أبو عوانة ، عند مسلم (391) ،

      و شعبة ، عند البخاري في جزء رفع اليدين ، و النسائي ، و أبي عوانة ، و الدارمي ، و ابن حبان ، و الطبراني .

      و حماد بن سلمة ، و سعيد بن بشير ، و عمران القطان ، ثلاثتهم عند الطبراني .

      و رواه همام عنه بلفظ : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حيال إذنيه في الركوع والسجود " أخرجه أحمد (20556) و أبو عوانة ( 1590) كلاهما من طريق عفان ..

      قلت : و همام ثقة إلا أن حفظه رديء ، و قد ذكر عفان نفسه عنه فقال : " كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه ، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه . ثم رجع بعد فنظر في كتبه فقال : يا عفان كنا نخطئ كثيرا فنستغفر الله تعالى " ( تهذيب التهذيب 11/61)

      و اختصر الحافظ ترجمته في ( التقريب 1/574) فقال : " ثقة ، ربما وهم " .

      و يمكن حمل قوله :" و السجود " على إرادة السجود ؛ بل هو المتعين ، لأنّ رفع اليدين في هذا المحل يكون بعده الهوي للسجود مباشرة. و هذا يرد كثيرًا في تعبير السلف ، فقد ورد في حديث وائل بن حجر رضي الله عنه ، الذي رواه ابن حبان في صحيحه (1862) قوله : " فإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه فكبر فسجد " ، و لشدة التصاقه بالسجود ، فقد يعبّر عنه بصيغة الفعل أحيانًا فيقول:" أنه رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم يرفع يديه حين يفتتح الصلاة ، وإذا ركع ، وإذا سجد " ، أخرجه الدارقطني في سننه ( 13) من حديث وائل . فيظن من لم يعطِ النظر حقه أنّ قوله " و إذا سجد " دليل على مشروعية رفع اليدين في كل تكبير .

      و من المعلوم أن بعض الرواة يروون الحديث بالمعنى ، فإذا كان مخرج الحديث واحد ، فينبغي تحرير تلك الروايات و إرجاعها إلى معنى واحد . و إلا صار كل لفظ من ألفاظ الرواة شريعة ، و وقع التنافر في الأحكام .

      هذا فيما يتعلق بحديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه ، من رواية نصر بن عاصم . و قد رواه كذلك أبو قلابة ، و فيه : " أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه ، وإذا أراد أن يركع رفع يديه ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه . وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع هكذا " ، أخرجه البخاري ، و مسلم ، و أبو عوانة ، و ابن خزيمة و ابن حبان في صحاحهم .

      هذا هو الصحيح المحفوظ من حديث مالك ، و ما سواه فمنكر و غريب لا تقوم به حجة.

      - حديث ابن عمر رضي الله عنهما : قال الشيخ الألباني رحمه الله : " ... فقد روى ابن حزم من طريق نافع عن ابن عمر ؛ أنه كان يرفع يديه إذا سجد ، و بين الركعتين . و إسناده قوي . و روى البخاري في جزء ( رفع اليدين ) من طريق سالم بن عبد الله ؛ أنّ أباه كان إذا رفع رأسه من السجود ، و إذا أراد أن يقوم ، رفع يديه . و سنده صحيح على شرط البخاري في الصحيح ".اهـ من ( تمام المنة ص:172)

      حديث ابن عمر ، فيه المرفوع ، و فيه الموقوف . و لكن تماشيًا مع طرح الشيخ رحمه الله ، نبدأ بالموقوفات لنسبر حالها ...

      الأثر الأول الذي ذكره الشيخ رحمه الله ، رواه ابن حزم من طريق محمد بن بشار ثنا عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر : " أنه كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة ، و إذا ركع ، و إذا قال : سمع الله لمن حمده ، و إذا سجد ، و بين الركعتين ، يرفعهما إلى ثدييه "

      و رواه البخاري في جزء القراءة ( 79) : عن محمد بن عبد الله بن حوشب عن عبد الوهاب الثقفي به . " أنه كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة وإذا ركع وإذا قال سمع الله لمن حمده وإذا قام من الركعتين يرفعهما "

      و اللفظان يصدق بعضهما الآخر ، فقوله " و إذا قال : سمع الله لمن حمده و إذا سجد" يريد ، و الله أعلم ، أنه كان يرفع بين ذينك الحالين ، و قد قررت فيما مضى أن الرفع في هذا المقام أحيانًا يضاف للرفع من الركوع ، و أحيانًا أخرى يضاف للسجود ، لوقوعه بينهما.

      و هذا نظير قول نافع : " أن ابن عمر رضي الله عنه كان يكبر بيديه حين يستفتح ، وحين يركع ، وحين يقول: سمع الله لمن حمده ، وحين يرفع رأسه من الركوع ... الحديث " . و هو مخرج في جزء رفع اليدين للبخاري (38) . فقوله " حين يقول : سمع الله لمن حمده ، و حين يرفع رأسه من الركوع " ؛ أي أنّ رفع اليدين يكون بين ذينك المحلين ؛ بعد التسميع الذي يكون أثناء الرفع ، و بعد الإنتهاء من الرفع و الإستواء في القيام ، على الوجه الذي بيّنّا أول البحث .

      و قد ورد عن نافع عن ابن عمر : " أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يرفع يديه عند التكبير للركوع وعند التكبير حين يهوى ساجدًا " أخرجه الطبراني في ( الأوسط 16) ، قال الهيثمي ( 2/102) : إسناده صحيح .

      وعن أبي هريرة أنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر للصلاة جعل يديه حذو منكبيه ، وإذا ركع فعل مثل ذلك ، وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك ، وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك " أخرجه أبو داود ( 738)

      كما أن التكبير للسجود قد يضاف أحيانًا للرفع من الركوع ،كما في حديث أبي هريرة : "كان يكبر إذا ركع و إذا رفع رأسه " ( البخاري762) ، و في حديث الخدري : "فجهر بالتكبير حين افتتح وحين ركع وحين قال سمع الله لمن حمده " ( ابن خزيمة 580) وقال عقبه : قوله "وحين قال : سمع الله لمن حمده" ، إنما أراد حين قال: سمع الله لمن حمده فأراد الإهواء للسجود كبر ، لا أنه إذا رفع رأسه من الركوع كبر.اهـ.. فإذا استوعبنا هذا الأمر زال الإشكال ، و انسجمت ألفاظ الحديث .

      و قوله " بين الركعتين " يريد بين الركعة الثانية و الثالثة ، كما قال الإمام السيوطي في " الديباج " (2/243) ، أي بعد القيام من التشهد ، و هذا مصطلح معروف لدى السلف ، و منها حديث ابن مسعود رضي الله عنه : " إذا جلستم بين الركعتين فقولوا التحيات لله والصلوات والطيبات ...الحديث " ( البيهقي في الكبرى 2677) .

      و لعلك لاحظت أيها اللبيب أن الشيخ الألباني رحمه الله حينما تصرف في رواية الحديث فذكر بعضه دون بعض ، اختل البيان .

      هذا ، و تابع عبدَ الوهاب الثقفي ، عبدُ الأعلى فرواه عن عبيد الله به : " أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه ، وإذا ركع رفع يديه ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده رفع يديه ، وإذا قام من الركعتين رفع يديه . ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم " أخرجه البخاري ( 706)

      و خالف أبو أسامة ، فرواه عن عبيد الله ، بلفظ : " أنه كان يرفع يديه إذا رفع رأسه من السجدة الأولى " أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (2796) . و هذا خطأ ظاهر ، و ما في الصحيح أولى بالإتباع .

      و أبو أسامة هو : حماد بن أسامة ، قال الحافظ في التقريب (1/77) : " ثقة ثبت ربما دلس وكان بأخرة يحدث من كتب غيره " و النتيجة هي ضعف الرواية و شذوذها ، و بالتالي عدم اعتبارها للإحتجاج بها.

      و الخلاصة : أن خبر ابن عمر رضي الله عنهما ، من طريق عبيد الله عن نافع ، ليس فيه دلالة على دعوى الشيخ الألباني رحمه الله . و لايسعفه في حال من الأحوال .

      و أما حديث ابن عمر الثاني الذي استدل به الألباني رحمه الله على سنية الرفع في السجود ؛ فقد رواه البخاري في ( جزء رفع اليدين 12) قال : "أخبرنا أيوب بن سليمان حدثنا أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن العلاء أنه سمع سالم بن عبد الله : أن أباه كان إذا رفع رأسه من السجود وإذا أراد أن يقوم رفع يديه ".

      قلت : هذا الخبر لا ينبغي أن يُفرح به ؛ لأنه من رواية العلاء بن عبد الرحمن ؛ قال أبو زرعة : ليس هو بأقوى ما يكون . وقال أبو حاتم : صالح ، روى عنه الثقات ولكنه أنكر من حديثه أشياء . من ( تهذيب الكمال للمزي 22/520) .

      و قال الحافظ في ( التقريب1/435) : صدوق ربما وهم .

      و وَهِم الشيخ الألباني رحمه الله حينما جعل الخبر على شرط البخاري في الصحيح . ذلك لأن ( العلاء ) هذا ، ليس من رجال الصحيح . و إنما روى له في جُزئَي " القراءة خلف الإمام " و " رفع اليدين ".

      و مما يدلك على ضعف تينك الروايتين اللتين ذكرهما الشيخ رحمه الله ، أنهما مخالفتان بعض الشيء لسياق رواية أصحاب نافع و سالم من الأئمة الحفاظ المتقنين ، و هم الزهري ، و ابن جريج ، و مالك ، و الليث ، و عبيد الله في الصحيح عنه , و أيوب ، و غيرهم .

      بل في رواية هؤلاء الأعلام التصريح بعدم مشروعية رفع اليدين في غير تلك المواطن . ففي رواية بعضهم :

      " و كان لا يفعل ذلك في السجود "

      و في رواية : " ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه من السجود " أخرجهما البخاري (702-705).

      و في أخرى : " و لا يرفع بين السجدتين " مسلم (1/292) و ابن خزيمة (583) و ابن الجارود (177) و غيرهم .

      و قد حاول الشيخ الألباني رحمه الله التوفيق بين هذه و تلك فقال : " و لا تعارض بين هذه الأحاديث و بين حديث ابن عمر المتقدم بلفظ :" ..و لا يرفعهما بين السجدتين" ، لأنه نافٍ ، و هذه مثبتة ، والمثبت مقدم على النافي ،كما تقرر في علم الأصول .." ( تمام المنة ص 172)

      قلت : هذه قاعدة كثيرًا ما يساء استعمالها ، فالمثبت لا يقدم على النافي مطلقًا ، بل لا بد من مرجحات ؛ مثل النظر في درجات الصحة ، و العدد ، و القرائن ، و الشواهد... فلا تقدم رواية مخلط لأنها مثبتة ، على رواية حافظ لأنها نافية ... هذا أمر مهم ينبغي التنبّه له ، لأنه كثيرًا ما يُلهج به دون بيانه .

      و أمّا ابن حزم رحمه الله فقد جعل رواية نافع ، التي نسبها له الشيخ الألباني رحمه الله ، جعلها ناسخة لرواية أولئك الأعلام ، فقال : و ما كان لابن عمر ليرجع إلى خلاف ما روى من ترك الرفع عند السجود إلاّ و قد صح عنده فعل النبي صلى الله عليه و سلم لذلك .( المحلى 4/94)

      قلت : قد مضى توجيه تلك الرواية ، و بيّنت أنها لا تفي بالغرض المطلوب . و هي مع ذلك موقوفة لا تقوى على مقاومة المرفوع . كيف و قد أخرج البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه ، وإذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وكان لا يفعل ذلك في السجود. فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى ".

      و من الشواهد على ذلك :

      حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة كبر ثم جعل يديه حذو منكبيه وإذا ركع فعل مثل ذلك وإذا سجد فعل مثل ذلك ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك " أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ( 694) .

      و حديث أبي موسى الأشعري ،قال : هل أريكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكبر ورفع يديه ، ثم كبر ورفع يديه للركوع ، ثم قال: سمع الله لمن حمده ، ثم رفع يديه ثم قال: هكذا فاصنعوا .ولا يرفع بين السجدتين " أخرجه الدارقطني في سننه ( 16) ، و عند البيهقي موقوفًا بلفظ : " ... و لم يرفع في السجود "

      وحديث علي ، وقد مر تخريجه ،وفيه :" وكان لا يفعل ذلك في شيء من سجوده " ، وهذا اللفظ للبيهقي في السنن (2137)

      - حديث أنس رضي الله عنه : رواه ابن أبي شيبة (2434)، و من طريقه ابن حزم (4/92) ، حدثنا الثقفي عن حميد عن أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الركوع والسجود "

      قلت : هذا الحديث رواه جماعة عن الثقفي ، منهم ؛

      محمد بن حوشب بلفظ : " يرفع يديه عند الركوع " ( جزء رفع اليدين -8)

      و محمد بن يحيى بلفظ : " إذا ركع ، و إذا رفع رأسه من الركوع " البيهقي في ( الخلافيات )

      و محمد بن بشار ، في رواية ابن ماجة عنه بلفظ :" إذا دخل في الصلاة ، و إذا ركع "

      و في رواية ابن صاعد عنه ، بلفظ : " يرفع يديه إذا دخل في الصلاة ، وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد " أخرجه الدارقطني في سننه (11).

      تعليق

      • saad ali fadel
        طالب علم
        • Mar 2007
        • 20

        #4
        قلت : ابن صاعد حافظ ، إلا أنّ ابن ماجة أعلى كعبًا منه . و مع ذلك ، يمكن توجيه لفظي " السجود " و " سجد " بما بعد الرفع من الركوع ، كما مر فتذكره .

        و هذا لا شك فيه ، فقد روى الحديثَ أبو يعلى في مسنده ( 3793 ) ، قال : " حدثنا أبو بكر( ابن أبي شيبة ) حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن حميد عن أنس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع"

        و هذا أقوى شاهد على أنهم يعبّرون عن "الرفع من الركوع" بـ "السجود". و قد رواه أبو يعلىكذلك عن ابن أبي شيبة به (3752)

        هذا ، و روى حديثَ أنس عن حميد :

        يحيى بن سعيد موقوفًا بلفظ : " كان يرفع يديه عند الركوع " البخاري في (جزء القراءة 97)

        و معاذ بن معاذ موقوفًا كذلك بلفظ : " كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع " ابن أبي شيبة (2433)

        و يزيد بن هارون مرفوعًا بلفظ : " يرفع يديه إذاكبر ، وإذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع " المختارة للمقدسي (2027) ، و المحفوظ ، كما قال الدارقطني ، الموقوف .

        و رواه عن أنس :

        يحيى بن أبي إسحاق بلفظ : " أنه كان يرفع بين السجدتين " أخرجه ابن أبي شيبة (2795) ، وهذا الخبر هو الذي عناه الشيخ الألباني رحمه الله فقال في ( تمام المنة ص 172) :" و قد ثبت الرفع بين السجدتين عن جماعة من السلف ، منهم أنس رضي الله عنه ".اهـ

        و هذا يمكن رده من جهتين ؛
        الأولى : في السند ، فإنّ ( يحيى بن أبي إسحاق ) قال فيه الحافظ في ( التقريب 1/177): صدوق ، ربما أخطأ .

        و الثانية : في المتن ، فإنّ قوله "بين السجدتين" إنما يعني بهما الركعتين ؛ الثانية و الثالثة .

        و رواه عاصم الأحول بلفظٍ قريب من لفظ معاذ بن معاذ ، أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين (19-64) . فروايته هي أصح الروايات و أبينها و أصوبها . قال أحمد بن حنبل : معاذ بن معاذ قرة عين في الحديث . وقال في موضع آخر: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة ...و قال يحيى بن سعيد : ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ ، وما أبالي إذا تابعني من خالفني ...وقال : النسائي ثقة ثبت " اهـ من (تهذيب الكمال للمزي 28/132)

        - حديث وائل بن حجر رضي الله عنه : رواه أبو داود (723) ، و من طريقه ابن حزم (4/91-92) ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي ثنا عبد الوارث بن سعيد قال:ثنا محمد بن جحادة حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر قال : كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي قال فحدثني علقمة بن وائل عن أبي وائل بن حجر قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا كبر رفع يديه . قال : ثم التحف ثم أخذ شماله بيمينه وأدخل يديه في ثوبه . قال : فإذا أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما ، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع يديه ، ثم سجد ووضع وجهه بين كفيه ، وإذا رفع رأسه من السجود أيضا رفع يديه ،حتى فرغ من صلاته . قال محمد فذكرت ذلك للحسن بن أبي الحسن فقال : هي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعله من فعله وتركه من تركه "

        قلت : ذِكْرُ رفع اليدين في السجود ، في هذا الحديث شاذ ، نبّه على ذلك أبو داود نفسه فقال عقبه : روى هذا الحديث همام عن أبي جحادة لم يذكر الرفع مع الرفع من السجود .

        قلت : رواية همام أخرجها أبو عوانة في صحيحه (1596) و البيهقي في الكبرى (2345)

        و الخطأ في الرواية الأولى ليس من عبد الوارث ، فقد روى ابن حبان في صحيحه (1862) فقال : أخبرنا أبو يعلى قال حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي قال حدثنا عبد الوارث قال حدثنا محمد بن جحادة قال حدثنا عبد الجبار بن وائل بن حجر قال كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي فحدثني وائل بن علقمة عن وائل بن حجر قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا دخل في الصف ، رفع يديه وكبر ثم التحف فأدخل يده في ثوبه فأخذ شماله بيمينه ، فإذا أراد أن يركع أخرج يديه ورفعهما وكبر ثم ركع ، فإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه فكبر فسجد ثم وضع وجهه بين كفيه قال ابن جحادة : فذكرت ذلك للحسن بن أبي الحسن ، فقال : هي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله من فعله وتركه من تركه "

        فتبيّن مما سبق ، أنّ زيادة الرفع في السجود إنما هي من ( عبيد الله بن ميسرة ) ، شيخ أبي داود .

        و روى حديث وائل ، عن علقمة :

        قيس بن سليم العنبري بلفظ : " قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا قال: سمع الله لمن حمده هكذا . فأشار قيس إلى نحو الأذنين " أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين (10) و النسائي في الكبرى (64)

        وعمرو بن مرة ، بلفظ : " أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حين يفتتح الصلاة وإذا ركع وإذا سجد " الدارقطني (13)

        و ليس بين اللفظين اختلافًا إلا في التعبير ، و أما المعنى فواحد . و قوله " و إذا سجد " يريد ؛ إذا استتمّ قائمًا من الركوع و أراد السجود . و قد ورد ذلك صريحًا في رواية عن عاصم بن كليب عن أبيه ، حيث قال : " ...ولما أراد أن يركع رفع يديه ولما أراد أن يسجد رفع يديه..." أخرجه الطبراني في الكبير (89)

        و قد نبّهت على مثل هذا فيما مضى من البحث فارجع إليه و تذكره ، فإنه مهمّ في هذا الباب .

        و روى الحديث عن وائل نفسه ، (كليب) من طريق ولده (عاصم) ، بألفاظ متقاربة ، منها قوله : " ثم لما أراد ان يركع رفع يديه مثلها فوضع يديه على ركبتيه ثم رفع رأسه فرفع يديه مثلها ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه " هذا لفظ زائدة بن قدامة .

        الحديث أخرجه ابن الجارود (202-208) و ابن خزيمة (697-698) و الدارمي (1357) و أبو داود (626-627) و عبد الرزاق (2122) و غيرهم .

        و الخلاصة ؛ أن حديث وائل كغيره مما سبق من الأحاديث ، ليس فيه أي دليل على رفع اليدين في غير المواطن الثلاثة ، و ما سوى ذلك ، فإما شاذّ أو غريب أو منكر أو مجمل.

        - حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أخرجه أبو داود (740) قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن أبان المعنى قالا ثنا النضر بن كثير يعني السعدي قال : " صلى إلى جنبي عبد الله بن طاوس في مسجد الخيف فكان إذا سجد السجدة الأولى فرفع رأسه منها رفع يديه تلقاء وجهه فأنكرت ذلك فقلت لوهيب بن خالد فقال له وهيب بن خالد : تصنع شيئا لم أر أحدا يصنعه فقال بن طاوس : رأيت أبي يصنعه . وقال أبي : رأيت بن عباس يصنعه ، ولا أعلم إلا أنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنعه"

        و أخرجه أبو يعلى (2704) و ابن حزم (4/94) و غيرهما ...

        و مدار هذا الحديث على ( النضر بن كثير ) ؛ قال :" ابن حبان يروي الموضوعات عن الثقات لا يجوز الاحتجاج به ، دجال" ( الضعفاء و المتروكين لابن الجوزي 3/162)

        و تابعه ( عمر بن رياح ) عن ابن طاوس به . " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند كل تكبيرة " . أخرجه ابن ماجة ( 865)

        و عمر هذا ، ليس أحسن حالاً من النضر ؛ قال النسائي والدارقطني : متروك . وقال الحاكم أبو أحمد : ذاهب الحديث ، له عنده في الرفع عند كل تكبير . وقال بن عدي: يروي عن ابن طاوس البواطيل ما لا يتابعه أحد عليه . والضعف بّين علىحديثه . وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الثقات ، لا يحل كتب حديثه ، الا على التعجب .اهـ من ( تهذيب التهذيب 7/393)

        قلت : حديث ابن عباس ، أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين (55) : عن أبي الزبير عن طاوس : " أن ابن عباس كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي أذنيه وإذا رفع رأسه من الركوع واستوى قائما فعل مثل ذلك "

        و رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (2431) : حدثنا هشيم قال أخبرنا أبو جمرة قال : "رأيت ابن عباس يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع "

        و من طريق هشيم ، رواه البخاري في جزء رفع اليدين ( 20) عن مسدد ، و لم يذكر "إذا ركع".

        هذا ، و في الباب أحاديث أخرى ، تالفة واهية ، و لو لا خشية الإغترار بها لما عرّجت عليها ، منها :

        - حديث عمير بن حبيب قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة " أخرجه ابن ماجة (861) قال : حدثنا هشام بن عمار ثنا رفدة بن قضاعة الغساني ثنا الأوزاعي عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده عمير بن حبيب ...

        و الحديث في سنده ( رفدة بن قضاعة ) قال ابن حبان في ( المجروحين1/304) : كان ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير لا يحتج به إذا وافق الثقات ، فكيف إذا انفرد عن الأثبات بالأشياء المقلوبات ؟ ثم ذكر حديثه الذي نحن بصدده فقال- : وهذا خبر إسناده مقلوب ومتنه منكر؛ ما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يده في كل خفض ورفع قط ، وأخبار الزهري عن سالم عن أبيه تصرح بضده أنه لم يكن يفعل ذلك بين السجدتين .اهـ

        قلت : و ثمة علة أخرى ؛ و هي الإنقطاع ، قال الأوزاعي : لم يسمع عبد الله من أبيه شيئًا ، حكاه عنه البخاري في تاريخه ( مصباح الزجاجة1/107) .

        - حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : أخرجه أحمد في المسند (14369) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا نصر بن باب عن حجاج عن الذيال بن حرملة قال سألت جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما :كم كنتم يوم الشجرة ؟ قال :كنا ألفا وأربعمائة قال " وكان يرفع يديه في كل تكبيرة من الصلاة "

        قال الحافظ الهيثمي في ( الزوائد2/101) : هو في الصحيح خلا رفع اليدين . قلت : و هذا دليل على ضعف حجاج بن أرطأة و اضطرابه ، و هو مع ذلك مدلس و قد عنعن .

        و ثمة آفة أخرى ، و هو ( نصر بن باب) ؛ قال ابن المديني : رميت حديثه .. وقال يحيى : ليس بثقة وقال مرة : كذاب خبيث . وقال السعدي : لا يساوي حديثه شيئا ...وقال النسائي : متروك وقال البخاري : يرمونه بالكذب . وقال أبو زرعة : لا ينبغي أن يحدث عنه " انظر ترجمته في ( الميزان7/19) ، ( الضعفاء و المتروكين لابن الجوزي 3/158) و ( المجروحين لابن حبان 3/53)

        قلت : الصحيح في حديث جابر ما أخرجه الأثرم عن أبي الزبير ، قال : " كان جابر بن عبدالله إذا كبر رفع يديه وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه وزعم أن النبي عليه السلام كان يفعل ذلك " ذكره ابن عبد البر (23/161)

        و يشهد له ما رواه البخاري في جزء رفع اليدين (60) من طريق ليث عن عطاء قال : "رأيت جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدري وابن عباس وابن الزبير يرفعون أيديهم حين يفتتحون الصلاة وإذا ركعوا وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع "

        هذا فيما يتعلق بالأخبار المرفوعة و الموقوفة ، و قد ظهر بالبيان و الدليل أنّ واحدًا منها لم يثبت فيه الرفع في غير المواطن الأربعة ... و أما الآثار المتعلقة ببعض السلف من التابعين و الأئمة ممّن ذكرهم الشيخ الألباني رحمه الله على أنهم كانوا يذهبون إلى الرفع في السجود و مع كل تكبيرة ، فالشأن فيها كسابقها ، كلها على نسق واحد ، و معنى واحد ، و هذه بعضها :

        - عن الربيع بن صبيح قال : " رأيت الحسن ومجاهدا وعطاء وطاوسا وقيس بن سعد والحسن بن مسلم يرفعون أيديهم إذا ركعوا وإذا سجدوا " أخرجه البخاري في جزء ( رفع اليدين ) من طريق وكيع ...

        و قوله "إذا سجدوا" لا يعني السجود كما يتبادر من ظاهر اللفظ ، بل يعني الرفع الذي يليه السجود . و يتجلى هذا المعنى عند جمع ألفاظ الخبر؛

        ففي رواية أبي النصرعن الربيع : " يرفعون أيديهم عند الركوع ، و عند الرفع منه " أخرجها الأثرم كما في التمهيد ...

        و في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن الربيع : " إذا افتتحوا الصلاة رفعوا أيديهم وإذا ركعوا وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع " أخرجه البخاري في ( رفع اليدين 66)...

        و هذا هو الذي عناه عبد الرحمن بن مهدي بقوله : " هذا من السنة " ، و ليس كما أوهم كلام الشيخ الألباني رحمه الله ...

        - عن عكرمة بن عمار ، قال : " قال رأيت القاسم وطاوسا ومكحولا وعبد الله بن دينار وسالما يرفعون أيديهم إذا استقبل أحدهم الصلاة وعند الركوع والسجود " رواه البخاري في ( رفع اليدين 68) من طريق عمر بن يونس ...

        و هذا اللفظ ليس فيه ما يوهم من ظاهره ، سوى أن الرفع إنما كان قبل الركوع و قبل السجود .

        و قد رواه البخاري في موضع آخر من جزءه المذكور آنفًا (61) من طريق عبد الله بن المبارك بلفظ : " يرفعون أيديهم في الصلاة إذا ركعوا و إذا رفعوا "

        - خبر طاوس : المحفوظ عن طاوس و غيره من التابعين أن مذهبهم في هذا ، هو مذهب الصحابة ، الموافق لما نقلوه عنهم من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم .

        فقد روى أحمد (5033) و البخاري في ( جزءه 74) و ابن عبد البر ، عن الحكم قال:" رأيت طاوسا حين يفتتح الصلاة يرفع يديه وحين يركع وحين يرفع رأسه من الركوع"

        و قدمرّ ذكر طاوس في جملة مَن ذكرهم ( عكرمة ) و ( عمار ) ، ممّن يرفعون أيديهم في المواطن الثلاثة ...فاجعله ببال.

        و هكذا ، فإنه لا يمكن أن نهتدي إلى المراد من لفظ من الألفاظ و الشأن أنها متحدة المخرج - إلا بعد جمعها ، و النظر في المعنى الذي تلتئم به و تتوافق عليه . و من الخطأ التعامل مع كل رواية على حدة كما لو أنها حديث منعزل ، ذلك لأنّ الرواة أحيانًا يروون بالمعنى و يتصرفون في اللفظ . انظر على سبيل المثال ؛

        رواية محمد بن الفضل عن عاصم بن كليب عن محارب بن دثار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : "رأيته يرفع يديه في الركوع و السجود" ، هذا لفظ ابن أبي شيبة (2439)

        و رواه أبو يعلى (5670) حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا محمد بن الفضل به . " أنه كان يرفع كلما ركع و كلما رفع "

        فـ( ركع ) في هذه الرواية ، تقابل ( الركوع ) في الرواية الأولى . و ( رفع ) ههنا ، تقابل ( السجود ) هناك ...

        و رواه أحمد (6328) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن فضيل به . " يرفع يديه كلما ركع و كلما رفع رأسه من الركوع " و هذه بيّنت ما أجمل من ( الرفع ) في الرواية السابقة ، على أنه من الركوع ...

        و هذا اللفظ هو أتمّها و أوفاها ، و قد تابع عاصمًا ، عبد الواحد بن زياد عن محارب بن دثار قال : " رأيت عبد الله بن عمر إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه ، وإذا أراد أن يركع رفع يديه ، وإذا رفع رأسه من الركوع " أخرجه البخاري في جزء ( رفع اليدين-47) من طريق أبي النعمان .

        و لكنّ بعض الناس تلقفوا ظاهر الرواية الأولى ، و أغفلوا غيرها و القرائن التي تحتفّ بها ، و زعموا أنها تفيد الرفع في السجود ...كما توهموا من لفظة ( بين السجدتين ) التي وردت في بعض الآثار ، أنها الجلوس الذي بين السجدتين . و إنما هما الركعتان الثانية و الثالثة ، كما ورد في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه : " حتى إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه " رواه الترمذي (304) و قال : ومعنى قوله: "ورفع يديه إذا قام من السجدتين" يعني قام من الركعتين ...

        قلت : و يعرف هذا بالقرائن ،كما في حديث علي رضي الله عنه :" وكان لا يفعل ذلك في شيء من سجوده ، وإذا قام من السجدتين مثل ذلك " رواه البيهقي في الكبرى (2137) . فلمّا نفى الرفع في السجود ، دلّ قوله " قام من السجدتين " أنه يعني القيام من الركعتين...

        و في بعض ألفاظ حديث أبي هريرة رضي الله عنه :" وكان يكبر بين السجدتين ، وإذا رفع وإذا خفض " رواه الطيالسي (2320) ... و المراد بقوله "بين السجدتين" الركعتان ؛ الثانية و الثالثة . لأن التكبير للسجود و الرفع منه داخل تحت قوله :" إذا رفع و إذا خفض".

        و في هذا السياق تدخل الآثار التي وردت عن بعض التابعين كنافع و طاوس و ابن سيرين .

        و من الألفاظ الموهمة ، ما نقله الشيخ الألباني رحمه الله عن ابن القيم في ( البدائع ) قال : قال الأثرم :" رأيت أبا عبد الله يعني الإمام أحمد - يرفع يديه في الصلاة في كل خفض و رفع " ، ففهم من قوله "في كل خفض و رفع" ، أنه يعني الرفع عند كل تكبيرة.

        و سبب هذا الوهم ، هو النظر إلى اللفظ بمعزل عن الشواهد و القرائن التي تحتفّ به .

        و الحال ، أنّ السلف كانوا يستعملون هذا اللفظ في الخفض للركوع و الرفع منه ، و هذه بعض أخبارهم :

        " اجتمع الأوزاعي والثوري بمني فقال الأوزاعي للثوري:لم لاترفع يديك في خفض الركوع ورفعه ؟ فقال الثوري:ثنا يزيد بن أبي زياد. فقال الأوزاعي: أروي لك عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وتعارضني بيزيد بن أبي زياد؟ ويزيد رجل ضعيف الحديث وحديثه مخالف للسنة ؟ قال: فاحمر وجه سفيان الثوري..." إلى آخر القصة ، و إنما اقتصرت فيها على الشاهد ، و هي في سنن البيهقي الكبرى (2/82) ، و سير أعلام النبلاء للذهبي (7/112)

        و عن وكيع أن أبا حنيفة قال:ما باله يرفع يديه عند كل رفع وخفض أيريد أن يطير؟ فقال له عبد الله بن المبارك: إن كان يريد أن يطير إذا افتتح ، فإنه يريد أن يطير إذا خفض ورفع" ، هذا لفظ إسحاق بن راهويه كما في ( تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة 1/55)

        و رواه البيهقي في السنن (2/82) من طريق علي بن يونس عن وكيع قال صليت في مسجد الكوفة فإذا أبو حنيفة قائم يصلي وابن المبارك إلى جنبه يصلي فإذا عبد الله يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع وأبو حنيفة لا يرفع ... إلخ."

        قال ابن عبد البر في ( التمهيد 9/216) : " وحجة من رأى الرفع عند كل خفض ورفع حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب ..." قلت : و يعني به الحديث الذي ذكرناه أول البحث ، و فيه الرفع في المواطن الثلاثة.

        قال الحافظ في ( الفتح 2/223) بعد أن ذكر مذهب الإمام الشافعي من عدم مشروعية الرفع في غير المواطن الثلاثة :" وأما ما وقع في أواخر البويطي (يرفع يديه في كل خفض ورفع ) فيحمل الخفض على الركوع والرفع على الاعتدال..."

        قلت : قوله " في كل خفض و رفع " لفظ عام يراد به الخصوص . قال ابن قدامة في (المغني1/303) : " والأحاديث العامة مفسرة بالأحاديث المفصلة التي رويناها فلا يبقى فيها اختلاف "

        و اعلم أنّ مذهب الإمام أحمد هو مذهب الجمهور، خلافًا لما ذكره عنه الشيخ الألباني رحمه الله ، فقد قال ابن القيم رحمه الله في ( البدائع 3/72) : " أكثر الروايات عنه أنه لم يَرَ الرفع عند الإنحدار إلى السجود ، و لا بين السجدتين ، و لا عند القيام من الركعتين ، و لا فيما عدا المواضع الثلاثة في حديث ابن عمر".اهـ

        قلت : قال أبو بكر الأثرم : قيل لأحمد بن حنبل رفع اليدين من السجدتين ؟ فذكر حديث سالم عن ابن عمر:" ولا يرفع بين السجدتين " ، ثم قال :" نحن نذهب إلى حديث ابن عمر..."

        و قال الأثرم وسمعته غير مرة يُسأًل عن رفع اليدين عند الركوع وإذا رفع رأسه ؟ قال: ومن شك في ذلك كان ابن عمر إذا رأى من لا يرفع حصبه . قال : وحدثنا أبو عبدالله يعني أحمد بن حنبل قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت زيد بن واقد قال: سمعت نافعا قال :" كان ابن عمر إذا رأى رجلا لا يرفع يديه حصبه وأمره أن يرفع ".اهـ من (التمهيد9/224)

        يقول العبد الضعيف : و في هذا الخبر الذي ذكره الإمام أحمد عن ابن عمر ، قرينة أخرى على أنّ السلف كانوا يعبّرون عن الركوع و الرفع منه بعموم ( الخفض و الرفع ) ؛ فقد روى هذا الخبر الحميدي في مسنده (615) ، قال: ثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت زيد بن واقد يحدث عن نافع " أن عبد الله بن عمر كان إذا أبصر رجلا يصلي لا يرفع يديه كلما خفض ورفع حصبه حتى يرفع يديه ".

        و رواه البخاري في ( جزء رفع اليدين 14) عن الحميدي به ." أن ابن عمركان إذا رأى رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى "

        هذا مذهب الإمام أحمد ... وأمّا الإمام الشافعي ، فقال في ( الأم 1/104) ؛ في "باب رفع اليدين في التكبير في الصلاة" ، بعد أن أورد حديث ابن عمر من طريق سالم وتكلم عليه : ولا نأمره أن يرفع يديه في شيء من الذكر في الصلاة التي لها ركوع وسجود إلا في هذه المواضع الثلاثة .اهـ

        و رُوي عنه أنه قال : " كل تكبيركان في افتتاح أو في قيام ففيه رفع اليدين " رواه الأثرم كما في ( التمهيد9/228)

        و أمّا مذهب الإمام مالك فقال ابن عبد الحكم:لم يروِ أحد عن مالك ترك الرفع فيهما-أي في الركوع و الرفع منه- إلا ابن القاسم . والذي نأخذ به الرفع على حديث ابن عمر وهو الذي رواه ابن وهب وغيره عن مالك . ولم يحك الترمذي عن مالك غيره . ونقل الخطابي وتبعه القرطبي في المفهم : أنه آخر قول مالك .اهـ من ( النيل2/193)

        قلت : روى ابن عبد البر بإسناده عن أشهب قال:" صحبت مالك بن أنس قبل موته بسنة فما مات إلا وهو يرفع يديه "

        و عن ابن وهب قال صحبت مالك في طريق الحج فلما كان بموضع ذكره يونس دنت ناقتي من ناقته فقلت يأبا عبدالله كيف يرفع المصلي يديه في الصلاة ؟ فقال : وعن هذا تسألني ؟ ما أحب أن أسمعه منك . ثم قال : إذا أحرم وإذا أراد أن يركع وإذا قال سمع الله لمن حمده ".

        و رواه من وجه آخر بلفظ : " رأيت مالك بن أنس يرفع يديه في كل خفض ورفع أو قال: كلما خفض . ولم تزل تلك صلاته " ( التمهيد 9/222و223)... و هذا كذلك يؤكد ما بيّناه آنفًا ؛ من أنّ السلف يطلقون ( الخفض و الرفع ) على خفض الركوع و رفعه .

        و خلاصة ما أسلفنا من البحث ، رأينا :

        - أنّ قول القائل في حديث ما " سنده صحيح " أو " على شرط الصحيح " أو ما شابه ذلك ، لا يعني صحة الحديث متنًا و لا إسنادًا ...

        - و أنّ الحديث إذا ورد بألفاظ شتى ، و كان متحد المخرج ، فينبغي أن تجمع ألفاظه و تُرجَع إلى أصحها معنى ...

        - و أنّ اللفظ في الحديث لا ينبغي أن يُفَسّر بمعزل عن القرائن و الشواهد التي تحتف به ...

        - و أنّ الجمع بين الروايات و الأحاديث في الباب الواحد إذا أمكن ، فلا ينبغي أن يُصار إلا إليه ، كما تقرر في الأصول .

        - و أنّ الرفع يكون بعد القيام من التشهد الأوسط ، و ليس في حال القعود ...

        - و أنّ الأحاديث التي تعلق بها القائلون بمشروعية الرفع في السجود و عند كل تكبير ، أحاديث معتلة ضعيفة . قال الشوكاني في ( النيل2/196) : " وهذه الأحاديث لا تنتهض للاحتجاج بها على الرفع في غير تلك المواطن ، فالواجب البقاء على النفي الثابت في الصحيحين حتى يقوم دليل صحيح يقتضي تخصيصه كما قام في الرفع عند القيام من التشهد الأوسط".اهـ

        تمّ بحمد الله و حسن توفيقه ما قصدت له ... أسأل الله الكريم أن يجعله عملاً متقبّلاً . و صلى الله و سلم و بارك على نبيّنا محمد و آله و صحبه أجمعين . تمّ الفراغ منه ظهر السابع و العشرين من شهر رمضان الكريم ، من سنة 1424 للهجرة .

        و كتبه أبو محمد عبد الوهاب مهية

        تعليق

        • saad ali fadel
          طالب علم
          • Mar 2007
          • 20

          #5
          نأمل من جميع المشايخ التعليق وهل نضيف باقي المواضيع

          تعليق

          • saad ali fadel
            طالب علم
            • Mar 2007
            • 20

            #6
            نأمل من جميع مشايخنا التعليق وهل أضيف باقي المواضيع

            تعليق

            يعمل...