السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسرني إخواني الفضلاء أن أقدم لكم هذا البحث الرائع لشيخنا فضيلة الأستاذ الدكتور
طه الدسوقي حبيشي
أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين
جامعة الأزهر.
تناول فيه فضيلته هذا المشروع الذي يطالب به خادم الحرمين الشريفين، وهو توسعة المسعى، فأفاض فيه وأجاد، أسأل الله أن ينفعنا جميعا لما فيه الحق والصواب.يسرني إخواني الفضلاء أن أقدم لكم هذا البحث الرائع لشيخنا فضيلة الأستاذ الدكتور
طه الدسوقي حبيشي
أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين
جامعة الأزهر.
ماذا لو انتقل المسعى؟!!
في هذه الأيام حديث يتناقله الناس عن توسُّعات جديدة في الحرم المكي، يتم معها ترحيل المسعى عن مكانه مسافة يسهل معها، التوسعات من هذه الجهة، وهي الجهة الجنوبية الشرقية بالنسبة إلى الكعبة.فرأيت من الواجب عليّ أن أتحدث صناع القرار في المملكة العربية السعودية- وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين- حوارا مفتوحا تبرأ منه الذمم، وترتاح معه القلوب والأفئدة، لعلنا نكون من أولئك الذين شملهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين يخلصون النصح لأئمة المسلمين وعامتهم.
لقد سئل الإمام مالك من جهة صناع القرار في زمانه عن حكم إعادة بناء الكعبة على الأسس التي كانت عليها أيام إبراهيم عليه السلام خصوصا وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أن بناءها الحالي لا يستوعب هذه الأسس خاصة من الجهة الشمالية، وأن الزبير بن العوام قد أقام بناء الكعبة بعد هدمها في أوائل ستينات القرن الأول الهجري على ما كانت عليه أيام سيدنا إبراهيم، وهو عمل لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكعبة إلى ما كانت عليه أيام إبراهيم.
هذه قصة لا تصلح أن تكون دليلا، ولكن فيها الصلاحية المطلقة لكي تكون قرينة، خاصة فيما يتصل بالنتيجة التي استنتجها الإمام مالك رضي الله عنه، وهي أن الشعائر وأماكنها ينبغي أن تكون بعيدة عن مجالي الرأي والاستحسان.
وبعد هذه القصة نقول ناصحين لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم: إن الحج والعمر شعائر تؤدى في أماكن والأماكن في الحج والعمرة محسوبة على ميزان الشعرة الدقيق.
فأعمال العمرة مثلا ينبغي أن تُؤدى في أماكن من الحل وأخرى من الحرم، والفرق بين الحل والحرم في طرفيهما كالفرق بين الظل والضوء حين يلتقيان، فحدود الحرم لها علامات في جهات معلومة، وهي علامات توارثها العرب من أيام إبراهيم عليه السلام وأقرها سيدنا محمد، وظلت كما هي يراها القادم من الغرب في الحديبية (الشمسى)، ويراها القادم من الشمال في التنعيم، ويراها القادم من الجنوب (اليمن) في (أضاة لبن)، ويراها القادم من الشرق في (الجعرانة)، ويراها القادم من الشمال الشرقي على ثنية بطرف جبل المقطع قريبة من وادي نخلة.
وهذه أماكن محدودة للحرم لابد لأداء العمرة من تجاوزها من إحداها إلى منطقة الحل حين يريد من يؤدي العمرة أن يؤديها على وجهه، فيبدأ الإحرام بها من الحل.
ولا يجوز لأحد من الناس أن ينقل معالم الحرم لتوسعة حزامه، أو لمصلحة التخطيط العمراني مهما كانت الظروف.
ونعود من جديد إلى مفهوم الحج والعمرة بشكل عام.
ومفهوم الحج والعمرة أنهما عبادتان يشتملان على مشاعر وأركان وشروط وسنن تؤدى في أماكن.
ولا يمكن بحال من الأحوال أن نفهم العمرة بشعائرها، والحج بشعائره إذا جردناهما عن الأماكن.
ولنضرب لذلك الأمثال:
1- بالنسبة للعمرة:إن العمرة تقوم عند جمهور العلماء على الإحرام، والطواف بالبيت الحرام، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق والتقصيير.
أما الإحرام بالعمرة فإنه لا يتأتى إلا في الحل، أعني خارج حزام الحرم، وحزام الحرم كما بيناه محدد المعالم من جميع جهاته، ولا يجوز التصرف في هذه المعالم ولا قيد أنملة.
من أجل ذلك فإننا نقول: هل يجوز لنا أن نحرك معالم الحرم لنقول للمعتمرين لقد دخل الحل في الحرم في عملية انسياح وإزاحة للمعالم التي توارثناها بحجة التيسير على المعتمرين؟!
إن هذا أمر لو قد قبلته بعض العقول فإن الشرع لا يقبله، ولو سألت ما الداعي لخروج المعتمر إلى الحل مجتازا حدود الحرم من بعض جوانبه؟ فإني لا أجيبك بالعقل، وإنما الإجابة التي أصطنعها ولا أصطنع غيرها هي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بزوجه عائشة أن تخرج إلى أدنى الحل لتحرم بالعمرة ومعها أخوها زيادة في الأمان، وليساعد أخته إن احتجت إلى مساعدة.
ولو كان هناك من احتمال للتيسير لاصطنعه النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إن الحجيج قد عزموا الأمر خلف نبيهم على الرحيل، ورغبة عائشة في العمرة قد حبستهم عن الارتحال قليلا من الزمن أو كثيرًا.
وأما الطواف اللازم للعمرة فشرطه أن يكون بالبيت الحرام بدءا بالحجر، شريطة أن يراعي المعتمر في شوط الطواف الأول أن يمر بجسمه كله على الحجر.
ولما كان البيت الحرام ممثلا وسط الدائرة على الكوكب الأرضي صلح كل ما حول البيت أن يكون مدارا للطواف.
والسعي الذي هو الركن الثالث بالنسبة للعمرة: شرطه أن يكون بين الصفا والمروة في مكان حدده النبي صلى الله عليه وسلم من خلال سنته العملية، تجد ذلك في تتبع النبي والذين معه يوم أن قام بعمرة القضاء في العام السابع من هجرته صلى الله عليه وسلم، وتجد ذلك حين تتتبع النبي والذين آمنوا معه في عمرته وهو عائد من الطائف في الثامن من الهجرة، حين اعتمر من الجعرانة، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ثم نجد ذلك حين نتتبع النبي والذين معه وهم يسعون بين الصفا والمروة في حجة الوداع، ولا يضيرنا بعد ذلك أن يقول قائل: إن النبي كان مفردا بالحج، أو قارنا بينه وبين العمرة، إذ التركيز هنا إنما هو على المكان الذي سعى فيه النبي صلى الله عليه وسلم واتخذه للمسلمين مسعى إلى يوم القيامة.
2-بالنسبة الحج:الحج هو غير العمرة بالقطع، وفيه كما في العمرة أمور يجب أن نتوقف عندها، وسوف نذكر بعضها على النحو التالي:
أ- إنه لا يشترط لتمام الحج أن يجمع بين الحل والحرم، إلا ما عسى أن يكون من الوقوف بعرفة، وهو أمر ظاهر.
ب-إن من أركان الحج الطواف، وهو حول الكعبة.
والكلام فيه كالكلام في الطواف في العمرة، إذ الكعبة مركز الدائرة على الأرض، وأطراف كوكب الأرض محيط هذه الدائرة، فيتسع المطاف أو المدار حول الكعبة ولا حرج.
ج- السعي بين الصفا والمروة في مكان محدد لم يغيره النبي، ولم يغيره الصحابة، ولم يغيره التابعون، ولم يأذن القرآن أو السنة بتغييره.
والشيء العجيب والذي يجب التأكيد عليه، هو أن المنهج الوهابي منهج سلفي- كما يقولون- وهو قائم على أركانه الثلاثة: الكتاب، والسنة، وفهم الصحابة والتابعين.
وهذه الأركان الثلاثة لايتسع صدر واحد منها إلى التغيير في المسعى.
د-الوقوف بعرفة:والوقوف بعرفة أعمال في مكان كسائر أعمال الحج والعمرة، والمكان محدد تحديدا تاما وحاسما، لا يدخل فيه وادي عرنة، والفاصل بين وادي عرنة وجبل عرفة هو الفاصل بين الظل والضوء حين يلتقيان.
والمسئولون من الساسة والعلماء في الأراضي السعودية قد وضعوا لافتات تحذيرية عند التقاء المكانين، تحمل الناس أن يرتفعوا عن ودادي عرنة كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوجبوا على من صلى الظهر بنَمرة أن يصعد إلى الجبل، مع أن مسجد نمرة قد دخل بتوسعاته شيئا ما من الدخول في جبل عرفة، ومع الزحام الشديد لم يجد أحد من العلماء نفسه ولا حتى واحد من الساسة صناع القرار، يميلون إلى عصيان سنة رسول الله بضم جزء من الأرض المجاورة لعرفة إلى عرفة.
وأدعياء طائفة الحُمْس من العرب التميز على العالمين، واستحقاقهم الوقوف بمكان يميزهم، قد أفسد على كل واحد منهم حجتهم، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة».
هـ-والمبيت بمزدلفة لغة شعيرة من شعائر الحج.
والمزدلفة يكتنفها واديان: وادي عرنة الذي يفصلها عن عرفات. ووادي مُحسَّر الذي يفصلها عن منى، ومع كثرة الزحام وطلب الشريعة من الحجيج أن يبيتوا بمزدلفة ليلة العيد، لم يجرؤ واحد من الناس بدعوى المصلحة أن يدخل الواديين أو أحدهما في مساحة المزدلفة بقصد التوسعة، بل إننا لنجد الحجيج وهم منهبطون من عرفات لو استطاعوا أن يسرعو الخطى أثناء مرورهم بوادي عرنة لفعلوا، حيث رأوا أن النبي قد أرخى لناقته أن تجدَّ السير وهي تمر بهذا الوادي يوم حجة الوداع.
و-ومن شعائر الحج الرمي، وهو عبادة في مكان والمكان قد ضاق بأصحابه ورواده، حيث الزحام الشديد تكتنفه المخاطر، فيصاب كل عام ما يصاب، ويزهق من الأرواح ما يزهق منها، وعلماء الإسلام حين وضعوا المشكلة أمامهم لم يجرؤ واحد منهم أن يعدد في أماكن الرمي، فيترك القديم على قدمه، ويحدد أماكن أخرى مجاورة أو غير مجاورة للرمي تيسيرا على الناس، لا لشيء إلا لأن الحج عبادة في مكان.
والشارع وحده هو الذي يحدد ما يجب فعله، والمكان الذي يجب أن يفعل فيه.
ز-ومنى مشعر آخر من شعائر الحج، يطلب إلى الحجيج المبيت فيه أياما وليالي معلومة، حددها القرآن الكريم في قوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى} [البقرة:203].
ومنى قد ضاقت بقاصديها ضيقا شديدا، ولم يقل أحد نعلمه بضم وادي محسر إليها لتتسع من جهة المزدلفة، ولم نجد أحدا قال بتوسيعها من جهة حنيف بني كنانة أو غيره، لا لشيء إلا لأن المبيت (بمنى) عبادة في مكان، والشارع وحده هو المتحكم في ذلك.
إن هذه الأمور كلها متصلة بالحج، وهي أمور بالقطع مقصودة للشارع قصدا.
وعلى الطرف الآخر نجد أمورا قد توسع الشارع فيها وأذن بذلك، منها:
والإذن بالتصرف في ماء زمزم فيه تيسير، على كل من أراد أن ينتفع بماء زمزم، أو ينتفع به غيره.
ب- ولقد صرح به النبي أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، ثم أذن لمن يريد أن يحصل على هذا الأجر أن يصلي في أي مكان شاء ما دام هو داخل حدود الحرم التي سبق أن حددناها سلفا.
ولما كانت السنة العلمية أكثر تأثيرا في النفوس وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، حين دخل مكة يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، بعد أن طاف بالبيت الحرام، ذهب بأصحابه خارج المسجد إلى أن استقر بهم في منطقة العزيزية تقريبا على حدود منى، وصلى إليهم الصلوات الخمس من يوم الأحد وما بعده، إلى أن صعد بهم يوم التروية إلى منى.
ج- وحدود الكعبة التي سمح النبي صلى الله عليه وسلم بإمكان التوسع إلأيها هي هذه الحدود التي انتقصت منها عمدا يوم أن أعادت قريش بناءها، حيث رأت قريش لقلة مواردها المالية أن تترك من الجهة الشمالية للكعبة نحو من خمسة أذرع ونصف في طول الضلع الشمالي.
وقال النبي ساعتها لعائشة التي رغبت أن تصلي في الكعبة: "لولا أن قومك قريب عهد بجاهلية لأعدت بناء الكعبة على قواعد إبراهيم".
وبقيت الكعبة منقوصة من هذه الجهة إلى اليوم، ولولا عبث السياسة بالبيت الحرام، لتوسع المسلمون في بناء الكعبة إلى حدود إبراهيم عليه السلام.
د- ومقام إبراهيم ليس له في العبادة دور إلا أن يتخذ منه من يطوفون بالبيت فصلا لهم، بحيث يجعلونه بينهم وبين الكعبة المشرفة، كما قال الله عز وجل: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى).
ومع أن مقام إبراهيم على هذه الصفة، فقد انشرح صدرنا لقرار إداري اتخذته الأسرة المالكة، حين كلب البعض الرجوع بمقام إبراهيم بعيدا عن الكعبة بحجة توسيع الدار في الطواف.
وكان خلاصة هذا القرار: منع نقل مقام إبراهيم وتركه على ما هو عليه احتراما لمشاعر المسلمين وتقديرا لما أبقاه عليه النبي الأمين.
هذه أمور ذكرناها وغيرها كثير، لنضعها بين يدي المسئولين في المملكة العربية السعودية، نعبر بها عن رغبة جماهير المسلمين في شتى بقاع الأرض، بعد أن علمنا أن هناك عزم أكيد على ترحيل المسعى من مكانه إلى خارج المسجد، بحجة التوسعة، وبحجة التيسير على ضيوف الرحمن.وهذا العزم حين سمعت به، ألقى بي في عمق التاريخ إلى عصر المبعث، حيث رأيت قولا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أحاول أن أجتهد في فهمه، ولا أظن أني سيدركني زمان محتواه.
ولو قد صح ما نقل إلينا من العزم على نقل المسعى بعيدا عن الصفا والمروة، فإن الشيء الوحيد الذي سآسف له بالغ الأسف أن يكون قد أدرك محتوى هذا الحديث زماني وزمان القادمين بعدي، إذ إن الحج والعمرة بوضعها عبادتين سيكونان موضع تساؤل ملح، هل ستتكامل أركانها وشروطهما وواجباتهما حين يكون السعي بعيدا عن هذا المكان الذي سعى فيه رسول الله والصحابة والتابعون؟ أن كل مسلم سيكون مسئولا عن حجه وعمرته بما يجب عليه من تحري المكان الذي كان موضعا للسعي في عصر المبعث والعصور التي تلته إلى الآن، ومسألة تحري مكان السعي وجعلها ومسئولية خاصة للأفراد في مستقبل الزمان، سيكون فيها من المشقة ما يشبه التكليف بما لا يطاق.
وإذا كنا قد لفتنا النظر مع احتمال صدق الإشاعة بتغيير المسعى إلى حديث النبوي الشريف "حجوا قبل ألا تحجوا" فإنه تأسيسا على ذلك نلفت النظر إلى أمرين:
1- وأولهما هذه الآية من القرآن الكريم وهي قول الله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم).
ومن يقرأ هذه الآية الكريمة يجد نفسه أمام مجالات من النظر يأخذه إليها هذا النص الكريم نفسه، ومنها:
أ- أن الألفاظ الواردة في القرآن الكريم قد اشتملت تحديدا على الصفا والمروة، وأن يكون السعي بينهما، وهو أمر أكدته السنة العلمية المتكررة، كما أكده فهم الصحابة والتابعين، وإصرار أئمة المسلين وعامتهم على العمل به إلى الآن.
ب- والنص على الصفا والمروة في القرآن الكريم لا يحتمل الفلسفة كما لا يحتمل التأويل، فنحن مثلا لا نرى مرجحا لوجهة النظر التي تقول: إنه ليس من الضروري أن يكون السعي بين الصفا والمروة باعتبار الناتئ منها على وجه الأرض، وإنما يجوز أن نتتبع هذا الجزء الوتدي في باطن الأرض فإن له جذورا ممتدة كجذور النبات تحت سطحها، وإنه يكفينا لتحقق الأداء في الحج والعمرة أن نسعى بين جذعين لهذين الجبلين، يتحقق م وجودهما عالم جيولوجيا، ولا بأس ألا يراهما الساعي عمليا بين الجذعين.
إن هذا من وجهة نظري أمر مبسط جدا في معالجة قضايا مهمة تتصل بركن من أركان الإسلام، لا يقوم للإسلام قائمة إذا أجمعت الأمة على إحداث خلل فيه.
ج- والنص الكريم يذهب بنا مذاهب مختلفة حين يجعل السعي بين الصفا والمروة غير ما ذكرناه، كأن يلقى بنا مثلا في عمق التاريخ ليؤصل الارتباط الشديد في ذهن كل مسلم بين إسماعيل عليه السلام وحفيده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حتى يمكن فهم نصوص القرآن الكريم ونصوص الكتاب المقدس في الحديث عن فرعي النبوة في أبناء أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام.
د- هذا بالإضافة إلى ما تثيره الآية الكريمة في نفوس قارئيها من وشائج واعتقادات تربط بين كثير من الأجناس من جهة، وبين الشريعة والعقيدة في الدين الواحد من جهة أخرى.
2- وثاني هذين الأمرين اللذين نجب أن نلفت النظر إليهما مع صدق الإشاعة بنقل السعي، فهو احتمال أن يتطرق البعض ويقول: إنه لا بأس من هذا الفعل مع استمرار سلامة الحج والعمرة قياسا على ما سيحدث بعد هدم الكعبة ف آخر الزمان، وقيام الناس بالطواف مع غياب عين الكعبة.
وهذا الكلام لا يمثل قياسا علميا، لأن القياس يكون على حكم شرعي مستنبط من دليل معتبر بشروط خاصة وصارمة، وهذا المدَّعي ليس كذلك لأنه قياس على رأي في فهم حديث هدم الكعبة آخر الزمان المروي في البخاري، واجتهاد في تصور ما الذي ينبغي أن يفعله الحجاج والمعتمرون حين يتم هدم الكعبة.
ولنفترض أن هذا القياس صحيح (وهو فرض لا حقيقة له) فإن وضع الكعبة لا يختلف عن وضع الصفا والمروة، وما يتعلق بالكعبة من شعيرة يختلف كذلك عما يتعلق بهما.
فالكعبة كما قلنا مركز الدائرة التي محيطها أطراف كوكب الأرض، فيكفي أن نحدد المركز ليكون الطواف حوله صحيحا. أما الصفا والمروة فهما ليسا كذلك.
والشعيرة المتعلقة بهما ليست طوافا بمعنى الدوران حولهما، وإنما هي سعي بينهما ذهابا وإيابا.
ونحن هنا أن نتصور كون السعي بين الصفا والمروة. ولي يخلص لنا ذلك، إلا إذا فهمنا الشكل التقريبي للجبال، والشكل التقريبي للجبال حين نتصوره لابد أن نتصور مثلثين نقلب أحدهما فوق الآخر، فيكون الناتج من هذا العمل، شكل مدبب من طرفيه، منبعج من الوسط.
هكذا يكون الجبل، رأسه أرفع من قاعدته، والجزء الممتد في الأرض أرفع من رأس الجبل، وبالتالي هو أرفع من القاعدة الموجودة على سطح الأرض.
هذا من حيث الشكل.
فإذا ما أردنا أن نتحدث عن تكوين الصفا والمروة فإننا نقول إن كل واحد منهما عبارة عن صخور نارية متداخلة مع الصخور الأصلية في مكة .
وصخورهما على أية حال متميزة ، بل إن صخر كل واحد منهما متميزة عن الأخرى.
ولو أننا ذهبنا إلى جو الآية الكريمة الواردة في سورة البقرة وهي قول الله تعالى: { إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } [البقرة:158].
ولو أننا ذهبنا إلى جو الآية ثم حاولنا أن نتتبع تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم القائل: «خذوا عني مناسككم» لاتضحت لنا عدة أمور هامة:
1-إن الآية الكريمة تنص على أن السعي لا بد أن يكون بين الصفا والمروة.
والبينة هنا تعني في جو مسألة محددة غاية التحديد بطرفين من ناحية الطول، وهما الصفا من ناحية، والمروة من ناحية أخرى.
ولا تكون هذه البينة متحققة خارج حدود هاتين العلامتين.
2-وما كان للشريعة الإسلامية أن تحدد هذه البينة بشيء لا يعرفه الرجل العادي، وهو مكلف بأداء الحج والعمرة، وعليه فإنه يبعد أن تكون البينة المرادة هي تلك الأجزاء المعبر عنها برأس الجبل في كل من الصفا والمروة.
ثم إنه يستحيل غاية الاستحالة أن تكون البينة المرادة هي ما بين هذين الجزءين الغائرين في الأرض، والتي يطلق عليها تجاوزا جذع الجبل.
بل البينة المرادة هي ما بين هذين الجزءين المنبعجين واللذين نسميها قاعدتي الجبلين، والخروج عنها بالسعي بعيدا عن نطاقها يكون خروجا عن مراد النص الكريم.
3- وإذا صحت هذه البينة على ما نقول فإن الخروج عن حدود القاعدتين لهذين الجبلين يكون خروجا بالقطع عن حدةد جذرهما في باطن الأرض لو دق تصورنا الشكل الوتدي لهذين الجبلين على نحو ما صورناه سلفا، ويكون قول القائل: إن المراد أن السعي يكون ما بين جذري الجبلين قولا فيه تبسيط جديد يخرج بالشيء عن حقيقته ويحتاج إلى إعادة نظر.
4- والنبي صلى الله عليه وسلم بأفعاله يعد التطبيق العملي لمراد القرآن الكريم، خاصة فيما يتعلق بالتكاليف.
ولقد سعى النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، وبعد أن فرض الحج والعمرة مرات متعددة.
فإذا تغاضينا عن عمرة القضية في السنة السادسة من الهجرة لأنها لم تتم من الناحية العملية، فلنا أن ننظر إلى عمرة القضاء وهي في السنة السابعة من الهجرة، ثم الهجرة التي قام بها النبي في السنة الثامنة والتي أحرم بها من الجعرانة حين كان عائدا من الطائف، قم عمرته التي دخلت في حجته.
إننا إذا نظرنا إلى سعي النبي في عمراته وحجته، تبين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسعى في مكان محدد عرضه وطوله.
وقد تابعه على ذلك الصحابة والأمة جمعاء.
ولقد كان علماء الأمة حريصين كل الحرص أن يتتبعوا المسعى الذي سعى فيه النبي والمسلمون معه، حتى قام الكثيرون منهم بتحديد المسعى طولا وعرضا، وتحديد المسافة الفاصلة بين طرف الصفا من ناحية البيت العتيق والحجر الذي هو الركن.
وقبل أن تتم التوسعات في عهد الدولة السعودية، كانت المسافة بين الحجر والصفا بين الحجر والصفا بالذراع مائتي ذراع واثنين وستين ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
وكانت المسافة بين قاعدتي الجبلين الصفا والمروة سبعمائة ذراع وستا وستين ذراعا ونصف الذراع.
أما عرض المسعى فكان بالذراع خمسة وثلاثين ذراعا ونصف الذراع.
هذا ما كان من أمر المسعى .
ولقد ظل على هذا النحو زمنا طويلا حتى في عهد الدولة السعودية، مع أن المسجد قد طرأ عليه من إعادة البناء والترميم والإصلاح والتوسعات أشياء كثيرة.
5- ولو أننا تحملنا جرح المشاعر وقلنا: إننا سنترك فعل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عموم الآية، لنقول إننا سنطوف بين الجبلين على نحو ما هو ظاهر القرآن، فإن صدر النصد الكريم لن يتسع إلأى أي خروج بالسعي إلى ما فوق حدود قاعدتي الجبلين، كما أن صدر النص لن يتسع إلى إزالة القاعدتين المميزتين للصفا والمروة.
وسيكون صدر النص قد بلغ غايته من الضيق لو قد خرج الناس بالمسعى عرضا إلى خارج حدود قاعدتي الجبلين.
إننا نعلم أن الولاية على الحرم في بعض الآراء هي للدولة التي وجد فيها الحَرَمان.
ولكن هذه ولاية إدارية، ولا يجوز لأحد أن يتدخل في مثل هذه الولاية، أما أن تكون المسألة قد اتصلت بتصحيح العبادات، فإن هذا أمر يخص المسلمين جميعا، وهو عليهم فرض كفاية ينالهم الإثم جميعا إن أحجموا عن التدخل لتصحيح الخطأ إن وجد، ويرتفع الحرج عن جميعهم حين يزال الضرر بيد بعضهم .
6-والخروج بالاستدلال عن طبيعة الاستدلال أمر مستنكر في العلم.
فلا يجوز أن نقول: إن توسيع المسعى جائز، لأن النبي أضاف المسجد النبوي في المدينة، أو لأن المؤمن أعز على ربه من الكعبة، أو لأننا معا شر طائفة كذا مأمورون أن نقوم بمظاهرة تأييد لخادم الحرمين الشريفين، أو نقول بأننا نستدل على توسعة المسعى بالمقاصد العامة للشريعة مع وجود النص الواضح {يطوف بهما}...إلخ مما نراه خروجا عن العلم.
والذي هو أشد قسوة في التعبير من ذلك أن يقول رئيس جماعة من الجماعات الدينية: إن التوسعة أمر واجب وهو محل إجماع من العلماء لم ير فيه مخالفا.
أو أن يقول رئيس جمعية أخرى: إن قاعدة كل جبل من الجبلين هي المعتبرة، وأن هذه القاعدة موجودة تحت سطح الأرض (كلام غريب).
أو يقول وكيل جماعة إسلامية ونائب الرئيس فيها: إنه لم يعد هناك بدعة، والأمر أمر مصلحة، ولا ضرر ولا ضرار، (على غرار شَيِّلْنِي وأُشَيِّلك) على غرار المثل الشعبي في مصر.....
أ.د/ طه الدسوقي حبيشي
أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة
جامعة الأزهر
أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة
جامعة الأزهر