كما هو معلوم صدر قبل مده كتاب كتاب (القول التمام باثبات التفويض مذهبا للسلف الكرام) للاخ الباحث للأخ العصري لن أدافع عن الكتاب هنا رغم أنه كان بالأمكان أن يكون أفضضل من ذلك وأنا أتمنى من أحد الأخوة أن يقوم بتنزيله على الموقع لتعم الفائده لكن ما المني هنا هو رد احد دكاترة العقيدة الوهابية على هذا الكتاب والله وحده أساله أن يلطف بالأمة وأن يجمع شملها وخاصة في ظل وجود خطاب عنيف مثل هذا الخطاب سأقوم بعرض رد هذا الدكتور دون ذكر اسمه وللاسف ليس هو فقط بل لو أنك دخلت منتدى اهل الحديث لرأيت العجب العجاب فالبعض يتهم الاباحث أنه جاهل والبعض يهاجم الدكتور القرضاوي والاخر يحقر مؤلف الكتاب ونريد أن نكون ذا شأن عظيم؟
وما يؤلمني في هذا الرد أن الباحث يتهم الغرب أنه هو من أساء للسلفية وجعل الناس ينفضون من حولهم! ولم يتفكر ولو للحظة لطبيعة خطابهم الدوغمائي؟ وحتى في رده يرجع كل شي للامام ابن تيمية يقفز من السلف الى مالك فالامام احمد فابن تيمية وكأن الساحة كانت عقيم من العلماء في كل هذه الفنرات واليكم هذا ارد من احد دكاترة الوهابية ومنكم نستمع الى الردود ونقد الخطاب
(hz*
رد الدكتور السلفي في موقع المسلم:
(سوّد سيف العصري كتاباً أسماه (القول التمام بإثبات التفويض مذهباً للسلف الكرام)، وقد طالعتُ الكتاب فإذا هو حافل بالمزالق والمغالطات والتلبيسات - كما سيأتي الإشارة إلى بعضها - وقدّم له نخبة من الأساتذة الأشياخ، وعلى رأسهم الشيخ د. يوسف القرضاوي.
ـ عندما تطالع مقدمة د.القرضاوي فإن وَهْم التشبيه والتجسيم عالق في ذهنية القرضاوي منذ كان صغيراً في ابتدائية الأزهر حتى ساعة كتابة المقدمة (1428هـ)، وهذا الوهم الجاثم هو امتداد لما كان عليه أسلافه (الأشاعرة) كما في جوهرة اللقاني والنسفية وموقف الإيجي ونحوها.. إذ انقدح في أذهانهم أن في إثبات أكثر الصفات الإلهية تمثيلاً وتشبيهاً، فدفعوه بالتأويل الفاسد أو التفويض والتضليل.
وليت الشيخ القرضاوي ـ وهو في معترك المنايا ـ أن يتحرر من هذا التقليد للأشاعرة والتسويغ لمقالة الداعية الكبير حسن البنا ـ رحمه الله ـ في تصوير مذهب التفويض (التجهيل)، لاسيما وأن الأشاعرة يوجبون "النظر"، ويجعلونه أول واجب، فغاية الإيمان هو العلم بحدوث العالم وقدم الصانع!! ويجعلون المقلد في التوحيد كافراً كما في الأقوال التي قررها البيجوري في شرح جوهرة اللقاني، والتي عَوّل عليها القرضاوي في دراسته ومقدمته.
ـ وقد حكى القرضاوي انفتاحه الكبير على مذهب السلف ـ أو مدرسة ابن تيمية وابن القيم على حدّ تعبيره ـ لكن هذا الانفتاح المرتقب بعد هذا العمر المديد سرعان ما تقشع بعد هذه الدعوى بسطور! فالقرضاوي يقول: "قال ابن تيمية بصريح العبارة... لله جنب ولكن ليس كجنبنا".
وهذه كذبة صلعاء على شيخ الإسلام، فإنه قد قال - رحمه الله -: "لا يعرف عالم مشهور عند المسلمين ولا طائفة مشهورة من طوائف المسلمين أثبتوا لله جنباً، نظير جنب الإنسان، وهذا اللفظ جاء في القرآن في قوله: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} الزمر56، فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة كبيت الله، وناقة الله.. والتفريط ليس في شيء من صفات الله - عز وجل -.. بل يراد به أنه فرّط في جهته وفي حقه.." الجواب الصحيح 3/145, 146 باختصار (طبعة المدني).
وهذا ما قرره الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على بشر (ص184)، وكذا الإمام ابن القيم في الصواعق المرسلة 1/250.
ولو تكرم الشيخ القرضاوي بالتفاتة عابرة على تراث ابن تيمية لما أوقع نفسه في هذه العثرة.
ـ الانفتاح " المنتظر " من الشيخ القرضاوي مع أهل السنة والجماعة قد صيّره بعيد المنال، لما عَرّض بأهل السنة ولمزهم بالإرهاب الفكري، وأن انتشار هذه المدرسة (السلفية) لأجل قوة سياسية أو اقتصادية.
ولو نطق بهذا اللمز غير القرضاوي من الأغمار وأشباههم لكان أمراً مكروراً! لكن أن يصدر هذا الطعن من أشهر الشخصيات الإسلامية في العالم، وأبرز علماء العصر! فهذا مردود شرعاً وعقلاً وفطرة وواقعاً.
أفيقال: إن ظهور مذهب السلف في أرض الكنانة مثلاً لأجل نصرة النظام المصري لمذهب السلف الصالح!!! إن مذهب السلف الصالح يكابد أنواعاً من المكر الكبّار - خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر - ومع ذلك فمذهب السلف له الظهور والقبول والانتشار، إذ هو في غاية الاطراد والوضوح، وهو المذهب الذي تقبله العقول والفِطَر، والقائم على الرسوخ واليقين والتسليم للشرع والاستدلال به.. وكما قال ابن تيمية: "وإذا تأمل اللبيب الفاضل تبيّن له أن مذهب السلف والأئمة في غاية الاستقامة والسداد، والصحة والاطراد، وأنه مقتضى المعقول الصريح، والمنقول الصحيح، وأن من خالفه كان مع تناقض قوله المختلف الذي يؤفك عنه من أُفك خارجاً عن موجب العقل والسمع، مخالفاً للفطرة والسمع.." الفتاوى 5/212, 213.
والمأمول من الشيخ القرضاوي أن يفتح قلبه ويشرح صدره لإخوانه أهل السنة والجماعة، وأن يطالع تراثهم بموضوعية وبلا مقررات سابقة، فالشيخ القرضاوي قد خاض غمار حياة حافلة بالمكتسبات والابتلاءات والتجارب، وأعقب ذلك مرونة ظاهرة، وانفتاحاً في غاية الاتساع، كما في مواقفه من الأنظمة والغرب.. وإخوان القرضاوي وأبناؤه من أهل السنة والجماعة هم أحق وأولى بهذا الانفتاح والتواصل!
ـ ويقرر الشيخ القرضاوي أن منهج القرآن عدم تجميع نصوص الصفات في نسق واحد، إذ قد يوهم التركيب والتجسيم - على حدّ دعواه -.. وهكذا فإن "كابوس" التشبيه قد استحوذ على القرضاوي، فظن أن هذا الإثبات يعدّ تجسيماً.. وما أجمل ما قاله أبو الحسن الأشعري لأبي علي الجبائي (المعتزلي): كأن القرآن قد نزل بلغة جبّاء! والقرضاوي يريد أن يجعل القرآن وفق "مقررات" الأزهر وعقائد البنا! وكما قال ابن تيمية: المعتزلي يجعل القرآن معتزلياً، والرافضي يجعله رافضياً.. وهكذا.
وهل إذا تمّ التفريق - بناء على قاعدة القرضاوي - يزول محذور الشبيه؟!
ها أنتم تزعمون التمثيل والتشبيه في أكثر نصوص الصفات وهي مفرّقة في القرآن ومع ذلك أعملتم التأويل المذموم، والتفويض والتجهيل!
وهاهو صاحبكم البيهقي - رحمه الله - جمع ما يتعلق بالصفات في كتابه الشهير (الأسماء والصفات) ثم أعقبها بتأويلات المتكلمين كابن فورك وأشباهه والمقصود أن محذور (الجمع) و(التفريق) ليس مؤثراً عندكم، فأنتم عازمون وماضون في التأويل أو التجهيل سواء اجتمعت النصوص أو افترقت!
وبالجملة فهذه القاعدة المتهافتة من "جراب" القرضاوي فلا دليل عليها، وليس له سلف في ذلك.
والمقصود أن حشد نصوص الصفات الثابتة والصريحة يحقق إقراراً بمعانيها، وفهماً لدلالتها، وهذا لا يروق لأرباب التفويض والتأويل! وكذا فإن نَفَس التفويض قد أحكم قبضته على القرضاوي حتى أنه أورد نقلاً جلياً في إثبات الصفات لعثمان الدارمي، فزعم أنه تفويض!!
ومن تقريرات السلف الصالح في بيان أن معاني الصفات معلومة وليس مجرد مذهب ابن تيمية وابن القيم كما يظن القرضاوي، ماقاله شيخ الإسلام الصابوني (ت449هـ): "ينبغي للمسلمين أن يعرفوا أسماء الله وتفسيرها، فيعظموا الله حق عظمته، ولو أراد رجل أن يعامل رجلاً طلب أن يعرف أسمه وكنيته، واسم أبيه وجدّه، وسأل عن صغير أمره وكبيره، فالله الذي خلقنا ورزقنا ونحن نرجو رحمته ونخاف من سخطه أولى أن نعرف أسماءه ونعرف تفسيرها" الحجة في بيان المحجة 1/22.
ـ وأما مقدمة وهبي غاوجي، فهي تحكي إفلاس المذكور، فما جدوى مقدمة يكتبها "الشيخ العلامة.." وهي مجرد استلال نقول من مريده سيف (العصر)؟! فهل (القول التمام) ألحق بغاوجي عيّاً فاقتصر على الترداد والنقل الحرفي عن التلميذ، اللهم إلا أن غاوجي زعم قائلاً: "لقد أخطأ رجل من القرن السابع تصور التفويض"؟!
وهل بلغ بغاوجي الحنق على ابن تيمية فلا يذكر اسمه! وإنما "رجل في القرن السابع"!! فهل هذا من الإلغاز والتعمية والذي يتفق مع مذهب القوم وما فيه من تلوّن وتجهيل!
أم هو الاحتقار والازدراء لإمام الدنيا، وناصر السنة، ووارث علم النبوة شيخ الإسلام ابن تيمية؟! ومع ذلك فغاوجي ينقل عن السبكي, ما ظاهرة تكفير ابن تيمية، ويؤيده! كما في كتابه أركان الإيمان ص298 (انظر منهج الأشاعرة في العقيدة ص135).
إنها حماقة مكشوفة ومكابرة للبديهيات لا تسترعي تطويلاً.. لكنه النَفَس البدعي والذي يحاكي سبيل الباطنية، حيث يقول أبو حاتم الباطني "إن من جملة المجسِّمة قوماً يقال لهم المالكية، ينسبون إلى رجل يقال له: مالك بن أنس، وقوماً يقال لهم الشافعية، ينسبون إلى رجل يقال له: محمد بن إدريس" انظر: منهاج السنة 2/106, وشرح الطحاوية 1/86.
ـ وأما مقدمة أ.د. حسن الأهدل ففيها تناقض فاضح، إذ يردد صاحبها أن التفويض هو عين مذهب السلف ثم ينقض ترداده قائلاً (وما يسعنا في هذا الباب إلا أن نقول مثل ما قال سلفنا الصالح "الاستواء معلوم، والكيف مجهول...") فالمذكور يحتج بما يبطل مذهبه! قال تعالى: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} الزخرف18 قالوا: هي المرأة لا تتكلم بحجة لها إلا كانت عليها.
ـ وأما تقديم (الشاعر) د. هنداوي فهي عبارة عن أبيات نظمها في محاولة يائسة في تلميع مسلك التأويل الفاسد والتفويض والتجهيل، ونفض الغبار عن هذا المذهب المتناقض وترداد ما قاله الأشاعرة ـ في ترويج التحريف والتجهيل.. ويأتي تقديم د. أبي حسان فإذا أغلبه في واد، وموضوع الكتاب في واد آخر!
ـ وقبل الشروع في أهم مزالق الكتاب نذكِّر بأن مذهب السلف الصالح في صفات الله تعالى - هو الوسط والعدل بين تحريفات المتأولين وجهالات المفوِّضين وعماياتهم، فمعاني الصفات معلومة، وهذا متقرر في كتاب الله تعالى -، حيث أمر الله تعالى - بتدبّر الكتاب كلّه أي عقله وفهم معانية، وآيات الصفات تدخل في ذلك دخولاً أوليّاً، قال - عز وجل -: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} ص29, والتعرّف على الله تعالى - وفهم أسمائه وصفاته أمر فطري ضروري، فأعظم ما تتوق له النفس، وأحوج ما تكون إليه هو العلم بالله وعَقْل أسمائه وصفاته والتعبّد بها فلا تتحقق عبادة الله تعالى - إلا بفقه أسماء الله تعالى - وصفاته، وتحريك القلوب بالدعاء بها، قال تعالى -: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} الأعراف180.
وأما كيفية صفات الله تعالى - وحقائقها فإنها مجهولة كما في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} آل عمران7.
قال ابن تيمية - رادّا على أهل التأويل والتفويض -: "فمن كان يرى أن الذي أمر الله به إما أن تكون الأمةُ كلها أمّيةً لا تعقل معاني الكتاب، وإما أن تكون فيها من يُحرِّفه بالتأويلات المبتدعة، فهو ممن يدعو إلى الإعراض عن معاني كتاب الله ونسيانها، ولهذا صار هؤلاء يَنْسَون معانية حقيقة، فلا يخطر بقلوبهم المعنى الذي أراده الله ولا يتفكرونه، وهذا نسيان حقيقي لمعاني كتاب الله.." جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية ص25.
وخلاصة الكتاب المذكور: هو التسويق لمذهب الأشاعرة والقائم على التلفيق والتناقض، والتأويل الفاسد، والتفويض الجاهل، وإسقاط حرمة النصوص الشرعية ومن هذا التمشعر ما حواه الكتاب من تقرير مذهب التفويض وهو عندهم (أن لنصوص الصفات معان لا يعلمها إلا الله) وإلصاق ذلك بسلف الأمة.. وهذا المذهب الرديء، من طرائق الأشاعرة، وهو من شر أقوال أهل البدع والأهواء، وقد تولى سلفنا الصالح الردّ على هذا المذهب وكشف عواره وتناقضه، كما في الفتوى الحموية والرسالة التدمرية والقاعدة المراكشية وجواب الاعتراضات المصرية لابن تيمية والصواعق المرسلة لابن القيم(2).
وسيف العصر يعمد في هذا الكتاب إلى نبش هذه الجهالات - مذهب التضليل والتفويض - وبعث رميمها.. وطباعة وتوزيع "القول التمام"(3) مؤذنٌ بالعثار والمحاق، وظهور بدعة التفويض يعقبه زوالها ومزيد ظهور وقبول لمذهب السلف الصالح، وكما قال سحنون - رحمه الله -: "أما علمت أن الله إذا أراد قطع بدعة أظهرها" ترتيب المدارك لعياض 1/611.
وقال ابن تيمية: " ومن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين، وبيان حقيقة أنباء المرسلين: ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين.. وذلك أن الحق إذا جحد وعورض بالشبهات، أقام الله - تعالى - مما يحقّ به الحق، ويبطل به الباطل من الآيات والبينات بما يظهره من أدلة الحق، الجواب الصحيح 1/13.
ـ إن آفة (السيف العصري) في عموم كتابه هو أن وَهْم التمثيل في سائر الصفات الإلهية قد استولى على عقله وتقريراته.. ففرّ من هذا الوهم إلى عمايات التفويض والتجهيل، فإثبات الصفات ـ التي لا يروق له إثباتها ـ تستلزم التجسيم (ص43)، ولا يفهم المسكين من إثبات اليد لله - تعالى - إلا الجارحة (ص44)، والافتقار والاحتياج (ص56).
وهذا سبيل الزائغين في باب الصفات، إذ توهموا التمثيل في نصوص الصفات فدفعوه بالتحريف أو التجهيل. وإمعاناً في (الوصاية) وإتباعاً للأسلاف: جهم السمرقندي وبشر اليهودي وأضرابهما.. فإن سيفاً يريد أن يحشرك في مسائل وفق عقله الكليل وتمثيله المبطن، فصاحب (المقال) يردد: لو كان لله تعالى - يد حقيقة فإما أن تمثِّلها بالمخلوقات وإلا ففوِّض (ص57)، وهذا مسلك الجهمية القائلين مثلاً لو كان الله فوق العرش للزم أن يكون العرش أكبر أو أصغر أو مساوياً.. (ينظر: الحموية ص274، وبيان تلبيس الجهمية 3/683، الدرء 6/290).
والمقصود أن داء التشبيه قد أغرق القوم، واستحوذ على أذهانهم وسيطر على أدمغتهم، فعالجوه بالولوج في دهاليز التجهيل والتفويض.
والأسطوانة التي يكررها سيف ونابتة التفويض عموماً هي أن يُخْضِع ويطوِّع السلفي لآرائه، فإما أن تكون ممثلاً أو مفوضاً، ولا سبيل غيرهما!! فقياس التمثيل جاثم عليه، كما كان جاثماً على أسلافه الجهمية.
فقاسوا الخالق على المخلوق قياس تمثيل، فنفوا العلو والاستواء عن الله تعالى -، إذ انقدح في ذهنهم التمثيل فقالوا: لو كان الله فوق العرش للزم أن يكون العرش أكبر أو أصغر أو مساوياً.. أو على حدّ جواب امرأة جهم: محدود على محدود! لما قيل لها: الله تعالى - على عرشه.
ـ واللُهاث في سراب التجهيل لا طائل من وراءه، ويوقع صاحبه في أنواع من السفسطة والمكابرات، فالعلامة العصري يتفاصح ويطالب بتعريف النزول واليد والمحبة والرضا.. كلّ ذلك من أجل أن يوقع غيره في (الشراك) الذي تخبط فيه من (تمثيل عالق) إلى (تفويض واقع)، فلا يعقل السيف المذكور آنفاً من إثبات (اليد) - على سبيل المثال - إلا الافتقار والحاجة! لأن اليد - عند المخلوق - لحاجته وافتقاره، فلازم الاحتياج والافتقار في صفات المخلوق نقله إلى الله تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً ولو انعتق عقله من أَسْر التمثيل وأثبت ما يختص به الربّ من جميع صفات الكمال الواردة في نصوص الوحيين لاستراح وأراح.
ـ والنصوص الشرعية التي جاء فيها وصف الله باليد - مثلاً - قد جاء فيها إضافة تلك الصفات إلى الله تعالى -، وما أضيف من الصفات إلى شيء فإنه يكون لائقاً بما أضيف إليه، فإذا قيل: يد الفيل، فهم السامع لهذا الكلام من (اليد) معنى مناسباً لذات من أضيفت إليه، أي الفيل، ولم يفهم منه ما يناسب قولنا ـ مثلاً ـ يد النملة.
والنصوص الشرعية قد جاء فيها إضافة اليد إلى الله تعالى -، ففهمنا أن ظاهر تلك النصوص يدل على أن تلك الصفات لائقة بالذات التي أضيفت إليها وذات الله ليست كذات المخلوق، فكذا صفاته كصفة اليدّ ليست كصفات المخلوق.
ـ ولما كان مذهب التفويض لسائر الصفات قائماً على تحكم وترجيح بلا مرجح، وتفريق بين نصوص الصفات، فالصفات السبع يثبتونها، وسائر الصفات يعتريها التفويض والتجهيل.. عندئذ شَرِقوا بقاعدة شرعية عقلية متينة تنسف مذهب أرباب التجهيل والتلفيق، وهي أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فعمد المسفسط إلى تسطير هذا العنوان: (بطلان مقولة القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر) وقد أشار بعضهم إلى هذه القاعدة كالأشعري في الإبانة (ص89) وابن الزاغوني في (الإيضاح في أصول الدين) ص284، والباقلاني في الإبانة (انظر الفتوى الحموية لابن تيمية ص508) وابن قدامة في (تحريم النظر في كتاب الكلام) ص57ـ64، فليست مقولة لابن تيمية وابن القيم فحسب كما ظن العصري.
ـ ويقال لهؤلاء الحيارى ها أنتم تثبتون صفة العلم لله تعالى -، وتنكرون اليدين والساق لله - عز وجل -، بحجة أن في إثبات اليدين والساق افتقاراً وحاجة، فشبهة الحاجة والافتقار تنقلب على هؤلاء الأشاعرة (أرباب التجهيل)، فإن المعتزلة - نفاة العلم - يقولون: (لو كان لا يعلم إلا بعلم لكان محتاجاً في كونه عالِماً إلى ذلك.. وقد ثبت أنه غنيّ من كل الوجوه، ولا تجوز عليه الحاجة) المختصر في أصول الدين ضمن رسائل العدل والتوحيد لعبدالجبار المعتزلي 1/182.
فإن كان ثبوت اليدين يستلزم الحاجة، فكذا ثبوت العلم، وإن قلتم ثبوت الصفات لا يستلزم الحاجة، فقد بطلت دعواكم.
كما أن الافتقار المنفي عن الله - عز وجل -، هو افتقار إلى ما هو خارج عن نفسه، وأما ما هو داخل في مسمى نفسه المقدسة كالصفات - ومنها اليدين - فليس هو شيئاً خارجاً عن نفسه (4).
ومن أوجه.. تناقض واضطراب القوم، أنهم يثبتون الإرادة لله تعالى -، ولا يَرِد عارض التمثيل عليهم ها هنا، فإذا جاء إثبات الصفات الخبرية توهموا التمثيل فركنوا إلى التفويض والتجهيل.
فيقال لهم: وهم التمثيل يلاحقكم ويلازمكم فيما أثبتم، فالإرادة هي ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قالوا هذه إرادة المخلوق، وإرادة الله تليق به، فكذا يقال: إن يد الافتقار والحاجة هي يد المخلوق، ويد الله تليق به سبحانه -.
ـ هرع العصري والغرسي والكبيسي - ومن ورائهم القرضاوي - ففرقوا من غير هدى ولا كتاب منير، فزعموا أن إثبات الصفات الخبرية يوهم التركيب.. بخلاف الصفات السبع، فيقال: هذا التركيب - مع ما فيه من إجمال - يلزمكم فيما أثبتموه من الصفات كالحياة والسمع والبصر..! كما بسطه ابن تيمية في مجموعة الفتاوى 13/305.
وما يؤلمني في هذا الرد أن الباحث يتهم الغرب أنه هو من أساء للسلفية وجعل الناس ينفضون من حولهم! ولم يتفكر ولو للحظة لطبيعة خطابهم الدوغمائي؟ وحتى في رده يرجع كل شي للامام ابن تيمية يقفز من السلف الى مالك فالامام احمد فابن تيمية وكأن الساحة كانت عقيم من العلماء في كل هذه الفنرات واليكم هذا ارد من احد دكاترة الوهابية ومنكم نستمع الى الردود ونقد الخطاب
(hz*
رد الدكتور السلفي في موقع المسلم:
(سوّد سيف العصري كتاباً أسماه (القول التمام بإثبات التفويض مذهباً للسلف الكرام)، وقد طالعتُ الكتاب فإذا هو حافل بالمزالق والمغالطات والتلبيسات - كما سيأتي الإشارة إلى بعضها - وقدّم له نخبة من الأساتذة الأشياخ، وعلى رأسهم الشيخ د. يوسف القرضاوي.
ـ عندما تطالع مقدمة د.القرضاوي فإن وَهْم التشبيه والتجسيم عالق في ذهنية القرضاوي منذ كان صغيراً في ابتدائية الأزهر حتى ساعة كتابة المقدمة (1428هـ)، وهذا الوهم الجاثم هو امتداد لما كان عليه أسلافه (الأشاعرة) كما في جوهرة اللقاني والنسفية وموقف الإيجي ونحوها.. إذ انقدح في أذهانهم أن في إثبات أكثر الصفات الإلهية تمثيلاً وتشبيهاً، فدفعوه بالتأويل الفاسد أو التفويض والتضليل.
وليت الشيخ القرضاوي ـ وهو في معترك المنايا ـ أن يتحرر من هذا التقليد للأشاعرة والتسويغ لمقالة الداعية الكبير حسن البنا ـ رحمه الله ـ في تصوير مذهب التفويض (التجهيل)، لاسيما وأن الأشاعرة يوجبون "النظر"، ويجعلونه أول واجب، فغاية الإيمان هو العلم بحدوث العالم وقدم الصانع!! ويجعلون المقلد في التوحيد كافراً كما في الأقوال التي قررها البيجوري في شرح جوهرة اللقاني، والتي عَوّل عليها القرضاوي في دراسته ومقدمته.
ـ وقد حكى القرضاوي انفتاحه الكبير على مذهب السلف ـ أو مدرسة ابن تيمية وابن القيم على حدّ تعبيره ـ لكن هذا الانفتاح المرتقب بعد هذا العمر المديد سرعان ما تقشع بعد هذه الدعوى بسطور! فالقرضاوي يقول: "قال ابن تيمية بصريح العبارة... لله جنب ولكن ليس كجنبنا".
وهذه كذبة صلعاء على شيخ الإسلام، فإنه قد قال - رحمه الله -: "لا يعرف عالم مشهور عند المسلمين ولا طائفة مشهورة من طوائف المسلمين أثبتوا لله جنباً، نظير جنب الإنسان، وهذا اللفظ جاء في القرآن في قوله: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} الزمر56، فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة كبيت الله، وناقة الله.. والتفريط ليس في شيء من صفات الله - عز وجل -.. بل يراد به أنه فرّط في جهته وفي حقه.." الجواب الصحيح 3/145, 146 باختصار (طبعة المدني).
وهذا ما قرره الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على بشر (ص184)، وكذا الإمام ابن القيم في الصواعق المرسلة 1/250.
ولو تكرم الشيخ القرضاوي بالتفاتة عابرة على تراث ابن تيمية لما أوقع نفسه في هذه العثرة.
ـ الانفتاح " المنتظر " من الشيخ القرضاوي مع أهل السنة والجماعة قد صيّره بعيد المنال، لما عَرّض بأهل السنة ولمزهم بالإرهاب الفكري، وأن انتشار هذه المدرسة (السلفية) لأجل قوة سياسية أو اقتصادية.
ولو نطق بهذا اللمز غير القرضاوي من الأغمار وأشباههم لكان أمراً مكروراً! لكن أن يصدر هذا الطعن من أشهر الشخصيات الإسلامية في العالم، وأبرز علماء العصر! فهذا مردود شرعاً وعقلاً وفطرة وواقعاً.
أفيقال: إن ظهور مذهب السلف في أرض الكنانة مثلاً لأجل نصرة النظام المصري لمذهب السلف الصالح!!! إن مذهب السلف الصالح يكابد أنواعاً من المكر الكبّار - خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر - ومع ذلك فمذهب السلف له الظهور والقبول والانتشار، إذ هو في غاية الاطراد والوضوح، وهو المذهب الذي تقبله العقول والفِطَر، والقائم على الرسوخ واليقين والتسليم للشرع والاستدلال به.. وكما قال ابن تيمية: "وإذا تأمل اللبيب الفاضل تبيّن له أن مذهب السلف والأئمة في غاية الاستقامة والسداد، والصحة والاطراد، وأنه مقتضى المعقول الصريح، والمنقول الصحيح، وأن من خالفه كان مع تناقض قوله المختلف الذي يؤفك عنه من أُفك خارجاً عن موجب العقل والسمع، مخالفاً للفطرة والسمع.." الفتاوى 5/212, 213.
والمأمول من الشيخ القرضاوي أن يفتح قلبه ويشرح صدره لإخوانه أهل السنة والجماعة، وأن يطالع تراثهم بموضوعية وبلا مقررات سابقة، فالشيخ القرضاوي قد خاض غمار حياة حافلة بالمكتسبات والابتلاءات والتجارب، وأعقب ذلك مرونة ظاهرة، وانفتاحاً في غاية الاتساع، كما في مواقفه من الأنظمة والغرب.. وإخوان القرضاوي وأبناؤه من أهل السنة والجماعة هم أحق وأولى بهذا الانفتاح والتواصل!
ـ ويقرر الشيخ القرضاوي أن منهج القرآن عدم تجميع نصوص الصفات في نسق واحد، إذ قد يوهم التركيب والتجسيم - على حدّ دعواه -.. وهكذا فإن "كابوس" التشبيه قد استحوذ على القرضاوي، فظن أن هذا الإثبات يعدّ تجسيماً.. وما أجمل ما قاله أبو الحسن الأشعري لأبي علي الجبائي (المعتزلي): كأن القرآن قد نزل بلغة جبّاء! والقرضاوي يريد أن يجعل القرآن وفق "مقررات" الأزهر وعقائد البنا! وكما قال ابن تيمية: المعتزلي يجعل القرآن معتزلياً، والرافضي يجعله رافضياً.. وهكذا.
وهل إذا تمّ التفريق - بناء على قاعدة القرضاوي - يزول محذور الشبيه؟!
ها أنتم تزعمون التمثيل والتشبيه في أكثر نصوص الصفات وهي مفرّقة في القرآن ومع ذلك أعملتم التأويل المذموم، والتفويض والتجهيل!
وهاهو صاحبكم البيهقي - رحمه الله - جمع ما يتعلق بالصفات في كتابه الشهير (الأسماء والصفات) ثم أعقبها بتأويلات المتكلمين كابن فورك وأشباهه والمقصود أن محذور (الجمع) و(التفريق) ليس مؤثراً عندكم، فأنتم عازمون وماضون في التأويل أو التجهيل سواء اجتمعت النصوص أو افترقت!
وبالجملة فهذه القاعدة المتهافتة من "جراب" القرضاوي فلا دليل عليها، وليس له سلف في ذلك.
والمقصود أن حشد نصوص الصفات الثابتة والصريحة يحقق إقراراً بمعانيها، وفهماً لدلالتها، وهذا لا يروق لأرباب التفويض والتأويل! وكذا فإن نَفَس التفويض قد أحكم قبضته على القرضاوي حتى أنه أورد نقلاً جلياً في إثبات الصفات لعثمان الدارمي، فزعم أنه تفويض!!
ومن تقريرات السلف الصالح في بيان أن معاني الصفات معلومة وليس مجرد مذهب ابن تيمية وابن القيم كما يظن القرضاوي، ماقاله شيخ الإسلام الصابوني (ت449هـ): "ينبغي للمسلمين أن يعرفوا أسماء الله وتفسيرها، فيعظموا الله حق عظمته، ولو أراد رجل أن يعامل رجلاً طلب أن يعرف أسمه وكنيته، واسم أبيه وجدّه، وسأل عن صغير أمره وكبيره، فالله الذي خلقنا ورزقنا ونحن نرجو رحمته ونخاف من سخطه أولى أن نعرف أسماءه ونعرف تفسيرها" الحجة في بيان المحجة 1/22.
ـ وأما مقدمة وهبي غاوجي، فهي تحكي إفلاس المذكور، فما جدوى مقدمة يكتبها "الشيخ العلامة.." وهي مجرد استلال نقول من مريده سيف (العصر)؟! فهل (القول التمام) ألحق بغاوجي عيّاً فاقتصر على الترداد والنقل الحرفي عن التلميذ، اللهم إلا أن غاوجي زعم قائلاً: "لقد أخطأ رجل من القرن السابع تصور التفويض"؟!
وهل بلغ بغاوجي الحنق على ابن تيمية فلا يذكر اسمه! وإنما "رجل في القرن السابع"!! فهل هذا من الإلغاز والتعمية والذي يتفق مع مذهب القوم وما فيه من تلوّن وتجهيل!
أم هو الاحتقار والازدراء لإمام الدنيا، وناصر السنة، ووارث علم النبوة شيخ الإسلام ابن تيمية؟! ومع ذلك فغاوجي ينقل عن السبكي, ما ظاهرة تكفير ابن تيمية، ويؤيده! كما في كتابه أركان الإيمان ص298 (انظر منهج الأشاعرة في العقيدة ص135).
إنها حماقة مكشوفة ومكابرة للبديهيات لا تسترعي تطويلاً.. لكنه النَفَس البدعي والذي يحاكي سبيل الباطنية، حيث يقول أبو حاتم الباطني "إن من جملة المجسِّمة قوماً يقال لهم المالكية، ينسبون إلى رجل يقال له: مالك بن أنس، وقوماً يقال لهم الشافعية، ينسبون إلى رجل يقال له: محمد بن إدريس" انظر: منهاج السنة 2/106, وشرح الطحاوية 1/86.
ـ وأما مقدمة أ.د. حسن الأهدل ففيها تناقض فاضح، إذ يردد صاحبها أن التفويض هو عين مذهب السلف ثم ينقض ترداده قائلاً (وما يسعنا في هذا الباب إلا أن نقول مثل ما قال سلفنا الصالح "الاستواء معلوم، والكيف مجهول...") فالمذكور يحتج بما يبطل مذهبه! قال تعالى: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} الزخرف18 قالوا: هي المرأة لا تتكلم بحجة لها إلا كانت عليها.
ـ وأما تقديم (الشاعر) د. هنداوي فهي عبارة عن أبيات نظمها في محاولة يائسة في تلميع مسلك التأويل الفاسد والتفويض والتجهيل، ونفض الغبار عن هذا المذهب المتناقض وترداد ما قاله الأشاعرة ـ في ترويج التحريف والتجهيل.. ويأتي تقديم د. أبي حسان فإذا أغلبه في واد، وموضوع الكتاب في واد آخر!
ـ وقبل الشروع في أهم مزالق الكتاب نذكِّر بأن مذهب السلف الصالح في صفات الله تعالى - هو الوسط والعدل بين تحريفات المتأولين وجهالات المفوِّضين وعماياتهم، فمعاني الصفات معلومة، وهذا متقرر في كتاب الله تعالى -، حيث أمر الله تعالى - بتدبّر الكتاب كلّه أي عقله وفهم معانية، وآيات الصفات تدخل في ذلك دخولاً أوليّاً، قال - عز وجل -: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} ص29, والتعرّف على الله تعالى - وفهم أسمائه وصفاته أمر فطري ضروري، فأعظم ما تتوق له النفس، وأحوج ما تكون إليه هو العلم بالله وعَقْل أسمائه وصفاته والتعبّد بها فلا تتحقق عبادة الله تعالى - إلا بفقه أسماء الله تعالى - وصفاته، وتحريك القلوب بالدعاء بها، قال تعالى -: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} الأعراف180.
وأما كيفية صفات الله تعالى - وحقائقها فإنها مجهولة كما في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} آل عمران7.
قال ابن تيمية - رادّا على أهل التأويل والتفويض -: "فمن كان يرى أن الذي أمر الله به إما أن تكون الأمةُ كلها أمّيةً لا تعقل معاني الكتاب، وإما أن تكون فيها من يُحرِّفه بالتأويلات المبتدعة، فهو ممن يدعو إلى الإعراض عن معاني كتاب الله ونسيانها، ولهذا صار هؤلاء يَنْسَون معانية حقيقة، فلا يخطر بقلوبهم المعنى الذي أراده الله ولا يتفكرونه، وهذا نسيان حقيقي لمعاني كتاب الله.." جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية ص25.
وخلاصة الكتاب المذكور: هو التسويق لمذهب الأشاعرة والقائم على التلفيق والتناقض، والتأويل الفاسد، والتفويض الجاهل، وإسقاط حرمة النصوص الشرعية ومن هذا التمشعر ما حواه الكتاب من تقرير مذهب التفويض وهو عندهم (أن لنصوص الصفات معان لا يعلمها إلا الله) وإلصاق ذلك بسلف الأمة.. وهذا المذهب الرديء، من طرائق الأشاعرة، وهو من شر أقوال أهل البدع والأهواء، وقد تولى سلفنا الصالح الردّ على هذا المذهب وكشف عواره وتناقضه، كما في الفتوى الحموية والرسالة التدمرية والقاعدة المراكشية وجواب الاعتراضات المصرية لابن تيمية والصواعق المرسلة لابن القيم(2).
وسيف العصر يعمد في هذا الكتاب إلى نبش هذه الجهالات - مذهب التضليل والتفويض - وبعث رميمها.. وطباعة وتوزيع "القول التمام"(3) مؤذنٌ بالعثار والمحاق، وظهور بدعة التفويض يعقبه زوالها ومزيد ظهور وقبول لمذهب السلف الصالح، وكما قال سحنون - رحمه الله -: "أما علمت أن الله إذا أراد قطع بدعة أظهرها" ترتيب المدارك لعياض 1/611.
وقال ابن تيمية: " ومن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين، وبيان حقيقة أنباء المرسلين: ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين.. وذلك أن الحق إذا جحد وعورض بالشبهات، أقام الله - تعالى - مما يحقّ به الحق، ويبطل به الباطل من الآيات والبينات بما يظهره من أدلة الحق، الجواب الصحيح 1/13.
ـ إن آفة (السيف العصري) في عموم كتابه هو أن وَهْم التمثيل في سائر الصفات الإلهية قد استولى على عقله وتقريراته.. ففرّ من هذا الوهم إلى عمايات التفويض والتجهيل، فإثبات الصفات ـ التي لا يروق له إثباتها ـ تستلزم التجسيم (ص43)، ولا يفهم المسكين من إثبات اليد لله - تعالى - إلا الجارحة (ص44)، والافتقار والاحتياج (ص56).
وهذا سبيل الزائغين في باب الصفات، إذ توهموا التمثيل في نصوص الصفات فدفعوه بالتحريف أو التجهيل. وإمعاناً في (الوصاية) وإتباعاً للأسلاف: جهم السمرقندي وبشر اليهودي وأضرابهما.. فإن سيفاً يريد أن يحشرك في مسائل وفق عقله الكليل وتمثيله المبطن، فصاحب (المقال) يردد: لو كان لله تعالى - يد حقيقة فإما أن تمثِّلها بالمخلوقات وإلا ففوِّض (ص57)، وهذا مسلك الجهمية القائلين مثلاً لو كان الله فوق العرش للزم أن يكون العرش أكبر أو أصغر أو مساوياً.. (ينظر: الحموية ص274، وبيان تلبيس الجهمية 3/683، الدرء 6/290).
والمقصود أن داء التشبيه قد أغرق القوم، واستحوذ على أذهانهم وسيطر على أدمغتهم، فعالجوه بالولوج في دهاليز التجهيل والتفويض.
والأسطوانة التي يكررها سيف ونابتة التفويض عموماً هي أن يُخْضِع ويطوِّع السلفي لآرائه، فإما أن تكون ممثلاً أو مفوضاً، ولا سبيل غيرهما!! فقياس التمثيل جاثم عليه، كما كان جاثماً على أسلافه الجهمية.
فقاسوا الخالق على المخلوق قياس تمثيل، فنفوا العلو والاستواء عن الله تعالى -، إذ انقدح في ذهنهم التمثيل فقالوا: لو كان الله فوق العرش للزم أن يكون العرش أكبر أو أصغر أو مساوياً.. أو على حدّ جواب امرأة جهم: محدود على محدود! لما قيل لها: الله تعالى - على عرشه.
ـ واللُهاث في سراب التجهيل لا طائل من وراءه، ويوقع صاحبه في أنواع من السفسطة والمكابرات، فالعلامة العصري يتفاصح ويطالب بتعريف النزول واليد والمحبة والرضا.. كلّ ذلك من أجل أن يوقع غيره في (الشراك) الذي تخبط فيه من (تمثيل عالق) إلى (تفويض واقع)، فلا يعقل السيف المذكور آنفاً من إثبات (اليد) - على سبيل المثال - إلا الافتقار والحاجة! لأن اليد - عند المخلوق - لحاجته وافتقاره، فلازم الاحتياج والافتقار في صفات المخلوق نقله إلى الله تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً ولو انعتق عقله من أَسْر التمثيل وأثبت ما يختص به الربّ من جميع صفات الكمال الواردة في نصوص الوحيين لاستراح وأراح.
ـ والنصوص الشرعية التي جاء فيها وصف الله باليد - مثلاً - قد جاء فيها إضافة تلك الصفات إلى الله تعالى -، وما أضيف من الصفات إلى شيء فإنه يكون لائقاً بما أضيف إليه، فإذا قيل: يد الفيل، فهم السامع لهذا الكلام من (اليد) معنى مناسباً لذات من أضيفت إليه، أي الفيل، ولم يفهم منه ما يناسب قولنا ـ مثلاً ـ يد النملة.
والنصوص الشرعية قد جاء فيها إضافة اليد إلى الله تعالى -، ففهمنا أن ظاهر تلك النصوص يدل على أن تلك الصفات لائقة بالذات التي أضيفت إليها وذات الله ليست كذات المخلوق، فكذا صفاته كصفة اليدّ ليست كصفات المخلوق.
ـ ولما كان مذهب التفويض لسائر الصفات قائماً على تحكم وترجيح بلا مرجح، وتفريق بين نصوص الصفات، فالصفات السبع يثبتونها، وسائر الصفات يعتريها التفويض والتجهيل.. عندئذ شَرِقوا بقاعدة شرعية عقلية متينة تنسف مذهب أرباب التجهيل والتلفيق، وهي أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فعمد المسفسط إلى تسطير هذا العنوان: (بطلان مقولة القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر) وقد أشار بعضهم إلى هذه القاعدة كالأشعري في الإبانة (ص89) وابن الزاغوني في (الإيضاح في أصول الدين) ص284، والباقلاني في الإبانة (انظر الفتوى الحموية لابن تيمية ص508) وابن قدامة في (تحريم النظر في كتاب الكلام) ص57ـ64، فليست مقولة لابن تيمية وابن القيم فحسب كما ظن العصري.
ـ ويقال لهؤلاء الحيارى ها أنتم تثبتون صفة العلم لله تعالى -، وتنكرون اليدين والساق لله - عز وجل -، بحجة أن في إثبات اليدين والساق افتقاراً وحاجة، فشبهة الحاجة والافتقار تنقلب على هؤلاء الأشاعرة (أرباب التجهيل)، فإن المعتزلة - نفاة العلم - يقولون: (لو كان لا يعلم إلا بعلم لكان محتاجاً في كونه عالِماً إلى ذلك.. وقد ثبت أنه غنيّ من كل الوجوه، ولا تجوز عليه الحاجة) المختصر في أصول الدين ضمن رسائل العدل والتوحيد لعبدالجبار المعتزلي 1/182.
فإن كان ثبوت اليدين يستلزم الحاجة، فكذا ثبوت العلم، وإن قلتم ثبوت الصفات لا يستلزم الحاجة، فقد بطلت دعواكم.
كما أن الافتقار المنفي عن الله - عز وجل -، هو افتقار إلى ما هو خارج عن نفسه، وأما ما هو داخل في مسمى نفسه المقدسة كالصفات - ومنها اليدين - فليس هو شيئاً خارجاً عن نفسه (4).
ومن أوجه.. تناقض واضطراب القوم، أنهم يثبتون الإرادة لله تعالى -، ولا يَرِد عارض التمثيل عليهم ها هنا، فإذا جاء إثبات الصفات الخبرية توهموا التمثيل فركنوا إلى التفويض والتجهيل.
فيقال لهم: وهم التمثيل يلاحقكم ويلازمكم فيما أثبتم، فالإرادة هي ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قالوا هذه إرادة المخلوق، وإرادة الله تليق به، فكذا يقال: إن يد الافتقار والحاجة هي يد المخلوق، ويد الله تليق به سبحانه -.
ـ هرع العصري والغرسي والكبيسي - ومن ورائهم القرضاوي - ففرقوا من غير هدى ولا كتاب منير، فزعموا أن إثبات الصفات الخبرية يوهم التركيب.. بخلاف الصفات السبع، فيقال: هذا التركيب - مع ما فيه من إجمال - يلزمكم فيما أثبتموه من الصفات كالحياة والسمع والبصر..! كما بسطه ابن تيمية في مجموعة الفتاوى 13/305.
تعليق