المدرسة الرمضانية لتعليم وإصلاح الفرقة التيمية
بسم الله وعلى بركة الله ,
نفتتح المدرسة الرمضانية لتعليم الفرقة التيمية أصول الكلام فى العقيدة المرضية , والمجمع عليها من الأمة الاسلامية , والتى هى فعلا وحقيقة العقيدة السلفية , ولذلك ستجد كل كلامنا نابع من الكتاب والسنة , وعلى كل خطوة نخطوها آية أو حديث , مع البعد عن الكلام النظرى الخالى من الأمثلة والدليل , وستعرف بالدليل القاطع من الملتزم بالكتاب والسنة ومن الذى يلعب بهما ويسخرهما فى خدمة أغراضه وهواه ,
-الدرس الأول
التصور :
-أيها التيميون : أنتم أوجدتم بدعة حديثة لم يسبقكم اليها أحد وهى قولكم أن المؤولة من الأشاعرة أصحاب تجسيم , ولولا أنهم يتخيلون التجسيم أولا لما أولوا , ولو أنهم منزهون لأجروا الصفات على الظاهر كما نفعل نحن من غير توهم جسم أو تخيل تجسيم , فنحن نجرى الصفات الخبرية على الظاهر والحقيقة ومع ذلك لا نجسم ولا نمثل , وانما نحن منزهون , فنحن نقول يد على الحقيقة ووجه على الحقيقة ونزول على الحقيقة وعين على الحقيقة وأصابع على الحقيقة ومع ذلك نحن منزهون , تحت دعوى كما يليق بذاته لأنه تعالى [ ليس كمثله شيء ]
يقول الشنقيطى فى كتابه [ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ] [والقاعدة المعروفة عند علماء السلف أنه لا يجوز صرف شيء من كتاب الله ولا سنة رسوله عن ظاهره المتبادر منه إلا بدليل يجب الرجوع إليه.
وكل هذا الشر- فاسمعوا أيها الإخوان نصيحة مشفق- إنما جاء من مسألة وهى نجس القلب وتلطخه وتدنسه بأقذار التشبيه فإذا سمع ذ و القلب المتنجس بأقذار التشبيه صفة من صفات الكمال أثنى الله بها على نفسه كنزوله إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير وكاستوائه على عرشه وكمجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال أول ما يخطر في ذهن المسكين أن هذه الصفة تشبه صفة الخلق فيكون قلبه متنجسا بأقذار التشبيه
لا يقدر الله حق قدره ولا يعظم الله حق عظمته حيث يسبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق فيكون فيها أولا نجس القلب متقذره بأقذار التشبيه فيدعو شؤم هذا التشبيه إلى أن ينفي صفة الخالق جل وعلا عنه بادعاء أنها تشبه صفات المخلوق فيكون فيها أولا مشبها وثانيا معطلا ضالا ابتداء وانتهاء متهجما على رب العالمين ينفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق.]-وهذه أكبر مغالطة , وأكبر خدعة وقعتم فيها وأوقعتم الشباب الحائر فيها , وأو قعكم فىها شيوخكم الأفاضل الذين عجزوا عن التحصيل وأعياهم العلم , فلجأوا الى قاموس الشتائم الجاهزة , والمهاترات الفارغة التى لا طائل من ورائها ,
-تابعوا هذا الدرس :
-التصور هو : ادراك المفرد من غير حكم عليه بإثبات أو نفى , -إدراك أى تخيل وتصور المفرد , أو حصول صورة المفرد فى الذهن بمجرد سماع الأذن لإسمه ,
-المفرد هو ما يسمى فى اللغة الأسماء أى مسميات الأشياء مثل قلم كتاب سمكة بحر جبل صحراء أرض سماء شجرة وهكذا فبمجرد سماع أى اسم من هذه الأسماء فان الذهن يتصور مباشرة صورة هذا الإسم لأنه رأى مثالا له فى الواقع , فعشرات بل مئات بل آلاف الصور مخزنة فى الذاكرة طول حياة الإنسان وبمجرد سماع الإسم تقفز صورة هذا الإسم الى الذهن مباشرة
-وهذه أول درجة من درجات العلم , والفهم , وهى أول مرحلة علمها الله لآدم عليه السلام , قال تعالى [ وعلم آدم الأسماء كلها ] فقبل تعليم الله تعالى الأسماء لآدم كان آدم لا يعلم شيئا , ولا يتخيل شيئا , لأنه خلق وذاكرته خالية , بيضاء ليس فيها شيء , ونفس الدرجة يشترك فيها كل المخلوقات حتى الملائكة , لايعلمون الا ما علمهم الله تعالى , قال تعالى على لسانهم [ سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا ]
-فاذا نطق أمامك انسان بكلمة يد فلن يقفز الى ذهنك الا صورة اليد البشرية التى هى آلة العمل للإنسان , واذا سمعت أذنك كلمة وجه فلن تتخيل الا الوجه البشرى المعروف الذى يتكون من صفحة الوجه وعليها العينين والأنف والفم والحاجبين , والتى هى جزء من الرأس , المركب فيها الأذنين , وعليها الشعر , وكذلك لو قال لك وجه الدابة , واذا سمعت كلمة عين , فلن تفهم ولن يقفز الى ذهنك الا صورة العين البشرية التى يبصر بها الإنسان ولو سمعت كلمة نزول , فلن تتخيل الا صورة النزول على سلم ونحوه من مكان أعلى الى مكان أسفل , واذا سمعت كلمة استواء فلن يقفز الى ذهنك الا الجلوس والاستقرار والتمكن , وهكذا كل هذه التصورات تقفز الى ذهنك رغما عنك عند سماع اسمها ,
-وهذه هى طبيعة البشر , طبيعة العقل البشرى التى خلقنا الله عليها , ولا حيلة لنا فيها , ولا فرق فى هذا بين انسان وانسان , أى لافرق بين أشعرى وغيره , قال تعالى [ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ] فهناك حواس خمسة , لا يدرك الإنسان الحياة المحيطة به الا عن طريقها , ولا يتعلم الا عن طريقها , -السمع والبصر واللمس والتذوق والشم , فهذه منافذ العقل البشرى التى تدخل منها المعلومات , لا يفهم ولا يتخيل الا المحسوسات التى أدركها بهذه المنافذ أو أحدها , وأى معلومة لا تدخل من أى منفذ من هذه المنافذ لا يمكن أن يتخيلها الإنسان اطلاقا , الا بضرب الأمثلة من الحياة التى رآها وأدركها , ومن أجل هذه النقطة تحديدا ضرب الله تعالى لنا الأمثلة فى القرآن الكريم , فقال تعالى [ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون ] وهذا هو سر الإيمان بالغيب , أى أن تؤمن بما غاب عنك كأنك تراه لأنك تصدق من أخبرك , فكلامه يحل محل الرؤية البصرية , قال تعالى [ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ] والنبى صلى الله عليه وسلم ولد بعد حادثة الفيل , فقام اخبار الله تعالى مقام الرؤية البصرية , لصدق من أخبر ,
-وعندما أراد الله تعالى أن يصف لنا الجنة قال [ مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنها من عسل مصفى ] فمثّل لنا الجنة بأمثلة من حياتنا الدنيا حتى نفهم , وعندما أراد سبحانه أن يخبرنا أن فى الجنة فوق ذلك مما لامثال له فى الدنيا قال [ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ] وقال صلى الله عليه وسلم [ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ]
- من هنا يتبين بالدليل القاطع أننا لو سمعنا فى القرآن الكريم ألفاظا أضافها الله عز وجل الى نفسه , مما رأى الإنسان لها مثالا فى الواقع , ونحن لم نر الله تعالى , فيجب أن نعلم أن الصورة الذهنية التى نحتفظ بها لهذه الأشياء فى ذاكرتنا لا تصلح لوصف الله تعالى بها , وكذلك هذه الصورة الذهنية غير مرادة أبدا وانما ذكرها الله تعالى على سبيل التقريب وضرب المثل لنا من حياتنا حتى نفهم , لأننا لا نفهم الا بهذه الطريقة ,
-ومن هنا جاء ما يسمى فى اللغة العربية بالتشبيه والمجاز والإستعارة وغير ذلك , فماذا أفعل فى قوله تعالى [ وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ] فهل للنهار وجه ؟ وهل يمكن اجراء الوجه هنا على الحقيقة والظاهر ؟ أم لابد من الإستعارة والتشبيه والكناية وأساليب اللغة العربية ؟ وكذلك قوله تعالى [ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ] ما معنى يديه هنا ؟ هل للقرآن يدين حقيقيتين ؟ على الظاهر والحقيقة ؟ وهل له أمام وخلف , مثل الجسم المجسم ؟ أم أن هذا تمثيل لتقريب المعنى ؟ وقال تعالى [ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ] فما معنى جناح هنا ؟ وهل للإنسان جناح مثل الطيور ؟ أم لابد من الإستعارة والتمثيل حتى يتضح المعنى ؟ قال تعالى [ ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا ] فهل العمى الذى هو فقد البصر الحقيقى هو المقصود ؟ وماذا نفعل اذا علمنا أن من الصحابة الكرام من فقد بصره فى حياته مثل عبد الله بن عباس , فهل تنطبق عليه هذه الآية على الظاهر والحقيقة ؟
-تدبر يا أخى هداك الله قالوا لك أن الأشاعرة قلوبهم متنجسة بالتشبيه والتجسيم ولذلك فهم يؤولون , ولو كانوا مثلنا نحن [ أهل السنة أو السلفيين أو كما يطلقون على أنفسهم ] لما أولوا , لأننا أى هم نجرى هذه الألفاظ على الظاهر ولا ينصرف ذهننا الى التجسيم مثلهم , وانما نحن أى هم منزهون على الحقيقة ,
-وأرجو منك أيها المخدوع بهذا العبث والكلام الساقط أن تتوجه الى أعلم علمائهم , وقل له يا سماحة الشيخ الفاضل العالم العلامة اذا ذكرت أمامك اليد فما الذى يقفز الى ذهنك مباشرة ؟ ما الصورة التى سيتخيلها عقلك بمجرد سماع لفظ يد --؟ هل تتخيل قدم مثلا ؟ أو سمكة مثلا ؟ أو قطة مثلا ؟ أم هل تتخيل يدا عظيمة هائلة تضع عليها السموات والأرض ؟ فهذه يد وهمية لاأساس لها , وقد قستها على اليد البشرية الحقيقية , والفرق فى الحجم ؟ أم أنك لن تتخيل شيئا على الاطلاق ؟ وهذا جنون
-من قال هذا الكلام ليس بشريا , وليس من سكان الأرض , وليس عربيا , ولا يفهم لغة العرب ,
-يا أخى لماذا نضحك على الناس بكلام وهمى , الله تعالى هو الخالق , وهو يعلم تماما أننا لن نتخيل الا الأشياء المادية المجسمة التى رأيناها فى حياتنا , قال تعالى [ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ] ولذلك وعند هذه النقطة تحديدا أسألك :
لماذا قال الله تعالى [ ليس كمثله شيء ] اذا كان سبحانه يعلم أن الانسان لن يتخيل التجسيم ؟ ولن يقيس الخالق بخلقه ؟ أليس هذا ضد طبيعة العقل البشرى ؟ لماذا قال تعالى [ فلا تضربوا لله الأمثال ] لأنه تعالى يعلم أننا سنضرب له الأمثال من واقعنا وفهمنا , ولذلك حذرنا من ضرب الأمثال له , لماذا قال تعالى [ الله نور السموات والأرض مثل نوره --] فمثّل النور بمثال مادى حتى نفهم , أما نوره الحقيقى فلا مثال له على الأرض , ولو كنا نفهمه من غير مثال لما مثله لنا ,
-قال تعالى [ الرحمن على العرش استوى ] ثم قال [ لتستووا على ظهوره ] وقال [ فاذا استويت أنت ومن معك على الفلك ] فهنا استواء لله تعالى غير معلوم ولا مفهوم , واستواء بشرى معلوم ومفهوم ,وهو الجلوس والاستقرار على الشيء , فينصرف الذهن مباشرة الى المعنى البشرى , فيأتى قوله تعالى [ ليس كمثله شيء ] فلا نملك الا اثبات النص كما ورد والايمان به و تفويض المعنى الالهى الى الله , أو تأويله بما يليق به سبحانه ,
-فاذا قلت استواء على الظاهر والحقيقة , فليس هناك الا الظاهر البشرى الذى خلقه الله عز وجل , وليس هناك حقيقة الا الحقيقة البشرية التى ركبنا الله عليها وهو أعلم بنا , قال تعالى [ يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم الذى خلقك فسواك فعدلك فى أى صورة ما شاء ركبك ] هو الذى ركبنا على هذه الصورة وهذه الطبيعة البشرية ,
-هذا من أساسيات العلم , واساسيات الفهم وأساسيات العقل البشرى , وغير ذلك وهم وخيال مريض وخرافات
الى الدرس التالى ان شاء الله تعالى
بسم الله وعلى بركة الله ,
نفتتح المدرسة الرمضانية لتعليم الفرقة التيمية أصول الكلام فى العقيدة المرضية , والمجمع عليها من الأمة الاسلامية , والتى هى فعلا وحقيقة العقيدة السلفية , ولذلك ستجد كل كلامنا نابع من الكتاب والسنة , وعلى كل خطوة نخطوها آية أو حديث , مع البعد عن الكلام النظرى الخالى من الأمثلة والدليل , وستعرف بالدليل القاطع من الملتزم بالكتاب والسنة ومن الذى يلعب بهما ويسخرهما فى خدمة أغراضه وهواه ,
-الدرس الأول
التصور :
-أيها التيميون : أنتم أوجدتم بدعة حديثة لم يسبقكم اليها أحد وهى قولكم أن المؤولة من الأشاعرة أصحاب تجسيم , ولولا أنهم يتخيلون التجسيم أولا لما أولوا , ولو أنهم منزهون لأجروا الصفات على الظاهر كما نفعل نحن من غير توهم جسم أو تخيل تجسيم , فنحن نجرى الصفات الخبرية على الظاهر والحقيقة ومع ذلك لا نجسم ولا نمثل , وانما نحن منزهون , فنحن نقول يد على الحقيقة ووجه على الحقيقة ونزول على الحقيقة وعين على الحقيقة وأصابع على الحقيقة ومع ذلك نحن منزهون , تحت دعوى كما يليق بذاته لأنه تعالى [ ليس كمثله شيء ]
يقول الشنقيطى فى كتابه [ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ] [والقاعدة المعروفة عند علماء السلف أنه لا يجوز صرف شيء من كتاب الله ولا سنة رسوله عن ظاهره المتبادر منه إلا بدليل يجب الرجوع إليه.
وكل هذا الشر- فاسمعوا أيها الإخوان نصيحة مشفق- إنما جاء من مسألة وهى نجس القلب وتلطخه وتدنسه بأقذار التشبيه فإذا سمع ذ و القلب المتنجس بأقذار التشبيه صفة من صفات الكمال أثنى الله بها على نفسه كنزوله إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير وكاستوائه على عرشه وكمجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال أول ما يخطر في ذهن المسكين أن هذه الصفة تشبه صفة الخلق فيكون قلبه متنجسا بأقذار التشبيه
لا يقدر الله حق قدره ولا يعظم الله حق عظمته حيث يسبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق فيكون فيها أولا نجس القلب متقذره بأقذار التشبيه فيدعو شؤم هذا التشبيه إلى أن ينفي صفة الخالق جل وعلا عنه بادعاء أنها تشبه صفات المخلوق فيكون فيها أولا مشبها وثانيا معطلا ضالا ابتداء وانتهاء متهجما على رب العالمين ينفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق.]-وهذه أكبر مغالطة , وأكبر خدعة وقعتم فيها وأوقعتم الشباب الحائر فيها , وأو قعكم فىها شيوخكم الأفاضل الذين عجزوا عن التحصيل وأعياهم العلم , فلجأوا الى قاموس الشتائم الجاهزة , والمهاترات الفارغة التى لا طائل من ورائها ,
-تابعوا هذا الدرس :
-التصور هو : ادراك المفرد من غير حكم عليه بإثبات أو نفى , -إدراك أى تخيل وتصور المفرد , أو حصول صورة المفرد فى الذهن بمجرد سماع الأذن لإسمه ,
-المفرد هو ما يسمى فى اللغة الأسماء أى مسميات الأشياء مثل قلم كتاب سمكة بحر جبل صحراء أرض سماء شجرة وهكذا فبمجرد سماع أى اسم من هذه الأسماء فان الذهن يتصور مباشرة صورة هذا الإسم لأنه رأى مثالا له فى الواقع , فعشرات بل مئات بل آلاف الصور مخزنة فى الذاكرة طول حياة الإنسان وبمجرد سماع الإسم تقفز صورة هذا الإسم الى الذهن مباشرة
-وهذه أول درجة من درجات العلم , والفهم , وهى أول مرحلة علمها الله لآدم عليه السلام , قال تعالى [ وعلم آدم الأسماء كلها ] فقبل تعليم الله تعالى الأسماء لآدم كان آدم لا يعلم شيئا , ولا يتخيل شيئا , لأنه خلق وذاكرته خالية , بيضاء ليس فيها شيء , ونفس الدرجة يشترك فيها كل المخلوقات حتى الملائكة , لايعلمون الا ما علمهم الله تعالى , قال تعالى على لسانهم [ سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا ]
-فاذا نطق أمامك انسان بكلمة يد فلن يقفز الى ذهنك الا صورة اليد البشرية التى هى آلة العمل للإنسان , واذا سمعت أذنك كلمة وجه فلن تتخيل الا الوجه البشرى المعروف الذى يتكون من صفحة الوجه وعليها العينين والأنف والفم والحاجبين , والتى هى جزء من الرأس , المركب فيها الأذنين , وعليها الشعر , وكذلك لو قال لك وجه الدابة , واذا سمعت كلمة عين , فلن تفهم ولن يقفز الى ذهنك الا صورة العين البشرية التى يبصر بها الإنسان ولو سمعت كلمة نزول , فلن تتخيل الا صورة النزول على سلم ونحوه من مكان أعلى الى مكان أسفل , واذا سمعت كلمة استواء فلن يقفز الى ذهنك الا الجلوس والاستقرار والتمكن , وهكذا كل هذه التصورات تقفز الى ذهنك رغما عنك عند سماع اسمها ,
-وهذه هى طبيعة البشر , طبيعة العقل البشرى التى خلقنا الله عليها , ولا حيلة لنا فيها , ولا فرق فى هذا بين انسان وانسان , أى لافرق بين أشعرى وغيره , قال تعالى [ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ] فهناك حواس خمسة , لا يدرك الإنسان الحياة المحيطة به الا عن طريقها , ولا يتعلم الا عن طريقها , -السمع والبصر واللمس والتذوق والشم , فهذه منافذ العقل البشرى التى تدخل منها المعلومات , لا يفهم ولا يتخيل الا المحسوسات التى أدركها بهذه المنافذ أو أحدها , وأى معلومة لا تدخل من أى منفذ من هذه المنافذ لا يمكن أن يتخيلها الإنسان اطلاقا , الا بضرب الأمثلة من الحياة التى رآها وأدركها , ومن أجل هذه النقطة تحديدا ضرب الله تعالى لنا الأمثلة فى القرآن الكريم , فقال تعالى [ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون ] وهذا هو سر الإيمان بالغيب , أى أن تؤمن بما غاب عنك كأنك تراه لأنك تصدق من أخبرك , فكلامه يحل محل الرؤية البصرية , قال تعالى [ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ] والنبى صلى الله عليه وسلم ولد بعد حادثة الفيل , فقام اخبار الله تعالى مقام الرؤية البصرية , لصدق من أخبر ,
-وعندما أراد الله تعالى أن يصف لنا الجنة قال [ مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنها من عسل مصفى ] فمثّل لنا الجنة بأمثلة من حياتنا الدنيا حتى نفهم , وعندما أراد سبحانه أن يخبرنا أن فى الجنة فوق ذلك مما لامثال له فى الدنيا قال [ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ] وقال صلى الله عليه وسلم [ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ]
- من هنا يتبين بالدليل القاطع أننا لو سمعنا فى القرآن الكريم ألفاظا أضافها الله عز وجل الى نفسه , مما رأى الإنسان لها مثالا فى الواقع , ونحن لم نر الله تعالى , فيجب أن نعلم أن الصورة الذهنية التى نحتفظ بها لهذه الأشياء فى ذاكرتنا لا تصلح لوصف الله تعالى بها , وكذلك هذه الصورة الذهنية غير مرادة أبدا وانما ذكرها الله تعالى على سبيل التقريب وضرب المثل لنا من حياتنا حتى نفهم , لأننا لا نفهم الا بهذه الطريقة ,
-ومن هنا جاء ما يسمى فى اللغة العربية بالتشبيه والمجاز والإستعارة وغير ذلك , فماذا أفعل فى قوله تعالى [ وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ] فهل للنهار وجه ؟ وهل يمكن اجراء الوجه هنا على الحقيقة والظاهر ؟ أم لابد من الإستعارة والتشبيه والكناية وأساليب اللغة العربية ؟ وكذلك قوله تعالى [ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ] ما معنى يديه هنا ؟ هل للقرآن يدين حقيقيتين ؟ على الظاهر والحقيقة ؟ وهل له أمام وخلف , مثل الجسم المجسم ؟ أم أن هذا تمثيل لتقريب المعنى ؟ وقال تعالى [ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ] فما معنى جناح هنا ؟ وهل للإنسان جناح مثل الطيور ؟ أم لابد من الإستعارة والتمثيل حتى يتضح المعنى ؟ قال تعالى [ ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا ] فهل العمى الذى هو فقد البصر الحقيقى هو المقصود ؟ وماذا نفعل اذا علمنا أن من الصحابة الكرام من فقد بصره فى حياته مثل عبد الله بن عباس , فهل تنطبق عليه هذه الآية على الظاهر والحقيقة ؟
-تدبر يا أخى هداك الله قالوا لك أن الأشاعرة قلوبهم متنجسة بالتشبيه والتجسيم ولذلك فهم يؤولون , ولو كانوا مثلنا نحن [ أهل السنة أو السلفيين أو كما يطلقون على أنفسهم ] لما أولوا , لأننا أى هم نجرى هذه الألفاظ على الظاهر ولا ينصرف ذهننا الى التجسيم مثلهم , وانما نحن أى هم منزهون على الحقيقة ,
-وأرجو منك أيها المخدوع بهذا العبث والكلام الساقط أن تتوجه الى أعلم علمائهم , وقل له يا سماحة الشيخ الفاضل العالم العلامة اذا ذكرت أمامك اليد فما الذى يقفز الى ذهنك مباشرة ؟ ما الصورة التى سيتخيلها عقلك بمجرد سماع لفظ يد --؟ هل تتخيل قدم مثلا ؟ أو سمكة مثلا ؟ أو قطة مثلا ؟ أم هل تتخيل يدا عظيمة هائلة تضع عليها السموات والأرض ؟ فهذه يد وهمية لاأساس لها , وقد قستها على اليد البشرية الحقيقية , والفرق فى الحجم ؟ أم أنك لن تتخيل شيئا على الاطلاق ؟ وهذا جنون
-من قال هذا الكلام ليس بشريا , وليس من سكان الأرض , وليس عربيا , ولا يفهم لغة العرب ,
-يا أخى لماذا نضحك على الناس بكلام وهمى , الله تعالى هو الخالق , وهو يعلم تماما أننا لن نتخيل الا الأشياء المادية المجسمة التى رأيناها فى حياتنا , قال تعالى [ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ] ولذلك وعند هذه النقطة تحديدا أسألك :
لماذا قال الله تعالى [ ليس كمثله شيء ] اذا كان سبحانه يعلم أن الانسان لن يتخيل التجسيم ؟ ولن يقيس الخالق بخلقه ؟ أليس هذا ضد طبيعة العقل البشرى ؟ لماذا قال تعالى [ فلا تضربوا لله الأمثال ] لأنه تعالى يعلم أننا سنضرب له الأمثال من واقعنا وفهمنا , ولذلك حذرنا من ضرب الأمثال له , لماذا قال تعالى [ الله نور السموات والأرض مثل نوره --] فمثّل النور بمثال مادى حتى نفهم , أما نوره الحقيقى فلا مثال له على الأرض , ولو كنا نفهمه من غير مثال لما مثله لنا ,
-قال تعالى [ الرحمن على العرش استوى ] ثم قال [ لتستووا على ظهوره ] وقال [ فاذا استويت أنت ومن معك على الفلك ] فهنا استواء لله تعالى غير معلوم ولا مفهوم , واستواء بشرى معلوم ومفهوم ,وهو الجلوس والاستقرار على الشيء , فينصرف الذهن مباشرة الى المعنى البشرى , فيأتى قوله تعالى [ ليس كمثله شيء ] فلا نملك الا اثبات النص كما ورد والايمان به و تفويض المعنى الالهى الى الله , أو تأويله بما يليق به سبحانه ,
-فاذا قلت استواء على الظاهر والحقيقة , فليس هناك الا الظاهر البشرى الذى خلقه الله عز وجل , وليس هناك حقيقة الا الحقيقة البشرية التى ركبنا الله عليها وهو أعلم بنا , قال تعالى [ يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم الذى خلقك فسواك فعدلك فى أى صورة ما شاء ركبك ] هو الذى ركبنا على هذه الصورة وهذه الطبيعة البشرية ,
-هذا من أساسيات العلم , واساسيات الفهم وأساسيات العقل البشرى , وغير ذلك وهم وخيال مريض وخرافات
الى الدرس التالى ان شاء الله تعالى
تعليق