الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى
وبعد، فقد قلت مخاطبا أحد الأخوة الأفاضل الذين نشأوا في بيئة وهابية، واغتروا بكتاب سفر الحوالي واعتقدوا أن ما فيه عن أهل السنة الأشاعرة حق، لكن ميزة هذا الأخ الفاضل أنه مستعد للتأمل والنظر لمعرفة الحقيقة على ما هي عليه في نفس الأمر، وهي أن سفر الحوالي شحن كتابه بالكذب على أهل السنة الأشاعرة، ونسب لهم أقوالا شنيعة لم يقولوا بها، وقد اخترت أن أبين له كيف نسب الحوالي بكل وقاحة عن إمام الحرمين أنه كان يعتقد أن اول واجب على المكلفين الشك في الله تعالى، وهذا كذب وزور من القول، فحاشا أن يقول إمام الحرمين بذلك كما سنبين، فقلت له:
ربما لا يخفى عليك أن هنالك ردودا على كتاب سفر ولا أدري إن كنت اطلعتَ عليها، مع إني أرجح عدم ذلك، لكن وعلى كل حال فإن ما سأشير إليه من أخطاء فادحة في كتاب سفر الكبير غير موجود في الردود الأخرى نظرا لما سأذكره لك مرتبط بدقة التوثيق وهي مرحلة أساسية لم يتلفت إليها الذين ردوا على سفر بشكل أساسي.
ونظرا إلى كونك تدرك بحكم كونك أكاديميا لامعا ضرورة دقة التوثيق وعزو الأقوال في بناء الأحكام، فأني سأبين لك غلط سفر في التوثيق مع أن المصادر موجودة ومعروفة وبين يديه، مما يشعر أنه قاصد للتزييف ليتم له التشنيع بالباطل على العلماء.
ففي أول مسألة انتقدها سفر على الأشاعرة وهي أول واجب شرعا، وهي مسألة فقهية أصلا وليست اعتقادية، ومبناها على الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وفيهما أدلة بعضها يرجح وجوب المعرفة وبعضها يرجح وجوب النظر العقلي وبعضها يرجح وجوب النطق بالشهادتين عن عقد صحيح إلى غير ذلك، وكلها آراء مستندة إلى أدلة شرعية، ولا قاطع في واحد منها كسائر المسائل الفقهية الخلافية التي تنوعت فيها الأدلة الشرعية، ومع ذلك جعلها سفر مطية للتشنيع على الأشاعرة، وهذا تعصب مذموم بلا شك.
وعلى كل حال، فالخطأ الجسيم الذي وقع فيه سفر واقع في الفقرة التالية التي يجب أن أنقلها بتمامها:
أما مسألة أن أول واجب هو الشك فلم أجد من نص عليه من الأشاعرة نصا، بل نقلوه عن أبي هاشم الجبائي المعتزلي، ولكن القرطبي الأشعري قال عن توبة الجويني التي فيها: ركبت البحر الأعظم وغصتُ في كل شيء نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فرارا من التقليد والآن رجعت واعتقدت مذهب السلف، قال: إن قوله "ركبت البحر الأعظم" إشارة إلى هذا المذهب أي: مذهب الشك. اهـ (منهج الأشاعرة في العقيدة ص 26 ، 27)
هذا كلام سفر الذي عزاه للقرطبي صاحب المفهم في شرح صحيح مسلم وهو كتاب مطبوع متداول، وبالرجوع إلى المفهم ج6/ ص 692 طبعة دار ابن كثير سنة 1417 هـ لا نجد هذه التتمة التي ينسب فيها القرطبي مذهب الشك لإمام الحرمين إطلاقا، بل هذا لفظ نص القرطي:
فمنهم إمام المتكلمين أبو المعالي فقد حكى عنه الثقات أنه قال: لقد خليت أهل الإسلام وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه كل ذلك رغبة في طلب الحق وهربا من التقليد والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلة الإخلاص والويل لابن الجويني. اهـ
فهذا نص القرطبي، وليس فيه نسبة مذهب الشك لإمام الحرمين أبدا.
وكيف يقول إمام الحرمين ذلك وهو القائل في كتابه الشامل: ص 121 بتحقيق النشار : وقال أبو هاشم: أول واجب على المكلف الشك في الله، إذ لابد على أصله من تقديم الشك على النظر، ومن هذا الضرب من الشك قال: الشك في الله حسن.
قال إمام الحرمين معلقا على كلام أبي هاشم المعتزلي: وهذا خروج منه عن قول الأمة، وتوصل منه إلى هدم أصله، وذلك أن كل واجب مأمور به، وتقدير الأمر بالشك متناقض.
ثم قال إمام الحرمين: وما قاله أبو هاشم مردود لفظا معنى. (الشامل ص 121، 122)
فأي مصداقية تكون لدراسة سفر وهو ينسب إلى إمام الحرمين قولا كفريا وهو القول بوجوب الشك في الله تعالى؟؟ وكيف يفعل ذلك ورد إمام الحرمين على ذلك القول الكفري موجود في كتابه المطبوع منذ سنين طويلة؟؟ وكيف يرتكب ذلك والمراجع موجودة يمكن أن ينالها أدنى طالب علم ويصل إليها؟؟ وكيف يتصدر إلى إلصاق هذه التهمة الشنيعة بإمام الحرمين حتى يتوسل بذلك إلى تنفير العوام المساكين وطلبة العلم البسطاء من أهل العلم كإمام الحرمين رضي الله عنه وجزاه خيرا عن الإسلام والمسلمين؟؟
أدعوك للتأمل في مقاصد سفر من ذلك.. ولله الأمر من قبل ومن بعد..
وهنا سأخبرك بأمر مهم جدا سيشد انتباهك بالتأكيد لجلالة قدر الإمام الطبري عندك، وذلك أن الإمام الطبري يقرر أن أول واجب على المكلف هو النظر العقلي والفكر الموصل إلى معرفة وجود الصانع تعالى ومعرفة صفات ذاته من العلم والقدرة والإرادة، وله تفصيل مهم في ذلك في كتابه التبصير ص 123.
فالقول إذن بوجوب النظر أو المعرفة من خلال النظر العقلي في أدلة الكون قول سبق فيه الإمام الطبري الأشاعرة، وهو كما تعلم أعلم الناس بأدلة القرآن والسنة وبأقوال السلف من الصحابة والتابعين وهلم جرا إلى زمانه من العلماء والفضلاء.
هذه عينة صغيرة من الاختلال الكبير الواقع في كتاب سفر، وللأسف الشديد فجل العوام اغتروا بما فيه وصار الأشاعرة عندهم في عداد شرار الخلق وسفلة المسلمين إن لم يكونوا عند المتعصبين خارج دائرة الإسلام بسبب كتابات مثل كتابات سفر، وربما قد وصلك شيء من ذلك يا أخي، لكن الحقيقة التي يعلمها الله تعالى ويعلمها المطلعون على كتب ومذاهب أهل العلم هي خلاف ما قرره سفر تاب الله عليه وغفر له قبل الفوات.
هذا، وإني أدعوك لقراءة بعض الردود التي كتبت على دراسة سفر لتتعدل الكفة عندك، ولكن نقدي سيكون منصبا أساسا على مسألة التوثيق وتصوير المسائل، أو على مسائل علمية دقيقة فاتت من تعقب سفر قبل ذلك
وإني أدعو الله تعالى أن يفتح بصيرتي وبصيرتك للحق
مع علمي أن أصعب شيء على المرء أن يغير أفكارا رسخت في ذهنك طيلة سنوات
لكن الله تعالى لا يتعاظمه هداية عباده بنور اليقين إلى الحق المبين فضلا منه وكرما
وبعد، فقد قلت مخاطبا أحد الأخوة الأفاضل الذين نشأوا في بيئة وهابية، واغتروا بكتاب سفر الحوالي واعتقدوا أن ما فيه عن أهل السنة الأشاعرة حق، لكن ميزة هذا الأخ الفاضل أنه مستعد للتأمل والنظر لمعرفة الحقيقة على ما هي عليه في نفس الأمر، وهي أن سفر الحوالي شحن كتابه بالكذب على أهل السنة الأشاعرة، ونسب لهم أقوالا شنيعة لم يقولوا بها، وقد اخترت أن أبين له كيف نسب الحوالي بكل وقاحة عن إمام الحرمين أنه كان يعتقد أن اول واجب على المكلفين الشك في الله تعالى، وهذا كذب وزور من القول، فحاشا أن يقول إمام الحرمين بذلك كما سنبين، فقلت له:
ربما لا يخفى عليك أن هنالك ردودا على كتاب سفر ولا أدري إن كنت اطلعتَ عليها، مع إني أرجح عدم ذلك، لكن وعلى كل حال فإن ما سأشير إليه من أخطاء فادحة في كتاب سفر الكبير غير موجود في الردود الأخرى نظرا لما سأذكره لك مرتبط بدقة التوثيق وهي مرحلة أساسية لم يتلفت إليها الذين ردوا على سفر بشكل أساسي.
ونظرا إلى كونك تدرك بحكم كونك أكاديميا لامعا ضرورة دقة التوثيق وعزو الأقوال في بناء الأحكام، فأني سأبين لك غلط سفر في التوثيق مع أن المصادر موجودة ومعروفة وبين يديه، مما يشعر أنه قاصد للتزييف ليتم له التشنيع بالباطل على العلماء.
ففي أول مسألة انتقدها سفر على الأشاعرة وهي أول واجب شرعا، وهي مسألة فقهية أصلا وليست اعتقادية، ومبناها على الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وفيهما أدلة بعضها يرجح وجوب المعرفة وبعضها يرجح وجوب النظر العقلي وبعضها يرجح وجوب النطق بالشهادتين عن عقد صحيح إلى غير ذلك، وكلها آراء مستندة إلى أدلة شرعية، ولا قاطع في واحد منها كسائر المسائل الفقهية الخلافية التي تنوعت فيها الأدلة الشرعية، ومع ذلك جعلها سفر مطية للتشنيع على الأشاعرة، وهذا تعصب مذموم بلا شك.
وعلى كل حال، فالخطأ الجسيم الذي وقع فيه سفر واقع في الفقرة التالية التي يجب أن أنقلها بتمامها:
أما مسألة أن أول واجب هو الشك فلم أجد من نص عليه من الأشاعرة نصا، بل نقلوه عن أبي هاشم الجبائي المعتزلي، ولكن القرطبي الأشعري قال عن توبة الجويني التي فيها: ركبت البحر الأعظم وغصتُ في كل شيء نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فرارا من التقليد والآن رجعت واعتقدت مذهب السلف، قال: إن قوله "ركبت البحر الأعظم" إشارة إلى هذا المذهب أي: مذهب الشك. اهـ (منهج الأشاعرة في العقيدة ص 26 ، 27)
هذا كلام سفر الذي عزاه للقرطبي صاحب المفهم في شرح صحيح مسلم وهو كتاب مطبوع متداول، وبالرجوع إلى المفهم ج6/ ص 692 طبعة دار ابن كثير سنة 1417 هـ لا نجد هذه التتمة التي ينسب فيها القرطبي مذهب الشك لإمام الحرمين إطلاقا، بل هذا لفظ نص القرطي:
فمنهم إمام المتكلمين أبو المعالي فقد حكى عنه الثقات أنه قال: لقد خليت أهل الإسلام وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه كل ذلك رغبة في طلب الحق وهربا من التقليد والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلة الإخلاص والويل لابن الجويني. اهـ
فهذا نص القرطبي، وليس فيه نسبة مذهب الشك لإمام الحرمين أبدا.
وكيف يقول إمام الحرمين ذلك وهو القائل في كتابه الشامل: ص 121 بتحقيق النشار : وقال أبو هاشم: أول واجب على المكلف الشك في الله، إذ لابد على أصله من تقديم الشك على النظر، ومن هذا الضرب من الشك قال: الشك في الله حسن.
قال إمام الحرمين معلقا على كلام أبي هاشم المعتزلي: وهذا خروج منه عن قول الأمة، وتوصل منه إلى هدم أصله، وذلك أن كل واجب مأمور به، وتقدير الأمر بالشك متناقض.
ثم قال إمام الحرمين: وما قاله أبو هاشم مردود لفظا معنى. (الشامل ص 121، 122)
فأي مصداقية تكون لدراسة سفر وهو ينسب إلى إمام الحرمين قولا كفريا وهو القول بوجوب الشك في الله تعالى؟؟ وكيف يفعل ذلك ورد إمام الحرمين على ذلك القول الكفري موجود في كتابه المطبوع منذ سنين طويلة؟؟ وكيف يرتكب ذلك والمراجع موجودة يمكن أن ينالها أدنى طالب علم ويصل إليها؟؟ وكيف يتصدر إلى إلصاق هذه التهمة الشنيعة بإمام الحرمين حتى يتوسل بذلك إلى تنفير العوام المساكين وطلبة العلم البسطاء من أهل العلم كإمام الحرمين رضي الله عنه وجزاه خيرا عن الإسلام والمسلمين؟؟
أدعوك للتأمل في مقاصد سفر من ذلك.. ولله الأمر من قبل ومن بعد..
وهنا سأخبرك بأمر مهم جدا سيشد انتباهك بالتأكيد لجلالة قدر الإمام الطبري عندك، وذلك أن الإمام الطبري يقرر أن أول واجب على المكلف هو النظر العقلي والفكر الموصل إلى معرفة وجود الصانع تعالى ومعرفة صفات ذاته من العلم والقدرة والإرادة، وله تفصيل مهم في ذلك في كتابه التبصير ص 123.
فالقول إذن بوجوب النظر أو المعرفة من خلال النظر العقلي في أدلة الكون قول سبق فيه الإمام الطبري الأشاعرة، وهو كما تعلم أعلم الناس بأدلة القرآن والسنة وبأقوال السلف من الصحابة والتابعين وهلم جرا إلى زمانه من العلماء والفضلاء.
هذه عينة صغيرة من الاختلال الكبير الواقع في كتاب سفر، وللأسف الشديد فجل العوام اغتروا بما فيه وصار الأشاعرة عندهم في عداد شرار الخلق وسفلة المسلمين إن لم يكونوا عند المتعصبين خارج دائرة الإسلام بسبب كتابات مثل كتابات سفر، وربما قد وصلك شيء من ذلك يا أخي، لكن الحقيقة التي يعلمها الله تعالى ويعلمها المطلعون على كتب ومذاهب أهل العلم هي خلاف ما قرره سفر تاب الله عليه وغفر له قبل الفوات.
هذا، وإني أدعوك لقراءة بعض الردود التي كتبت على دراسة سفر لتتعدل الكفة عندك، ولكن نقدي سيكون منصبا أساسا على مسألة التوثيق وتصوير المسائل، أو على مسائل علمية دقيقة فاتت من تعقب سفر قبل ذلك
وإني أدعو الله تعالى أن يفتح بصيرتي وبصيرتك للحق
مع علمي أن أصعب شيء على المرء أن يغير أفكارا رسخت في ذهنك طيلة سنوات
لكن الله تعالى لا يتعاظمه هداية عباده بنور اليقين إلى الحق المبين فضلا منه وكرما
تعليق