بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد :
فقد رأيت للشيخ سعيد فودة تعليقا على كتاب شرح الياقوت النفيس في مذهب ابن إدريس للشيخ محمد بن أحمد الشاطري رحمه الله تعالى ، ومع أن هذا التعليق قديم إلا أنني قرأته الآن مصادفة والحق كما تعلمون لا يسقط بالتقادم فأحببت أن أنبه على ما ورد في تعليقه .
تعرض الشيخ سعيد فودة لذكر ثلاث ملاحظات على هذا الكتاب منها:
قال الشيخ الشاطري في ص61 من كتابه في معرض تعريفه للماء :
ولكن العلماء يقولون: إن الماء مكون من مادتين وهي مادة الأكسجين ومادة الهيدروجين، وهما موجودتان في مطلق المياه ....
ثم قال : والسابقون يقولون عن الماء : إنه عنصر غير مركب، كل الأشياء مركبة إلا أربعة بالنسبة للسابقين- وهي الماء والتراب والنار والهواء، هذه أشياء غير مركبة ايضاً، فالماء كما سبق- مركب من الأكسجين والهيدروجين.
انتهى كلام الشيخ الشاطري.
ويتضح من كلام الشيخ الشاطري أنه لا يعتبر الماء عنصراً بسيطاً لأنه مركب من الأكسجين والهيدروجين، ولكن ما هو البسيط والمركب عند الفلاسفة والمتكلمين:
يقسم المتكلمون الموجود إلى واجب وممكن.
قال الامام الرازي:
الموجود إما أن يكون واجباً لذاته ، وإما أن يكون ممكناً لذاته .
أما الواجب لذاته فهو الله تعالى فقط.
وأما الممكن لذاته فهو كل ما سوى الله تعالى وهو العالم .
أن المتكلمين قالوا : العالم كل موجود سوى الله ، وسبب تسمية هذا القسم بالعالم أن وجود كل شيء سوى الله يدل على وجود الله تعالى ، فلهذا السبب سمي كل موجود سوى الله بأنه عالم . إذا عرفت هذا فنقول : كل ما سوى الله تعالى إما أن يكون متحيزاً ، وإما أن يكون صفة للمتحيز ، وإما أن لا يكون متحيزاً ولا صفة للمتحيز .
فهذه أقسام ثلاثة :
القسم الأول : المتحيز : وهو إما أن يكون قابلاً للقسمة ، أو لا يكون ، فإن كان قابلاً للقسمة فهو الجسم ، وإن لم يكن كذلك فهو الجوهر الفرد.
أما الجسم فإما أن يكون من الأجسام العلوية أو من الأجسام السفلية.
أما الأجسام العلوية فهي الأفلاك والكواكب ، وقد ثبت بالشرع أشياء أخر سوى هذين القسمين ، مثل العرش والكرسي وسدرة المنتهى واللوح والقلم والجنة .
وأما الأجسام السفلية فهي إما بسيطة أو مركبة :
أما البسيطة فهي العناصر الأربعة : واحدها : كرة الأرض بما فيها من المفاوز والجبال والبلاد المعمورة ، وثانيها : كرة الماء وهي البحر المحيط وهذه الأبحر الكبيرة الموجودة في هذا الربع المعمور وما فيه من الأودية العظيمة التي لا يعلم عددها إلا الله تعالى ، وثالثها : كرة الهواء ، ورابعها : كرة النار .
وأما الأجسام المركبة فهي النبات ، والمعادن ، والحيوان ، على كثرة أقسامها وتباين أنواعها .
ويكمل كلامه رحمه الله في تفسيره ليذكر بقية الأقسام ولكن ما يهمنا هنا هو هذا الموضع.
ويلاحظ أن العلماء يقسمون الجسم إلى بسيط ومركب، إذن هم يتكلمون عن الأجسام وليس عن البسيط بمعنى الجوهر الفرد، ومن هنا يعتبرون العناصر الأربعة أنها أجسام بسيطة وليست مركبة بهذا المعنى.
ولكن ما معنى أن العناصر الأربعة بسيطة:
لمصطلح البسيط له اطلاقان هما:
1- ما لا جزء له أصلاً.
2- أو ما ليس له أجراء متخالفة الماهية، سواء لم يكن له جزء أصلاً أو كان له أجزاء متفقة الحقيقة.
ويقسم باعتبار ثان إلى البسيط الحقيقي والإضافي
فالحقيقي: ما لا جزء له أصلاً .
والبسيط الإضافي: ما هو أقل جزءاً .
فعليه يكون تقسيم العناصر الأربعة عند المتكلمين إما من حيث الاعتبار الأول بالمعنى الثاني وهو ما ليس له أجزاء متخالفة، أو الاعتبار الثاني بالمعنى الإضافي ما هو أقل جزءاً وهذا لا ضير فيه بهذا المعنى عند المتكلمين، وبهذه المعاني قال المتكلمون بأن العناصر الأربعة بسيطة لا بمفهوم الفلاسفة الذي يتضمن نفي الجوهر الفرد.
وأما بالاعتبار الثاني: فيقصد من كونها بسيطة هو تكون المركبات الجسمانية منها باعتبار أنها مكونه لها فالحيوان والنبات وغيرها تتكون من أخلاط هذه العناصر الأربعة، فهي بسيطة بالمفهوم الإضافي أي باعتبار ما فوقها وكونها أقل جزءاً مما فوقها.
ولذلك عرف الجسم البسيط عند العلماء بتعريفات منها:
الأول: ما جزؤه مساو لكله في الاسم والحد كالماء مثلاً.
قال الإمام الرازي: هذا إنما يستقيم إذا قلنا بأن الجسم غير مركب من الهيولى والصورة بل هو جوهر متصل قائم بذاته لا بمادة، وأما إذا قيل إنه مركب منهما فإنه لا يستقيم لأن جزءه المادي وحده أو الصوري وحده لا يساويه في الاسم والحد بل لا بد حينئذ من أن يقيد الجزء بكونه جسمياً -أي مقدارياً- وإلا ورد الهيولى والصورة فإنهما جزءان من الجسم البسيط ولا يساويانه فيما ذكر فلا ينطبق هذا الرسم عل شيء من الأجسام البسيطة وإذا أريد الجزء المقداري كان منطبقا عليها سواء تركبت منهما أو لا.
وعليه تعتبر العناصر الأربعة بسيطة باعتبار الجسم المقداري فمثلاً الماء باعتباره جسماً مقدارياً هو المرموز له h2o وهذا الجزء المادي بهذا الاعتبار مساو لكله في الاسم والحد فكل جزء يطلق عليه بأنه ماء وتعريف الماء هو الجسم الكون من الرمز h2o وكل أجزاء الماء تتكون من هذا الجسم المقداري.
ولكن لو أخذنا أجزاء الماء بأنه المكون من ذرتين هيدروجين وذرة أوكسجين فلا يسمى جسماً بسيطاً بهذا الاعتبار.
الثاني: ما لا يتركب من أجسام مختلفة الطبائع.
وكل منهما أي من هذين الرسمين قد يعتبر بحسب الحقيقة أو الحس فهذه أربعة اعتبارات.
ولا أريد الإطالة في ذكر هذه الاعتبارات الأربعة وما يترتب عليها لأنه ليس محل بحثنا هنا، بل القدر الذي ذكرناه كافٍ في بيان أن إطلاقات المتكلمين على العناصر الأربعة بأنها بسيطة بهذا بالاعتبار الذي قدمناه هو جائز ولا محظور فيه.
ينظر هذه التقسيمات والتعريفات كتاب المواقف وشرحه.
إذا مسألة العناصر الأربعة وكونها بسيطة أو مركبة هي مسألة لها اعتبارات وعلماء الكلام يقولون بهذه القسمة بالاعتبار الذي قلنا ولا مانع أو محظور في إطلاق مثل هذه المصطلحات.
العلماء والحكماء تكلموا على العناصر الأربعة من حيث الشكل الطبيعي أيضاً:
بين العلماء الشكل الطبيعي للبسيط .
فقالوا: ولكل جسم بسيطاً كان أو مركباً شكل طبيعي وذلك لوجوب تناهيه لما سيرد عليك من استحالة لا تناهي الأبعاد فلو خلي الجسم أي جسم كان وطبعه بأن يفرض بعد وجوده خاليا عن جميع ما يمكن خلوه عنه من التأثيرات الخارجية يحيط به حد أي طرف واحد فيكون كرة أو حدود أكثر من واحد فيكون مضلعا وعلى التقديرين كان ذلك الشكل طبيعيا له لاستناده إلى طبيعته من غير أن يكون هناك تأثير غريب.
ثم إن الأشكال الطبيعية للأجسام المركبة غير منضبطة لاختلافها بحسب اختلاف أجزائها في طبائعها ومقاديرها وبحسب صورها النوعية فلذلك لم يتعرض لها.
يقولون الشكل الطبيعي للأجسام البسيطة هي الكرة:
قالوا: الشكل الطبيعي للبسيط من الأجسام هو الكرة وذلك لأن له أي للجسم البسيط بالمعنى المراد في هذا المقام قوة أي طبيعة واحدة والقوة الواحدة لا تفعل في المادة الواحدة التي للبسيط إلا فعلا واحدا أي غير مختلف بالنوع وكل شكل سوى الكرة ففيه أفعال مختلفة أنواعها فإن المضلع من الأشكال يكون جانبا منه خطا وآخر زاوية أو سطحا أو نقطة وهي أمور متخالفة الحقائق فيلزم التحكم لأن القابل والفاعل في الكل متحدان وشكك فيما ذكر من أن الشكل الطبيعي للبسيط هو الكرة بوجوه أربعة:... إلى آخر الكلام يراجع تفصيل الكلام في شرح المواقف.
الخلاف بين العلماء في هذه البسائط، هل تخلق الحياة فيها أم لا تكون الحياة الا في المركبات؟ .
فقالوا: لا تتكون المخلوقات من مجردها بل المخلوقات تتكون بالتركيب بين العناصر، لأن الحياة كالمزاج لا تكون إلا في المركبات. وقد اشترط الحكماء فيها البنية المركبة .
وأجيب: بمنع ذلك لأنها إذا خلقت الحياة في المجردات كالملائكة على قول والعقول التي أثبتها الفلاسفة فبالطريق الأولى أن تخلق الحياة في البسائط بل لا مانع أيضاً أن تخلق في الأجزاء الفردة خلافاً للمعتزلة حيث اشترطوا البينة المركبة من الجواهر.
على أن ذلك غير وارد رأساً لأن معنى كون الجن مخلوقة من نار أنها الجزء الأعظم الغالب عليها كالتراب في الإنسان فليست بسيطة ، وقال بعضهم : إن الجن أجسام هوائية أو نارية بمعنى أنهم يغلب عليهم ذلك وهم مركبون من العناصر الأربعة كالملائكة عليهم السلام على قول .
المسألة الثانية: هل أفضلية العناصر تقتضي أفضلية الكائنات؟
والحق : أن أفضليّة العناصر لا تقتضي أفضلية الكائنات المنشأَة منها لأن العناصر أجرام بسيطة ، والأجسامُ الإِنسانية مركبة من العناصر كلّها . والروح الآدمي لطيفة نورانية تفوَّق بها الإِنسان على جميع المركبات بأن كان فيه جزء ملَكي شارك به الملائكة ، ولذلك طلب منه خالقه تعالى وتقدّس أن يلحق نفسه بالملائكة فتحقق ذلك الالتحاق كاملاً في الأنبياء والمرسلين ومن أجل ذلك قلنا : إن الأنبياء والرسل أفضل من الملائكة لاستواء الفريقين في تمحض النورانية وتميُّز فريق الأنبياء بأنهم لَحقوا تلك المراتب بالاصطفاء والطاعة ، فليس لإِبليس دليل في التفضيل على آدم وإنما عرضت له شبهة ضالة ولذلك جوزي على إبائه من السجود إليه بالطرد من الملأِ الأعلى .
بعد أن قدمنا هذه المقدمة في بيان معنى القول بالعناصر الأربعة البسيطة وأنها ليست مركبة لا بد أن نناقش كلام الشاطري في شرحه على الياقوت النفيس وكلام سعيد فودة في تعليقه عليه.
مناقشة ما قاله الشيخ أحمد الشاطري
ما قاله الشيخ الشاطري في أن الماء قد ثبت علمياً أنه مركب من الأكسيجين والهيدروجين فهو ليس بسيطاً .
قلنا: هذا الكلام صحيح بالمعنى الأول للبسيط وهو ما لا جزء له أصلاً، وأما بالمعنى الثاني للبسيط وهو ما ليس له أجزاء متخالفة الماهية، سواء لم يكن له جزء أصلاً أو كان له أجزاء متفقة الحقيقة.
أو بمعنى ما جزؤه مساو لكله في الاسم والحد فليس بصحيح، فلا مانع من إطلاقه بهذا المعنى وهو المراد من إطلاقات المتكلمين غالبا بخلاف الفلاسفة.
مناقشة تعليق الشيخ سعيد فودة على كلام الشيخ الشاطري
قال في تعليقه:
((لا يخفى أن القول بأن الماء عنصر، وأنه غير مركب، قول الفلاسفة، أو طوائف منهم، هذا هو المشهور، وليس قولا للمتكلمين، وخصوصا الأشاعرة.
فإنهم يقولون بالجزء الذي لا يتجزأ، والقول بأن الماء عنصر بسيط ليس قولا لهم.
وعبارة الشارح الفاضل :"والسابقون يقولون...الخ" قد يفهم منها القارئ أن جميع السابقين بمن فيهم المتكلمون يقولون بهذا الرأي، وهو غير دقيق.
ويمكن للباحث أن يجد إبطال القول بالعناصر الأربعة في كتب المتكلمين.))اهـ كلام الشيخ سعيد فودة.
قلت: المتأمل في كلام الشيخ سعيد فودة يرى أنه ليس دقيقاً من الناحية العلمية بل هو خطأ وذلك أنه قال: ((لا يخفى أن القول بأن الماء عنصر، وأنه غير مركب، قول الفلاسفة...)) .
قلت: ليس القول بأن الماء والعناصر الأربعة أنه بسيط هو قول الفلاسفة فقط بل هو قول للمتكلمين ولكن باعتبار آخر، وقد اثبتنا ذلك فيما مضى.
ثم التعبير بأنه قول للفلاسفة أو طائفة منهم تعبير غير دقيق لاستخدامه (أو) في التعبير، وهذا ليس تعبيراً علمياً في نسبة الأقوال لأصحابها، إلا أن يقصد (أو) معنى بل.
ثم نفيه أن الأشاعرة لا يقولون بأن الماء عنصر بسيط بناء على قولهم بالجزء الذي لا يتجزء هذا بناء غير سليم للحكم لأننا قلنا بأنه يمكن أن تقول بأن الماء عنصر بسيط وهذا لا ينافي القول بالجزء الذي لا يتجزء، بل ظاهر من اطلاقات المتكلمين على الماء بأنه عنصر بسيط هو بالاعتبار ما جزؤه المقداري مساو لكله في الاسم والحد، وليس باعتبار ما لا جزء له وهو الجوهر الفرد، فكل مقام يفهم الكلام فيه على حسبه.
وعليه فقوله: (والقول بأن الماء عنصر بسيط ليس قولا لهم-أي للمتكلمين-). هذا تعميم لا يصح البتة بناء على ما قدمنا.
قوله: ( وعبارة الشارح الفاضل-يقصد الشيخ الشاطري- :"والسابقون يقولون...الخ" قد يفهم منها القارئ أن جميع السابقين بمن فيهم المتكلمون يقولون بهذا الرأي، وهو غير دقيق.)
قلت: عبارة الشيخ الشاطري لا بأس فيها لأنه مدرك أن الذين يقولون بهذا القول هم طوائف المتكلمين والفلاسفة وهو يقصد المتكلمين هنا والله اعلم- لأنه بنى حكمه على القول الأول الذين ذكرناه في تعريف البسيط وهو ما لا جزء له أصلاً، ولكنه لم ينبه إلى بقية التعريفات.
ولا يجوز أن يريد الفلاسفة هنا في عبارته (والسابقون يقولون...) بل المراد المتكلمون؛ لأن الفلاسفة مستثنون أصلاً من المسألة لأنهم لا يقولون بالجوهر الفرد، فهو نفى كون الماء عنصر بسيط بناء على مذهب من يقول بالجوهر الفرد وإلا فعلى مذهب الفلاسفة لا يصح النفي أصلا لأنهم لا يقولون به.
فكلام الشيخ سعيد واعتراضه ليس في محلة.
وأما قول الشيخ سعيد فودة: ( ويمكن للباحث أن يجد إبطال القول بالعناصر الأربعة في كتب المتكلمين).
أيضاً تعميم غير سليم بل لا يبطلون القول بها مطلقاً إلا بمعنى نفي الجوهر الفرد.
تعليق