[دور الإصلاح العقدي في النهضة الإسلامية] مقالة للدكتور عبد المجيد النجار .. ما رأيكم؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد محمود علي
    Registered User
    • Sep 2003
    • 839

    #1

    [دور الإصلاح العقدي في النهضة الإسلامية] مقالة للدكتور عبد المجيد النجار .. ما رأيكم؟

    ..

    [دور الإصلاح العقدي في النهضة الإسلامية]


    العقيدة الإسلامية في تحديدها لحقيقة الوجود و الكون هي الفكرة التي صنعت الحضارة الإسلامية. و لكن العقيدة يتوقف عملها في الدفع الحضاري على كيفية تحمل المسلمين لـها . و قد كان الخلل الذي أصاب الأمة الإسلامية في تحملها لعقيدتـها عاملاً حاسماً في انحسارها الحضاري سواء ما آل إليه الأمر من انحراف في التصور أو من سطحية في التحمل الإيماني تراخى بـها الدفع الإرادي للعمل الحضاري .

    و لا يمكن أن يحدث في حياة الأمة الإسلامية انتعاش معتبر إلا بإصلاحٍ عقدي يرشّـد تحمل الأمة لعقيدتـها لتقع في النفوس من جديد موقع الدفع إلى العمل الصالح المعـمّـر في الأرض و المـنـمي للـحياة .

    و تحمل العقيدة يكون على درجات :

    أولـها الفهم و ذلك بتـصور العقيدة على حقيقتـها كما ورد بـها الـوحي .

    و ثانـيها التصديق بحقيقتـها سواء في نسبتها إلى مصدرها أو قيمتها الذاتية في تأسيس الخير و الصلاح.

    و ثالـثها صيرورتها موجها للفكر في كل ما يتوجه إليه بالبحث.

    و رابعـها صيرورتها دافعـة للإرادة كي تنطـلق في العمل و الإنجاز.

    و في كل واحدة من هذه الدرجات في تحمل الأمة لعقيدتها اليوم خلل يستوجب الإصلاح لتعود العقيدة عامل نهضة حضارية كما كان عند إنشاء التحضر الإسلامي في دورته الأولى


    1 ترشـيـد الـفـهم

    و يعني أن يكون تصور العقيدة مطابق لما هي في حقيقتها التي جاءت عليها في الوحي خالصة من الزيادة و النقصان و الـتغير و الإضطراب . و يشمل ذلك ثلاثة عناصر :

    أ مصادر الفهم :
    جاءت العقيدة الإسلامية بينة في نصوص القرآن و الحديث، و كان فهم نصوص الوحي قدراً مشتركاً بين جميع المسلمين بحيث يمتنع أن يدعي أحد احتكار فهم تلك النصوص و تفسيرها و نصب نفسه الناطق الرسمي باسمها لتصبح أفهامه و شروحه ملزمة للناس . و اتفق المسلمون على مفاهيم العقيدة التي وردت النصوص بشأنها قطعية الثبوت و الدلالة، و اختلفت أفهامهم في بعض القضايا التي وردت ظنية في الثبوت أو الدلالة أو فيهما معاً .

    و لكن اختلاف المسلمين في فهم بعض القضايا التي وقع فيها الإختلاف لم يقف عند ما تقتضيه الحجة العلمية في التعامل مع النص و ثبوته أو دلالته بل داخلته ملابسات متعددة ( سياسية و اجتماعية و اقتصادية و حضارية ثقافية ) ليتحول إلى صراع تجاوز حدود العدالة و القسط و وصل إلى تحكمات المكابرة و الأهواء التي لا تستند إلى الأدلة و الـحـجج . و الناظر اليوم في كتب العقيدة و دواوين الفرق يجد أنها فيما هو مختلف فيه ينأى كثير منها عن مقتضيات نصوص الوحي و الروح العامة و المقاصد الكلية للقرآن و السنة، و يعبر عن الـتشبث بالتمايز في سياق التعصب المذهبي .

    و في هذا الوضع أصبح المسلمون و كأنهم يتخذون لفهم عقيدتهم مصدرين ملزمين و متكافئين، الوحي من جهة و أفهام الفرق و العلماء و تفسيراتهم من جهة أخرى . في حين أن أفهام السابقين من الفرق و العلماء و الباحثين لا تعدو أن تكون وسيلة مساعدة للفهم عن القرآن استئناساً في غير إلزام . و يتأكد هذا الأمر إذا علمنا أن أفهام العلماء من السابقين كانت مرتبطة بقضايا واقعية و مشكلات فكرية ثقافية فرضتها ظروف المواجهة مع الثقافات و الفلسفات و الأوضاع السائدة في عصرهم .


    ب مدلول العقيدة :
    كان مدلول العقيدة في أذهان المسلمين يمتد على مساحة تمثل الأسس الكبرى من المعاني مثل الوحدانية و النبوة و البعث و الجزاء و ما تنطوي عليه من المعاني الجزئية . و لكن مدلول العقيدة في مساحة أخرى من المعاني قد تعرض للتقلص و الانحسار بعد أن كان جزءاً من حقيقة التصديق و التحمل. و لكن المتأمل في الموضوعات التي تناولها علم العقيدة بالبحث كما انتهت إليه المدونات الجامعة لهذا العلم يجد أنها لم تستوعب كل مساحة مدلول العقيدة بل اقتصرت على قضايا كانت مورد شبهة و تساؤل في عصر التدوين الذي شهد مواجهات و مدافعات أثبت العلماء ما يختص بها و لم يتطرقوا إلى مسائل لم تدع الحاجة للدفاع عنها . و بمرور الزمن أصبح كثير من متأخري المسلمين يظن أن مدلول العقيدة ينحصر فيما دونه العلماء من قضايا و أن غيرها من مسائل الفكر و العمل هي مسائل شرعية و ليست عقدية . فانحسرت من مدلول العقيدة في الأفهام مسائل أخرى ذات معانٍ عقدية يـدخل التصديق بها في دائرة الإيمان و يـخرج التكذيب بها إلى دائرة الكفر . و من أمثلة هذه القضايا حاكمية الشريعة الإسلامية، و موالاة الكفار، و الروح كجزء من التركيب الإنساني، و مهمة الخلافة في الأرض كغاية لحياة الإنسان، و العدالة الاجتماعية كقاعدة لبناء المجتمع . فهذه القضايا و أمثالها رغم ما لها من مدخل في تحقيق الإيمان و عدمه إلا أنها لا تدخل اليوم ضمن دائرة العقيدة عند كثير من المسلمين . فقضايا العقيدة لا تنحصر في عالم الغيب دون وصل له بعالم الشهادة من واقع الحياة، و هذا يقودنا إلى النقطة الثالثة:


    ج مفردات العقيدة:
    إن ترشيد مدلول العقيدة يستلزم إدراج عدد من المفاهيم في الوعي الإعتقادي للأمة بحيث تصبح هذه المفاهيم مفردات إعتقادية و أسس في الدين و يصبح الإخلال بها إنما هو إخلال في الدين و ذلك لإرجاع المفاهيم إلى نصابها الحقيقي على الوضع الذي جاءت به في نصوص الوحي و كما كانت عليه في أذهان أوائل المسلمين . و ترشيد مفردات العقيدة يمكن أن يتناول قضايا متنوعة منها ما هو ذو بعد استخلافي و بعضها ذو بعد اجتماعي و آخر ذو بعد كوني و رابع ذو بعد تشريعي، و هي في عمومها متصلة متداخلة .

    فحقيقة مركز الإنسان في الكون و المهمة التي أناطها الله بالإنسان و مهمة الأمة الإسلامية بين الأمم هي قضايا اعتقادبة لا نجد لها أثرا في كتب العقيدة . و كذلك حقيقة العدالة الاجتماعية و التكافل بين أفراد الأمة و حقيقة الحرية الشخصية و العامة و ضوابطها و حقيقة تكريم الإنسان هي قضايا تتصل بمدلول العقيدة و لكنها على كثرة النصوص التي تدل على هذه المعاني و تبرزها لا نجد لها أثراً في مدونات العقيدة. و كذلك قضية تسخير الكون للإنسان و استثمار الكون و الانتفاع بمرافقه و تسخير مقدراته لبناء الحياة في اتجاه تحقيق الخلافة ابتداءً بالتدبر و التفكر لتحصيل العلم و انتهاءً بالاستثمار التطبيقي النفعي لذلك العلم و الرفق بالكون للحفاظ عليه من الفساد و التدمير . . . . هي قضايا اعتقادية ليس لها كذلك في كتب العقيدة اهتمام أو ذكر معتبر . و القضايا ذات البعد التشريعي تشمل كل أحكام الشريعة من حيث الإيمان بحقيقتها يندرج ضمن مفردات العقيدة إذ أن جحود الأحكام الشرعية و التكذيب بها يفضي إلى الانحلال من الإيمان و انتقاضه .

    و هذه القضايا جميعاً و كثير مما يتصل بها ليس غائبة عن دائرة الوعي الإعتقادي فحسب، بل إنها تتعرض في نفس الوقت لتحديات كبيرة من قِـَبل الثقافة الغربية بمذاهبها الفكرية و امتداداتها في الفنون و الآداب و القانون و السياسة . فضلاً عما تتعرض له عقيدة الحاكمية من هجوم مباشر من المذهب العلماني و أنصار القانون الوضعي .

    و حينما يضاف هذا التحدي لما حصل من انسحاب كثير من مفردات العقيدة من الوعي العقدي في أذهان المسلمين، فإن الأمر يـُخشى أن يؤول إلى انحراف عقدي أفدح على صعيد التصديق الإيماني و على صعيد الأثر العملي معاً .

    و بعد ترشيد الفهم للعقيدة و مفرداتها لا بد من ترتيب هذه المفردات لتحديد حجم الإهتمام بها و أقدار حضورها في الوعي و مدى استخدامها في الإيقاظ و التوجيه و الدفع، و ذلك ضمن رؤية كلية و فهمٍ للاعتبارات العملية في واقع الأمة و حاجاتها في مواجهة التحديات المعاصرة . فالتحديات القديمة و الاعتبارات التاريخية و النزاعات بين الفرق و المذاهب لا تصلح معياراً لتحديد حجم الإهتمام و الحضور لأية قضية، إذ أن أكثرها لم يبق منه اليوم شيء ذو قيمة عملية واقعية .


    2 التـصديق:


    و حينما ينتظم فهم العقيدة على الأسس التي بيناها فيما يتعلق بمصدر العقيدة و مدلولها و مفرداتها، فإن ذلك لا محالة سينعكس رشاداً في تصور العقيدة التصور الصحيح كما عليه في مصادرها و كما كانت عليه في عهد السلف من الصحابة و التابعين حين اندفعوا بتصورهم ذاك يعمرون الأرض تعميراً شاملاً و يبنون حضارة انسانية . فالعقيدة الإسلامية ليست مفاهيم تنحصر قيمتها في التصديق القلبي بها، و إنما ذلك هو جزء من الإيمان بها فحسب . و الشطر الثاني من تلك القيمة هو ما يحدثه الإيمان بالعقيدة من أثر شامل في حياة الإنسان الفكرية و العملية. و تلك هي النقطة الفارقة بين العقيدة الإسلامية و سائر العقائد الأخرى.

    و لو تأملت حال المسلمين اليوم لرأيتهم يصدقون بالقلب و لكنهم لا يعملون بمقتضى تصديقهم في السلوك، فيجري السلوك على غير مقتضى الاعتقاد. و لعل هذا الوضع هو النتيجة لما انتهى إليه أهل السنة من تقرير أن الإيمان هو التصديق بالقلب و أن العمل بمقتضاه كمالاً من كمالاته فحسب . و الحال أن سلف الأمة من الصحابة و التابعين لم يكونوا إلا معتبرين الإيمان تصديقاً و إقراراً و عملاً في غير تفصيل و لا فصل قد يؤول إلى ما وصل إليه المسلمون اليوم .


    3 استقامة الفكر :


    الفكر يسبق العمل، و ليس العمل إلا نتاجاً للفكر . و لا يكون الفكر سديداً رشيداً إلا إذا كان موصولاً بالاعتقاد، صادراً عنه. و يتم ذلك حين يكون المسلم في كل ما يفكر فيه لإنتاج الرؤى و الأفكار و المخططات و المشاريع العملية مستحضراً للعقيدة، لا مجرد مفردات يحملها في ذهنه بل حال يحمله على تكييف الفكر ابتداءً من القصد و الدافع و العزم و انتهاءً بالمعاني و المقاصد في كل أمر يتوجه للبناء فيه حتى تكون العقيدة هي الروح السارية و الإطار الجامع في كل فكرة و في كل محاولة لبناء نظرية أو تفسير ظاهرة أو تطبيق قاعدة و قانون .

    و يمكن أن يتم هذا الترشيد بصورتين متكاملتين :

    الصورة الأولى : أن يعمد الفكر الشرعي إلى كل محور من محاور الشريعة فيقدم بين يديه مبحثاً عقدياً يتعلق به و يكون كالسند لقضايا المحور يوجه بناءها و ترتيبها و الإجتهاد فيها عن قرب . فمحور الاقتصاد و المعاملات يتقدمه بحث عقدي عن حقيقة المال و حقيقة الملكية و وظيفة المال و الثروة في المفهوم الإسلامي . و محور أحكام الأسرة كذلك يتقدمه مبحث في التصور الإسلامي للمرأة و الرجل و طبيعة العلاقة بينهما و قداسة الروابط الاجتماعية . و هكذا، بحيث لا يخلو باب من أبواب الأحكام الشرعية إلا و يستند إلى مبحث تأصيلي من مباحث العقيدة .

    و الصورة الثانية : أن تقرن القضايا و الأحكام المندرجة في محاورها العامة بمغازيها العقدية القريبة . و بالتكامل بين هذين الصورتين يكون الفكر الشرعي و هو يعالج واقع الأمة بأحكام الشريعة موجهاً بالعقيدة في كل حال. فما من حكم يتقرر إلا و قد توجه بمغزى عقدي كلي عام، فتصبح الشريعة موصولة بالعقيدة فتسري روح العقيدة في كل خاطرة فكر أو كل حكم شرعي. و نحسب أن الإمام الغزالي في كتابه " إحياء علوم الدين " كان له غرض من وصل الشريعة بالعقيدة و ذلك بالإحياء الروحي لعلوم الدين و التأطير العقدي للفكر كله و هو ما تدعو إليه الحاجة .


    4 استقامة العمل:


    ربما كان الخلل الأفدح الذي يصيب المسلمين منذ زمن هو انقطاع الأعمال عن موجباتها العقدية أكثر مما هو انقطاع فكرهم عنها . و لعل هذا هو أحد معاني الحديث النبوي الذي تعوّذ فيه النبي صلى الله عليه و سلم من علم لا ينفع، فهو تعوذ من صورة ذهنية صحيحة في ذاتها مبنية على مقتضيات عقدية و لكن العمل عند حاملها لا يجري على حسبها بل يجري منحرفاً عنها مقطوع الصلة بموجبها العقدي فلا يكون للعلم حينئذ نفع . و لا ينصلح هذا الخلل إلا بتعدية التوجيه العقدي إلى العمل أيضاً بعد تعديته إلى الفكر، و ذلك بحضور المعاني العقدية حضوراً دائماً في ضمير المسلم حال مباشرته العمل سواء كان تعبدياً بالمعنى الخاص أو عملاً تعميرياً عاماً على مستوى الفرد و المستوى الجماعي العام .

    و ربما عُـبّر عن هذا المعنى من التأطير العقدي للعمل بتعبير جريان الأعمال على مقتضى مقاصد الشريعة و التي ترجع في مجملها إلى المقصد الأعلى و هو تحقيق خير الإنسان و صلاحه بالتزام أوامر الله و نواهيه، و هو حقيقة عقدية كـلية . فيكون جريان الأعمال على تحقيق مقاصد الشريعة تعبيرا عن الصلة بين العمل و العقيدة . و دوران العمل على مقاصد الشريعة بوصفها رابطاً بينه و بين العقيدة يقتضي أن نلحظ في الأعمال كلها مآلاتها في الواقع الإنساني من المصلحة و المفسدة فتبنى بحسب تلك المآلات و تتعدل و تتكيف بحسبها أيضاً .

    إن من عناصر الرشاد في الاعتقاد إذن، أن تصبح العقيدة التي يتحملها المسلمون إطاراً مرجعياً وحيداً و شاملاً، منه يصدرون بـدءً و معاداً في التفكير كله لتحصيل صور الرؤى و الأفكار و الحقائق، و في التطبيق العملي السلوكي لتلك الأفكار و الصور و الرؤى . و اعتقاد لا يكون له هذا الدور التوجيهي الشامل الملزم هو اعتقاد مخـتل لا يأتي بثمار و لا يحرك إلى خير .



    التفعيل الإرادي للاعتقاد


    جاءت العقيدة الإسلامية بمفهوم عملي للاعتقاد، فأصبح التصديق الذهني ليس معتبراً في ذاته إلا قليلاً و إنما تكتمل قيمته بما يؤدي إليه من أعمال . و هذا ما أشار إليه ابن خلدون حيث قرر أن المعتبر في التوحيد ليس هو الإيمان فقط الذي هو تصديق حكمي، و إنما الكمال فيه حصول صفة منه، تتكيف بها النفس، و المقصود بهذه الصفة ذلك السلطان الذي يكون للعقيدة على الإرادة فيوجهها في طريق الأعمال .

    و قد كانت الأجيال الأولى من المسلمين تتنزل العقيدة في نفوسهم تنزلاً مباشراً بما يدفع إرادتهم إلى الأعمال بما تقتضيه العقيدة في الواقع في وجوهه جميعاً . و لكن خلفت أجيال من المسلمين بعد ذلك وقعت العقيدة في نفوسهم موقعاً باهناً لا يمتد أثره إلى الإرادة ليحركها لتدفع الجوارح إلى العمل، فقد انحدرت إليهم تقليداً من الآباء و لم يكابدوا فيها معاناة التأمل، و جنحت عند البعض لتكون أقرب إلى ظاهرة عقلية مجردة، فيها مغالاة التفصيل و التقرير و المجادلة و ليس فيها ما يؤثر في مجامع النفس و كيان الإنسان كله لتدفعه إلى إنجاز الأعمال .

    و لذلك كان لزاماً أن يمتد ترشيد الاعتقاد ليشمل علاقة العقيدة بالإرادة الفاعلة لتثمر إنجاز العمل الصالح المؤسس للنهضة.
    و ربما يكون هذا الترشيد متمثلاً بالأخص في أمرين أساسيين :

    1 الجزم الإعتقادي . و ذلك أن تكون العقيدة متأتية بالاقتناع الذاتي الحاصل بمعاناة التأمل و التدبر في مفردات العقيدة و مبادئها الأساسية. و المقصود بذلك استنهاض الفطرة الاستدلالية الكامنة في النفوس على قدر مشترك بينها. و هذا الاستنهاض اليوم متوفر الدواعي و الآلات و المقدمات أكثر من أي وقت مضى. فقد فـُتحت من كتاب الكون صفحات كثيرة و بانت آيات الله فيه جلية واضحة و بان كذلك خسران و فشل و قصور المذاهب التي وضعتها أهواء الناس . و من هذه الآيات و تلك يمكن تأليف مادة ذات فعالية تربوية شديدة لإستنهاض فطرة المسلمين في هبة دعوية تربوية شاملة .

    2 الإحياء الروحي. و ذلك أن يتصل التصديق للعقيدة بكافة الطاقات الإنسانية العقلية و الروحية و العاطفية. فقد عزز من الوضع المختزل لتحمل العقيدة نشوء علم الكلام علماً عقلياً لرد الهجوم العقلي على أصول الدين. ثم تطور على ذلك باطراد حيث قام على المقايسة العقلية الصرف في شيء كثير من التجريد و الجفاف.

    فلابد من أن يخالط القناعات العقلية معاني الخوف و الرجاء و الحب و الشوق. و لا يخفى أن العواطف و أشواق الروح لها من التأثير على الاندفاع في العمل ما يوازي أو يفوق التصديق العقلي المجرد. فلابد من إحياء روحي للاعتقاد بحيث تعرض العقيدة في أبعادها العقلية و الروحية و العاطفية في آن واحد فتنتشر في جميع حناياها فتجيش إذن بالعزم الذي يدفع الجوارح إلى السعي العملي، استجابة لقناعة العقل و تلبية لنداء العاطفة و أشواق الروح لتتعامل النفس مع مقتضيات و آداب الإيمان بأسماء الله الحسنى و صفاته العليا بتوازن و اعتدال .


    بقلم عبد المجيد النجار



    كلام يحتاج للتأمل ولعقد مقارنة بينه وبين حقيقة ما كان يدعو إليه الإمام محمد عبده .. أنتظر قراءة مشاركاتكم وفقكم الله.
  • أحمد محمود علي
    Registered User
    • Sep 2003
    • 839

    #2
    قال الدكتور عبد المجيد في مقال سابق موجود في منتدى الأصلين:

    « نحو بعث للواقعية الكلامية:
    إن السيرة التي عرضناها آنفاً للفكر الكلامي في واقعيته الفاعلة في حل مشكلات المسلمين يمكن الاستفادة منها أيما استفادة في بعث واقعية جديدة في هذا الفكر يستأنف بها دوره الحيوي في علاج مشكلات المسلمين الراهنة ذات الصلة بالمرجعية العقدية. والحقيقة أن محاولات جادة في هذا الخصوص ظهرت بوادرها منذ عهد الإمام محمد عبده حينما كتب في العقيدة رسالته الصغيرة «رسالة التوحيد» بمنهج جديد فيه بداية تخلص من منهج الجمود في عهود الانحطاط، ثم توالت بعد ذلك المحاولات في هذا الشأن كما تبدو في كتابات الإمام حسن البنا، وأبي الأعلى المودودي، ومحمد المبارك، ومالك بن نبي، ومحمد باقر الصدر، ووحيد الدين خان، ختى توفرت بكتابات هؤلاء وأمثالهم جملة صالحة تنير السبيل لمنهج كلامي جديد يتصف بالواقعية، إلا أن الأمر يحتاج مع هذه البوادر العملية إلى رسم ملامح لخطة نظرية لبعث واقعية الفكر الكلامي تستهدي بها الجهود العملية المبذولة من قبل المفكرين الإسلاميين في هذا المجال.
    ومن البين بذاته أن رسم خطة منهجية عملية للفكر الكلامي لمعالجة مشكلات المسلمين الراهنة يستلزم أول ما يستلزم الوعي الدقيق بالمشكلات الراهنة التي يراد من الفكر الكلامي معالجتها، والوعي الدقيق بطبيعة العقلية السائدة لمعرفة مداخلها التي يمكن منها التأثير للإصلاح والتقويم. وعلى أساس هذا الوعي بالواقع تقترح خطة منهجية للفكر الكلامي تكون مواتية لذلك مؤثرة فيه. وهو ما سنحاول القيام به».

    http://www.aslein.net/showthread.php?t=897

    تعليق

    • أشرف سهيل
      طالب علم
      • Aug 2006
      • 1843

      #3
      و في هذا الوضع أصبح المسلمون و كأنهم يتخذون لفهم عقيدتهم مصدرين ملزمين و متكافئين، الوحي من جهة و أفهام الفرق و العلماء و تفسيراتهم من جهة أخرى . في حين أن أفهام السابقين من الفرق و العلماء و الباحثين لا تعدو أن تكون وسيلة مساعدة للفهم عن القرآن استئناساً في غير إلزام . و يتأكد هذا الأمر إذا علمنا أن أفهام العلماء من السابقين كانت مرتبطة بقضايا واقعية و مشكلات فكرية ثقافية فرضتها ظروف المواجهة مع الثقافات و الفلسفات و الأوضاع السائدة في عصرهم .
      أشير إلى هذه النقطة وهي فصل " الفهم " المنقول المعتمد المتصل بالأسانيد المتواتر عن " النص " ، وجعل الثاني هو " الدين " والأول لا يعدوا أن يكون رأيا لفاضل لا حرج من " ابتداع " منهج آخر مقطوع مبتور ، بل ونتائجه مغايرة لما اتفق


      وكأن الأمة نقلت النظم وفرطت في المعنى أعني منهجية استنباطه !


      وقوله :
      فيه بداية تخلص من منهج الجمود في عهود الانحطاط
      إن قصد به إحياء روث البحث والنقاش منطلقين مما أشرتُ إليه من منهج فهو حق ، وهو ما قام به المتأهل من أهل العلم على مر العصور ، ولم ينقطع في عصر ، خلافا للدعاوي الكاذبة التي لم تأتن بمستندها ، بل تغبيش وتطاول خطابي ..

      وإن قصد الانحلال منه إلى مناهج بعدد رؤوس الناس ، منقطعة عن المشار إليها ، فهو مما أجمعت الأمة قرون متواصلة - قبل فتنة المصرية والنجدية - على بطلانه


      والله الموفق للصواب
      اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين

      تعليق

      • أحمد محمود علي
        Registered User
        • Sep 2003
        • 839

        #4
        قال: (( و في هذا الوضع أصبح المسلمون و كأنهم يتخذون لفهم عقيدتهم مصدرين ملزمين و متكافئين، الوحي من جهة و أفهام الفرق و العلماء و تفسيراتهم من جهة أخرى . في حين أن أفهام السابقين من الفرق و العلماء و الباحثين لا تعدو أن تكون وسيلة مساعدة للفهم عن القرآن استئناساً في غير إلزام . و يتأكد هذا الأمر إذا علمنا أن أفهام العلماء من السابقين كانت مرتبطة بقضايا واقعية و مشكلات فكرية ثقافية فرضتها ظروف المواجهة مع الثقافات و الفلسفات و الأوضاع السائدة في عصرهم )).

        1- الدكتور هنا يتكلم عن فهم العقيدة (وبالتأكيد لا يقصد بالفهم مجرد تصورها وإنما يقصد التصديق بها أيضا).
        2- محور كلامه هنا هو الوحي باعتباره مصدرا لمعرفة جميع ما يجب على المسلمين اعتقاده.
        3- اعتبر أن فهم العلماء السابقين ليس في حد ذاته مصدرا مباشرا لمعرفة العقائد الإسلامية وإنما هو أداة تساعد على فهم المصدر الحقيقي الذي هو الوحي، وتلك الأداة المساعدة (فهم السابقين) ليست تامة وليست هي الدين بل هي أداة قابلة للزيادة والنقصان والتطوير؛ لأنها تكونت بناء على صدامات فكرية عاصرها السابقون فسخروا عقولهم قدر طاقتهم لتأسيس قواعد برهانية وجدلية أيضا ليناهضوا بها أفكار خصومهم .. وإذا كان الخصوم الجدد قد وقفوا على ما أسسه علماؤنا السابقون فطوروا من أساليبهم في الهجوم على الوحي، فلابد حينئذ أن يقوم العلماء الجدد أيضا بدورهم فيؤسسون قواعد جديدة تتلائم مع أساليب الخصوم وطرائق المحاججة والإقناع التي يعيها أهل العصر وينقادون لها بدلا من محاورتهم بما لا تبلغه عقولهم، وذلك للقيام بواجب هداية الناس إلى الإسلام ودفع شبهاتهم عن الوحي، سواء كانت شبهات عقلية أو إنسانية أو طبيعية أو تاريخية أو قانونية أو غير ذلك، مما قد يحوج العلماء الجدد لتأويل نصوص الوحي بمعاني زائدة عن ما قاله الأقدمون أو مغايرة لها، لنفس الغرض الذي أوّل لأجله السابقون (وهو الدفاع عن الوحي) .. فكيف إذن نتجمد على الفهم السابق والشرح القديم؟! أليس الأصوب هو التمسك بمقاصدهم دون أساليبهم من أجل دفع عجلة العلوم الكلامية للتطور؟ وبالطبع هذا مشروط بعدم مخالفة القواطع الشرعية والعقلية.

        هل يجوز التقليد في العقائد ؟
        إذا قلنا لا يجوز .. فكيف يجب الالتزام بفهم السابقين -وإن تواتر- والملزم هو النظر العقلي الحر وافق السابقين أم خالفهم؟
        وإذا قلنا: يجوز تقليد السابقين في فهمهم .. فهل يجوز للمقلد تقليد أي فرقة من السابقين أم يلزمه الاجتهاد في معرفة من يقلدهم في العقائد ثم يعزل عقله مهما خالفهم ولم يقتنع بكلامهم محسنا فيهم الظن؟ إذا كان كذلك أليس الأولى به أن يتخذ هذا الموقف مع الوحي مباشرة دون وساطتهم فيجتهد قدر استطاعته في معرفة محكمات الوحي وما اتفقت عليه جميع الفرق الإسلامية، ثم يعزل عقله في المتشابهات ودقائق ما اختلفوا فيه لأجل صدامات ثقافية قديمة قد اندثرت ولم تعد تفرض نفسها على المجتمع الإسلامي المعاصر؟

        يقول الدكتور النجار:
        (( جاءت العقيدة الإسلامية بينة في نصوص القرآن و الحديث، و كان فهم نصوص الوحي قدراً مشتركاً بين جميع المسلمين بحيث يمتنع أن يدعي أحد احتكار فهم تلك النصوص و تفسيرها و نصب نفسه الناطق الرسمي باسمها لتصبح أفهامه و شروحه ملزمة للناس . و اتفق المسلمون على مفاهيم العقيدة التي وردت النصوص بشأنها قطعية الثبوت و الدلالة، و اختلفت أفهامهم في بعض القضايا التي وردت ظنية في الثبوت أو الدلالة أو فيهما معاً .

        و لكن اختلاف المسلمين في فهم بعض القضايا التي وقع فيها الإختلاف لم يقف عند ما تقتضيه الحجة العلمية في التعامل مع النص و ثبوته أو دلالته بل داخلته ملابسات متعددة ( سياسية و اجتماعية و اقتصادية و حضارية ثقافية ) ليتحول إلى صراع تجاوز حدود العدالة و القسط و وصل إلى تحكمات المكابرة و الأهواء التي لا تستند إلى الأدلة و الـحـجج . و الناظر اليوم في كتب العقيدة و دواوين الفرق يجد أنها فيما هو مختلف فيه ينأى كثير منها عن مقتضيات نصوص الوحي و الروح العامة و المقاصد الكلية للقرآن و السنة، و يعبر عن الـتشبث بالتمايز في سياق التعصب المذهبي
        )). اهـ

        فهذه محاولة متواضعة لشرح المراد بعبارته مع غض النظر عن نقدي الشخصي لما احتوته من الأفكار، وإنما مقصدي قراءة وجهات النظر المختلفة.

        تعليق

        • أشرف سهيل
          طالب علم
          • Aug 2006
          • 1843

          #5
          جزاك الله خيرا أخي أحمد ،وأحسن إليه ووفقك لكل خير

          كلامه
          (( عتبر أن فهم العلماء السابقين ليس في حد ذاته مصدرا مباشرا لمعرفة )) إلخ ...

          وإلى يشير محمد عبده عندما انتقده الشيخ عليش رحمه الله لموافقته لقول المعتزلة ، فأجابه بما حاصله أنه نظر ، وما هو مفرع على نحو قولك " هل يجوز التقليد في العقائد ؟ " إلخ ...

          فـ " الدين " هو المصدر
          و " فهمه " هو خارج عنه


          وكأن النظر الصحيح المنضبط بقواعده يوصل إلى خلاف المتواتر عن السلف ، المفيد القطع ، أعني خرافة تعارض العقل والنقل أي مع الغفلة عن المغالطة بجعل الدليل والمدلول أمرا واحدا !

          ثم الكلام مفرع عن عذر المخطئ في الأصول القطعية ، وهل إن نظر أحد فوصل كيفما وصل إلى خلاف المتواتر عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فهم الدين ، هل يعذر ؟!

          ثم ينتقل إلى أصل دين الإسلام ، ويطالب بالفرق - طالما كان دليله قطعيا -

          وهي المسئلة التي يعنون لها البعض بالمصيب في العقليات أي ما دليلها عقلي أي مفيد للقطع

          ثم الدين ليس فقط القرآن والسنة ، بل والإجماع !

          ومما أجمع عليه " فهم " الدين كما فهمه الصحابة ، وهو متواتر في كتب العقائد المسندة ..


          ففصله عن الدين ، وتجويز الخروج عنه لا قائل به ، وإن تذرع بالنظر ، وكلام من أوجب النظر لم يُوجهه إليه بل غيره كما هو في محله ...

          ففرضه فيه خرق للإجماع السابق له ..
          اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين

          تعليق

          يعمل...