[ALIGN=RIGHT]بسم الله الرحمن الرحيم
السادة الأفاضل،
قرأت منذ مدة للسيد حسن السقاف، في منتداه منتدى التنزيه كلاماً في غاية الغرابة في صفات المولى سبحانه وتعالى، وكتبت عندها تعليقات على مقالته، وبقيت هذه التعليقات محفوظة على حاسوبي منذ ذلك الوقت حتى أني نسيت أمرها. وبينما كنت أنظم ملفاتي لاحظتها، فأحببت أن أنشرها في المنتدى مؤكداً مرة أخرى على استغرابي الشديد من كلامه وحكايته لمذهب الأشعريّة في موضوع الصفات. فإني أجده قد أبعد كثيراً عن مقاصدهم، ووجه كلامهم على خلاف ما يقررونه في كتبهم، وألزمهم بما لا يلزمهم.
قال السيد حسن: (لا بد من تفكير جاد حول موضوع الصفات وتعريف الصفة، فالصفة فيما أحسب ليست أمراً مغايراً للذات)
أقول: نعم لا بدّ للباحث في موضوع الصفات أن يعرّف الصّفة ليتصوّرها قبل إصدار الأحكام ذات العلاقة بها. وما ذكره من أنّ الصفة ليست أمراً مغايراً للذات، يؤخذ منه كما ستلاحظون عما قريب- أنه لا يرى فرقاً بين الصفة والذات. لأنه لا يقررها ههنا على طريقة الأشاعرة بقولهم: الصفات ليست عين الذات في الذهن، ولا غيرها في الخارج. فإنّ ظاهر كلامه يقضي بأنّ الصفة والذات أمر واحد.
فقال: (والقول بأنها (ليست هي الذات ولا غير الذات) هو عند الكلام عليها وأثناء تعريفها ليتصورها العقل ولكنها في الواقع والحقيقة هي الذات أو هي الكلام على الذات من جهة من جهات التفكير)
أقول: هل نأخذ من كلامه تصحيحه لهذا القول أم تخطئته؟
إذا كان يصححه عند الكلام على الصفة وتعريفها ليتمّ تصوّرها فحسب، فهل هذا التصوير لها مطابق لما في نفس الأمر أم غير مطابق؟
إن كان مطابقاً فكيف ينفيه في الواقع والحقيقة. وإن كان غير مطابق فعليه أن لا يجيز استعماله في تصوير الصفة، وعليه أن يقدم بديلاً له، بأن يقول مثلاً: الصفة هي عين الذات، أو الصفة غير الذات.
فأحد هذه الأقوال الثلاثة حق والباقي باطل، ولا يجوز أن يكون أحد الأقوال حقاً في التصوير وباطلاً في الواقع، لأنّ الصورة العقليّة لا تكون حقّة إلا إذا طابقت الواقع. فإما أن يصحح العبارة في الكلام على الصفة عند تصويرها وهذا يقتضي مطابقتها للواقع، وإما أن يخطئها ولا يجيز استخدامها في الكلام على الصفة لأنها تخالف الواقع، وعليه فلا بدّ أن يقدّم بديلاً عنها لأنّ واحداً من هذه الأقوال المتضاربة حق وخلافه باطل. والمعنى أنّه صححه للتصوير مع حكمه عليه بعدم المطابقة في الواقع. وهذا أمر غريب.
قال: (أو هي الكلام على الذات من جهة من جهات التفكير)
أقول: الصفة لا يجوز أن تكون هي الكلام على الذات من جهة من الجهات. لأن المفهوم من الصفة ليس هو المفهوم من الكلام، لا الكلام مطلقاً ولا الكلام بقيد جهة من الجهات.
فإن عنى أنها معنى ذهني محكوم به على الذات فهو عين الصفة عندنا. وإن عنى به غير ذلك فليبيّنه.
ثمّ إنه قال: (والحقيقة أي أنّ الصفة- هي الذات أو هي الكلام على الذات من جهة من جهات التفكير)
أقول: الذات غير الكلام على الذات من جهة من الجهات، فهل الصفة هي نفس الذات، أو أنها الكلام على الذات من جهة من الجهات؟
فمثلاً: إذا قلنا: زيد عالم، فهل يصح أن نقول: إنّ علم زيد هو مجرّد كلامنا عن زيد من جهة من الجهات؟!
وهل يصح أن نقول: إن علم زيد هو ذات زيد!؟ لا شك أنّ القولين باطلان بالبداهة.
ثم قال: (وبالتالي انسحاب التقريب الكلامي والعرض الذهني للموضوع على ذات الله تعالى واعتقاد أن ذات الله محل في الواقع والحقيقة، وأن هذا المحل تقوم به صفات قديمة، قضية غير صحيحة في الواقع)
أقول: هذا تصريح منه بأنّه لا يصح أن نقول إنّ صفات الله تعالى ليست عين الذات ولا غير الذات، وبأنه لا يصح أن يقال إن ذات الله تعالى محل للصفات. فإذا كان الأشاعرة يشرحون قولهم [الصفات قائمة بالذات] بقولهم [كقيام الصفة بالموصوف]، فيعلم من ذلك أنهم يعنون بالقيام بالذات مجرّد اتصاف الذات بالصفات. فما وجه اعتراضه على قولهم: الصفات قائمة بالذات أو الذات محلّ للصفات؟
إما أنه يخالفهم في أصل اتصاف الذات بالصفات وإثبات نفس الصفات، أو في أمر آخر. فإن كان الأوّل فما جهة منعه لاتصاف الذات بالصفات. إن كان يتبنى اليوم هذا القول موافقاً للمعتزلة ومن أخذ بقولهم فكان الأولى أن يقرر ذلك بأصرح من هذه العبارة، وأن يبين بالدليل فساد اتصاف الذات بالصفات كما تقرره الأشعريّة.
وإن كان لأمر آخر لفظيّ فالخلف دائر على المعاني لا الألفاظ، أو لغيره معنويٍّ، فليبيّنه.
ثم قال (والله تعالى ليس محلاً وليس كمثله شيء)
أقول: إذا علمنا أنّ الأشاعرة يقولون بأنّ معنى كونه محلاً للصفات هو أنه موصوف بها كما مرّ، فأين في هذا الكلام ما يقتضي منه معارضته بقوله تعالى (ليس كمثله شيء)؟
إنّ هذه الآية الكريمة تنفى كلّ وجه للشبه بين الخالق والمخلوق. فأين التشبيه في قول الأشعريّة بأنّ الله تعالى موصوف بالصفات، إذا علمنا أنّهم يؤكدون على أنّ جميع الألفاظ المستخدمة في حق المخلوق إذا استخدمت في حق الخالق فإنه ليس ثمّة اشتراك في المعنى بين القديم والحادث، وليس ذلك إلا من باب الاشتراك اللفظيّ فحسب؟
ثم قال: (وإذا ثبت بأن الصفة أو الصفات ليست (قطع غيار) ملتصقة بالذات)
أقول: هذا الكلام لا ينبغي أن يصدر من أحد في مقام الكلام مع الأشعريّة مثبتي الصفات القائلين بأنّ الله تعالى موصوف بالصفات وأن صفاته القديمة قائمة بذاته تعالى، لأنّه لا يقول بهذا القول أحد منهم مطلقاً. فلا أعرف أحداً شرح القيام بالالتصاق أو التجزي أو التبعض أو التركّب. فلا أدري من يقصد بهذا الكلام، ولم يسوقه ههنا؟
قال: (وأن الذات يحل بها أو قائم أو ملتصق بها عشرون أو ثلاثون صفة قديمة (وهذا يعني أنها غيرها في الواقع) فهي مركَّبة ـ وإن كانوا سيقولون لنا بأنهم لا يقولون بالتركيب ولا بأنها ذوات وقطع ـ لكن مؤدى كلامهم إلى ذلك)
أقول: لا أحد من الأشعريّة قال إن الصفات ملتصقة بالذات كما مرّ. أما أنّ الذات محلّ للصفات أو الصفات قائمة بالذات فنعم، هذا الاصطلاح مستعمل ومشروح في كتبهم بما حاولنا تقريبه من ملاحظتهم لمعنى الاتصاف وتغاير مفهومي الذات والصفة عندهم وأنهم أطلقوا على النسبة بين الذات والصفة بأنها القيام.
فإن كان من نظر للشيخ حسن يفسد عليهم هذه المعاني فليبيّنه، وإلا فإن كان الاعتراض منه على مجرّد أن استخدامهم للفظ قد يوهم النقص، فقد بيّنوا مصطلحهم، والعبرة بالمعاني لا الألفاظ، وأيضاً هذا معارض بكثير مما وقع في مصطلحات جميع الفرق مما يطلق بالاشتراك على الخالق والمخلوق. ومن العجب قوله: (وهذا يعني أنها غيرها في الواقع فهي مركَّبة ـ وإن كانوا سيقولون لنا بأنهم لا يقولون بالتركيب ولا بأنها ذوات وقطع ـ لكن مؤدى كلامهم إلى ذلك)
فأين التلازم بين اتصاف الذات بالصفات وتركبها؟ كيف يؤدي قولهم بأنّ الذات الإلهيّ المقدس موصوف بصفات الكمال إلى القول بأنّ الذات مركبة في الواقع من أجزاء وأبعاض!؟ أنا حقاً أتمنى أن يقيم لي أحد الدليل بياناً للملازمة بين الأمرين...
ثمّ متى كان الإلزام على هذه الشاكلة، أن يقال: مؤدى كلام فلان كذا وكذا وإن قال بأنه لا يلزمه؟
إنّه إن لم يكن اللزوم بيّناً أو أقيم الدليل القاطع على الملازمة فلا يقال هذا الكلام. والأمران مفقودان ههنا. ولعمري إنّ أبعد الناس عن أن يلزمهم مثل هذا القول هم الأشعريّة.
ثم قال: (وبالتالي فإن تخيل الله بأنه مركب من ذات وعشرين صفة والذات قديمة والعشرين صفة أو ال (13) صفة قديمة يقتضي أن الله تعالى عما يقولون يحتوي على (21) أو (14) شيء قديم)
أقول: لا يجوز في العقل عندنا الأشعريّة أن يدرك الإله بالقوّة الخيالة، فلا يعنينا الكلام من أصله. وكذا لأنّ التركّب في ذات الإله عندنا محال لاستلزامه الاحتياج المقتضي للحدوث المؤدي إلى نفي العالم وهو باطل. والتلميح بأنّ تعدد الصفات القديمة ووحدة الذات يقتضي إثبات كمّ متّصل أو منفصل ممنوع، فمن أين يلزم ذلك؟ ومن ادعى اللزوم، فليبيّن الملازمة.
ثم قال: (فإن قالوا بأن الصفات هي أمور معنوية وأن مثل صفة الوجود لا تدل على شيء زائد عن الذات اتفقنا بأنه لا شيء قديم إلا الله تعالى)
أقول: إننا نقول إنه لا شيء أي موجود- قديماً إلا الله تعالى الموصوف بصفاته وأنّ الوجود زائد على الذات في الذهن وعينها في الخارج. ونقول بأنّ ذات الإله تعالى متّصف بالصفات، وهي: صفات سلبية ومعاني وبعضنا زاد المعنويّة. وأنّ صفة المعنى دالّة على الذات وعلى معنى زائد عليها، والذات لا يدلّ على صفّة معنى مطلقاً. ونتفق معه بأنّ لا شيء قديماً إلاّ الله سبحانه وتعالى، لأنّ الصفات ليست شيئاً غير الذات في الواقع الخارجيّ. ولكننا لا نتّفق معه على نفي قيام الصفات القديمة بذاته تعالى، بل نقول بقدم معانٍ قائمة بالذات، بمعنى قدم الذات الموصوفة بصفات المعاني.
واللافت للنظر أنا لا نقول بأن صفات المعاني أمور لا تدلّ على شيء غير الذات، أي أنها مثل الوجود لا يدلّ إلا على الذات دون معنى زائد عليها. فقوله (إن قالوا) لا يتّجه، لأنّا لا نقول ذلك. فليست جميع الصفات نفسيّة كالوجود.
ثم قال: (وأن صفاته ما هي إلا هو وإنما نسميها صفات من ناحية تصورها والكلام اللغوي عليها وصلنا إلى أن التركيب الآلي الذي يصفون الله تعالى به من أن الإرادة صفة يتأتى بها تخصيص الممكنات والقدرة يتأتى بها إيجاد كل ممكن. يعني كأنهم يتحدثون عن قطع غيار في جهاز! القطعة الفلانية عملها كذا! والقطعة الفلانية عملها كذا!)
أقول: نحن نقول إن صفات الله تعالى ليست شيئاً غيره في الخارج، وليست عينه في الذهن، ونقول بأنّ الإرادة صفة يتأتى بها تخصيص الممكنات ببعض ما يجوز عليها. فكيف يلزم من مجموع هذين القولين أنّ الصفات قطع غيار وأن الذات جهاز يتركّب من تلك القطع؟ من من علماء الأشعريّة قال إن مثل قيام الصفة بالذات كمثل قيام الجزء بالكلّ؟! هذا لعمري كلام في غاية الغرابة!
ثم قال: (وهذا خوض في ذات الله تعالى بهذه الصورة! وقول فيه بلا علم! وقياسه على المخلوق وعلى ما يتصورونه في الإنسان!)
أقول: نعم ما وصفه الشيخ حسن من اعتقاد تركب الإله من أجهزة ذات وظائف محددة هو خوض في ذات الله تعالى بلا علم ولا هدى وقياس للخالق على المخلوق، ولكن لا أحد من الأشعريّة يقول به. فلم يذكره في مقام الاعتراض على مثبتي صفات قديمة قائمة بالله تعالى، والقول بقدم صفات بذات الإله تعالى لا يلزم منه تركّبه تعالى تركّب الكلّ من أجزائه؟!
ثم قال: (مع أن الإنسان نفسه إرادته وقدرته وأفعاله نابعة وصادرة من ذاته لا من هذه القطع والأجهزة التي يتخيلونها والتي يتوهمونها! ولو فرضنا أن الإنسان له قطع غيار مثل عمل الجهاز التنفسي والجهاز الهضمي والجهاز العصبي وأن لكل منها وظيفة فالصفات معاني تستعمل في اللغة والتعبير في الحديث عن الذات وليست أجهزة)
أقول: نحن لا نقول بأنّ القطع والأجهزة التي يتركّب منها جسم الإنسان هي سبب صدور الأفعال عنه، بل هي آلات للفعل. ولا نقول إنها سبب علمه وقدرته وإرادته، لأنّ محلّ ذلك النفس التي بها يقوم العلم والقدرة والإرادة. فأين كلامنا مما ادعاه علينا؟!
ثم قال: (فالصفات معاني تستعمل في اللغة والتعبير في الحديث عن الذات وليست أجهزة)
أقول: نحن لا نقول بأن الصفات أجهزة. ثم لماذا نستعمل الصفات في اللغة؟
إننا نستعملها لنصف بها الذوات. فلا يجوز أن نستعملها لنصف بها عين الصفات، لأن حمل الشي على نفسه لا يفيد.
فحين نقول: زيد عالم.
فقد أجمع المنطقيون على أنه لا بدّ من تصوّر الموضوع والمحمول والنسبة بينهما شروطاً أو شطوراً ليتسنى إطلاق الحكم. فهل ما نتصوّره من عالم هو عين ما تتصوّره من زيد!؟
هل هنالك معنى آخر وراء زيد يكون زائداً في الذهن على زيد لأجله أطلقنا حملنا العلم عليه أو لا؟
هذه هي المسألة. إما أن يقول ثمّة معنى زائد على زيد لأجله نعتناه بالعلم، أو أنه لا يوجد معنى وأنّ معنى العالم المفهوم من العبارة هو عين ذات زيد. وهو إنكار لما يعلم صحته ببداهة العقول.
فإذا ثبت بالشريعة قطعاً أنّ الله تعالى عليم، فهذا المعنى الذي وصفنا به الإله مغاير للمعنى الذي كان في الذهن قبل الحكم عليه به، ولذا صححنا حمله عليه.
ثمّ إنه قد ثبت بالشرع قطعاً أنّ الله تعالى عليم منذ الأزل. فقلنا قدم الموصوف يقتضي قدم الوصف، فما دام لم يزل عليماً منذ القدم، فهذا المعنى الذي أدركناه زائداً في أذهاننا عن ذات الموصوف هو ما سميّناه الصفّة، فوجب كون هذا المعنى قديماً قدم الذات، لأنه لم يزل موصوفاً به منذ الأزل.
وحاصل الكلام أنّ ما يعبّر عنه بالألفاظ والأساليب اللغويّة المتعددة، هو معان لها مصاديق إما في الخارج فقط، أو في الذهن فقط، أو في الخارج والذهن معاً.
فحين نطلق صفة العلم على الله تعالى، فكلمة العلم دالّة على معنى، هذا المعنى ثابت لله تعالى أزلاً، لثبوت كونه عليماً أزلاً. لذلك قلنا بأنّ الصفات معانٍ قائمة بالذات قديمة قدم الذات.
ثم قال: (وعلى جميع الاحتمالات لا يجوز وصف الله تعالى بهذه التصورات عند التعبير عنه تعالى بأنه عالم وبصير وسميع وحي .... الخ، إذ ليس كمثله شيء!)
أقول: إنه لم يبين عدم صحة هذه الأقوال على جميع الاحتمالات. بل على احتمال واحد وهو أن تكون الصفات أبعاضاً وأجزاء للذات، وهذا معنى في غاية القبح يتنزه عن أن ينطق به أشعريّ. ثمّ هذه التي يسميها تصوّرات أعني الواردة في كلامه، هي:
أولاً: القول بأنّ الصفات لا هي عين الذات ولا هي غير الذات
ثانياً: القول بوجود صفات قديمة يتصف بها الذات القديم
الثالث: القول بقيام الصفات القديمة بالذات، وقد بينا معنى القيام ومعنى كون الذات محلاً للصفات
وقد قال بأنه لا يجوز القول بهذه الأقوال لفسادها لاستلزامها التركّب في الذات تركّب الكلّ من أجزائه.
ولم يبين لنا كيف يلزم من قول الأشاعرة بهذه الأقوال تركّب الذات تركّب الكلّ من أجزائه، لكي نسلّم له بطلان هذه الأقوال. إنه ببيانه ذلك فقط يكون الكلام علمياً وذا جدوى، وإلا سيبقى مجرّد كلام لا قيمة علميّة له ولا قوة فيه.
ثمّ إن هذه الثلاثة أقوال أصليّة للأشعريّة. فلا أدري كيف ينتسب هو إليهم وهو يخالفهم في هكذا مسألة أصليّة قام عليها إجماع أئمتهم وأئمة الماتريدية.
والله تعالى الموفّق [/ALIGN]
السادة الأفاضل،
قرأت منذ مدة للسيد حسن السقاف، في منتداه منتدى التنزيه كلاماً في غاية الغرابة في صفات المولى سبحانه وتعالى، وكتبت عندها تعليقات على مقالته، وبقيت هذه التعليقات محفوظة على حاسوبي منذ ذلك الوقت حتى أني نسيت أمرها. وبينما كنت أنظم ملفاتي لاحظتها، فأحببت أن أنشرها في المنتدى مؤكداً مرة أخرى على استغرابي الشديد من كلامه وحكايته لمذهب الأشعريّة في موضوع الصفات. فإني أجده قد أبعد كثيراً عن مقاصدهم، ووجه كلامهم على خلاف ما يقررونه في كتبهم، وألزمهم بما لا يلزمهم.
قال السيد حسن: (لا بد من تفكير جاد حول موضوع الصفات وتعريف الصفة، فالصفة فيما أحسب ليست أمراً مغايراً للذات)
أقول: نعم لا بدّ للباحث في موضوع الصفات أن يعرّف الصّفة ليتصوّرها قبل إصدار الأحكام ذات العلاقة بها. وما ذكره من أنّ الصفة ليست أمراً مغايراً للذات، يؤخذ منه كما ستلاحظون عما قريب- أنه لا يرى فرقاً بين الصفة والذات. لأنه لا يقررها ههنا على طريقة الأشاعرة بقولهم: الصفات ليست عين الذات في الذهن، ولا غيرها في الخارج. فإنّ ظاهر كلامه يقضي بأنّ الصفة والذات أمر واحد.
فقال: (والقول بأنها (ليست هي الذات ولا غير الذات) هو عند الكلام عليها وأثناء تعريفها ليتصورها العقل ولكنها في الواقع والحقيقة هي الذات أو هي الكلام على الذات من جهة من جهات التفكير)
أقول: هل نأخذ من كلامه تصحيحه لهذا القول أم تخطئته؟
إذا كان يصححه عند الكلام على الصفة وتعريفها ليتمّ تصوّرها فحسب، فهل هذا التصوير لها مطابق لما في نفس الأمر أم غير مطابق؟
إن كان مطابقاً فكيف ينفيه في الواقع والحقيقة. وإن كان غير مطابق فعليه أن لا يجيز استعماله في تصوير الصفة، وعليه أن يقدم بديلاً له، بأن يقول مثلاً: الصفة هي عين الذات، أو الصفة غير الذات.
فأحد هذه الأقوال الثلاثة حق والباقي باطل، ولا يجوز أن يكون أحد الأقوال حقاً في التصوير وباطلاً في الواقع، لأنّ الصورة العقليّة لا تكون حقّة إلا إذا طابقت الواقع. فإما أن يصحح العبارة في الكلام على الصفة عند تصويرها وهذا يقتضي مطابقتها للواقع، وإما أن يخطئها ولا يجيز استخدامها في الكلام على الصفة لأنها تخالف الواقع، وعليه فلا بدّ أن يقدّم بديلاً عنها لأنّ واحداً من هذه الأقوال المتضاربة حق وخلافه باطل. والمعنى أنّه صححه للتصوير مع حكمه عليه بعدم المطابقة في الواقع. وهذا أمر غريب.
قال: (أو هي الكلام على الذات من جهة من جهات التفكير)
أقول: الصفة لا يجوز أن تكون هي الكلام على الذات من جهة من الجهات. لأن المفهوم من الصفة ليس هو المفهوم من الكلام، لا الكلام مطلقاً ولا الكلام بقيد جهة من الجهات.
فإن عنى أنها معنى ذهني محكوم به على الذات فهو عين الصفة عندنا. وإن عنى به غير ذلك فليبيّنه.
ثمّ إنه قال: (والحقيقة أي أنّ الصفة- هي الذات أو هي الكلام على الذات من جهة من جهات التفكير)
أقول: الذات غير الكلام على الذات من جهة من الجهات، فهل الصفة هي نفس الذات، أو أنها الكلام على الذات من جهة من الجهات؟
فمثلاً: إذا قلنا: زيد عالم، فهل يصح أن نقول: إنّ علم زيد هو مجرّد كلامنا عن زيد من جهة من الجهات؟!
وهل يصح أن نقول: إن علم زيد هو ذات زيد!؟ لا شك أنّ القولين باطلان بالبداهة.
ثم قال: (وبالتالي انسحاب التقريب الكلامي والعرض الذهني للموضوع على ذات الله تعالى واعتقاد أن ذات الله محل في الواقع والحقيقة، وأن هذا المحل تقوم به صفات قديمة، قضية غير صحيحة في الواقع)
أقول: هذا تصريح منه بأنّه لا يصح أن نقول إنّ صفات الله تعالى ليست عين الذات ولا غير الذات، وبأنه لا يصح أن يقال إن ذات الله تعالى محل للصفات. فإذا كان الأشاعرة يشرحون قولهم [الصفات قائمة بالذات] بقولهم [كقيام الصفة بالموصوف]، فيعلم من ذلك أنهم يعنون بالقيام بالذات مجرّد اتصاف الذات بالصفات. فما وجه اعتراضه على قولهم: الصفات قائمة بالذات أو الذات محلّ للصفات؟
إما أنه يخالفهم في أصل اتصاف الذات بالصفات وإثبات نفس الصفات، أو في أمر آخر. فإن كان الأوّل فما جهة منعه لاتصاف الذات بالصفات. إن كان يتبنى اليوم هذا القول موافقاً للمعتزلة ومن أخذ بقولهم فكان الأولى أن يقرر ذلك بأصرح من هذه العبارة، وأن يبين بالدليل فساد اتصاف الذات بالصفات كما تقرره الأشعريّة.
وإن كان لأمر آخر لفظيّ فالخلف دائر على المعاني لا الألفاظ، أو لغيره معنويٍّ، فليبيّنه.
ثم قال (والله تعالى ليس محلاً وليس كمثله شيء)
أقول: إذا علمنا أنّ الأشاعرة يقولون بأنّ معنى كونه محلاً للصفات هو أنه موصوف بها كما مرّ، فأين في هذا الكلام ما يقتضي منه معارضته بقوله تعالى (ليس كمثله شيء)؟
إنّ هذه الآية الكريمة تنفى كلّ وجه للشبه بين الخالق والمخلوق. فأين التشبيه في قول الأشعريّة بأنّ الله تعالى موصوف بالصفات، إذا علمنا أنّهم يؤكدون على أنّ جميع الألفاظ المستخدمة في حق المخلوق إذا استخدمت في حق الخالق فإنه ليس ثمّة اشتراك في المعنى بين القديم والحادث، وليس ذلك إلا من باب الاشتراك اللفظيّ فحسب؟
ثم قال: (وإذا ثبت بأن الصفة أو الصفات ليست (قطع غيار) ملتصقة بالذات)
أقول: هذا الكلام لا ينبغي أن يصدر من أحد في مقام الكلام مع الأشعريّة مثبتي الصفات القائلين بأنّ الله تعالى موصوف بالصفات وأن صفاته القديمة قائمة بذاته تعالى، لأنّه لا يقول بهذا القول أحد منهم مطلقاً. فلا أعرف أحداً شرح القيام بالالتصاق أو التجزي أو التبعض أو التركّب. فلا أدري من يقصد بهذا الكلام، ولم يسوقه ههنا؟
قال: (وأن الذات يحل بها أو قائم أو ملتصق بها عشرون أو ثلاثون صفة قديمة (وهذا يعني أنها غيرها في الواقع) فهي مركَّبة ـ وإن كانوا سيقولون لنا بأنهم لا يقولون بالتركيب ولا بأنها ذوات وقطع ـ لكن مؤدى كلامهم إلى ذلك)
أقول: لا أحد من الأشعريّة قال إن الصفات ملتصقة بالذات كما مرّ. أما أنّ الذات محلّ للصفات أو الصفات قائمة بالذات فنعم، هذا الاصطلاح مستعمل ومشروح في كتبهم بما حاولنا تقريبه من ملاحظتهم لمعنى الاتصاف وتغاير مفهومي الذات والصفة عندهم وأنهم أطلقوا على النسبة بين الذات والصفة بأنها القيام.
فإن كان من نظر للشيخ حسن يفسد عليهم هذه المعاني فليبيّنه، وإلا فإن كان الاعتراض منه على مجرّد أن استخدامهم للفظ قد يوهم النقص، فقد بيّنوا مصطلحهم، والعبرة بالمعاني لا الألفاظ، وأيضاً هذا معارض بكثير مما وقع في مصطلحات جميع الفرق مما يطلق بالاشتراك على الخالق والمخلوق. ومن العجب قوله: (وهذا يعني أنها غيرها في الواقع فهي مركَّبة ـ وإن كانوا سيقولون لنا بأنهم لا يقولون بالتركيب ولا بأنها ذوات وقطع ـ لكن مؤدى كلامهم إلى ذلك)
فأين التلازم بين اتصاف الذات بالصفات وتركبها؟ كيف يؤدي قولهم بأنّ الذات الإلهيّ المقدس موصوف بصفات الكمال إلى القول بأنّ الذات مركبة في الواقع من أجزاء وأبعاض!؟ أنا حقاً أتمنى أن يقيم لي أحد الدليل بياناً للملازمة بين الأمرين...
ثمّ متى كان الإلزام على هذه الشاكلة، أن يقال: مؤدى كلام فلان كذا وكذا وإن قال بأنه لا يلزمه؟
إنّه إن لم يكن اللزوم بيّناً أو أقيم الدليل القاطع على الملازمة فلا يقال هذا الكلام. والأمران مفقودان ههنا. ولعمري إنّ أبعد الناس عن أن يلزمهم مثل هذا القول هم الأشعريّة.
ثم قال: (وبالتالي فإن تخيل الله بأنه مركب من ذات وعشرين صفة والذات قديمة والعشرين صفة أو ال (13) صفة قديمة يقتضي أن الله تعالى عما يقولون يحتوي على (21) أو (14) شيء قديم)
أقول: لا يجوز في العقل عندنا الأشعريّة أن يدرك الإله بالقوّة الخيالة، فلا يعنينا الكلام من أصله. وكذا لأنّ التركّب في ذات الإله عندنا محال لاستلزامه الاحتياج المقتضي للحدوث المؤدي إلى نفي العالم وهو باطل. والتلميح بأنّ تعدد الصفات القديمة ووحدة الذات يقتضي إثبات كمّ متّصل أو منفصل ممنوع، فمن أين يلزم ذلك؟ ومن ادعى اللزوم، فليبيّن الملازمة.
ثم قال: (فإن قالوا بأن الصفات هي أمور معنوية وأن مثل صفة الوجود لا تدل على شيء زائد عن الذات اتفقنا بأنه لا شيء قديم إلا الله تعالى)
أقول: إننا نقول إنه لا شيء أي موجود- قديماً إلا الله تعالى الموصوف بصفاته وأنّ الوجود زائد على الذات في الذهن وعينها في الخارج. ونقول بأنّ ذات الإله تعالى متّصف بالصفات، وهي: صفات سلبية ومعاني وبعضنا زاد المعنويّة. وأنّ صفة المعنى دالّة على الذات وعلى معنى زائد عليها، والذات لا يدلّ على صفّة معنى مطلقاً. ونتفق معه بأنّ لا شيء قديماً إلاّ الله سبحانه وتعالى، لأنّ الصفات ليست شيئاً غير الذات في الواقع الخارجيّ. ولكننا لا نتّفق معه على نفي قيام الصفات القديمة بذاته تعالى، بل نقول بقدم معانٍ قائمة بالذات، بمعنى قدم الذات الموصوفة بصفات المعاني.
واللافت للنظر أنا لا نقول بأن صفات المعاني أمور لا تدلّ على شيء غير الذات، أي أنها مثل الوجود لا يدلّ إلا على الذات دون معنى زائد عليها. فقوله (إن قالوا) لا يتّجه، لأنّا لا نقول ذلك. فليست جميع الصفات نفسيّة كالوجود.
ثم قال: (وأن صفاته ما هي إلا هو وإنما نسميها صفات من ناحية تصورها والكلام اللغوي عليها وصلنا إلى أن التركيب الآلي الذي يصفون الله تعالى به من أن الإرادة صفة يتأتى بها تخصيص الممكنات والقدرة يتأتى بها إيجاد كل ممكن. يعني كأنهم يتحدثون عن قطع غيار في جهاز! القطعة الفلانية عملها كذا! والقطعة الفلانية عملها كذا!)
أقول: نحن نقول إن صفات الله تعالى ليست شيئاً غيره في الخارج، وليست عينه في الذهن، ونقول بأنّ الإرادة صفة يتأتى بها تخصيص الممكنات ببعض ما يجوز عليها. فكيف يلزم من مجموع هذين القولين أنّ الصفات قطع غيار وأن الذات جهاز يتركّب من تلك القطع؟ من من علماء الأشعريّة قال إن مثل قيام الصفة بالذات كمثل قيام الجزء بالكلّ؟! هذا لعمري كلام في غاية الغرابة!
ثم قال: (وهذا خوض في ذات الله تعالى بهذه الصورة! وقول فيه بلا علم! وقياسه على المخلوق وعلى ما يتصورونه في الإنسان!)
أقول: نعم ما وصفه الشيخ حسن من اعتقاد تركب الإله من أجهزة ذات وظائف محددة هو خوض في ذات الله تعالى بلا علم ولا هدى وقياس للخالق على المخلوق، ولكن لا أحد من الأشعريّة يقول به. فلم يذكره في مقام الاعتراض على مثبتي صفات قديمة قائمة بالله تعالى، والقول بقدم صفات بذات الإله تعالى لا يلزم منه تركّبه تعالى تركّب الكلّ من أجزائه؟!
ثم قال: (مع أن الإنسان نفسه إرادته وقدرته وأفعاله نابعة وصادرة من ذاته لا من هذه القطع والأجهزة التي يتخيلونها والتي يتوهمونها! ولو فرضنا أن الإنسان له قطع غيار مثل عمل الجهاز التنفسي والجهاز الهضمي والجهاز العصبي وأن لكل منها وظيفة فالصفات معاني تستعمل في اللغة والتعبير في الحديث عن الذات وليست أجهزة)
أقول: نحن لا نقول بأنّ القطع والأجهزة التي يتركّب منها جسم الإنسان هي سبب صدور الأفعال عنه، بل هي آلات للفعل. ولا نقول إنها سبب علمه وقدرته وإرادته، لأنّ محلّ ذلك النفس التي بها يقوم العلم والقدرة والإرادة. فأين كلامنا مما ادعاه علينا؟!
ثم قال: (فالصفات معاني تستعمل في اللغة والتعبير في الحديث عن الذات وليست أجهزة)
أقول: نحن لا نقول بأن الصفات أجهزة. ثم لماذا نستعمل الصفات في اللغة؟
إننا نستعملها لنصف بها الذوات. فلا يجوز أن نستعملها لنصف بها عين الصفات، لأن حمل الشي على نفسه لا يفيد.
فحين نقول: زيد عالم.
فقد أجمع المنطقيون على أنه لا بدّ من تصوّر الموضوع والمحمول والنسبة بينهما شروطاً أو شطوراً ليتسنى إطلاق الحكم. فهل ما نتصوّره من عالم هو عين ما تتصوّره من زيد!؟
هل هنالك معنى آخر وراء زيد يكون زائداً في الذهن على زيد لأجله أطلقنا حملنا العلم عليه أو لا؟
هذه هي المسألة. إما أن يقول ثمّة معنى زائد على زيد لأجله نعتناه بالعلم، أو أنه لا يوجد معنى وأنّ معنى العالم المفهوم من العبارة هو عين ذات زيد. وهو إنكار لما يعلم صحته ببداهة العقول.
فإذا ثبت بالشريعة قطعاً أنّ الله تعالى عليم، فهذا المعنى الذي وصفنا به الإله مغاير للمعنى الذي كان في الذهن قبل الحكم عليه به، ولذا صححنا حمله عليه.
ثمّ إنه قد ثبت بالشرع قطعاً أنّ الله تعالى عليم منذ الأزل. فقلنا قدم الموصوف يقتضي قدم الوصف، فما دام لم يزل عليماً منذ القدم، فهذا المعنى الذي أدركناه زائداً في أذهاننا عن ذات الموصوف هو ما سميّناه الصفّة، فوجب كون هذا المعنى قديماً قدم الذات، لأنه لم يزل موصوفاً به منذ الأزل.
وحاصل الكلام أنّ ما يعبّر عنه بالألفاظ والأساليب اللغويّة المتعددة، هو معان لها مصاديق إما في الخارج فقط، أو في الذهن فقط، أو في الخارج والذهن معاً.
فحين نطلق صفة العلم على الله تعالى، فكلمة العلم دالّة على معنى، هذا المعنى ثابت لله تعالى أزلاً، لثبوت كونه عليماً أزلاً. لذلك قلنا بأنّ الصفات معانٍ قائمة بالذات قديمة قدم الذات.
ثم قال: (وعلى جميع الاحتمالات لا يجوز وصف الله تعالى بهذه التصورات عند التعبير عنه تعالى بأنه عالم وبصير وسميع وحي .... الخ، إذ ليس كمثله شيء!)
أقول: إنه لم يبين عدم صحة هذه الأقوال على جميع الاحتمالات. بل على احتمال واحد وهو أن تكون الصفات أبعاضاً وأجزاء للذات، وهذا معنى في غاية القبح يتنزه عن أن ينطق به أشعريّ. ثمّ هذه التي يسميها تصوّرات أعني الواردة في كلامه، هي:
أولاً: القول بأنّ الصفات لا هي عين الذات ولا هي غير الذات
ثانياً: القول بوجود صفات قديمة يتصف بها الذات القديم
الثالث: القول بقيام الصفات القديمة بالذات، وقد بينا معنى القيام ومعنى كون الذات محلاً للصفات
وقد قال بأنه لا يجوز القول بهذه الأقوال لفسادها لاستلزامها التركّب في الذات تركّب الكلّ من أجزائه.
ولم يبين لنا كيف يلزم من قول الأشاعرة بهذه الأقوال تركّب الذات تركّب الكلّ من أجزائه، لكي نسلّم له بطلان هذه الأقوال. إنه ببيانه ذلك فقط يكون الكلام علمياً وذا جدوى، وإلا سيبقى مجرّد كلام لا قيمة علميّة له ولا قوة فيه.
ثمّ إن هذه الثلاثة أقوال أصليّة للأشعريّة. فلا أدري كيف ينتسب هو إليهم وهو يخالفهم في هكذا مسألة أصليّة قام عليها إجماع أئمتهم وأئمة الماتريدية.
والله تعالى الموفّق [/ALIGN]
تعليق