من روائع البيروني: وجه الخلل في نقل الخبر

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال علي الجهاني
    خادم أهل العلم
    • Jun 2003
    • 4020

    #1

    من روائع البيروني: وجه الخلل في نقل الخبر

    السلام عليكم ..

    هذا جزء من مقدمة البيروني لكتابه الممتع: تحقيق ما للهند من مقولة .. أحببت نقلها لما فيها من الفوائد ..

    [إنما صدق قول القائل (ليس الخبر كالعيان) لأن العيان هو إدراك عين الناظر عينَ المنظور إليه في زمان وجوده وفي مكان حصوله. ولولا لواحق آفاتٍ بالخبر لكانت فضيلته تَبِينُ على العيان والنظر؛ لقصورهما على الوجود الذي لا يتعدى آنات الزمان، وتناول الخبر إياها وما قبلها من ماضي الأزمنة وبعدها من مقتبلها، حتى يعم الخبر لذلك الموجود والمعدوم معاً.

    والكتابة نوعٌ من أنواعه، يكاد أن يكون أشرف من غيره، فمن أين لنا العلم بأخبار الأمم لولا خوالد آثار القلم؟!

    ثم إن الخبر عن الشيء الممكن الوجود في العادة الجارية يقابل الصدق والكذب على صورةٍ واحدة، وكلاهما لاحقان به من جهة المخبرين؛ لتفاوت الهمم وغلبة الهراش والنزاع على الأمم:

    فمن مخبرٍ عن أمر كذبٍ يقصد فيه نفسه فيعظِّم به جنسه؛ لأنها تحته، أو يقصدها فيزري بخلاف جنسه لفوزه فيه بإرادته، ومعلومٌ أن كلا هذين من دواعي الشهوة والغضب المذمومين.
    ومن مخبرٍ عن كذبٍ في طبقة يحبهم لشكرٍ، أو يبغضهم لنكر، وهو مقاربٌ للأول؛ فإن الباعث على فعله من دواعي المحبة والغلبة.
    ومن مخبرٍ عنه متقرباً إلى خيرٍ بدناءة الطبع، أو متقياً لشرٍّ من فشل وفزع.
    ومن مخبر عنه طباعاً، كأنه محمولٌ عليه، غير متمكن من غيره، وذلك من دواعي الشرارة وخبث مخابئ الطبيعة.
    ومن مخبر عنه جهلاً، وهو المقلد للمخبرين، وإن كثروا جملة أو تواتروا فرقةً بعد فرقة، فهو وهُم وسائط فيما بين السامع وبين المعتمد الأول، فإذا أسقطوا عن البين بقي ذاك الأول أحدُ من عددناه من المتخرصين.

    والمجانب للكذب المتمسك بالصدق هو المحمود الممدوح عند الكاذب، فضلاً عن غيره، فقد قيل: قولوا الحق ولو على أنفسكم، وقال المسيح عليه السلام في الإنجيل ما هذا معناه: لا تبالوا بصولة الملوك في الإفصاح بالحق بين أيديهم، فليسوا يملكون منكم غير البدن، وأما النفس فليس لهم عليها يد.
    وهذا منه أمر بالتشجع الحقيقي، فالخُلُق الذي تظنه العامة شجاعة إذا رأوا إقداماً على المعارك، وتهوراً في خوض المهالك، هو نوعٌ منها، فأما جنسها العالي على أنواعها فهو الاستهانة بالموت، ثم سواء كانت في قول أو كانت في فعل.

    وكما أن العدل في الطباع مرضي محبوب لذاته مرغوبٌ في حسنه، كذلك الصدق، إلا عند من لم يذق حلاوته أو عرفه وتحاماه، كالمسؤول من المعروفين بالكذب: هل صدقت قط؟ وجوابه: لولا أني أخاف أن أصدق لقلتُ لا، فإنه العادل عن العدل والمؤثر للجور وشهادة الزور وخيانة الأمانة واغتصاب الأملاك بالاحتيال والسرقة وسائر ما به فساد العالم والخليقة.
    ]
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا
يعمل...