بسم الله الرّحمن الرّحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم
الحمد لله الذي أظهر الحق بظهور أهله،فجعلهم أيمة يهدون بأمره،يدفعون الباطل ويحقون الحق بحكمه،ثمّ الصلاة على سيّدنا محمد عبده،وآله وصحبه،ومن تبعهم وأتباع أتباعهم...إلى يوم الدّين...
فإنّه لما زاد الأمر على حدّه،وأبان السيّد السقاف في تنبييه عقيدته ومنهجه،وتجاوز طوره،آخذ بالطعن في أيمة الهدى ومصابيح الأنــام،من اجتعمت الأمّة على توثيقه وتوثيق من تسمى باسمه، مدعيّا الإجتهاد والتمجهد في غير محلّه،ويا ليته سكت،وصدق عليه"رمتني بدائها وانسلّت"،فقد كتب فيه شيخي العلامة رسالة صغيرة أنشرها بينكم،وإن كانت قد نُشرت من قبل،ولكن ما تَكرر تقرر،والحق لا يملّ بتكراره،والباطل مذموم بكل ألوانه،فبين-الشيخ الفاضل-في ما سأنقله بعض جهله،وغلط طعنه،فــي إمام هذا الشــــــان،سيّدنا الأشــــعري رضي الله عنه وأرضــاه ..وهذه كالسلسلة أنقلها كالتعقيب لما كتبه السيّد السقاف الرادّ على نفسه بنفسه،ونبدأ في المقصـــود بعون الملك المعبود..:
-01-
إلقــــــــام الحجر للمتطال على إمام الأشاعرة من البشر
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم
الحمد لله الذي أظهر الحق بظهور أهله،فجعلهم أيمة يهدون بأمره،يدفعون الباطل ويحقون الحق بحكمه،ثمّ الصلاة على سيّدنا محمد عبده،وآله وصحبه،ومن تبعهم وأتباع أتباعهم...إلى يوم الدّين...
فإنّه لما زاد الأمر على حدّه،وأبان السيّد السقاف في تنبييه عقيدته ومنهجه،وتجاوز طوره،آخذ بالطعن في أيمة الهدى ومصابيح الأنــام،من اجتعمت الأمّة على توثيقه وتوثيق من تسمى باسمه، مدعيّا الإجتهاد والتمجهد في غير محلّه،ويا ليته سكت،وصدق عليه"رمتني بدائها وانسلّت"،فقد كتب فيه شيخي العلامة رسالة صغيرة أنشرها بينكم،وإن كانت قد نُشرت من قبل،ولكن ما تَكرر تقرر،والحق لا يملّ بتكراره،والباطل مذموم بكل ألوانه،فبين-الشيخ الفاضل-في ما سأنقله بعض جهله،وغلط طعنه،فــي إمام هذا الشــــــان،سيّدنا الأشــــعري رضي الله عنه وأرضــاه ..وهذه كالسلسلة أنقلها كالتعقيب لما كتبه السيّد السقاف الرادّ على نفسه بنفسه،ونبدأ في المقصـــود بعون الملك المعبود..:
-01-
إلقــــــــام الحجر للمتطال على إمام الأشاعرة من البشر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده،والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،وعلى آله الطاهرين،وصحبه المنتخبين.
وبعد:ـ
فقد تعدى السقاف حده،وتجاوز طوره،بتعليقاته على كتاب الإبانة،لأبي الحسن الأشعري،
حيث طعن فيه بالتجهيل في اللغة والحديث،وكفره بالتشبيه والتجسيم،واستهزأ به ما شاء له شيطانه،وقدح فيه بما أرضى أعوانه وخلانه من أهل الأهواء والانحراف،فكان ذلك دليلا على أن الرجل قد سلب العقل والإيمان،وكشف عن مكنون ما كان يخبئه في قرارة نفسه
من الدخل والدغل،ولله في خلقه شؤون.
وفي هذه الرسالة أردت أن أكشف عن خطأ واحد من مئات الأخطاء التي وقع فيها السقاف،والتي كان يمكن ألا يقع فيها لولا الهوى والعصبية،ولولا حقده على أبي الحسن، وظغينته عليه،وهذا الخطأ الذي أنا بصدد تبيينه وكشفه،هو ادعاؤه أن كلمة (أيد) في قوله تعالى:"والسماء بنيناها بأيْيْدٍ" هي جمع يد،وراح نتيجة ذلك يصرخ ويستصرخ ويرعد ويزبد ويعيد ويبدئ في الطعن والقدح والسب والشتم لأبي الحسن الذي قال إن (أيداً) في هذه الآية ليست جمع (يَدٍ).
ولو كان السقاف يخاف الله ويتقيه ـ وهو الذي أظهر في بعض كتبه أنه أشعري ومدافع عن الأشعرية،وألف كتابه (إلقام الحجر للمتطاول على الأشاعرة من البشر) ـ لما طمس الله بصيرته وأعماه عن الحق والصواب في كلام أبي الحسن في كل مسائل كتاب (الإبانة)
والتي منها أن (أيداً) هي القوة،وليست جمع (يد)،ولوفقه الله في تعليقاته تلك،ولم يجعلها وبالا عليه،لأنها كشفته على حقيقته وعرته أمام الناس،حتى تبين لمن انخدع به أنه مفلس متشبع بما لم يعط.
ولنيته السيئة في أبي الحسن،تطاول عليه تطاول ذبابة على جبل أشم،فما طال به التطاول إلا قليلا حتى خارت قواه وأدركه الفشل،وسقط طريح أوهامه وأحلامه التي ظنها حقا فإذا بها سراب بقيعة،لم يحل منها سوى بالهوان والذلة والمسكنة والخزي،والدليل على ذلك أخطاؤه في تعليقاته التي لا تحصى،وسقطاته في حواشيه التي لا زمام لها ولا خطام،فهو أجهل الناس بمذهب أبي الحسن،وأبعدهم عن فهم عقيدته وإدراك غايته،وسيأتي ما نبرهن به على كل ما قلناه فيه.
أما الآن فأكتفي كما أشرت بمسألة لغوية واحدة،هي أن أبا الحسن قال في معرض استدلاله على أن (اليد) في قوله تعالى (لما خلقت بيديَّ) لا يمكن أن تكون بمعنى القوة اعتمادا من زاعمي ذلك على قوله تعالى:"والسماء بنيناها بأيْدٍ" أي بقوة،لأن (الأيْدَ) فيه ليس جمع يد،لأن جمع يد أيدي،وجمعها بمعنى النعمة (أيادي) فقال:
"مسألة:"وقد اعتل معتل بقول الله تعالى:"والسماء بنيناها بأيد"(الذاريات:47) قالوا:الأيد القوة،فوجب أن يكون معنى قوله تعالى:"بيديَّ" بقدرتيَّ،قيل لهم:هذا التأويل فاسد من وجوه:
أحدها:أن الأيدَ ليس جمعا لليد،لأن جمع يد أيدي،وجمع اليد التي هي نعمة أيادي،وإنما قال الله تعالى:"لما خلقت بيديَّ"،فبطل بذلك أن يكون معنى قوله:"بيديَّ"معنى قوله:"بنيناها بأيْدٍ".
وأيضا يقال لهم:فلو كان أراد القوة لكان معنى ذلك بقدرتِيَّ،وهذا ناقض لقول مخالفنا، وكاسر لمذهبهم،لأنهم لا يثبتون قدرة واحدة،فكيف يثبتون قدرتين".اهـ
فأبو الحسن رضي الله عنه في هذه الفقرة يرد على المعتزلة الذين فسروا اليد بالقدرة،وقد رد قبلها وبعدها على من فسرها منهم بالنعمة،وهو في رده يناقش أدلتهم النقلية والعقلية
ومن أدلتهم النقلية في تفسير اليد بالقدرة أنه ما دامت (أيْدٌ) في قوله تعالى: "بنيناها بأيْدٍ"
بمعنى القوة،فاليد في قوله تعالى:"خلقت بيديَّ" بمعنى القدرة لأن (أيْدٍ) جمع (يد).
وهذا الدليل أبطله أبو الحسن بوجه لغوي واضح،وهو أن (أيداً) في (بأيد) ليست جمع (يد) والدليل على ذلك أن (يد) بمعنى الجارحةِ حقيقةً والقدرةِ مجازاً إنما تجمع على (أيدي) يقصد أبو الحسن أن (أيد) في (بأيد) هي مصدر للفعل آد يئيد،وأنها على وزن فَعْلٍ،وأما جمع (يد) فهو (أيدي) يقصد أبو الحسن أنها بالياء في آخرها،أي أنها اسم منقوص،وهو على وزن (أَفْعُلٍ) جمع قلة،والتنوين عوض عن الياء في حالتي الرفع والجر.
وهذا الذي قاله أبو الحسن رضي الله عنه من أن أيْداً (بالنصب هنا لأنه مصدر صحيح الآخر) بمعنى القوة،وليس جمع يَدٍ،هو الذي فسر به المفسرون واللغويون قوله تعالى: "والسماء بنيناها بأيد"،على أن أيْداً مصدر للفعل آد يئيد على وزن باع يبيع بيعا،وإذا وجد فيهم من قال بأنها جمع يد فعلى سبيل الاحتمال فقط،وإلا فهو تفسير ضعيف مرجوح.
وفيما يلي نُقُولٌ عن بعض المفسرين: ـ
تفسير الطبري:22/438
"يقول تعالى ذكره: والسماء رفعناها سقفا بقوة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك: (فذكر بالأسانيد ذلك عن ابن عباس،ومجاهد،وقتادة،ومنصور،وابن زيد،وسفيان)".
تفسير ابن كثير:7/424
"يقول تعالى منبها على خلق العالم العلوي والسفلي:{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا}أي:جعلناها سقفا [محفوظا] رفيعا { بأيد } أي:بقوة.قاله ابن عباس،ومجاهد،وقتادة،والثوري،وغير واحد".
تفسير البغوي:7/379
"{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ}،بقوة وقدرة".
تفسير الألوسي:19/401
"{والسماء} أي وبنينا السماء {بنيناها} أي بقوة قاله ابن عباس،ومجاهد،وقتادة،ومثله الآد وليس جمع {يَدُ الله}،وجوزه الإمام وإن صحت التورية به".
قلت:سيأتي بيان ما يشير إليه الألوسي من أمر التورية في هذه الآية.
البحر المحيط لأبي حيان:10/142
"{بأيد}:أي بقوة،قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة،وهو كقوله:{داود ذا الأيد}".
فتح القدير:7/49
"{والسماء بنيناها بِأَيْدٍ} أي:بقوّة وقدرة".
زاد المسير لابن الجوزي:5/424
"{والسماء بنيناها} المعنى:وبنينا السماء بنيناها {بأَيْدٍ} أي:بقْوَّة،وكذلك قال ابن عباس، ومجاهد،وقتادة،وسائر المفسرين واللغويين «بأيد» أي:بقُوَّة".
قلت:قف على قول ابن الجوزي بأن أيْداً بمعنى القوة لا غير،لأنه في تفسيره هذا عودنا على أن يذكر في تفسير كل كلمة ما قيل فيها من أقوال عَدًّا،فإن لم يكن فيها إلا قول واحد كما هو الحال هنا اقتصر عليه.
وزاد هنا فنص على أن تفسير أيْدٍ بالقوة هو قول سائر المفسرين واللغويين،فهل هذا إلا تصديق لأبي الحسن وتكذيب للسقاف ؟
تفسير الرازي:14/316
"وقوله تعالى:{بِأَيْدٍ} أي قوة،والأيد القوة،هذا هو المشهور،وبه فسّر قوله تعالى:{ذَا الأيد إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:17]".
ثم قال الرازي:14/316
"يحتمل أن يقال إن المراد جمع اليد،ودليله أنه قال تعالى:{لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ} [ص:75] وقال تعالى:{مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعاما} [يس:71] وهو راجع في الحقيقة إلى المعنى الأول وعلى هذا فحيث قال:{خَلَقْتُ} قال:{بِيَدَىَّ} وحيث قال:{بنينا}قال{بِأَيْدٍ} لمقابلة الجمع بالجمع".
قلت:وهذا الاحتمال إنما ذكره الرازي ليوجد المناسبة بين قوله تعالى:"بنيناها" بإسناد الفعل لضمير الجماعة (نا) والأيد على أنها جمع يد،وهو احتمال ضعيف لأنه مبني على دعوى لم تصح وهي أن الأيد جمع يد،وإلا فقد قال:"الأيد:القوة،هذا هو المشهور،وبه قسر قوله تعالى:{ذا الأيْد}".
تفسير البقاعي:8/209
"{والسماء بنيناها} بما لنا من العظمة {بأيد} أي بقوة وشدة عظيمة لا يقدر قدرها".
تفسير السمرقندي:4/198
"قوله عز وجل:{والسماء بنيناها بِأَيْدٍ} يعني:خلقناها بقوة وقدرة".
تفسير الزمخشري:6/420
"{ بِأَيْدٍ } بقوّة،والأيْدُ والآدُ:القوّة،وقد آد يئيد وهو أيِّدٌ".
قلت:والزمخشري رغم اعتزاله لم يفسر الأيد بأنها جمع يد،لأنه عالم باللغة وما يجوز فيها وما لا،وليس كالسقاف الذي يهرف بما لا يعرف.
معاني القرآن للفراء:3/334
"وقوله عز وجل: {بِأَييْدٍ...} بقوةٍ".
تفسير ابن عاشور:14/114
"والأَيْد:القوة.وأصله جَمع يد،ثم كثر إطلاقه حتى صار اسماً للقوة،وتقدم عند قوله تعالى:
{واذكر عبدنا داود ذا الأيد} في سورة ص (17).والمعنى:بنيناها بقدرة لا يقدر أحد مثلها".
قلت:وقول ابن عاشور أن أصل الأيد بمعنى القوة جمع يد ثم كثر...الخ دعوى لم يحلنا فيها على كتاب في اللغة،وإن كان العرب اشتقوا كثيرا من الأفعال من بعض أسماء الأعيان، لكن ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة:1/63) يقول:
"(أيد) الهمزة والياء والدال أصلٌ واحد،يدلّ على القوة والحِفْظ".
وهذا يدل على أن الألف أصلية في الكلمة،بينما هي في جمع يد زائدة.
والذي قاله ابن عاشور في تفسير قوله تعالى:"واذكر عبدنا داود ذا الأيد" في:12/204:
يؤيد الاشتقاق من فعل لا من اسم عين،فإنه قال:
"و{الأَيْد}:القوة والشدة،مصدر:آدَ يئيد،إذا اشتدّ وقَوي،ومنه التأييد التقوية،قال تعالى:
{فآواكم وأيدكم بنصره} في سورة [الأنفال:26]".
ويؤيد هذا ما جاء في (أضواء البيان:8/11) من قوله:
تنبيه: ـ
" قوله تعالى في هذه الآية الكريمة { بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ }،ليس من آيات الصفات المعروفة بهذا الاسم،لأن قوله { بِأَيْدٍ } ليس جمع يد:وإنما الأيد القوة،فوزن قوله هنا بأيد فعل،ووزن الأيدي أفعل،فالهمزة في قوله { بأَيْدٍ } في مكان الفاء والياء في مكان العين،والدال في مكان اللام.
ولو كان قوله تعالى:{ بأَيْدٍ } جمع يد لكان وزنه أفعلاً،فتكون الهمزة زائدة والياء في مكان الفاء،والدال في مكان العين والياء المحذوفة لكونه منقوصاً هي اللام.
والأيد،والآد في لغة العرب بمعنى القوة،ورجلٌ أيِّدٌ قوي،ومنه قوله تعالى { وَأَيَّدْنَاهُ بروح القدس } [ البقرة : 87 و 253 ] أي قويناه به،فمن ظن أنها جمع يد في هذه الآية فقد غلط غلطاً فاشحاً،والمعنى:والسماء بنيانها بقوة".اهـ
قلت:فالشنقيطي صاحب الأضواء ينص هنا بصراحة على خطأ من ظن أن (أيداً) في هذه الآية جمع (يد)،وكفى به حجة.
ويؤكد كلامه ما جاء في (تفسير اطفيش الإباضي:10/326) فإنه قال:
"{والسَّماء بَنيْناها} نصب على الاشتغال للتأكيد،لأنه من باب التوكيد اللفظى،أى وبنينا السماء،وبنيناها {بأيدٍ} بقوة وهو مفرد،ولا حذف فيه،وآخره دال،والهمزة أصل،ويضعف جعله جمع يد على طريق التورية،وعليه فالهمزة زائدة،والياء محذوفة بعد الدال.
ثم قال:والوجهان محتملان لتعظيم القدرة،ولمتانة السماء،والإشعار بالمتانة إشعار بعظمة القدرة،والاشعار بعظمتها إشعار بالمتانة.اهـ
وفي (تفسير هميان الزاد:13/213)
"{وَالسَّمَآءَ} بالنصب على الاشتغال {بَنَيْنَاهَا بِأَيْيْدٍ} أي بقوة،فهو مفرد،والهمزة أصل، وعلامة جره كسرة الدال،يقال:أيدته بأيد،أي بقوة وقدرة".
ثم قال ليظهر الفرق بين (الأيْدِ) و(الأيْدِي):
"وأيدٍ جمع (يد)،فالهمزة زائدة،وتقدر الياء بعد الدال،حذفت لالتقاء الساكنين،يقدر عليها الجر،والمراد القوات".
وحتى يؤكد أن الأيد في الآية مصدر فعل بمعنى القوة قال:
اتفقت المصاحف على كتب (بأييد) بيائين،وعلله أبو عمرو الداني وغيره بأن الياء الثانية هي الزائدة،زادوها للفرق بينه وبين (أيد) الذي هو جمع (يد) أحد الأعضاء،ولولا الياء المزيدة لتوهم أنه جمع يد،وأنه فعل بحذف آخره،ولذا لم تزد في {دواد ذا الأيد}،إذ لو كانت كلمة الأيد فيه جمع يد لقيل (ذي الأيدي) بياء بعد التنوين،إذ لم يلتق ساكنان فتحذف وذلك هو المختار،واختاره الخراز إذ قال:
وآخر الياء ين من بأيْيْدِ * للفرق بينه وبين الأيدي
وقبل أن ينهي صاحب الهميان حديثه عن هذه الآية قال:
"وإن قلت:لم زيدت في أيد بمعنى قوة مع أنها لو زيدت في أيد جمع يد لحصل الفرق ؟
قلت: الذي هو جمع يد لم يقع فى القرآن الا بالياء بعد الدال،بخلاف هذا الذي بمعنى القوة فلولا الياء المزيدة لتوهم أنه جمع يد،وأيضاً الذي بمعنى القوة مفرد خفيف سالم من الاعتلال فخصت الزيادة به".
قلت:قف على قوله:"الذي هو جمع يد لم يقع في القرآن إلا بالياء بعد الدال" وتأمل.
وهذا الذي ذكره من رسم كلمة (بأييد) بياءين في المصاحف هو الذي ذكره الخراز في منظومته في فصل خصصه لمواضع زيادة الياء قائلا:
بِأَييكُمْ أَوْ مِن وَّرَاءِي ثُمَّ مِنْ * آنَاءِي مَعْ حَرْفِ بشأَييدٍ أفَإِينْ
قال شارحه إبراهيم بن أحمد بن سليمان المارغني في (دليل الحيران:ص198): ـ
"ورسموا...بأييد بياءين أيضا،الأولى هي الأصلية،والثانية هي الزائدة على المختار،للفرق بينه وبين (أيدي) في نحو (بأيدي سفرة،وأيدي الناس)،لأن ما زيدت فيه الياء مفرد بمعنى القوة، وهمزته فاء الكلمة،وياؤه عينها،وداله لامها،وما لم تزد فيه الياء جمع مفرده يد بمعنى الجارحة،وهمزته زائدة،وياؤه الأولى فاء الكلمة،وداله عينها،وياؤه الأخيرة لامها.
فإن قيل:زيادة الياء غير محتاج إليها لظهور الفرق بينهما بوجود الياء بعد الدال في التي بمعنى الجوارح وانعدامها في التي بمعنى القوة.
فالجواب:أنهم أرادوا رفع توهم أنها كلها بمعنى الجوارح،وأن الياء حذفت في بأييد لأنه غير مضاف،وثبتت في نحو (بأيدي سفرة) لأجل الإضافة،لأن ذلك هو شأن كل ما آخره ياءٌ،نحو (إن أجل الله لآت،وإلا آتي الرحمن عبدا) فزادوا الياء في (بأييد) رفعا لهذا التوهم وبيانا للفرق بينهما،وخصوا أيد الذي بمعنى القوة بالزيادة لخفته،بسبب كونه مفردا سالما من الاعتلال،بخلاف الأيدي الذي بمعنى الجوارح،فإنه ثقيل بسبب كونه جمعا معتل اللام".
وقال الخراز في منظومته في فن الضبط أيضا:
وآخرُ الياءَيْنِ مِن بأييدِ * للفرق بينه وبين الأيدي
قال الشارح:ص330: ـ
" أشار هنا إلى النوع الثاني مما زيدت فيه الياء،وهو ما زيدت فيه بعد ياء ساكنة،وقد وقع في بأييد من قوله تعالى:"والسماء بنيناها بأييد" لا غير،واتفقت المصاحف على كتبه بياءين.
وقد قدمنا في الرسم أن الياء الأولى فيه هي الأصلية والياء الثانية هي الزائدة على المختار وعليه عول الناظم.
وقدمنا أيضا أنهم زادوا الياء فيه للفرق بينه وبين أيدي في نحو (بأيدي سفرة،وأيدي الناس)
لأن ما زيدت فيه الياء مفرد،بمعنى القوة،وهمزته فاء الكلمة،وياؤه عينها،وداله لامها،وما لم تزد فيه الياء جمع مفرده يد بمعنى الجارحة،وهمزته زائدة،وياؤه الأولى فاء الكلمة،وداله عينها،وياؤه الأخيرة لامها.
فقول الناظم (للفرق بينه وبين الأيدي) لا يريد به لفظ الأيدي المحلى بأل،وإنما معناه للفرق
بينه وبين أيدي التي هي الجوارح،فعبر بلفظ الأيدي عن الجوارح".اهـ
وكذلك في (عنوان الدليل:1/14) :
فقد قال ابن البناء المراكشي في فصل في الياء الزائدة:
"وذلك علامة اختصاص ملكوتي مثل: (وَالسماءَ بَنيناها بِأَيَيدٍ) كتب بياءين فرقا بين الأيد الذي هي القوة وبين أيدي جمع يد.
ولا شك أن القوة التي بنى الله بها السماء أحق بالثبوت في الوجود من الأيدي فزيدت الياء لاختصاص اللفظة بالمعنى الأظهر في الإدراك الملكوتي في الوجود".اهـ
ونقل كلامه هذا الزركشي في (البرهان في علوم القرآن:1/378) وسلمه.
وفيما يلي نقول عن بعض اللغويين: ـ
العين:2/132 (في مادة:أيد،أدي)
الأَيْدُ:القُوَّة،وبلغة تميم الآدُ،منه قيل:أَدَّ فلانٌ فلاناً إذا أعانَه وقَوّاه.
والتَّأييدُ:مصدر أيَّدْتُه أي قَوَّيْتُه.
وقوله تعالى:"والسماء بَنَيْناها بأَيْدٍ" أي بقُوّة.
الجمهرة:1/2 (في مادة:أ-د-د)
والأد والأيدُ والآدً:القوة.يقال:رجل ذو آدٍ وذو أد وذو أيدٍ.قال الراجز:
أبْرَح آدُ الصلَتانِ آدا * إذ رَكِبَتْ أعوادهم أعوادا
وفي التنزيل: " والسماء بَنَيْناها بأيدٍ "،أي بقوة،واللّه أعلم.
وقال الراجز في الأدّ،وهي القوة:
نضوْنَ عنّي شِرَّةً وأدّا * من بعدما كنتُ صُمُلاً نَهْدا
الصحاح:1/28 (في مادة:أيد)
أبو زيد:آدَ الرجلُ يَئيدُ أَيْداً:اشتدَّ وقوي.والأيْدُ والآدُ:القوة.قال العجاج:
مِنْ أَنْ تَبَدَّلْتُ بآدي آدا
يعني قوّة الشباب.تقول منه:أَيدْتُهُ على فَعَلْته،فهو مُؤَيَّدٌ.وتقول من الأَيْدِ:أَيَّدْتُهُ تَأْييداً،أي قوّيته.والفاعل مُؤَيَّدٌ،وتصغيره مُؤَيِّدٌ أيضاً،والمفعول مُؤَيَّدٌ.وتَأَيَّد الشيء:تقوَّى.ورجلٌ أَيِّدٌ، أي قويّ.والإيادُ:ترابٌ يجعَل حول الحوض أو الخباء يقوَّى به.أو يمنع ماء المطر.ويقال لميمنة العسكر وميسرته:إيادٌ.والمُؤْيِدُ،مثال المؤمن:الأمرُ العظيمُ،والداهيةُ.قال طرفة:
تقولُ وقَدْ تَرَّ الوَظيفُ وساقُها * أَلَسْتَ تَرى أنْ قد أَتَيْتَ بمُؤْيِدِ
لسان العرب:3/76(في مادة:أيد)
الأَيْدُ والآدُ جميعاً القوة قال العجاج من أَن تبدّلت بآدِي آدا يعني قوّة الشباب وفي خطبة علي كرم الله وجهه وأَمسكها من أَن تمور بأَيْدِه أَي بقوّته وقوله عز وجل واذكر عبدنا داود ذا الأَيْد أَي ذا القوة... أَبو زيد:آد يَئِيد أَيداً إِذا اشتد وقوي والتأْييد مصدر أَيَّدته أَي قوّيته قال الله تعالى إِذا أَيدتك بروح القدس وقرئ إِذا آيَدْتُك أَي قوّيتك تقول من آيَدْته على فاعَلْته وهو مؤيَد وتقول من الأَيْد أَيَّدته تأْييداً أَي قوَّيته والفاعل مؤَيِّدٌ وتصغيره مؤَيِّد أَيضاً والمفعول مُؤَيَّد،وفي التنزيل العزيز:"والسماء بنيناها بأَيد"،قال أَبو الهيثم:آد يئيد إِذا قوي وآيَدَ يُؤْيِدُ إِيآداً إِذا صار ذا أَيد وقد تأَيَّد وأُدت أَيْداً أَي قوِيتُ وتأَيد الشيء تقوى ورجل أَيِّدٌ بالتشديد أَي قويّ قال الشاعر:
إِذا القَوْسُ وَتَّرها أَيِّدٌ * رَمَى فأَصاب الكُلى والذُّرَا
جامع مفردات ألفاظ القرآن:1/56 (في مادة:أيد)
- قال الله عز وجل: {أيدتك بروح القدس} [المائدة/110] فعلت من الأيد،أي:القوة الشديدة.
وقال تعالى: {والله يؤيد بنصره من يشاء} [آل عمران/13] أي: يكثر تأييده،ويقال:إدته أئيده أيدا نحو:بعته أبيعه بيعا،وأيدته على التكثير.قال عز وجل: {والسماء بنيناها بأيد} [الذاريات/47]،ويقال:له أيد،ومنه قيل للأمر العظيم مؤيد.
وإياد الشيء:ما يقيه،وقرئ: (أأيدتك) (وهي قراءة شاذة.وفي اللسان (قرئ) :آيدتك على فاعلت)،وهو أفعلت من ذلك.
معجم مقاييس اللغة:1/165
(باب الهمزة والياء وما يثلثهما في الثلاثي)
(أيد) الهمزة والياء والدال أصلٌ واحد،يدلّ على القوة والحِفْظ. يقال أيّدَه الله أي قوّاه الله. قال تعالى: {والسَّماءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات 47]. فهذا معنى القوّة. وأمّا الحفظ فالإياد كلُّ حاجزٍ الشيءَ يَحفَظُه.قال ذو الرمّة:
دفَعْناهُ عن بَيْضٍ حِسَانٍ بأجْرَعٍ *** حَوَى حَوْلَها مِنْ تُربِهِ بإيادِ
وأختم النقول عن اللغويين بكلام أبي البقاء الكفوي في (الكليات:1/1572) فإنه قال:
"وليس {أَيْدٍ} في قوله تعالى {والسَّمَاءَ بَنَيْنَاها بأيدٍ} جمع {يد} بل مصدر بمعنى القوة، ومنه المؤيد والتأييد،ولو كان المراد به جمع {يد} لأثبت الياء،لأن هذه أصلية لا يجوز حذفها،والجموع تردّ الأشياء إلى أصولها".
قلت:وهذا تصريح آخر من لغوي آخر يجهز على تخرصات السقاف،فيرتد عليه كل ما اتهم به الشيخ أبا الحسن الأشعري من جهل بالعربية،ويعود إليه كل ما قاله فيه من ذم واستصغار.
تنبيه: ـ
أشار الألوسي فيما نقلته عنه وكذلك اطفيش إلى إمكان أن تكون كلمة (بأيد) فيها تورية،وهي بأن تكون الكلمة لها معنيان قريب وبعيد،فيفهم السامع أول ما يسمعها المعنى القريب،وبعد التأمل يدرك أن المقصود من الكلمة المعنى البعيد،وأنه الذي من أجله جيء بالكلمة في ذلك السياق.
وواضح أن الذي يوهم السامع بهذه التورية هو تماثل كلمة بأيد بمعنى القوة وكلمة بأيد بمعنى الجارحة في ظاهر اللفظ،وإلا فبين الكلمتين فوارق من حيث أصل كل منهما بنية واشتقاقا.
ولا أدل على ذلك مما فعله الكفوي تبعا لبعض سابقيه كالسيوطي في (الإتقان:1/327) من قوله في (الكليات:1/421):
"والمرشحة _ أي التورية- هي التي يذكر لوازم المورَّى به قبل لفظ التورية أو بعده،فمن أعظم شواهد ما ذكر لازمه قبل ذكره التورية قوله تعالى {والسماء بنيناها بأيد} فإن قوله {بأيد} يحتمل الجارحة وهو المعنى القريب المورَّى به،وقد ذكر من لوزامه على جهة الترشيح {البناء}،والمعنى البعيد المورَّى عنه هو القوة وعظمة الخالق وهو المراد".
ولأن هذا التخريج ضعيف قال الكفوي بعده مباشرة:
"والآية أيضا إذا حملت على التمثيل والتصوير على ما هو التحقيق فلا تورية فيها".
والدليل على ضعف هذا التخريج ما سبق أن نقلناه عنه من أن أيْداً في الآية ليست جمع يَدٍ.
خاتمة: ـ
بعد هذا الذي بينته ـ من إصابة أبي الحسن رضي الله عنه في أن كلمة (أيد) في آية الذاريات هي مصدر فعل آد يئيد أيدا وليست جمع يد لأن جمع يد هو أيدي وأيادي،
ومن خطإ السقاف في اعتقاده أنها جمع يد ـ تنهار كل تلك التشنيعات والتهويلات التي افتراها السقاف على أبي الحسن وترتد عليه،ولا يبقى أي معنى لتلك النقول التي ساقها
عن صاحب القاموس والتي تفيد أن يداً تجمع على أيدي،لأن الأمر كما قال الشاعر:
سارت مشرقة وسرت مغربا * شتان بين مشرق ومغرب
والحق أنه لولا عين السخط التي نظر بها السقاف لأبي الحسن لما أمكن أن يظن مجرد ظن ولا حتى أن يخطر على باله أن أبا الحسن لا يعرف أن يداً تجمع على أيدٍ،في الوقت الذي يعرف هذا تلاميذ المدارس وعوام الناس.
ولكن الذي لا يعرفه تلاميذ المدارس وعوام الناس ومنهم السقاف في تعليقاته على الإبانة
هو أن أيدٍ (أي:أيداً،وجررته على الحكاية،لأنه لفظ القرآن) هو مصدر فعل آد يئيد أيدا،
وليس جمع يد،فصدق الشاعر الحكيم حين قال:
فعين الرضا عن كل عيب كليلة * سوى أن عين السخط تبدي المساويا
تعليق