المبحث الثاني : اعتقادات الهنود
ذكر العلماء أن الآلهة الأنثى من أهم معبودات الهنود الأولين , واعتقد هؤلاء القوم في قدرة الآلهة الأنثى على التصرف في شؤون الإنسان والحيوان بالرضا أوالسخط "فمن قدسهن وقدم لهن القرابين رضين عنه وأحطنه برعايتهن , ومن لم يفعل ذلك سخطن عليه وأهلكنه وأهلكن ماشيته"(1)
يقول د.محمد غلاب :
(ويتلخص القليل الذي كشف من هذه الديانة في أنّ اولئك القوم كانوا يعبدون على الأخص إلهات إناثاً لأنهم كانوا يعتقدون أنهن قادرات على إيجاد وإبادة الأناسي والحيوانات , وأنهن يحمين أكثر الناس تقديساً لهن , وأنّ من لا ينلن منه القرابين والضحايا يكن هو وحياته معرّضاً للدمار) . (2)
وقد كان عند الهندوس لكل قوة في الطبيعة إله يعدّونه , ويستنصرون به في الشدائد , كالماء والنار والأنهار والجبال وغيرها , وكانوا يدعون تلك الآلهة لتبارك لهم في ذريتهم وأموالهم من الواشي والغلات والثمار , وتنصرهم على أعدائهم (3)
أمّا آلهة الفيدا فهي ألهة كثيرة ليس من السهل حصرها "بعضها يتمثل في الشمس وما تسكبه على الكون من نعمة الإضاءة والدفء والإنعاش , والبعض الآخر يتمثل في قاتل تنين هائل أو وحش مخيف , وقد يصل عدد أولئك أحياناً إلى ثلاثين أو ثلاثة وثلاثين إلهاً متساوين حيناً ولهم رئيس أعلى حيناً آخر" (4)
وفي مقدمة هذه الآلهة التي تكثر الفيدا من التضرع إليها- ثلاثة : أندرا - أجنى قارونا أو (مترا) .
أمّا (أندرا) فقد خص وحده بما لا يقل عن الربع من ابتهالات الريج فيدا , وشارك غيره في مثل هذا العدد , ويوصف بأنه أقوى مظاهر الألوهية , ويعزى إليه أنه هو الذي يهب لإنقاذ الإنسان من الشرور والأخطار التي قد تحدق به فهو بذلك المنقذ الأول للإنسانية ...
وقد ترجم الأستاذ محمود علي خان بعض ابتهالات الريج فيدا للإله "أندرا" كما يلي :
هو الأعلى من كل شئ وهو الأسنى
إله الآلهة ذو القوة العليا
الذي أمام قدرته الغالبة
ترتعد الأرض والسماوات العالية
أيها الناس استمعوا لشعري
إنما هو إندرا إله الكون
هو الذي قهر الشياطين في السحاب
وأجرى الأقمار السبعة الصافية الكبار
واقتحم كهوف الكآبة والأكدار
وأخرج البقرات الجميلة من الأرحام
وأضاء النار القديمة من البرق في الغمام
ذلك هو إندرا البطل الجسور
الجيش المتقدم للهيجاء
يناديه للنصرة يوم الحرب
الأعزاء بصيته الذائع يهتفون
والأذلاء يذكرون اسمه بشفاههم ويهمسون
وقائد الجيش على العجلة الحربية
يدعو ويستنصر إندرا إله الحرب
الأرض والسماء تعترفان بسلطانه وكماله
والجبال المرتعدة تخر له وتسجد لجلاله (5)
إله الآلهة ذو القوة العليا
الذي أمام قدرته الغالبة
ترتعد الأرض والسماوات العالية
أيها الناس استمعوا لشعري
إنما هو إندرا إله الكون
هو الذي قهر الشياطين في السحاب
وأجرى الأقمار السبعة الصافية الكبار
واقتحم كهوف الكآبة والأكدار
وأخرج البقرات الجميلة من الأرحام
وأضاء النار القديمة من البرق في الغمام
ذلك هو إندرا البطل الجسور
الجيش المتقدم للهيجاء
يناديه للنصرة يوم الحرب
الأعزاء بصيته الذائع يهتفون
والأذلاء يذكرون اسمه بشفاههم ويهمسون
وقائد الجيش على العجلة الحربية
يدعو ويستنصر إندرا إله الحرب
الأرض والسماء تعترفان بسلطانه وكماله
والجبال المرتعدة تخر له وتسجد لجلاله (5)
أمّا (أجنى) فهو المظهر الأول للقوة المقدّسة , وهو الذي يتراءى للناس في صور وختلفة أدناها نار الموقد , وأسماها ما في العالم السفلي والعلوي من مظاهر العظمة , وقد جعلت النار رمزاً يمثل مقدرة هذا الإله على التطهير وهو أيضاً صديق الإنسانية ومنقذها , إذ أنه هو الذي يوجد النور بعظمته , ويفني الشر ويهزمه أمام جبروته (6)
أمّا (فارونا) فهو الإله الذي يملك مقاليد السماوات والأرض , وهو الذي منح القوانين والمبادئ الخلقية , وهو إله عالمي يملك سلطات واسعة لا حدود لها.(7) .(8) .
ومن الديانات المنتشرة في الهند الديانة البوذية , ويعتقد البوذيون في بوذا أنّه إله تجسد في صورة بشرية , ومثلوه في صورة منقذ ومخلص للناس (9)
وكذلك تعتبر الجينية من كبرى الديانات الهندية , وقد كانت الجينية نوعا من المقاومة للهندوسية وثورة على سلطان البراهمة، ومن هنا لم يعترف مهاويرا بالآلهة، فالاعتراف بالآلهة قد يخلق من جديد طبقة براهمة أو كهنة يكونون صلة بين الناس والآلهة، وقرر أنه لا يوجد روح أكبر أو خالق أعظم لهذا الكون، ومن هنا سمي هذا الدين دين إلحاد، واتجهت الجينية إلى الاعتقاد بأن كل موجود انسانا كان أو حيوانا أو نباتا أو جمادا يتركب من جسم وروح، وأن كل روح من هذه الأرواح خالدة مستقلة؟ جرى عليها التناسخ الذي اتفقت فيه الجينية مع الهندوسية .
غير أن العقل البشري يميل إلى الاعتراف بإله، ويحتاج الالحاد إلى أدلة أكثر من الأدلة التي يحتاجها إثبات الآلهة، ومن هنا وجد فراغ كبير في الجينية بسبب عدم اعتراف مهاويرا بإله يكمل به صورة الدين الذي دعا إليه، وكان من نتيجة ذلك أن اعتبره أتباعه إلها، بل عدوا الجيناوات الأربعة والعشرين آلهة لهم، ولعلهم بذلك كانوا متأثرين بالفكر الهندي الذي يميل في الأكثر إلى تعدد الآلهة. (10)
وما زالت هذه العقائد موجودة في الهند حتى هذا اليوم , فيقول مافير في كتابه "نخلة شفوات" المطبوع سنة 1895م -والذي ترجم إلى العربية عام 1913م- يقول:
( لقد ذكر في الكتب الهندية القديمة التي ترجمت إلى الإنجليزية شارحة عقيدة الهنود القدماء ما نصه: نؤمن "بسافستري" -أي الشمس- إله واحد ضابط الكل، خالق السموات والأرض وبابنه الوحيد "آتي" -أي النار- نور من نور مولود غير مخلوق تجسد من "فايو" -أي الروح- في بطن "مايا" -أي العذراء-. ونؤمن "بفايو" الروح الحي المنبثق من الأب والابن الذي هو مع الأب والابن يُسجد له ويُمجد) .
والبرهمية الهندوسية لهم ثلاثة أقانيم يعبدونها:
1- "برهما": الإله الخالق مانح الحياة.
2- "بشنو" أو "فشنو" أو "يش": الذي خلق في المخلوقات قبل العالم من الفناء التام.
3-" سيفا" أو "سيوا": الإله المخرب المفني.
وهذه الأقانيم الثلاثة هي لإله واحد في زعمهم، والإله الواحد هو الروح المعظم واسمه "أتما". (11)
--------------------------------------------------------
1- بوذا الأكبر , ص6 .
2- دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص129 .
3- أديان الهند الكبرى ص45 , الدكتور أحمد شلبي
4- الفلسفة الشرقية ص93
5- أديان الهند الكبرى ص43 , الدكتور أحمد شلبي .
6- بوذا الأكبر ص14
7- الهند القديمة ص80 .
8- دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص131-132
9- دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص138
10- أديان الهند الكبرى ص111 , الدكتور أحمد شلبي
11- أثر العقائد الوثنية في التثليت .
(لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)) . آل عمران: ١٨١
تعليق