رد الإمام الفضل بن روزبهان الأشعري على ابن المطهر الحلي الإمامي ( إبطال نهج الباطل)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
    طالب علم
    • Apr 2010
    • 760

    #16
    قال الحلي الإمامي :
    المبحث الرابع
    في أنّه تعالى ليس في جهة
    العقلاء كافّة على ذلك ، خلافا للكرّامية ، حيث قالوا : « إنّه تعالى في جهة الفوق » . ولم يعلموا أنّ الضرورة قضت بأنّ كلّ ما هو في جهة ، فإمّا أن يكون لابثا فيها ، أو متحرّكا عنها ، فهو [ إذا ] لا ينفكّ عن الحوادث ، وكلّ ما لا ينفكّ عن الحوادث فهو حادث ، كما تقدّم.



    قال الإمام الفضل بن روزبهان :

    هذا القول للكرّامية ؛ لأنّهم من جملة من يقول : إنّه جسم ؛ ولكن قالوا : غرضنا من الجسم أنّه موجود ، لا أنّه متّصف بصفات الجسم.
    فعلى هذا ، لا نزاع معهم إلّا في التسمية ، ومأخذها التوقيف ، ولا توقيف ها هنا .
    وكونه تعالى في جهة الفوق ـ على وجه الجسمية ـ باطل بلا خلاف ، لكن جرت العادة في الدعاء بالتوجّه إلى جهة الفوق ؛ وذلك لأنّ البركات الإلهية إنّما تنزل من السماء إلى الأرض.
    وقد جاء في الحديث أنّ امرأة بكماء أتي بها إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال لها رسول الله : من إلهك؟ فأشارت إلى السماء ، فقبل رسول الله إيمانها
    وذلك لجريان العادة بالتوجّه إلى السماء عند ذكر الإله ، وهذا يمكن أن يكون مبنيا على إرادة العلوّ والتفوّق ، فيعبّرون عن العلوّ العقلي بالعلوّ الحسّي.
    فإن أراد الكرّامية هذا المعنى فهو صحيح ، وإن أرادوا ما يلزم الأجسام من الكون في الجهة والحيّز ، فهو باطل.





    قال الحلي الإمامي :

    المبحث الخامس
    في أنّه تعالى لا يتّحد بغيره
    الضرورة قاضية ببطلان الاتّحاد ، فإنّه لا يعقل صيرورة الشيئين شيئا واحدا.
    وخالف في ذلك جماعة من الصوفية من الجمهور ، فحكموا بأنّه تعالى يتّحد بأبدان العارفين ، حتّى تمادى بعضهم وقال : إنّه تعالى نفس الوجود ، وكلّ موجود هو الله تعالى!
    وهذا عين الكفر والإلحاد.
    الحمد لله الذي فضّلنا باتّباع أهل البيت ، دون اتّباع أهل الأهواء الباطلة.



    قال الفضل بن روزبهان :

    مذهب الأشاعرة : إنّه تعالى لا يتّحد بغيره ؛ لامتناع اتّحاد الاثنين
    وأمّا ما نسبه إلى الصوفية من القول بالاتّحاد ، فإن أراد به محقّقي الصوفية ، ك :أبي يزيد البسطامي ،وسهل بن عبد الله التستري وأبي القاسم الجنيد البغدادي ، و الشيخ السهروردي ..فهذا نسبة باطلة ، وافتراء محض ، وحاشاهم عن ذلك!
    بل صرّحوا كلّهم في عقائدهم ببطلان الاتّحاد ؛ فإنّه مناف للعقل والشرع.
    بل هم أهل محض التوحيد ، وحقيقة الإسلام ناشئة من أقوالهم ، ظاهرة على أعمالهم وعقائدهم ، وهم أهل التوحيد والتمجيد.
    وفي الحقيقة : هم الفرقة الناجية ، ولهم في مصطلحاتهم عبارات تقصر عنها أفهام غيرهم ، وفي اصطلاحاتهم البقاء والفناء.
    والمراد من « الفناء » : محو العبد صفاته وهويّته التعينية بكثرة الرياضات ، والاصطلام من الوارد الحقّ.
    و« البقاء » : هو تجلّي الربوبية على العبد بعد السلوك والمقامات ، فيبقى العبد بربّه .
    وهذه أحوال لا يطّلع عليها إلّا أربابها ، ومن سمع شيئا من مقالاتهم ولم يفهم إرادتهم من تلك الكلمات ، حمل كلامهم على الاتّحاد والحلول.
    عصمنا الله من الوقيعة في أوليائه ، فقد ورد في الحديث الصحيح القدسي : « من عادى لي وليّا فقد آذنته بحرب »
    وأمّا ما نقل عنهم أنّهم يقولون : إنّه تعالى نفس الوجود ؛ فهذه مسألة دقيقة لا تصل حوم فهمها أذهان مثل هذا الرجل.
    وجملتها أنّهم يقولون : إنّه لا موجود إلّا الله.
    ويريدون به أنّ الوجود الحقيقي لله تعالى ؛ لأنّه من ذاته لا من غيره ، فهو الموجود في الحقيقة ، وكلّ ما كان موجودا غيره فوجوده من الله ، وهو في حدّ ذاته لا موجود ولا معدوم ؛ لأنّه ممكن ، وكلّ ممكن فإنّ نسبة الوجود والعدم إليه على السواء ، فوجوده من الله ، فهو موجود بوجود ظلّيّ هو من ظلال الوجود الحقيقي ، فالموجود حقيقة هو الله تعالى.
    وهذا عين التوحيد ، وكمال التفريد ، فمن نسبهم مع فهمه هذه العقيدة إلى الكفر ، فهو الكافر ؛ لأنّه كفّر مسلما بجهة إسلامه.





    قال الحلي الإمامي :

    المبحث السادس

    في أنّه تعالى لا يحلّ في غيره

    من المعلوم القطعي أنّ الحالّ مفتقر إلى المحلّ ، والضرورة قضت بأنّ كلّ مفتقر إلى الغير ممكن ..
    فلو كان الله تعالى حالّا في غيره لزم إمكانه ، فلا يكون واجبا ، وهذا خلف.
    وخالفت الصوفية من الجمهور في ذلك ، وجوّزوا عليه الحلول في أبدان العارفين ؛ تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
    فانظر إلى هؤلاء المشايخ الّذين يتبرّكون بمشاهدهم ، كيف اعتقادهم في ربّهم ، وتجويزهم عليه : تارة الحلول ، وأخرى الاتّحاد ، وعبادتهم الرقص والتصفيق والغناء ؟! وقد عاب الله على الجاهلية الكفّار في ذلك ، فقال عزّ من قائل : ( وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً )
    وأيّ تغفّل أبلغ من تغفّل من يتبرّك بمن يتعبّد الله بما عاب عليه الكفّار؟! ( فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ )
    ولقد شاهدت جماعة من الصوفية في حضرة مولانا الحسين صلوات الله عليه ، وقد صلّوا المغرب سوى شخص واحد منهم ، كان جالسا لم يصلّ ، ثمّ صلّوا بعد ساعة العشاء سوى ذلك الشخص ، فسألت بعضهم عن ترك صلاة ذلك الشخص ، فقال : وما حاجة هذا إلى الصلاة وقد وصل؟!
    أ يجوز أن يجعل بينه وبين الله حاجبا؟!
    فقلت : لا.
    فقال : الصلاة حاجب بين العبد والربّ!
    فانظر أيها العاقل إلى هؤلاء! وعقائدهم في الله تعالى كما تقدّم ، وعبادتهم ما سبق ، واعتذارهم في ترك الصلاة كما مرّ ، ومع ذلك فإنّهم عندهم الأبدال ، فهؤلاء أجهل الجهّال.


    قال الإمام الفضل بن روزبهان :

    مذهب الأشاعرة : أنّه تعالى لا يجوز أن يحلّ في غيره ؛ وذلك لأنّ الحلول هو الحصول على سبيل التبع ، وأنّه ينفي الوجوب الذاتي.
    وأيضا : لو استغنى عن المحلّ لذاته لم يحلّ فيه ، وإلّا لاحتاج إليه لذاته ، ولزم حينئذ قدم المحلّ ، فيلزم محالان معا .
    وأمّا ما ذكر أنّ الجمهور من الصوفية جوّزوا عليه الحلول ، فقد ذكرنا في الفصل السابق أنّه إن أراد بهذه الصوفية مشايخنا المحقّقين ، فإنّ اعتقاداتهم مشهورة ، ومن أراد الاطّلاع على حقائق عقائدهم فليطالع الكتب التي وضعوها لبيان الاعتقادات ..
    كالعقائد المنسوبة إلى سهل بن عبد الله التستري ..
    وكاعتقادات الشيخ أبي عبد الله محمّد بن الخفيف ، المشهور بالشيخ الكبير , وكاعتقادات الشيخ حارث بن أسد المحاسبي ..
    وكـ« التعرّف » للكلاباذي ..
    و« الرسالة » للقشيري ..
    وك « العقائد » للشيخ ضياء الدين أبي النجيب السهروردي ..
    [ وك « عوارف المعارف » للشيخ شهاب الدين أبي حفص عمر السهروردي ] ..
    ليظهر عليه عقائدهم المطابقة للكتاب والسنّة ، وما بالغوا فيه من نفي الحلول والاتّحاد.
    وأمّا ما ذكره من أنّ عبادتهم الرقص والتصفيق ، فو الله إنّه أراد أن يفضح فافتضح ، فإذا لم يكن المشايخ الصوفية من أهل العبادات ـ مع جهدهم في العبادة وتعمير الأوقات بوظائف الطاعات ، وترك اللذّات ، والإعراض عن المشتهيات ـ فمن هو قادر على أن يعدّ نفسه من أهل الطاعات بالنسبة إليهم؟!
    نعم ، هذا الرجل الطامّاتي الذي يصنّف الكتاب ، ويردّ على أهل الحقّ ، ويبالغ في إنكار العلماء والأولياء طلبا لرضا السلطان محمّد خدا بنده ليعطيه إدرارا ، ويفيض عليه مدرارا ، فله أن لا يستحسن عبادة المشايخ ، المعرضين عن الدنيا ، الزاهدين عن الشهوات ، القاطعين بادية الرياضات ، كما نقل أنّ أبا يزيد البسطامي ترك شرب الماء سنة تأديبا لنفسه ، حيث دعته نفسه إلى شيء من اللذّات
    شاهت وجوه المنكرين ، وكلّت ألسنتهم ، وعميت أبصارهم.
    وأمّا ما ذكر أنّ الله عاب على أهل الجاهلية بالتصدية ؛ فما أجهله بالتفسير ، وبأسباب نزول القرآن! وقد ذكر أنّ طائفة من جهلة قريش كانوا يؤذون رسول الله 6 بالمكاء والتصدية عند البيت ليوسوسوا عليه صلاته ، فأنزل الله هذه الآية.
    وقد أحلّ الله ورسوله اللهو في مواضع كثيرة ، منها : الختان والعرس والإملاك وأيّام العيد ؛ والسماع الذي يعتاده الصوفية مشروط بشرائط كلّها من الشرع ، ولهم فيها آداب وأحوال لا يعرفها الجاهل فيقع فيها.
    ثمّ ما نقل من قول واحد من القلندرية الفسقة ، الّذين يزورون مشهد مولانا الحسين بأيّام الموسم والزيارة ، وجعله مستندا للردّ على كبار المشايخ المحقّقين المشهورين .. فيا للعجب انسلّ إلى الناس من كلّ حدب من حال هذا الرجل الطامّاتي! أنّه لم ينظر إلى كتاب « عوارف المعارف » و« الرسالة القشيرية » ليعرف اهتمام القوم بمحافظة الصلوات ودقائق الآداب ، الذي لا يشقّ أحد من الفقهاء ـ من أهل جميع المذاهب ـ غبارهم في رعاية دقائق الآداب والخشوع والاهتمام بحفظها ومحافظتها ، ليعتقد في كمالاتهم ، ويجعل قول قلندري فاسق [ فسّيق ] سندا في جرحهم وإنكارهم.
    وهذا غاية التعصّب والخروج عن قواعد الإسلام ، نعوذ بالله من عقائده الفاسدة الكاسدة.




    تعليق

    • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
      طالب علم
      • Apr 2010
      • 760

      #17
      قال الحلي الإمامي :

      المبحث السابع
      في أنّه تعالى متكلّم
      وفيه مطالب :
      [ المطلب ] الأوّل
      في حقيقة الكلام
      الكلام عند العقلاء : عبارة عن المؤلّف من الحروف المسموعة.
      وأثبت الأشاعرة كلاما آخر نفسانيا ، مغايرا لهذه الحروف والأصوات ، ( وهذه الحروف والأصوات ) دالّة عليه
      وهذا غير معقول ، فإنّ كلّ عاقل إنّما يفهم من الكلام ما قلناه ..فأمّا ما ذهبوا إليه ، فإنّه غير معقول لهم ولغيرهم ألبتّة ، فكيف يجوز إثباته لله تعالى؟!
      وهل هذا إلّا جهل عظيم؟! لأنّ الضرورة قاضية بسبق التصوّر على التصديق.
      وإذ قد تمهّدت هذه المقدّمة ، فنقول : لا شكّ في أنّه تعالى متكلّم ، على معنى أنّه أوجد حروفا وأصواتا مسموعة ، قائمة بالأجسام الجمادية ، كما كلّم الله موسى من الشجرة ، فأوجد فيها الحروف والأصوات.
      والأشاعرة خالفوا عقولهم وعقول كافّة البشر ، فأثبتوا له تعالى كلاما لا يفهمونه هم ولا غيرهم.
      وإثبات مثل هذا الشيء والمكابرة عليه ـ مع إنّه غير متصوّر ألبتّة ، فضلا عن أن يكون مدلولا عليه ـ معلوم البطلان ؛ ومع ذلك ، فإنّه صادر منّا أو فينا [ عندهم ] ، ولا نعقله نحن ولا من ادّعى ثبوته!



      قال الإمام الفضل بن روزبهان :

      مذهب الأشاعرة : إنّه تعالى متكلّم ؛ والدليل عليه : إجماع الأنبياء : عليه ، فإنّه تواتر أنّهم كانوا يثبتون له الكلام ، ويقولون : إنّه تعالى أمر بكذا ، ونهى عن كذا ، وأخبر بكذا ؛ وكلّ ذلك من أقسام الكلام ، فثبت المدّعى
      ثمّ إنّ الكلام عندهم لفظ مشترك ، تارة يطلقونه على المؤلّف من الحروف المسموعة ، وتارة يطلقونه على المعنى القائم بالنفس ، الذي يعبّر عنه بالألفاظ ، ويقولون : هو الكلام حقيقة ، وهو قديم قائم بذاته [ تعالى ]
      ولا بدّ من إثبات هذا الكلام ، فإنّ العرف لا يفهمون من الكلام إلّا المؤلّف من الحروف والأصوات ..
      فنقول أوّلا : ليرجع الشخص إلى نفسه ، أنّه إذا أراد التكلّم بالكلام ، فهل يفهم من ذاته أنّه يزوّر ويرتّب معاني ، فيعزم على التكلّم بها؟ كما أنّ من أراد الدخول على السلطان أو العالم ، فإنّه يرتّب في نفسه معاني وأشياء ، ويقول في نفسه : سأتكلّم بهذا فالمنصف يجد من نفسه هذا ألبتّة ؛ فهذا هو الكلام النفسي.
      ثمّ نقول ـ على طريقة الدليل ـ : إنّ الألفاظ التي نتكلّم بها ، لها مدلولات قائمة بالنفس ، فنقول : هذه المدلولات هي الكلام النفسي.
      فإن قال الخصم : تلك المدلولات هي عبارة عن العلم بتلك المعاني.
      قلنا : هي غير العلم ؛ لأنّ من جملة الكلام الخبر ، وقد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه ، بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه ، فالخبر عن الشيء غير العلم به.
      فإن قال : هو الإرادة.
      قلنا : هو غير الإرادة ؛ لأنّ من جملة الكلام الأمر ، وقد يأمر الرجل بما لا يريده ، كالمختبر لعبده هل يطيعه أو لا ، فإنّ مقصوده مجرّد الاختبار دون الإتيان بالمأمور به ؛ وكالمعتذر من ضرب عبده بعصيانه ، فإنّه قد يأمره وهو يريد أن لا يفعل المأمور به ، ليظهر عذره عند من يلومه.
      واعترض عليه : بأنّ الموجود في هاتين الصورتين صيغة الأمر لا حقيقته ؛ إذ لا طلب فيهما أصلا ، كما لا إرادة قطعا.
      وأقول : لا نسلّم عدم الطلب فيهما ؛ لأنّ لفظ الأمر إذا وجد فقد وجد مدلوله عند المخاطب ، وهو الطلب.
      ثمّ إنّ في الصورتين لا بدّ من تحقّق الطلب من الآمر ؛ لأنّ اعتذاره واختباره موقوفان على أمرين : الطلب منه ، مع عدم الفعل من المأمور ؛ وكلاهما لا بدّ [ من ] أن يكونا محقّقين ليحصل الاعتذار والاختبار.
      قال صاحب « المواقف » هاهنا : « ولو قالت المعتزلة : إنّه ـ أي المعنى النفسي الذي يغاير العبارات في الخبر والأمر ـ هو إرادة فعل يصير سببا لاعتقاد المخاطب علم المتكلّم بما أخبر به ، أو يصير سببا لاعتقاده إرادته ـ أي إرادة المتكلّم ـ لما أمر به ، لم يكن بعيدا ؛ لأنّ إرادة فعل كذلك موجودة في الخبر والأمر ، ومغايرة لما يدلّ عليها من الأمور المتغيّرة والمختلفة ، وليس يتّجه عليه أنّ الرجل قد يخبر بما لا يعلم ، أو يأمر بما لا يريد ، وحينئذ لا يثبت معنى نفسي يدلّ عليه بالعبارات مغاير للإرادة كما تدّعيه الأشاعرة » هذا كلام صاحب « المواقف ».
      وأقول : من أخبر بما لا يعلمه ، قد يخبر ولا يخطر له إرادة شيء أصلا ، بل يصدر عنه الإخبار وهو يدلّ على مدلول ؛ هو الكلام النفسي ، من غير إرادة في ذلك الإخبار لشيء من الأشياء.
      وأمّا في الأمر ، وإن كان هذه الإرادة موجودة ، ولكن ظاهر أنّه ليس عين الطلب ، الذي هو مدلول الأمر ، بل شيء يلزم ذلك الطلب.
      فإذا تلك الإرادة مغايرة للمعنى النفسي ، الذي هو الطلب في هذا الأمر ، وهو المطلوب.
      ولمّا ثبت أنّ ها هنا صفة هي غير الإرادة والعلم ، فنقول : هو الكلام النفساني ؛ فإذا هو متصوّر عند العقل ، ظاهر لمن راجع وجدانه غاية الظهور ، فمن ادّعى بطلانه وعدم كونه متصوّرا ، فهو مبطل.
      وأمّا من ذهب إلى أنّ كلام الله تعالى هو أصوات وحروف يخلقها الله تعالى في غيره ، كاللوح المحفوظ ، أو جبرئيل ، أو النبيّ ، وهو حادث ..
      فيتّجه عليه : إنّ كلّ عاقل يعلم أنّ المتكلّم من قامت به صفة التكلّم ، وخالق الكلام لا يقال : إنّه متكلّم ، كما إنّ خالق الذوق لا يقال : إنّه ذائق.
      وهذا ظاهر البطلان عند من يعرف اللغة والصرف ، فضلا عن أهل التحقيق.
      نعم ، الأصوات والحروف دالّة على كلام الله تعالى ، ويطلق عليها « الكلام » أيضا ، ولكنّ « الكلام » في الحقيقة : هو ذلك المعنى النفسي كما أثبتناه.





      قال الحلي الإمامي :

      [ المطلب ] الثاني
      في أنّ كلامه تعالى متعدّد
      المعقول من الكلام ـ على ما تقدّم ـ أنّه الحروف والأصوات المسموعة ، وهذه الحروف المسموعة إنّما تلتئم كلاما مفهوما إذا كان الانتظام على أحد الوجوه التي يحصل بها الإفهام ، وذلك بأن يكون : خبرا ، أو أمرا ، أو نهيا ، أو استفهاما ، أو تنبيها ؛ وهو الشامل للتمنّي ، والترجّي ، والتعجّب ، والقسم ، والنداء ؛ ولا وجود له إلّا في هذه الجزئيات.
      والّذين أثبتوا قدم الكلام اختلفوا ، فذهب بعضهم إلى أنّ كلامه [ تعالى ] واحد مغاير لهذه المعاني ؛ وذهب آخرون : إلى تعدّده .
      والّذين أثبتوا وحدته خالفوا جميع العقلاء في إثبات شيء لا يتصوّرونه هم ولا خصومهم!
      ومن أثبت لله تعالى وصفا لا يعقله ولا يتصوّره هو ولا غيره ، كيف يجوز أن يجعل إماما يقتدى به ، ويناط به الأحكام؟!




      قال الإمام الفضل بن روزبهان :

      الأشاعرة لمّا أثبتوا الكلام النفساني جعلوه كسائر الصفات ، مثل :
      العلم والقدرة ، فكما إنّ القدرة صفة واحدة تتعلّق بمقدورات متعدّدة ، كذلك الكلام صفة واحدة تنقسم إلى الأمر والنهي والخبر والاستفهام والنداء.
      وهذا بحسب التعلّق ، فذلك الكلام الواحد باعتبار تعلّقه بشيء على وجه مخصوص يكون خبرا ، وباعتبار تعلّقه بشيء آخر [ أ ] وعلى وجه آخر يكون أمرا ، وكذا الحال في البواقي.
      وأمّا من جعل الكلام عبارة عن الحروف والأصوات ، فلا شكّ أنّه يكون متعدّدا عنده.
      فالنزاع بيننا وبين المعتزلة والإمامية في إثبات الكلام النفساني ، فإن ثبت ، فهو قديم واحد كسائر الصفات ؛ وإن انحصر الكلام في اللفظي ، فهو حادث متعدّد ؛ وقد أثبتنا الكلام النفسي ... ، فطامّات الرجل ليست إلّا التّرّهات.

      تعليق

      • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
        طالب علم
        • Apr 2010
        • 760

        #18
        قال الحلي الإمامي :

        المطلب الثالث
        في حدوثه
        العقل والسمع متطابقان على إنّ كلامه تعالى محدث ليس بأزلي ؛ لأنّه مركّب من الحروف والأصوات ، ويمتنع اجتماع حرفين في السماع دفعة واحدة ، فلابدّ أن يكون أحدهما سابقا على الآخر ، والمسبوق حادث بالضرورة ، والسابق على الحادث بزمان متناه حادث بالضرورة ، وقد قال الله تعالى : ( ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ )
        وخالفت الأشاعرة جميع العقلاء في ذلك ، فجعلوا كلامه تعالى قديما لم يزل معه ، وأنّه تعالى في الأزل يخاطب العقلاء المعدومين!
        وإثبات ذلك في غاية السفه والنقص في حقّه تعالى ، فإنّ الواحد منّا لو جلس في بيت وحده منفردا وقال : يا سالم قم ، ويا غانم اضرب ، ويا سعد كل ، ولا أحد عنده من هؤلاء ، عدّه كلّ عاقل سفيها جاهلا عادما للتحصيل ، فكيف يجوز منهم نسبة هذا الفعل الدالّ على السفه والجهل والحمق إليه تعالى؟!
        وكيف يصحّ منه تعالى أن يقول في الأزل : ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) ولا مخاطب هناك ، ولا ناس عنده؟!
        [ ويقول : ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ) ] ويقول : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) [ و ] ( أَقِيمُوا الصَّلاةَ ) و ( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ ) و ( لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ ) و ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) !
        وأيضا : لو كان كلامه قديما لزم صدور القبيح منه تعالى ؛ لأنّه إن لم يفد بكلامه في الأزل [ شيئا ] كان سفها ، وهو قبيح عليه [ تعالى ] ، وإن أفاد فإمّا لنفسه ، أو لغيره ..
        والأوّل باطل ؛ لأنّ المخاطب إنّما يفيد نفسه لو كان يطرب في كلامه ، أو يكرّره ليحفظه ، أو يتعبّد به كما يتعبّد الله بقراءة القرآن ؛ وهذه في حقّه محال لتنزّهه عنها.
        والثاني باطل ؛ لأنّ إفادة الغير إنّما تصحّ لو خاطب غيره ليفهمه مراده ، أو يأمره بفعل ، أو ينهاه عن فعل.
        ولمّا لم يكن في الأزل من يفيده بكلامه شيئا من هذه ، كان كلامه سفها وعبثا!
        وأيضا : يلزم الكذب في إخباره تعالى ؛ لأنّه قال في الأزل :
        ( إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً ) [ و ] ( إِنَّا ... أَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ ) و ( أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ ) و ( ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ) ، مع إنّ هذه إخبارات عن الماضي ، والإخبار عن وقوع ما لم يقع في الماضي كذب ؛ تعالى الله عنه.
        وأيضا : قال الله تعالى : ( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) ، وهو إخبار عن المستقبل ، فيكون حادثا.




        قال الإمام الفضل بن روزبهان :

        قد سبق الإشارة إلى أنّ النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة ومن تابعهم من الإمامية في إثبات الكلام النفساني
        فمن قال بثبوته ، فلا شكّ أنّه يقول بقدمه ؛ لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى.
        ومن قال بأنّه مركّب من الحروف والأصوات ، فلا شكّ أنّه يقول بحدوثه ، ونحن نوافقه فيه.
        فكلّ ما أورده على الأشاعرة ، فهو إيراد على غير محلّ النزاع ؛ لأنّه يقول : إنّ الكلام مركّب من الحروف ، ثمّ يقول بحدوثه ؛ وهذا ممّا لا نزاع فيه.
        نعم ، لو قال بإثبات الكلام النفساني ثمّ يثبت حدوثه يكون محلّ النزاع.
        وأمّا ما استدلّ به على الحدوث من قوله تعالى : ( ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ) ، فهو يدلّ على حدوث اللفظ ، ولا نزاع فيه.
        وأمّا الاستدلال بأنّ الأمر والخبر في الأزل ولا مأمور ولا سامع ، فيه سفه ـ كما ذكره في طامّاته ـ ..
        فالجواب أنّ ذلك السفه الذي ادّعيتموه إنّما هو في اللفظ ، وأمّا كلام النفس فلا سفه فيه ، ومثاله ـ على وفق ما ذكر ـ أنّ الواحد منّا لو جلس في بيت وحده منفردا ، ورتّب في نفسه أنواع الأوامر لجماعة سيأتون عنده ، ولا يتلفّظ به ، فلا يكون سفها ولا حماقة ، بل السفيه من نسبه إلى السفه.
        فالكلام النفسي : هو المعنى القائم بذات الله تعالى في الأزل ، ولا تلفّظ بذلك الكلام ، بل هو لجماعة سيحدثون ، ويكون التلفّظ به بعد حدوثهم وحدوث أفعالهم التي تقتضي الأمر والنهي والإخبار والاستفهام ، فلاسفه ولا حماقة كما ادّعاه.
        وبهذا الجواب ـ أيضا ـ يندفع ما ذكره من لزوم صدور القبيح من الله تعالى ؛ لأنّ ذلك في التلفّظ بالكلام النفسي ، ونحن نسلّم أن لا تلفّظ في الأزل ، بل هناك معان قائمة بذات الله تعالى ، قديمة.
        وأيضا : يندفع ما ذكره من لزوم الكذب ؛ لأنّ الصدق والكذب صنفان للكلام الذي يتلفّظ به ، لا المعاني المزوّرة في النفس ، المقولة بعد هذا لمن سيحدث.
        وأمّا الاستدلال على حدوث الكلام بقوله تعالى : ( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) لأنّه إخبار عن المستقبل فيكون حادثا ...
        فالجواب عنه أنّ لفظ ( كُنْ ) حادث ، ولا نزاع لنا فيه.
        إنّما النزاع في المعنى الأزلي النفساني ، ولا يلزم من كون مدلول [ لفظة ] ( كُنْ ) في ذات الله تعالى : حدوثه

        تعليق

        • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
          طالب علم
          • Apr 2010
          • 760

          #19
          قال الحلي الإمامي :

          المطلب الرابع
          في استلزام الأمر والنهي : الإرادة والكراهة
          كلّ عاقل يريد من غيره شيئا على سبيل الجزم فإنّه يأمره به ، وإذا كره الفعل فإنّه ينهى عنه.
          وإنّ الأمر والنهي دليلان على الإرادة والكراهة.
          وخالفت الأشاعرة جميع العقلاء في ذلك ، وقالوا : إنّ الله تعالى يأمر دائما بما لا يريده ، بل بما يكرهه ، وإنّه ينهى عمّا لا يكرهه ، بل عمّا يريده !
          وكلّ عاقل ينسب من يفعل هذا إلى السفه والجهل ، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.



          قال الفضل بن روزبهان :

          مذهب الأشاعرة : إنّ الله تعالى مريد لجميع الكائنات ، غير مريد لما لا يكون ، فكلّ كائن مراد له ، وما ليس بكائن ليس بمراد له
          ومذهب المعتزلة ومن تبعهم من الإمامية : إنّه تعالى مريد للمأمور به ، كاره للمعاصي والكفر
          ودليل الأشاعرة : إنّه تعالى خالق الأشياء كلّها ، وخالق الشيء بلا إكراه مريد له بالضرورة ، والصفة المرجّحة لأحد المقدورين هو الإرادة ، ولا بدّ منها.
          فإذا ثبت أنّه مريد لجميع الكائنات.
          وأمّا المعتزلة ، فإنّهم لمّا ذهبوا إلى أنّ أفعال العباد مخلوقة لهم ، وأثبتوا في الوجود تعدّد الخالق ، يلزمهم نفي الإرادة العامّة ، فالله تعالى عندهم يريد الطاعات ويكره المعاصي ، فيأمر بالطاعات وينهى عن المعاصي لأنّها ليست من خلقه.
          وعند الأشاعرة : إنّه تعالى يريد الطاعات ويأمر بها ـ وهذا ظاهر ـ ،ويريد المعاصي وينهى عنها
          والأمر غير الإرادة ـ كما مرّ في الفصل السابق ـ ، وليس المراد من الإرادة الرضا والاستحسان ..
          فقوله : إنّ الأشاعرة يقولون : « إنّ الله تعالى يأمر بما لا يريده » أراد به أنّ الله تعالى يأمر بإيمان الكافر ولا يريده.
          فالمحذور الذي ذكره من مخالفة العقلاء ناشئ من عدم تحقّق معنى الإرادة ..
          فإنّ المراد بالإرادة هاهنا هو التقدير والترجيح في الخلق ، لا الرضا والاستحسان كما هو المتبادر ، فذهب إلى اعتبار معنى الإرادة بحسب العرف.
          وإذا تحقّقت معنى الإرادة علمت مراد الأشاعرة ، وأنّه لا نسبة للجهل والسفه إلى الله ، تعالى عن ذلك كما ذكره.






          قال الحلي الإمامي:

          المطلب الخامس
          في أنّ كلامه تعالى صدق
          إعلم أنّ الحكم بكون كلام الله صادقا لا يجوز عليه الكذب ، إنّما يتمّ على قواعد العدلية ، الّذين أحالوا صدور القبيح عنه تعالى من حيث الحكمة.
          ولا يتمشّى على مذهب الأشاعرة لوجهين :
          الأوّل : إنّهم أسندوا جميع القبائح إليه تعالى ، وقالوا : لا مؤثّر في الوجود ـ من القبائح بأسرها ، وغيرها ـ إلّا الله تعالى ، ومن يفعل أنواع [ الشرك و ] الظلم والجور والعدوان وأنواع المعاصي [ وإلقبائح المنسوبة إلى البشر ] كيف يمتنع أن يكذب في كلامه؟! وكيف يقدر الباحث على إثبات وجوب كونه صادقا؟!
          الثاني : إنّ الكلام النفساني عندهم مغاير للحروف والأصوات ولا طريق لهم إلى إثبات كونه تعالى صادقا في الحروف والأصوات!



          قال الفضل بن روزبهان :

          مذهب الأشاعرة : إنّه تعالى يمتنع عليه الكذب ، ووافقهم المعتزلة في ذلك ..
          أمّا عند الأشاعرة : فلأنّه نقص ، والنقص على الله تعالى محال ..
          وأمّا عند المعتزلة : فلأنّ الكذب قبيح ، وهو سبحانه لا يفعل القبيح
          وقال صاحب « المواقف » : إعلم أنّه لم يظهر لي فرق بين النقص في الفعل وبين القبح العقلي فيه ، فإنّ النقص في الأفعال هو القبح العقلي بعينه فيها ، وإنّما تختلف العبارة
          أقول :
          الفرق أنّ النقص هنا يراد به النقص في الصفات ، فإنّه على تقدير جواز الكذب عليه تتّصف ذاته بصفة النقص ، وهم لم يقولوا هاهنا بالنقص في الأفعال ؛ حتّى لا يكون فرقا بينه وبين القبح العقلي كما ذكره صاحب « المواقف ».
          فحاصل استدلال الأشاعرة : إنّه تعالى لو كان كاذبا لكان ناقصا في صفته .. كما إنّهم يقولون : لو كان عاجزا أو جاهلا ، لكان ناقصا في صفته.
          ولم يعتبروا ما يلزم ذلك النقص من القبح الذي يقول به المعتزلة.
          فتأمّل ، والفرق دقيق!
          ثمّ إنّ ما ذكره من أنّ عدم جواز الكذب عليه لا يتمشّى على قواعد الأشاعرة ، فهذا كلام باطل عار عن التأمّل!
          فإنّ القول بأن لا مؤثّر في الوجود إلّا الله ، لا يستلزم إسناد القبائح إليه ؛ لأنّ فعل القبائح من مباشرة العبد ، فهو غير مستند إلى الخالق.
          ثمّ من خلق القبائح فلا بدّ أن يكذب ، ولا يجوز أن يكون صادقا.
          هذا غاية الجهل والعناد والخروج عن قاعدة البحث ، بحيث لو نسب هذا الكلام إلى العوامّ استنكفوا منه.
          وأمّا ثاني الاستدلالين على عدم التمشّي ؛ فهو أيضا باطل صريح ، فإنّ من قال : امتنع الكذب عليه للزوم النقص ، فهذا الكذب يتعلّق بالدالّ على المعنى النفساني ، وهو أيضا نقص ، فكيف لا يتمشّى؟!


          تعليق

          • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
            طالب علم
            • Apr 2010
            • 760

            #20
            قال الحلي الإمامي :

            المبحث الثامن
            في أنّه تعالى لا يشاركه شيء في القدم
            العقل والسمع متطابقان على إنّه تعالى مخصوص بالقدم ، وإنّه ليس في الأزل سواه ؛ لأنّ كلّ ما عداه سبحانه [ وتعالى ] ممكن ، وكلّ ممكن حادث
            وقال تعالى : ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ )
            وأثبت الأشاعرة معه معاني قديمة ثمانية ، هي علل في الصفات : كالقدرة والعلم والحياة .. إلى غير ذلك
            ولزمهم من ذلك محالات :
            منها : إثبات قديم غير الله تعالى .. قال فخر الدين الرازي : النصارى كفروا بأنّهم أثبتوا ثلاثة قدماء ، وأصحابنا قد أثبتوا تسعة
            ومنها : إنّه يلزمهم افتقار الله تعالى ـ في كونه عالما ـ إلى إثبات معنى ، هو : العلم ، ولولاه لم يكن عالما ، وافتقاره في كونه تعالى قادرا إلى القدرة ، ولولاها لم يكن قادرا ؛ وكذلك باقي الصفات.
            والله تعالى منزّه عن الحاجة والافتقار ؛ لأنّ كلّ مفتقر إلى الغير فهو ممكن.
            ومنها : إنّه يلزم إثبات ما لا نهاية له من المعاني القائمة بذاته تعالى ، وهو محال.
            بيان الملازمة : إنّ العلم بالشيء مغاير للعلم بما عداه ، فإنّ من شرط العلم : المطابقة ؛ ومحال أن يطابق الشيء الواحد أمورا متغايرة متخالفة في الذات والحقيقة.
            لكنّ المعلومات غير متناهية ، فيكون له علوم غير متناهية ، لا مرّة واحدة ، بل مرارا غير متناهية ، باعتبار كلّ علم يفرض في كلّ مرتبة من المراتب الغير المتناهية ؛ لأنّ العلم بالشيء مغاير للعلم بالعلم بذلك الشيء.

            ثمّ العلم بالعلم بالشيء مغاير للعلم بالعلم بالعلم بذلك الشيء ..
            وهكذا إلى ما لا يتناهى ، وفي كلّ واحدة من هذه المراتب علوم غير متناهية.
            وهذا عين السفسطة لعدم تعقّله بالمرّة.
            ومنها : إنّه تعالى لو كان موصوفا بهذه الصفات ، وكانت قائمة بذاته تعالى ، كانت حقيقة الإلهية مركّبة ، وكلّ مركّب محتاج إلى جزئه ، وجزؤه غيره ، فيكون الله تعالى محتاجا إلى غيره ، فيكون ممكنا.
            وإلى هذا أشار مولانا أمير المؤمنين 7 حيث قال : « أوّل الدّين معرفته ، وكمال معرفته التّصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصّفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وصف الله [ سبحانه ] فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّأه ، ومن جزّأه فقد جهله »
            ومنها : إنّهم ارتكبوا هنا ما هو معلوم البطلان ، وهو أنّهم قالوا : إنّ هذه المعاني لا هي نفس الذات ، ولا مغايرة لها
            وهذا غير معقول! لأنّ الشيء إذا نسب إلى آخر ، فإمّا أن يكون هو هو ، أو غيره ، ولا يعقل سلبهما معا!




            قال الفضل بن روزبهان :

            مذهب الأشاعرة : إنّه تعالى له صفات موجودة قديمة زائدة على ذاته ، فهو عالم بعلم ، وقادر بقدرة ، ومريد بإرادة .. وعلى هذا القياس
            والدليل عليه : إنّنا نفهم الصفات الإلهية من صفات الشاهد ، وكون علّة الشيء عالما ـ في الشاهد ـ هي العلم ؛ فكذا في الغائب.
            وحدّ العالم ـ هاهنا ـ من قام به العلم ، فكذا حدّه هناك ، وشرط صدق المشتقّ على واحد منّا : ثبوت أصله ؛ فكذا [ شرط ] في ماغاب عنّا ، وكذا القياس في باقي الصفات.
            ثمّ نأخذ هذا من عرف اللغة وإطلاقات العرف ، فإنّ العالم لا شكّ أنّه من يقوم به العلم ، ولو قلنا بنفي الصفات لكذّبنا نصوص الكتاب والسنّة ، فإنّ الله تعالى في كتابه أثبت الصفات [ لنفسه ، كقوله تعالى : ( وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ ) ..
            فإذا ثبت في النصوص إثبات الصفات ] له ، فلا بدّ لنا من الإثبات من غير تأويل ، فإنّ الاضطرار إلى التأويل إنّما يكون بعد العجز عن الإجراء على حسب الواقع ؛ وذلك لدلالة الدلائل العقلية على امتناع إجرائه على حسب ظاهره ، وها هنا ليس كذلك ، فوجب الإجراء على الظاهر من غير تأويل.
            وعندي : إنّ هذا هو العمدة في إثبات الصفات الزائدة ، فإنّ الاستدلالات العقليّة على إثباتها مدخولة ، والله أعلم.
            ثمّ ما استدلّ به هذا الرجل ـ على نفي الصفات الزائدة ـ من الوجوه ، فكلّها مجاب :
            الأوّل : استدلاله بأنّ كلّ ما عداه ممكن ، وكلّ ممكن حادث.
            فنقول : سلّمنا أنّ كلّ ما عداه ممكن ، ولكن نقول في المقدّمة الثانية :
            إنّ كلّ ممكن ممّا عدا صفاته فهو حادث ؛ لأنّ صفاته لا هو ولا غيره ، كما سنبيّن بعد هذا.
            الثاني : الاستدلال بلزوم إثبات قديم غير الله تعالى ، وإثبات القدماء كفر ، وبه كفرت النصارى.
            الجواب : إنّ الكفر إثبات ذوات قديمة ، لا إثبات ذات وصفات قدماء ، هي ليست غير الذات مباينة كلّية ، مثلا : علم زيد ليس غير زيد بالكلّية ، فلو كان علم زيد قديما فرضا مثل زيد ، فأيّ نقص يعرض من هذا لزيد إذا كان متّصفا بالقدم؟! لأنّ علمه ليس غيره بالكلّية ، بل هو من صفات كماله.
            الثالث : الاستدلال بلزوم افتقار الله تعالى في كونه عالما إلى إثبات معنى هو العلم ، ولولاه لم يكن عالما ، وكذا في باقي الصفات.
            والجواب : إن أردتم باستكماله بالغير ثبوت صفات الكمال الزائدة على ذاته لذاته ، فهو جائز عندنا ، وليس فيه نقص ، وهو المتنازع فيه.
            وإن أردتم به غيره ، فصوّروه أوّلا حتّى تفهموه، ثمّ تثبّتوا لزومه لما ادّعينا.
            والحاصل : إنّ المحال هو استفادته صفة كمال من غيره ، لا اتّصافه لذاته بصفة كمال هي غيره ؛ واللازم من مذهبنا هو الثاني لا الأوّل
            الرابع : الاستدلال بلزوم إثبات ما لا نهاية له من المعاني القديمة بذاته تعالى ؛ وذلك لأنّ العلم بالشيء مغاير للعلم بما عداه .. إلى آخر الدليل.
            والجواب : إنّ العلم صفة واحدة قائمة بذاته تعالى ، ويتعدّد بحسب التعلّق بالمعلومات الغير المتناهية ، فله بحسب كلّ معلوم تعلّق ، فكما يتصوّر أن تكون المعلومات غير متناهية ، كذلك يجوز أن تكون تعلّقات العلم ـ الذي هو صفة واحدة ـ غير متناهية بحسب المعلومات ، وليس يلزم منه محال ، ولا يلزم التسلسل المحال ؛ لفقدان شرط ( الترتّب في ) الوجود
            الخامس : الاستدلال بأنّه لو كان موصوفا بهذه الصفات ، لزم كون الحقيقة الإلهية مركّبة ، ويلزم منه الاحتياج.
            والجواب : إنّ المراد بالحقيقة الإلهية إن كان الذات ، فلا يلزم من إثبات الصفات الزائدة تركّب في الذات.
            وإن كان المراد أنّ هناك ذاتا وصفات متعدّدة قائمة بتلك الذات ، فليس إلّا ملاحظة الموصوف مع الصفات.
            ثمّ إنّ احتياج الواجب إلى ما هو غيره يوجب الإمكان كما قدّمنا.
            وأمّا ما استدلّ به من كلام أمير المؤمنين 7 ، فالمراد من نفي الصفات يمكن أن يكون صفات تكون هي غير الذات بالكلّية ، وليس ها هنا كذلك.
            السادس : الاستدلال بلزوم ارتكاب ما هو معلوم البطلان ها هنا ...
            وهو أنّ هذه المعاني لا هي عين الذات ، ولا غيرها ؛ وهذا غير معقول.
            والجواب : إنّ المراد بعدم كون الصفات عين الذات ، أنّها مغايرة للذات في الوجود ؛ وكونها غير مغايرة لها ، أنّها صفات للذات ، فليس بينهما مغايرة كلّية بحيث يصحّ إطلاق كونها مغايرة للذات بالكلّية ، كما يقال : إنّ علم زيد ليس عين زيد ؛ لأنّه صفة له ، وليس غيره بالكلّية ؛ لأنّه قائم به ، وهذه الواسطة على هذا المعنى صحيحة ؛ لأنّ سلب العينيّة باعتبار ، وسلب الغيرية باعتبار آخر ، فكلا السلبين يمكن تحقّقهما معا.







            قال الحلي الإمامي :

            المبحث التاسع
            في البقاء
            وفيه مطلبان :
            [ المطلب الأوّل
            إنّه ليس زائدا على الذات
            وذهب الأشاعرة إلى أنّ الباقي إنّما يبقى ببقاء زائد على ذاته ، وهو عرض قائم بالباقي ، وأنّ الله تعالى باق ببقاء قائم بذاته
            ولزمهم من ذلك المحال ـ الذي تجزم الضرورة ببطلانه ـ من وجوه :
            الأوّل : إنّ البقاء إن عني به الاستمرار ، لزمهم اتّصاف العدم بالصفة الثبوتية ؛ وهو محال بالضرورة.
            بيان الملازمة : إنّ الاستمرار كما يتحقّق في جانب الوجود ، كذا يتحقّق في جانب العدم ؛ لإمكان تقسيم المستمرّ إليهما ، ومورد القسمة مشترك ؛ ولأنّ معنى الاستمرار كون الأمر في أحد الزمانين كما كان في الزمان الآخر.
            وإن عني به صفة زائدة على الاستمرار ، فإن احتاج كلّ منهما إلى صاحبه ؛ دار ..
            وإن لم يحتج أحدهما إلى الآخر ، أمكن تحقّق كلّ منهما بدون صاحبه ، فيوجد بقاء من غير استمرار وبالعكس ؛ وهو باطل بالضرورة ..
            وإن احتاج أحدهما [ إلى صاحبه ] خاصة ، انفكّ الآخر عنه ؛ وهو ضروري البطلان.
            الثاني : إنّ وجود الجوهر في الزمان الثاني لو احتاج إلى البقاء لزم الدور ؛ لأنّ البقاء عرض يحتاج في وجوده إلى الجوهر ..
            فإن احتاج إلى وجود هذا الجوهر ـ الذي فرض باقيا ـ كان كلّ من البقاء ووجود الجوهر محتاجا إلى صاحبه ؛ وهو عين الدور المحال.
            وإن احتاج إلى وجود جوهر غيره ، لزم قيام الصفة بغير الموصوف ؛ وهو غير معقول.
            أجابوا بمنع احتياج البقاء إلى الجوهر ، فجاز أن يقوم بذاته لا في محلّ ، ويقتضي وجود الجوهر في الزمان الثاني ، وهو خطأ ؛ لأنّه يقتضي قيام البقاء بذاته فيكون جوهرا [ مجرّدا ] ، والبقاء لا يعقل إلّا عرضا قائما بغيره.
            وأيضا : يلزم أن يكون هو بالذاتية أولى من الذات ، وتكون الذات بالوصفيّة أولى منه ؛ لأنّه مجرّد مستغن عن الذات ، والذات محتاجة إليه ..
            والمحتاج أولى بالوصفيّة من المستغني ، والمستغني أولى بالذاتية من المحتاج ؛ ولأنّه يقتضي بقاء جميع الأشياء ؛ لعدم اختصاصه بذات دون أخرى.
            الثالث : إنّ وجود الجوهر في الزمان الثاني هو عين وجوده في الزمان الأوّل ، ولمّا كان وجوده في الزمان الأوّل غنيا عن هذا البقاء ، كان وجوده في الزمان الثاني كذلك ؛ لامتناع كون بعض أفراد الطبيعة محتاجا بذاته إلى شيء وبعض أفرادها غنيا عنه




            قال الإمام الفضل بن روزبهان :

            اتّفق المتكلّمون على إنّه تعالى باق ، لكن اختلفوا في كونه صفة ثبوتيّة زائدة أو لا؟
            فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري وأتباعه ، وجمهور معتزلة بغداد إلى أنّه صفة ثبوتية زائدة على الوجود ، إذ الوجود متحقّق دونه [ أي دون البقاء ] كما في أوّل الحدوث ، بل يتجدّد بعده صفة هي البقاء
            ونفى كون البقاء صفة موجودة زائدة كثير من الأشاعرة ، كالقاضي أبي بكر ، وإمام الحرمين ، والإمام الرازي ، وجمهور معتزلة البصرة ، وقالوا : البقاء هو نفس الوجود في الزمان الثاني ، لا أمر زائد عليه .
            ونحن ندفع ما أورده هذا الرجل على مذهب الشيخ الأشعري ، فنقول : أورد عليه ثلاث إيرادات :
            الأوّل : إنّ البقاء إن عني به الاستمرار ، لزم اتّصاف العدم بالصفة الثبوتية ... إلى آخر الدليل.
            والجواب : إنّ البقاء عني به استمرار الوجود ، لا الاستمرار المطلق حتّى يلزم اتّصاف العدم بالصفة الثبوتية ، فاندفع ما قال.
            الثاني : إنّ وجود الجوهر في الزمان الثاني لو احتاج إلى البقاء لزم الدور ...
            ثمّ ذكر أنّ الأشاعرة أجابوا بمنع احتياج البقاء إلى الجوهر ، ورتّب عليه أنّه حينئذ جاز أن يقوم بذاته لا في محلّ ...
            وهذا الجواب افتراء عليهم!
            بل أجابوا بمنع احتياج الذات إليه ، وما قيل [ من ] أنّ وجوده في الزمان الثاني معلّل به ، ممنوع ؛ غاية ما في الباب أنّ وجوده فيه لا يكون إلّا مع البقاء ، وذلك لا يوجب أن يكون البقاء علّة لوجوده فيه ، إذ يجوز أن يكون تحقّقهما معا على سبيل الاتّفاق
            فاندفع كلّ ما ذكر من المحذور.
            الثالث : إنّ وجود الجوهر في الزمان الثاني هو عين وجوده في الزمان الأوّل ، ولمّا كان وجوده في الزمان الأوّل غنيا ، كان في الثاني كذلك.
            والجواب : إنّ جميع أفراد الوجود محتاج إلى البقاء في الزمان الثاني ، غنيّ عنه في الزمان الأوّل ، فلا يختلف أفراد الطبيعة في الاحتياج والغنى الذاتيّين ..
            وهو حسب أنّ الوجود في الزمان الأوّل فرد ، وفي الزمان الثاني فرد آخر ، وهذا غاية جهله وعدم تدرّبه في شيء من المعقولات!





            تعليق

            • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
              طالب علم
              • Apr 2010
              • 760

              #21
              قال الحلي الإمامي:
              المطلب الثاني
              في أنّ الله تعالى باق لذاته
              الحقّ ذلك ؛ لأنّه لو احتاج في بقائه إلى غيره كان ممكنا ، فلا يكون واجبا ؛ للتنافي الضروري بين الواجب والممكن.
              وخالفت الأشاعرة في ذلك ، وذهبوا إلى أنّه تعالى باق بالبقاء
              وهو خطأ لما تقدّم ؛ ولأنّ البقاء إن قام بذاته تعالى لزم تكثّره واحتياج البقاء إلى ذاته تعالى ، مع إنّ ذاته محتاجة إلى البقاء ، فيدور.
              وإن قام بغيره كان وصف الشيء حالّا في غيره ؛ ولأنّ غيره محدث.
              وإن قام البقاء بذاته كان مجرّدا.
              وأيضا : بقاؤه تعالى باق لامتناع تطرّق العدم إلى صفاته تعالى ؛ ولأنّه يلزم أن يكون محلّا للحوادث ، فيكون له بقاء آخر ، ويتسلسل. وأيضا : صفاته تعالى باقية ، فلو بقيت بالبقاء لزم قيام المعنى بالمعنى.


              قال الإمام الفضل بن روزبهان :

              قد عرفت في ما سبق أكثر أجوبة ما ذكره في هذا الفصل ..
              قوله : « لو احتاج في بقائه إلى غيره كان ممكنا ».
              قلنا : الاحتياج إلى الغير الذي لم يكن من ذاته يوجب الإمكان ، ومن كان صفاته من ذاته لم يكن ممكنا.
              قوله : « ولأنّ البقاء إن قام بذاته لزم تكثّره ».
              قلنا : لا يلزم التكثّر ؛ لأنّ الصفات الزائدة ليست غيره مغايرة كلّيّة.
              قوله : « احتاج البقاء إلى ذاته ، وذاته محتاجة إلى البقاء ، فيلزم الدور ».
              قلنا : مندفع بعدم احتياج الذات إلى البقاء ، بل هما متحقّقان معا كما سبق (2) ، فهو قائم بذاته من غير احتياج الذات إليه ، بل هما متحقّقان معا.
              قوله : « بقاؤه باق ».
              قلنا : مسلّم ، فالبقاء موصوف ببقاء هو عين ذلك البقاء ، كاتّصاف الوجود بالوجود.
              قوله : « ولأنّه يلزم أن يكون محلّا للحوادث ».
              قلنا : ممنوع ؛ لأنّا قائلون بقدمه.
              قوله : « يكون له بقاء آخر ، ويتسلسل ».
              قلنا : مندفع بما سبق من أنّ بقاء البقاء نفس البقاء.
              قوله : « صفاته تعالى باقية ، فلو بقيت بالبقاء لزم قيام المعنى بالمعنى ».
              قلنا : قد سبق أنّ الصفات ليست مغايرة للذات بالكلّيّة ، فيمكن أن يكون البقاء صفة للذات ، وتبقى الصفات ببقاء الذات ، فلا يلزم قيام المعنى بالمعنى.


              تعليق

              يعمل...