الحوار الصوفى السلفى: موجباته وموجهاته(1)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبرى محمد خليل خيرى
    طالب علم
    • Jan 2010
    • 416

    #1

    الحوار الصوفى السلفى: موجباته وموجهاته(1)

    الحوار الصوفى السلفى: موجباته وموجهاته(1)
    د.صبرى محمد خليل /استاذ بجامعه الخرطوم/ تخصص فلسفه القيم الاسلاميه
    sabri.khalil@hotmail.com
    الحوار وموجباته: الحوار لغة من المُحاورة ؛ وهي المُراجعة في الكلام،وفى المختار من الصحاح : المحاورة : المجاوبة، وقد يستعمل لفظى الحوار والجدال للدلاله على ذات المعنى، وقد اجتمع اللفظان في قوله تعالى : { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } (المجادلة:1).والحوارهو احد المناهج الاساسيه التى استخدمها الاسلام كدين، لذا نجد ان القران الكريم يتضمن الكثير من المحاورات(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [المجادلة: 1].(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [البقرة: 258]. (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [إبراهيم: 10]. و هناك شكلين من اشكال الحوار:اولا:الحوار الخارجى،اى الحوار بين المسلمين وغير المسلمين ،ومن موجباته دعوه غير المسلمين الى الاسلام.ثانيا: الحوار الداخلي،اى الحوار بين المسلمين،ومن موجباته تحقيق الوحدة الاسلاميه"التكليفيه" (التي هى شرط للوحده الاسلاميه التكوينية)، يقول ابن تيميَّة( وقد أمر الله تعالى المؤمنين بالاجتِماع والائتلاف، ونَهاهم عن الافتراق والاختلاف، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 102 - 103]، إلى قوله: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ [آل عمران: 106]( مجموع فتاوى ابن تيميَّة" 22/ 251)،ومضمون هذه وحدة الاتفاق على أصول الدين اليقينية الورود القطعية الدلالة،مع تضييق نطاق الاختلاف في فروعه الظنية الورود والدلالة ما امكن ، اذا هذا الشكل من اشكال الحوار يهدف الى اقرار التعدد والاختلاف المذهبى على مستوى الفروع، لكن دون ان بمس هذا التعدد والاختلاف وحده الامه، فهو يدعو اصحاب المذاهب المختلفه الى ما هو مشترك فى الاسلام كدين، حتى وان لم يتخلوا عن مذاهبهم ، وفى هذه الحياة المشتركة يكون الحوار حول اى الأقوال اصح ، دون أن يمس أو يهدد الحوار هذه الحياة المشتركة,ومن اشكال هذ الحوارالداخلى الحوار الصوفى السلفى.
    موجهات الحوار:وهناك العديد من الموجهات التى ينبغى ان تضبط هذا الحوار، لكى ينجح فى تحقيق غايته وهى الوحده ،ويمكن تقسيمها الى نوعين:
    اولا: الموجهات النافيه:
    النهى عن التعصب المذهبي: من هذه الموجهات النهى عن التعصب المذهبي الذى ذمه علماء أهل السنة،يقول ابن تيميَّة( ومن تعصَّب لواحدٍ بعينه من الأئمَّة دون الباقين، فهو بِمَنْزلة مَن تعصَّب لواحدٍ بعينه من الصحابة دون الباقين، كالرافضيِّ الذي يتعصَّب لعليٍّ دون الخلفاء الثلاثة، وجمهور الصحابة، وكالخارجيِّ الذي يَقْدح في عثمانَ وعليٍّ - رضي الله عنهما - فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسُّنة والإجماعِ أنَّهم مذمومون خارجون عن الشَّريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسولَه، فمن تعصَّب لواحدٍ من الأئمة بعينه ففيه شَبهٌ من هؤلاء، سواءٌ تعصَّب لمالكٍ أو الشافعي أو أبي حنيفة أو أحمد، أو غيرهم. )(مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 22/ 252 254)..ويقول ابن القيِّم( وأما المتعصِّب الذي جعل قولَ متبوعه عيارًا على الكتاب والسُّنة وأقوالِ الصحابة، يزِنُها به، فما وافق قول متبوعه منها قبِلَه، وما خالفه ردَّه، فهذا إلى الذمِّ والعقاب أقرب منه إلى الأجر والصَّواب؛ وإن قال - وهو الواقع -: اتَّبعته وقلَّدته، ولا أدري أعلى صوابٍ هو أم لا؟ فالعُهْدة على القائل، وأنا حاكٍ لأقواله، قيل له: فهل تتخلَّص بهذا من الله عند السُّؤال لك عمَّا حكمت به بين عباد الله، وأفتيتهم به؟ فوالله إن للحُكَّام والمفتين لموقفًا للسؤال لا يتخلص فيه إلاَّ مَن عرف الحق، وحكم به، وأفتى به، وأما من عداهما فسيَعلم عند انكشاف الحال أنه لم يكن على شيء )(إعلام الموقِّعين" 2/ 232). هذا التعصب المذهبي يحول المذهب المعين من اجتهاد محدود" مقيد" بأصول الدين ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة،إلى تشريع مطلق قائم بذاته ومستقل عن هذه الأصول،وهنا يساوى المتعصب للمذهب بين صاحب المذهب والرسول صلى الله عليه وسلم ،يقول ابن تيميَّة( أما وجوب اتِّباع القائل في كل ما يقوله من غير ذِكْر دليل يدلُّ على صحة ما يقول فليس بصحيح، بل هذه المرتبة هي مرتبة الرَّسول التي لا تصلح إلا له)(مجموع فتاوى ابن تيمية" 35/ 121).
    النهى عن التكفير:ومن هذه الموجهات عدم تكفير المخالف فى المذهب لورود الكثير من النصوص التي تفيد النهى عن تكفير المسلمين: قال تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبغون عرض الحياة الدنيا). و قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( ومن رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله ) (ترجم له البخاري والالتزام بضوابط الحكم بالكفر التى قررتها النصوص وأشار إليها علماء أهل السنة ومنها:ا/ لا تكفير إلا بإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة: والمقصود بالمعلوم من الدين بالضرورة النص يقيني الورود(من الله تعالى او الرسول(صلى الله عليه وسلم)) القطعي الدلالة(لا يحتمل التأويل)لان الخلاف والإنكار فى الفروع جائز ،يقول ابن مفلح( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)[الآداب الشرعية 1/186].
    . ب/ التكفير على العموم أما المعين فيتوقف تكفيره على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع: بمعنى جواز القول بان القول المعين هو كفر، أما الشخص المعين فلا يجوز القول بكفره إلا بعد استيفائه شروط التكفير وانتفاء موانعه عنه، يقول ابن تيمية ( إن التكفير العام يجب القول بإطلاقه وعمومه، وأما الحكم على المعين بأنه كافراً أو مشهود له بالنار، فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه) (ابن تيمية، الفتاوى، الفتاوى ،مجلد 12، ص22) .ج/ التمييز بين الكفر الأكبر(الاعتقادى) والكفرالاصغر( العملي)، فالأول هو إنكار أصل من أصول الدين، والثاني هو المعصية ، والأول يوجب الخروج من الملة والثاني لا يوجب ذلك، يقول ابن القيم(فأما الكفر فنوعان :كفر اكبر وكفر اصغر.فالكفر الأكبر :هو الموجب للخلود في النار.والأصغر:موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود) (مدارج السالكين :1/364(. د/العذر بالجهل: اى عدم تكفير من جهل ان قوله هو كفريقول ابن القيم ( أما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول كالرافضة والقدرية ونحوهم فهؤلاء أقسام: أحدهما الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادراً على تعلم الهدى ..)( ابن القيم، الطرق الحكمية، ص174).ه/ لازم المذهب ليس بلازم:اى ان الكفر الذى يلزم منطقيا من مذهب معين لا يوجب التكفير إلا فى حاله التزام أصحاب هذا المذهب بهذا اللازم ، يقول ابن تيمية : (فلازم المذهب ليس بمذهب ، إلا أن يلتزمه صاحب المذهب ،فخلق كثير من الناس ينفون ألفاظاً أو يثبتونها ،بل ينفون معاني أو يثبتونها ،ويكون ذلك مستلزماً لأمور هي كفر ،وهم لا يعلمون بالملازمة) ( مجموع الفتاوى : 5/306).
    ثانيا: الموجهات المثبته:
    المواقف من الرفض و القبول المطلقين الى الموقف التقويمى: ومن هذه الموجهات تجاوز موقفى الرفض و القبول المطلقين، الى الموقف النقدى ( التقويمى ) الذى دعي منهج التفكير الاسلامى إلى الالتزام به، بعد تقييده بمعايير موضوعيه مطلقه ، هي النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، كما فى قوله تعالى: ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).وقوله صلى الله عليه وسلم (لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا،وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم). ومضمون هذا الموقف هنا هو تناول كل طرف لاقوال الاخر من حيث اتفاقها أو اختلافها مع أصول الدين المتمثلة في القواعد اليقينية الورود القطعية الدلالة ، فإن اتفقت معها كان القبول ، وإن اختلفت كان الرفض .وهو الموقف الحقيقى لائمه المذهب الحنبلى من التصوف، فالإمام أحمد بن حنبل مثلا يعترض على كثير من سلوكيات الصوفيه فى عصره،لكن فى ذات الوقت ينقل عنه وصف الصوفيه باوصاف ايجابيه، حيث نجد في الجزء الثاني من طبقات الحنابلة للقاضي محمد بن أبي يعلي مقدمة الشيخ أبي محمد بن تميم النبلي في عقيدة الإمام أحمد بن حنبل (قد سئل مرة عن المريد فقال أن يكون مع الله كما يريد وأن يترك كل ما يريد لما يريد... وكان يعظم الصوفية ويكرمهم وقال وقد سئل عنهم وقيل له يجلسون في المساجد فقال: العلم أجلسهم). و نقل إبراهيم القلانسي أن أحمد قال عن الصوفية :لا أعلم أقواما أفضل منهم،
    قيل : إنهم يستمعون ويتواجدون، قال : دعوهم يفرحوا مع الله ساعة
    (الفروع لإبن مفلح المقدسي الحنبلي ج3ص152دار إحياء التراث العربي
    ونقلها عنه البهوتي كشاف القناع)
    وهناك الكثير من النصوص التى توضح ان الموقف الحقيقى لابن تيميه من التصوف ليس الرفض المطلق بل الموقف النقدى التقويمى ،
    حيث يقول (ولأجل ما وقع في كثير منهم من الاجتهاد والتنزع فيه تنازع الناس في طريقهم؛ فطائفة ذمت " الصوفية والتصوف " . وقالوا : إنهم مبتدعون، خارجون عن السنة، ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف، وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام .وطائفة غلت فيهم، وادعوا أنهم أفضل الخلق، وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم .و " الصواب " أنهم مجتهدون في طاعة اللّه، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة اللّه، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب .ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاص لربه .وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة؛ ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم ... فَهَذَا أَصْلُ التَّصَوُّفِ . ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَشَعَّبَ وَتَنَوَّعَ وَصَارَتْ الصُّوفِيَّةُ " ثَلاثَةَ أَصْنَافٍ
    :
يعمل...