السلام عليكم و رحمة الله..
شيوخي الأفاضل إخواني الأعزاء.. لقد وجدت في النت مقالا كتبه بعض الإخوة بين فيها أن أصول المذهب الأشعري لا تسعف أصحابها برد شاف في مسألة فناء النار.. و لقد إتكأ صاحب المقال على ما هو معروف من مذهب السادة الأشاعرة في جواز إثابة العاصي و معاقبة الطائع و كذا جواز إخلاف الله تعالى وعده و وعيده لكونه تعالى لا يجب عليه شيء..
إليكم المقال للمناقشة و الحوار
(بدل أن يرد ( سعيد فوده ) على الأستاذ ( عدنان إبراهيم ) في مسألة فناء النار كان ينبغي على ( فوده ) أن يرد على نفسه وعلى الأشاعرة الذين يتظاهر بالانتماء لهم والذود عن حماهم ، فهم يقولون بجواز تخلف وعيد الله تعالى في كتبهم العقائدية كما هو مشهور ، لذلك غلطهم أهل السنة الماتريدية في ذلك وخالفوهم في هذا الأصل الباطل ! وقد شنع أبو المعين النسفي والبزدوي الحنفيان الماتريديان على الأشاعرة في كتبهم العقائدية أشد تشنيع كما سنبين ذلك لاحقاً إن شاء الله تعالى !
ونرجع هنا إلى ( فوده ) فنقول لقد كتب فوده ونشر في ( الانترنت ) رداً على ( عدنان إبراهيم ) ولما قرأنا هذا الرد رأينا أن ( فوده ) يرد على ( فوده ) !!
وذلك يتبين بتحليل كلماته الهزيلة التي أوردها في مقالته المشار إليها ! ولذلك سوف أعرض لكم ما يثبت تناقضة في أفكاره ونظرياته ! قال ( فوده ) في مقالته :
(إن هذه القالة توافق ما ادّعاه اليهود لأنفسهم خاصة عدا الناس أجمعين عندما قالوا { ذلك بأنّهم قالوا لن تمسنا النار إلا أيّاماً معدودات وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون } وأيضاً قولهم : وأيضًا قولهم : {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة80. فاليهود ادَّعوا أن النار لن تمسنا إلا أياما معدودة أما سائر الخلق فسيبقون في النار إلى الأبد ، وقولهم أياماً معدودة أي قليلة محصورة , ثم يزعمون أنهم سيدخلون الجنة . وكما نرى فإن الله تعالى كذبهم فقال { أتخذتم عند الله عهداً })
اعتبر ( فوده ) من يخالفه في فناء النار موافق لعقيدة ودعاوى اليهود ! ونسي أن يعتبر نفسه هو ومن يحاول أن يكون ممثلاً عنهم موافقون لليهود في هذه المسألة ! حيث يقولون بخروج أصحاب الكبائر والمجرمين من النار ! وما بعد آية البقرة (80) يبين ما هو المقصود في ذلك ! فلم يذكره ( فوده ) لأنه هادم لاستدلاله من أساسه وهو قوله تعالى في الآية (81) من البقرة : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .
فالله تعالى قرر وحكم ـ كما هو واضح من الآية الكريمة ـ بأن أصحاب الخطايا أي المعاصي الكبائر سوف يدخلون النار ويخلدون فيها ، وقال في آية أخرى : { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا } ، والذي جعلنا نفرّق بين الكبائر وبين الصغائر في بيان الخطايا والسيئات هو كتاب الله تعالى الذي يقول فيه : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } النساء : 31 ، وقوله تعالى : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة } النجم : 32 .
ومع عدم ورود فكرة الخروج من النار لمن دخلها في القرآن الكريم ـ مع كونها فكرة مهمة جداً لو كانت صحيحة ـ تبنى ( فوده ) فكرة خروج أصحاب الكبائر من النار ، ولم يذكر تمام آيات البقرة وهي الآية رقم (81) لأنه سيدخل فيمن نعتهم بقوله : (إن هذه القالة توافق ما ادّعاه اليهود لأنفسهم .. ) !!
فلماذا يقرر القرآن الكريم بأن من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته سيخلد في النار ويخالف ( فوده ) ذلك فلا يذكر الأدلة التي ساقها بتمامها ؟
ليس لذلك جواب إل لأنه خشي أن ينكشف للناس جميعاً فساد مذهبه وسقوط استدلاله وأن ما رمى به الآخرين واقع هو فيه ومنطبق عليه ؟
وبذلك تذهب فلسفات ( فوده ) هباء أدراج الرياح !!
وقد رمتني بدائها وانسلَّت !!!
وعلينا هنا أن نعيد قوله إليه ليعتبر به ونقول له : ( إبدأ بنفسك .. ) { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم .. } وقوله هو :
(وما دام لا يوجد وعد ولا عهد من الله تعالى فلا شك في بطلان دعواهم القائلة بأنهم لا يبقون في النار إلا أياماً معدودة , بل الحق أنهم يبقون فيها ما دامت السماوات والأرض خالدين فيها أبداً .
.. لأن الأصل إطلاق البقاء في النار , وتقييده بمدة لا يصح أن يقال به إلا بدليل قويم لا بمجرد زعم وتخييل .
ولا يصح القول في هذه المسألة إلا عن علم , أي دليل يقيني راجح. وما سواه يعد تخرصاً لأنه سيكون في مقابل الراجح والواجب العمل بالراجح في مقابل المرجوح . ومن يرجح المرجوح فإنما يرجحه لهواه).
والعلم قائم في القرآن على أن فاعل الكبائر المجرم خالد في النار ، وكونه سيخرج منها مظنون مرجوح (ومن يرجح المرجوح فإنما يرجحه لهواه ) !!
ومن جهة أخرى طرق صاحبنا في رده على ( عدنان إبراهيم ) مسألة الوعد والوعيد ! حيث قال هناك :
(وكما نرى فإن الله تعالى كذبهم فقال { أتخذتم عند الله عهداً } فإن كان الأمر كذلك , فلن يخلف الله تعالى عهده , ولكن شيئاً من هذا لم يحدث , فلم يعدكم الله تعالى بشيء نحو ذلك ولا وعد غيركم أيضاً بذلك , فأنتم كاذبون على الله تعالى حين تزعمون ذلك).
فالأشاعرة الذين ينتمي إليهم ( فوده ) يقولون بجواز تخلف وعيد الله تعالى للكفار وأصحاب الكبائر وخالفهم في ذلك أهل السنة الماتريديون الأحناف ! فكان على ( فوده ) أن يعتبر بذلك !
فمما لا يجب أن نغفل عنه هنا أن الأشاعرة قالوا بجواز تخلف وعيد الله تعالى لأهل النار ، أي يجوز أن يعفو الله تعالى عمن أخبر في كتابه عنه بأنه سيكون من أ÷ل النار كقاتل النفس المؤمنة عمداً ، وقد خالفهم فيه الماتريديةُ ـ وهم من أئمة أهل السنة والجماعة ـ فقالوا هم وأئمة أهل البيت والمعتزلة وغيرهم : إن الوعيد لا يتخلف كالوعد .
قال العلامة اللقاني في شرح الجوهرة ( هداية المريد 1/549-555) مثبتاً الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية في هذه النقطة :
[ هو إشارة إلى مسألة الوعد والوعيد التي اختلف فيها الأشاعرة والماتريدية ، فقال الأشاعرة : الثواب فضل من الله سبحانه ، وقد وعد به المطيع فيجب عقلاً الوفاء به ، لأن الخلف في الوعد نقص يجب تنزيهه تعالى عنه .. ويجب شرعاً اعتقاد إنجاز الله الوعد لما مرَّ ، يعني بخلاف الوعيد فلا يستحيل إخلافه لعدم النقص عرفاً ، بل يعد إخلافه كرماً وكمالاً يتمدَّح به . واعترض على هذا المذهب في جانب الوعيد بلزوم مفاسد كثيرة :
منها : الكذب ، وقد قام الإجماع على تنزُّه خبره تعالى منه .
ومنها : تبديل القول ، وقد قال تعالى : { ما يُبَدَّل القول لديَّ }.
ومنها : أنه لا يتوجه معه الرد على الفلسفي في نفيه المعاد ونشر الأجساد .
ومنها : تجويز عدم خلود الكفار في النار ، وهو خلاف ما قامت عليه القواطع من خلودهم فيها ....
وقال الماتريدية : يمتنع :تخلّف الوعيد كما يمتنع تخلف الوعد .. ] .
والقول بتخلف وعيد الله تعالى كارثة كبرى تؤدّي إلى إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة كما قال اللقاني آنفاً أي إنكار النصوص المقطوع بها الناصة على وعيد الكفار والفجار والمجرمين ، وربما كان سبب القول بهذا القول الباطل المردود آراء سياسية كان يقول بها بعض خلفاء الجور من الأمويين والعباسيين .
وقال الباجوري في شرح الجوهرة ص (101) :
[ وذهبت الماتريدية إلى أنه يمتنع تخلُّف الوعيد كما يمتنع تخلّف الوعد ، ولا يرد على ذلك أن الوعيد يتخلَّف في المؤمن المغفور له ، لأن الآيات الواردة بعموم الوعيد مخرج منها المؤمن المغفور له ، وأما غير المغفور له فلا بدَّ من نفوذ الوعيد فيه ، فقولهم : لا بد من إنفاذ الوعيد ولو في واحد الآتي في قوله :
وواجب تعذيب بعضاً ارتكب كبيرة ثم الخلود مجتنب
إنما يظهر على كلام الماتريدية ، .. فظهر أن الخلاف حقيقي وإن جعله بعضهم لفظياً ] .
وأقول : الظاهر أن المسألة تطورت عن هذا الحال ولم تقتصر على أن وعيد الله تعالى قد يتخلَّف وإنما انبثق منها أمر آخر فوصلت إلى نظرية ( تعذيب المطيع وإثابة العاصي ) وهي أنه يجوز أن يضع الله الكافرين في الجنة والمؤمنين الطائعين في النار ، بدعوى أن الخلق مُلْكٌ لله تعالى والله سبحانه يفعل في ملكه ما يشاء !!!
فمما قالوه وجوزوه في عقولهم في مسألة تعذيب المطيع وإثابة العاصي أنه وصل بهم الأمر أن يقولوا بأن الله تعالى لو وضع إبليس في الجنة والأنبياء في النار لكان ذلك منه عدلاً ! وهي أقبح بكثير مما زعمه فوده على ( عدنان إبراهيم ) من أن إبليس سيكون مع النبي في الجنة !
وإليكم ما قاله الأشاعرة ومن يوافقهم في هذه النظرية الباطلة الشنيعة :
قال العلامة شيخ زادة ( توفي 944هـ ) في كتاب نظم الفرائد في ( الفريدة العشرين ) : [ وذهب الشيخ الأشعري ومن تابعه إلى أن أفعاله تعالى لا توصف بالقبح ولو فعله لا يوصف به ، حتى لو خلَّد الأنبياء في النار والكفار في الجنة لا يقبح عنده ، كما في تعديل العلوم وشرحه للصدر العلامة ، والعمدة للإمام النسفي ، والمسايرة للإمام ابن الهمام ] .
وقال ابن الحاج القفطي المالكي الأشعري (ت598هـ) في كتابه ( حز الغلاصم في إفحام المخاصم ) ص (33) :
[ كما قال أبو حامد الغزالي : إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ولا يتصوَّر الظلم من الله سبحانه ، فإنه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرُّفه فيه ظلماً ، فكل ما سواه من جن وإنس وملك وشيطان وسماء وأرض وحيوان ونبات وجوهر وعَرَض ومدرَك ومحسوس حادث اخترعه بقدرته بعد أن لم يكن ، فإذا تصرَّف في ملكه كيف يقال له ظلمت ؟! ولو أنه سبحانه حيث خلق أبانا آدم عليه السلام من قطعة من الطين أعاده إلى النار فمن ذا الذي يقول أنه ظلمه وهو مالكه وموجده ومحدثه .. ] .
فهذا كلام واضح في ترهاتهم في هذه القضية !!
وقال الشهرستاني الأشعري في ( الملل والنحل ) (1/93) :
[ فلو أدخل الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفاً ولو أدخلهم النار لم يكن جوراً إذ الظلم هو التصرف فيما لا يملكه المتصرف أو وضع الشئ في غير موضعه وهو المالك المطلق فلا يتصور منه ظلم ولا ينسب إليه جور ] .
وقال ابن حزم في (( الفصل في الملل والنحل )) (3/60) :
[ وأنه لا يلزم لأحد على الله تعالى حق ولا حجة ولله تعالى على كل من دونه وما دونه الحق الواجب والحجة البالغة لو عذب المطيعين والملائكة والأنبياء في النار مخلدين لكان ذلك له ولكان عدلاً وحقاً منه ، ولو نعَّم إبليس والكفار في الجنة مخلدين كان ذلك له وكان حقاً وعدلاً منه ] ! فتأملوا !!
وإذ ذاك قطع للسان ( فوده ) فيما يهذي به من فلسفات ! فعليه إن كان يريد وجه الله تعالى وإن كان يعتقد أن حاجته ومذهبه إلى الله تعالى أن يثوب إلى رشده ويقوم أفكاره قبل أن يقوم الآخرين !
والله تعالى يهدينا وإياه والمسلمين جميعاً إلى ما يحبه ويرضا)
شيوخي الأفاضل إخواني الأعزاء.. لقد وجدت في النت مقالا كتبه بعض الإخوة بين فيها أن أصول المذهب الأشعري لا تسعف أصحابها برد شاف في مسألة فناء النار.. و لقد إتكأ صاحب المقال على ما هو معروف من مذهب السادة الأشاعرة في جواز إثابة العاصي و معاقبة الطائع و كذا جواز إخلاف الله تعالى وعده و وعيده لكونه تعالى لا يجب عليه شيء..
إليكم المقال للمناقشة و الحوار
(بدل أن يرد ( سعيد فوده ) على الأستاذ ( عدنان إبراهيم ) في مسألة فناء النار كان ينبغي على ( فوده ) أن يرد على نفسه وعلى الأشاعرة الذين يتظاهر بالانتماء لهم والذود عن حماهم ، فهم يقولون بجواز تخلف وعيد الله تعالى في كتبهم العقائدية كما هو مشهور ، لذلك غلطهم أهل السنة الماتريدية في ذلك وخالفوهم في هذا الأصل الباطل ! وقد شنع أبو المعين النسفي والبزدوي الحنفيان الماتريديان على الأشاعرة في كتبهم العقائدية أشد تشنيع كما سنبين ذلك لاحقاً إن شاء الله تعالى !
ونرجع هنا إلى ( فوده ) فنقول لقد كتب فوده ونشر في ( الانترنت ) رداً على ( عدنان إبراهيم ) ولما قرأنا هذا الرد رأينا أن ( فوده ) يرد على ( فوده ) !!
وذلك يتبين بتحليل كلماته الهزيلة التي أوردها في مقالته المشار إليها ! ولذلك سوف أعرض لكم ما يثبت تناقضة في أفكاره ونظرياته ! قال ( فوده ) في مقالته :
(إن هذه القالة توافق ما ادّعاه اليهود لأنفسهم خاصة عدا الناس أجمعين عندما قالوا { ذلك بأنّهم قالوا لن تمسنا النار إلا أيّاماً معدودات وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون } وأيضاً قولهم : وأيضًا قولهم : {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة80. فاليهود ادَّعوا أن النار لن تمسنا إلا أياما معدودة أما سائر الخلق فسيبقون في النار إلى الأبد ، وقولهم أياماً معدودة أي قليلة محصورة , ثم يزعمون أنهم سيدخلون الجنة . وكما نرى فإن الله تعالى كذبهم فقال { أتخذتم عند الله عهداً })
اعتبر ( فوده ) من يخالفه في فناء النار موافق لعقيدة ودعاوى اليهود ! ونسي أن يعتبر نفسه هو ومن يحاول أن يكون ممثلاً عنهم موافقون لليهود في هذه المسألة ! حيث يقولون بخروج أصحاب الكبائر والمجرمين من النار ! وما بعد آية البقرة (80) يبين ما هو المقصود في ذلك ! فلم يذكره ( فوده ) لأنه هادم لاستدلاله من أساسه وهو قوله تعالى في الآية (81) من البقرة : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .
فالله تعالى قرر وحكم ـ كما هو واضح من الآية الكريمة ـ بأن أصحاب الخطايا أي المعاصي الكبائر سوف يدخلون النار ويخلدون فيها ، وقال في آية أخرى : { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا } ، والذي جعلنا نفرّق بين الكبائر وبين الصغائر في بيان الخطايا والسيئات هو كتاب الله تعالى الذي يقول فيه : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } النساء : 31 ، وقوله تعالى : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة } النجم : 32 .
ومع عدم ورود فكرة الخروج من النار لمن دخلها في القرآن الكريم ـ مع كونها فكرة مهمة جداً لو كانت صحيحة ـ تبنى ( فوده ) فكرة خروج أصحاب الكبائر من النار ، ولم يذكر تمام آيات البقرة وهي الآية رقم (81) لأنه سيدخل فيمن نعتهم بقوله : (إن هذه القالة توافق ما ادّعاه اليهود لأنفسهم .. ) !!
فلماذا يقرر القرآن الكريم بأن من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته سيخلد في النار ويخالف ( فوده ) ذلك فلا يذكر الأدلة التي ساقها بتمامها ؟
ليس لذلك جواب إل لأنه خشي أن ينكشف للناس جميعاً فساد مذهبه وسقوط استدلاله وأن ما رمى به الآخرين واقع هو فيه ومنطبق عليه ؟
وبذلك تذهب فلسفات ( فوده ) هباء أدراج الرياح !!
وقد رمتني بدائها وانسلَّت !!!
وعلينا هنا أن نعيد قوله إليه ليعتبر به ونقول له : ( إبدأ بنفسك .. ) { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم .. } وقوله هو :
(وما دام لا يوجد وعد ولا عهد من الله تعالى فلا شك في بطلان دعواهم القائلة بأنهم لا يبقون في النار إلا أياماً معدودة , بل الحق أنهم يبقون فيها ما دامت السماوات والأرض خالدين فيها أبداً .
.. لأن الأصل إطلاق البقاء في النار , وتقييده بمدة لا يصح أن يقال به إلا بدليل قويم لا بمجرد زعم وتخييل .
ولا يصح القول في هذه المسألة إلا عن علم , أي دليل يقيني راجح. وما سواه يعد تخرصاً لأنه سيكون في مقابل الراجح والواجب العمل بالراجح في مقابل المرجوح . ومن يرجح المرجوح فإنما يرجحه لهواه).
والعلم قائم في القرآن على أن فاعل الكبائر المجرم خالد في النار ، وكونه سيخرج منها مظنون مرجوح (ومن يرجح المرجوح فإنما يرجحه لهواه ) !!
ومن جهة أخرى طرق صاحبنا في رده على ( عدنان إبراهيم ) مسألة الوعد والوعيد ! حيث قال هناك :
(وكما نرى فإن الله تعالى كذبهم فقال { أتخذتم عند الله عهداً } فإن كان الأمر كذلك , فلن يخلف الله تعالى عهده , ولكن شيئاً من هذا لم يحدث , فلم يعدكم الله تعالى بشيء نحو ذلك ولا وعد غيركم أيضاً بذلك , فأنتم كاذبون على الله تعالى حين تزعمون ذلك).
فالأشاعرة الذين ينتمي إليهم ( فوده ) يقولون بجواز تخلف وعيد الله تعالى للكفار وأصحاب الكبائر وخالفهم في ذلك أهل السنة الماتريديون الأحناف ! فكان على ( فوده ) أن يعتبر بذلك !
فمما لا يجب أن نغفل عنه هنا أن الأشاعرة قالوا بجواز تخلف وعيد الله تعالى لأهل النار ، أي يجوز أن يعفو الله تعالى عمن أخبر في كتابه عنه بأنه سيكون من أ÷ل النار كقاتل النفس المؤمنة عمداً ، وقد خالفهم فيه الماتريديةُ ـ وهم من أئمة أهل السنة والجماعة ـ فقالوا هم وأئمة أهل البيت والمعتزلة وغيرهم : إن الوعيد لا يتخلف كالوعد .
قال العلامة اللقاني في شرح الجوهرة ( هداية المريد 1/549-555) مثبتاً الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية في هذه النقطة :
[ هو إشارة إلى مسألة الوعد والوعيد التي اختلف فيها الأشاعرة والماتريدية ، فقال الأشاعرة : الثواب فضل من الله سبحانه ، وقد وعد به المطيع فيجب عقلاً الوفاء به ، لأن الخلف في الوعد نقص يجب تنزيهه تعالى عنه .. ويجب شرعاً اعتقاد إنجاز الله الوعد لما مرَّ ، يعني بخلاف الوعيد فلا يستحيل إخلافه لعدم النقص عرفاً ، بل يعد إخلافه كرماً وكمالاً يتمدَّح به . واعترض على هذا المذهب في جانب الوعيد بلزوم مفاسد كثيرة :
منها : الكذب ، وقد قام الإجماع على تنزُّه خبره تعالى منه .
ومنها : تبديل القول ، وقد قال تعالى : { ما يُبَدَّل القول لديَّ }.
ومنها : أنه لا يتوجه معه الرد على الفلسفي في نفيه المعاد ونشر الأجساد .
ومنها : تجويز عدم خلود الكفار في النار ، وهو خلاف ما قامت عليه القواطع من خلودهم فيها ....
وقال الماتريدية : يمتنع :تخلّف الوعيد كما يمتنع تخلف الوعد .. ] .
والقول بتخلف وعيد الله تعالى كارثة كبرى تؤدّي إلى إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة كما قال اللقاني آنفاً أي إنكار النصوص المقطوع بها الناصة على وعيد الكفار والفجار والمجرمين ، وربما كان سبب القول بهذا القول الباطل المردود آراء سياسية كان يقول بها بعض خلفاء الجور من الأمويين والعباسيين .
وقال الباجوري في شرح الجوهرة ص (101) :
[ وذهبت الماتريدية إلى أنه يمتنع تخلُّف الوعيد كما يمتنع تخلّف الوعد ، ولا يرد على ذلك أن الوعيد يتخلَّف في المؤمن المغفور له ، لأن الآيات الواردة بعموم الوعيد مخرج منها المؤمن المغفور له ، وأما غير المغفور له فلا بدَّ من نفوذ الوعيد فيه ، فقولهم : لا بد من إنفاذ الوعيد ولو في واحد الآتي في قوله :
وواجب تعذيب بعضاً ارتكب كبيرة ثم الخلود مجتنب
إنما يظهر على كلام الماتريدية ، .. فظهر أن الخلاف حقيقي وإن جعله بعضهم لفظياً ] .
وأقول : الظاهر أن المسألة تطورت عن هذا الحال ولم تقتصر على أن وعيد الله تعالى قد يتخلَّف وإنما انبثق منها أمر آخر فوصلت إلى نظرية ( تعذيب المطيع وإثابة العاصي ) وهي أنه يجوز أن يضع الله الكافرين في الجنة والمؤمنين الطائعين في النار ، بدعوى أن الخلق مُلْكٌ لله تعالى والله سبحانه يفعل في ملكه ما يشاء !!!
فمما قالوه وجوزوه في عقولهم في مسألة تعذيب المطيع وإثابة العاصي أنه وصل بهم الأمر أن يقولوا بأن الله تعالى لو وضع إبليس في الجنة والأنبياء في النار لكان ذلك منه عدلاً ! وهي أقبح بكثير مما زعمه فوده على ( عدنان إبراهيم ) من أن إبليس سيكون مع النبي في الجنة !
وإليكم ما قاله الأشاعرة ومن يوافقهم في هذه النظرية الباطلة الشنيعة :
قال العلامة شيخ زادة ( توفي 944هـ ) في كتاب نظم الفرائد في ( الفريدة العشرين ) : [ وذهب الشيخ الأشعري ومن تابعه إلى أن أفعاله تعالى لا توصف بالقبح ولو فعله لا يوصف به ، حتى لو خلَّد الأنبياء في النار والكفار في الجنة لا يقبح عنده ، كما في تعديل العلوم وشرحه للصدر العلامة ، والعمدة للإمام النسفي ، والمسايرة للإمام ابن الهمام ] .
وقال ابن الحاج القفطي المالكي الأشعري (ت598هـ) في كتابه ( حز الغلاصم في إفحام المخاصم ) ص (33) :
[ كما قال أبو حامد الغزالي : إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ولا يتصوَّر الظلم من الله سبحانه ، فإنه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرُّفه فيه ظلماً ، فكل ما سواه من جن وإنس وملك وشيطان وسماء وأرض وحيوان ونبات وجوهر وعَرَض ومدرَك ومحسوس حادث اخترعه بقدرته بعد أن لم يكن ، فإذا تصرَّف في ملكه كيف يقال له ظلمت ؟! ولو أنه سبحانه حيث خلق أبانا آدم عليه السلام من قطعة من الطين أعاده إلى النار فمن ذا الذي يقول أنه ظلمه وهو مالكه وموجده ومحدثه .. ] .
فهذا كلام واضح في ترهاتهم في هذه القضية !!
وقال الشهرستاني الأشعري في ( الملل والنحل ) (1/93) :
[ فلو أدخل الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفاً ولو أدخلهم النار لم يكن جوراً إذ الظلم هو التصرف فيما لا يملكه المتصرف أو وضع الشئ في غير موضعه وهو المالك المطلق فلا يتصور منه ظلم ولا ينسب إليه جور ] .
وقال ابن حزم في (( الفصل في الملل والنحل )) (3/60) :
[ وأنه لا يلزم لأحد على الله تعالى حق ولا حجة ولله تعالى على كل من دونه وما دونه الحق الواجب والحجة البالغة لو عذب المطيعين والملائكة والأنبياء في النار مخلدين لكان ذلك له ولكان عدلاً وحقاً منه ، ولو نعَّم إبليس والكفار في الجنة مخلدين كان ذلك له وكان حقاً وعدلاً منه ] ! فتأملوا !!
وإذ ذاك قطع للسان ( فوده ) فيما يهذي به من فلسفات ! فعليه إن كان يريد وجه الله تعالى وإن كان يعتقد أن حاجته ومذهبه إلى الله تعالى أن يثوب إلى رشده ويقوم أفكاره قبل أن يقوم الآخرين !
والله تعالى يهدينا وإياه والمسلمين جميعاً إلى ما يحبه ويرضا)
تعليق