شاهد هذا الفيديو للوهابي الغنيمان (وحد دهره وزمانه!) كيف يتطاول على إمام الحرمين الجويني رحمه الله ويصفه بفساد العقيدة.
http://www.youtube.com/watch?v=uAEVdLZC6Uo
وقوله مستشهداً ببعض الروايات :"أخبرني عن أمر أجده في نفسي وتجده أنت وكل من قال ياالله يجد دافعاً يدفعه أنه يطلبه من فوق. ما يطلبه يمين ولا شمال ولا تحت. كيف أدفع هذه الضرورة حتى أصدق بكلامك"؟
قلت استدلاله بمثل هذا الكلام هو من استدلالات عامة المجسمة الذين يقيسون الامور بناء على الحس. وهو يقيس الغائب على الشاهد. فلما كان عنده كل موجود لابد أن يكون في جهة من غيره ومكان، والله تعالى موجود فهو في جهة من غيره ومكان. وزعم أن كل ماليس كذلك فليس بموجود إلا في الأوهام. وهذا يلزم منه أن يكون الاله جسماً كالأجسام.
والسماء إنما هي قبلة الدعاء. فالله تعالى كما وجه وجوهنا الى الكعبة عند الصلاة فكذلك وجه قلوبنا الى السماء عند الدعاء.
قال الإمام الغزالي في الاقتصاد: "إن هذا يضاهي قول القائل: إن لم يكن الله تعالى في الكعبة وهو بيته فما بالنا نحجه ونزوره وما بالنا نستقبله في الصلاة. وإن لم يكن في الارض فما بالنا نتذلل بوضع وجوهنا على الارض في السجود؟ وهذا هذيان. بل يقال قصد الشرع من تعبد الخلق بالكعبة في الصلاةة ملازمةة الثبوت في جهة واحدة، فإن ذلك لا محالة أقرب الى الخشوع وحضور القلب من التردد في الجهات. ثم لما كانت الحهات متساوية من حيث امكان الاستقبال خصص الله بقعة مخصوصة بالتشريف والتعظيم وشرفها بالاضافة الى نفسه ةاستمال القلوب اليها بتشريفه ليثيب على استقبالها، فكذلك السماء قبلة الدعاء كما أن البيت قبلة الصلاة ، والمعبود بالصلاة والمقصود بالدعاء منزه عن الحلول في البيت والسماء". اه
وأما هذه الرواية المذكورة في سير أعلام النبلاء، فنحن ننزه إمام الحرمين عن مثل هذا. وقد افترى عليه كثيراً من المجسمة كما يشهد بذلك الرسالة المنسوبة إليه في العلو.
وقد كنت كتبت مقالاً في الماضي في مسألة الجهة والمكان أعيد نشره هنا مرة أخرى لضيق الوقت وتتميماً للفائدة.
فأقول:
يعتقد المجسة والمشبهة أن الله تعالى فوق السماء السابعة مستقر على عرشه جالس على كرسيه والملائكة تحمل العرش بلطفه محتجين بقوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) فيفسرون الاستواء بالجلوس والاستقرار. فأثبتوا لله سبحانه المكان الحسي بحيث يشار إليه بالبنان وقالوا بأن العرش لما كان أعظم الاماكن تمكن الله فيه ولما كانت جهة فوق أشرف الجهات اختص الله بها. واحتجوا بالآيات والاحاديث الموهم ظاهرها التشبيه كحديث الجارية وغيره واستدلوا ببعض أقوال رويت عن بعض السلف الصالح كذلك. وجعلوا مخالفهم مبتدعا زعما منهم أن هذا الذي هم عليه هو مذهب السلف واتهموا المخالف بالتعطيل والتجهم وليس لهم فيما يعتقدون برهان أو دليل. وقالوا بأن نزول الله تعالى في الثلث الأخير من الليل الى السماء الدنيا نزول يحمل على الحقيقة ولايؤول وأنه خارج العالم بائن عن خلقه بذاته. وهذا الذي يعتقدونه وماأشبه كله باطل مخالف لمذهب أهل السنة أهل الحق.
إذ نقول: الذي ينسب المكان الى الله تعالى وتقدس إما جاهل بحقيقة المكان وجاهل بمعنى الحدوث أو أنه مجسم حقيقي يعبد إلهاً من نسج خياله أخترع له صورة ومقداراً لا وجود له خارج أوهامه.
وبيان ذلك أن العالم وهو كل ما سوى الله إما متحيز لذاته أي يختص بالحيز فيمنع غيره أن يوجد بحيث هو وهذا هو الجوهر أو أن يكون متحيزاً بالتبعية بأن يكون حالاً بالجوهر ولا أختصاص له بحيز لذاته فلا يمكن الاشارة إليه إلا في حال كونه حالاً في الجوهر. وهذا هو العرض. والعالم مؤلف منهما بالاستقراء.
والجوهر عند المتكلمين هو الجزء الذي لا يتجزأ. والمتألف من جوهرين فأكثر هو الجسم. والحيز هو الفراغ الموهوم الذي يشغله الجسم فيمنع غيره من أن يكون بحيث هو، إذ تنفذ فيه أبعاده طولاً وعرضاً وعمقاً. وعليه فإن كل متحيز فله هذه الاحكام.
الأول:
إما أن يكون الجسم ساكناً في حيزه لا ينتقل عنه أو يكون متحركاً عنه بأن ينتقل عنه إذ الحيز ليس بلازم ذاتي للمتحيز فيجوز أن ينتقل عنه لغيره. ويستحيل عقلاً أن يكون ساكناً متحركاً في حيزه أو لا ساكناً ولا متحركاً. والحركة والسكون كلاهما حادثان والجسم المتحيز ملازم لهما وملازم الحادث حادث.
الثاني:
من لوازم التحيز أن يكون الذي يشغل الحيز ذو حد ونهاية وذو أجزاء وأبعاض ويكون له يمين وشمال وفوق وتحت. إذ المفهوم من إطلاق لفظ الحيز في اللغة إنضمام الشيء على نفسه، ومثاله كما في المعاجم ما انضم من الدار الى مرافقه. فكل متحيز تنضم أجزاؤه الى نفسه فيكون محدوداً وتكون الاشارة الى أحد حدوده غير الاشارة الى حده الآخر، وكل ما كان كذلك فهو متركب من أجزاء وأبعاض والمتركب منها حادث.
وأيضاً كل متناه فهو حادث. لا يقال أنه متحيز لا نهاية له إذ لو كان ممتداً في حيزه الى ما لانهاية لامتنع أن يوجد غيره من المتحيزات وهذا باطل. والمفهوم من التحيز إنضمام الشيء الى نفسه والانضمام ينافي اللاتناهى.
الثالث:
كل مايشغل الحيز وترتبت عليه لوازم التحيز من الحدود والنهايات فيجوز عقلاً أن يكون أصغر مقداراً من الحيز الذي يشغله أو أكبر منه أو مساوياً له. واختصاصه بالمقدار الذي هو عليه انما يكون لمخصص خصصه بذلك المقدار دون غيره من المقادير فيكون مفتقراً محتاجاً الى ذلك المخصص الفاعل فيكون ممكناً حادثاً.
الرابع:
كل متحيز فهو جزء من العالم. وقد قام البرهان على أن العالم بجميع أجزائه حادث.
الخامس:
المتحيز يمكن أن يشار اليه بالحس فتتميز أطرافه فيكون قابلاً للإنقسام والقابل للإنقسام يكون مركباً من الاجزاء والابعاض والتركب ينافي الوجوب.
نخلص من ذلك أن كل موجود متحيز فهو حادث يفتقر في وجوده الى موجد قديم غير متحيز.
إذا ثبت هذا نقول:
الذي يعتقد أن الله تعالى وتقدس متمكن في مكان فهو يثبت له الحيز ضرورة. إذ التمكن في مكان هو "نفوذ بعد في بعد آخر متحقق أو متوهم يسمى بالمكان، والبعد عبارة عن أمتداد قائم بالجسم أو بنفسه عند القائلين بوجود الخلاء والله تعالى منزه عن الامتداد والمقدار لاستلزامه التجزئ" قاله الامام السعد في شرح العقائد. والحصول في مكان لا يكون إلا بتمكن حجم على حجم آخر بمماسة.
والحيز أعم من المكان إذ كل ماهو حاصل في مكان فهو شاغل للحيز. ويجوز أن يكون متحيزاً ولا يكون في مكان كالعالم بأكمله فإنه في حيز وليس في مكان. لأنه لو كان في مكان لكان متمكناً على حجم والحجم مكان فيستدعى مكاناً آخر لاإلى نهاية وهذا محال.
فإثبات المكان لله تعالى يلزم منه إثبات التحيز له وإثبات جميع لوازم التحيز وأحكامه السابقة الذكر التي هي أمارات الحدوث.
ونخلص بالقول أن كل موجود في مكان فهو حادث يفتقر الى محدث موجود ليس في مكان.
وأما الجهة فهي الحيز إذا أضيف الى شيئ آخر متحيز. والجهات ست. فما أضيف الى ما يلي جانب الرأس فجهة فوق، أو مايلي جانب القدم فهو جهة تحت. وكذا يكون الحيز أماماً أو خلفاً أو يميناً أو شمالاً بالنسبة لما يضاف إليه.
فلا وجود للجهة بدون الاضافة. وكل ما كان في جهة فهو يشغل حيزاً قدر ذاته فيكون حادثاً كما تقرر سابقاً.
ويقال أيضاً أن الجهة إما أن تكون أمراً وجودياً أو عدمياً. فإن كان وجودياً فلا يخلو إما أن يكون حادثاً أو قديماً. وافتراض أن الله تعالى وتنزه في جهة حادثة يستلزم ملازمته للحوادث ولايسبقها فيكون مثلها. وإن سبقها يكون ناقصاً فيتكمل بها. وهذا كله محال.
وإن كانت الجهة قديمة لزم تعدد القدماء وعدم شمول القدرة الالهية، إذ أن شيئاً من العالم ليس داخلاً في قدرته تعالى.
وإن كانت عدماً لزم حلول القديم في العدم وهو باطل.
وبالجملة فالكون في جهة يترتب على الاحكام السابقة المتعلقة بالحيز. فنقول كل موجود في جهة فهو حادث يفتقر الى محدث موجود تنتفي عنه الجهة.
ونفي الجهة عن الله تعالى يقتضي أن لا يكون سبحانه داخل العالم ولا خارجه. أما كونه ليس داخل العالم فواضح. وأما أنه ليس خارجه فلأنه لو كان خارج العالم لكان محاذياً لجسم العالم ولا يخلو إما أن أن يكون أكبر منه أو أصغر منه أو مساوياً له. وكونه بالمقدار الذي هو عليه إنما هو لمخصص فيلزم الافتقار والاحتياج. فلانقول هو خارج العالم بل نقول إنه لا داخل العالم ولا خارجه، لئلا يلزم الجهة والمكان. على أن خارج العالم لاشيئ.
قال الامام أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الاقتصاد:
"فإن قيل: فنفي الجهة يؤدي الى المحال وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات الست ويكون لا داخل العالم ولا خارجه ولامتصلاً به ولا منفصلاً عنه وذلك محال.
قلنا: مسلم أن كل موجود يقبل الاتصال فوجوده لا متصلاً ولا منفصلاً محال. وإن كان موجود يقبل الاختصاص بالجهة فوجوده مع خلو الجهات الست عنه محال. فأما موجود لا يقبل الاتصال ولا الاختصاص بالجهة فخلوه عن طرفي النقيض غير محال. وهو كقول القائل: يستحيل موجود لا يكون عاجزاً ولا قادراً ولا عالماً ولا جاهلاً فإن أحد المتضادين لا يخلو الشيئ عنه.
فيقال له: إن كان ذلك الشيئ قابلاً للمتضادين فيستحيل خلوه عنهما. وأما الجماد الذي لا يقبل واحداً منهما لأنه فقد شرطهما وهو الحياة فخلوه عنهما ليس بمحال. فكذلك شرط الاتصال والاختصاص بالجهات التحيز والقيام بالمتحيز، فإذا فقد هذا لم يستحل الخلو عن متضادته. فرجع النظر إذاً الى أن موجوداً ليس بمتحيز ولاهو في متحيز بل فاقد شرط الاتصال والاختصاص هل هو محال أم لا؟
فإن زعم الخصم أن ذلك محال وجوده دللنا عليه بأنه مهما بان أن كل متحيز حادث وان كل حادث يفتقر الى فاعل ليس بحادث فقد لزم بالضرورة من هاتين المقدمتين ثبوت موجود ليس بمتحيز. أما الأصلان فقد أثبتناهما وأما الدعوى اللازمة منهما فلا سبيل الى جحدها مع الاقرار بالأصلين."اه.
http://www.youtube.com/watch?v=uAEVdLZC6Uo
وقوله مستشهداً ببعض الروايات :"أخبرني عن أمر أجده في نفسي وتجده أنت وكل من قال ياالله يجد دافعاً يدفعه أنه يطلبه من فوق. ما يطلبه يمين ولا شمال ولا تحت. كيف أدفع هذه الضرورة حتى أصدق بكلامك"؟
قلت استدلاله بمثل هذا الكلام هو من استدلالات عامة المجسمة الذين يقيسون الامور بناء على الحس. وهو يقيس الغائب على الشاهد. فلما كان عنده كل موجود لابد أن يكون في جهة من غيره ومكان، والله تعالى موجود فهو في جهة من غيره ومكان. وزعم أن كل ماليس كذلك فليس بموجود إلا في الأوهام. وهذا يلزم منه أن يكون الاله جسماً كالأجسام.
والسماء إنما هي قبلة الدعاء. فالله تعالى كما وجه وجوهنا الى الكعبة عند الصلاة فكذلك وجه قلوبنا الى السماء عند الدعاء.
قال الإمام الغزالي في الاقتصاد: "إن هذا يضاهي قول القائل: إن لم يكن الله تعالى في الكعبة وهو بيته فما بالنا نحجه ونزوره وما بالنا نستقبله في الصلاة. وإن لم يكن في الارض فما بالنا نتذلل بوضع وجوهنا على الارض في السجود؟ وهذا هذيان. بل يقال قصد الشرع من تعبد الخلق بالكعبة في الصلاةة ملازمةة الثبوت في جهة واحدة، فإن ذلك لا محالة أقرب الى الخشوع وحضور القلب من التردد في الجهات. ثم لما كانت الحهات متساوية من حيث امكان الاستقبال خصص الله بقعة مخصوصة بالتشريف والتعظيم وشرفها بالاضافة الى نفسه ةاستمال القلوب اليها بتشريفه ليثيب على استقبالها، فكذلك السماء قبلة الدعاء كما أن البيت قبلة الصلاة ، والمعبود بالصلاة والمقصود بالدعاء منزه عن الحلول في البيت والسماء". اه
وأما هذه الرواية المذكورة في سير أعلام النبلاء، فنحن ننزه إمام الحرمين عن مثل هذا. وقد افترى عليه كثيراً من المجسمة كما يشهد بذلك الرسالة المنسوبة إليه في العلو.
وقد كنت كتبت مقالاً في الماضي في مسألة الجهة والمكان أعيد نشره هنا مرة أخرى لضيق الوقت وتتميماً للفائدة.
فأقول:
يعتقد المجسة والمشبهة أن الله تعالى فوق السماء السابعة مستقر على عرشه جالس على كرسيه والملائكة تحمل العرش بلطفه محتجين بقوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) فيفسرون الاستواء بالجلوس والاستقرار. فأثبتوا لله سبحانه المكان الحسي بحيث يشار إليه بالبنان وقالوا بأن العرش لما كان أعظم الاماكن تمكن الله فيه ولما كانت جهة فوق أشرف الجهات اختص الله بها. واحتجوا بالآيات والاحاديث الموهم ظاهرها التشبيه كحديث الجارية وغيره واستدلوا ببعض أقوال رويت عن بعض السلف الصالح كذلك. وجعلوا مخالفهم مبتدعا زعما منهم أن هذا الذي هم عليه هو مذهب السلف واتهموا المخالف بالتعطيل والتجهم وليس لهم فيما يعتقدون برهان أو دليل. وقالوا بأن نزول الله تعالى في الثلث الأخير من الليل الى السماء الدنيا نزول يحمل على الحقيقة ولايؤول وأنه خارج العالم بائن عن خلقه بذاته. وهذا الذي يعتقدونه وماأشبه كله باطل مخالف لمذهب أهل السنة أهل الحق.
إذ نقول: الذي ينسب المكان الى الله تعالى وتقدس إما جاهل بحقيقة المكان وجاهل بمعنى الحدوث أو أنه مجسم حقيقي يعبد إلهاً من نسج خياله أخترع له صورة ومقداراً لا وجود له خارج أوهامه.
وبيان ذلك أن العالم وهو كل ما سوى الله إما متحيز لذاته أي يختص بالحيز فيمنع غيره أن يوجد بحيث هو وهذا هو الجوهر أو أن يكون متحيزاً بالتبعية بأن يكون حالاً بالجوهر ولا أختصاص له بحيز لذاته فلا يمكن الاشارة إليه إلا في حال كونه حالاً في الجوهر. وهذا هو العرض. والعالم مؤلف منهما بالاستقراء.
والجوهر عند المتكلمين هو الجزء الذي لا يتجزأ. والمتألف من جوهرين فأكثر هو الجسم. والحيز هو الفراغ الموهوم الذي يشغله الجسم فيمنع غيره من أن يكون بحيث هو، إذ تنفذ فيه أبعاده طولاً وعرضاً وعمقاً. وعليه فإن كل متحيز فله هذه الاحكام.
الأول:
إما أن يكون الجسم ساكناً في حيزه لا ينتقل عنه أو يكون متحركاً عنه بأن ينتقل عنه إذ الحيز ليس بلازم ذاتي للمتحيز فيجوز أن ينتقل عنه لغيره. ويستحيل عقلاً أن يكون ساكناً متحركاً في حيزه أو لا ساكناً ولا متحركاً. والحركة والسكون كلاهما حادثان والجسم المتحيز ملازم لهما وملازم الحادث حادث.
الثاني:
من لوازم التحيز أن يكون الذي يشغل الحيز ذو حد ونهاية وذو أجزاء وأبعاض ويكون له يمين وشمال وفوق وتحت. إذ المفهوم من إطلاق لفظ الحيز في اللغة إنضمام الشيء على نفسه، ومثاله كما في المعاجم ما انضم من الدار الى مرافقه. فكل متحيز تنضم أجزاؤه الى نفسه فيكون محدوداً وتكون الاشارة الى أحد حدوده غير الاشارة الى حده الآخر، وكل ما كان كذلك فهو متركب من أجزاء وأبعاض والمتركب منها حادث.
وأيضاً كل متناه فهو حادث. لا يقال أنه متحيز لا نهاية له إذ لو كان ممتداً في حيزه الى ما لانهاية لامتنع أن يوجد غيره من المتحيزات وهذا باطل. والمفهوم من التحيز إنضمام الشيء الى نفسه والانضمام ينافي اللاتناهى.
الثالث:
كل مايشغل الحيز وترتبت عليه لوازم التحيز من الحدود والنهايات فيجوز عقلاً أن يكون أصغر مقداراً من الحيز الذي يشغله أو أكبر منه أو مساوياً له. واختصاصه بالمقدار الذي هو عليه انما يكون لمخصص خصصه بذلك المقدار دون غيره من المقادير فيكون مفتقراً محتاجاً الى ذلك المخصص الفاعل فيكون ممكناً حادثاً.
الرابع:
كل متحيز فهو جزء من العالم. وقد قام البرهان على أن العالم بجميع أجزائه حادث.
الخامس:
المتحيز يمكن أن يشار اليه بالحس فتتميز أطرافه فيكون قابلاً للإنقسام والقابل للإنقسام يكون مركباً من الاجزاء والابعاض والتركب ينافي الوجوب.
نخلص من ذلك أن كل موجود متحيز فهو حادث يفتقر في وجوده الى موجد قديم غير متحيز.
إذا ثبت هذا نقول:
الذي يعتقد أن الله تعالى وتقدس متمكن في مكان فهو يثبت له الحيز ضرورة. إذ التمكن في مكان هو "نفوذ بعد في بعد آخر متحقق أو متوهم يسمى بالمكان، والبعد عبارة عن أمتداد قائم بالجسم أو بنفسه عند القائلين بوجود الخلاء والله تعالى منزه عن الامتداد والمقدار لاستلزامه التجزئ" قاله الامام السعد في شرح العقائد. والحصول في مكان لا يكون إلا بتمكن حجم على حجم آخر بمماسة.
والحيز أعم من المكان إذ كل ماهو حاصل في مكان فهو شاغل للحيز. ويجوز أن يكون متحيزاً ولا يكون في مكان كالعالم بأكمله فإنه في حيز وليس في مكان. لأنه لو كان في مكان لكان متمكناً على حجم والحجم مكان فيستدعى مكاناً آخر لاإلى نهاية وهذا محال.
فإثبات المكان لله تعالى يلزم منه إثبات التحيز له وإثبات جميع لوازم التحيز وأحكامه السابقة الذكر التي هي أمارات الحدوث.
ونخلص بالقول أن كل موجود في مكان فهو حادث يفتقر الى محدث موجود ليس في مكان.
وأما الجهة فهي الحيز إذا أضيف الى شيئ آخر متحيز. والجهات ست. فما أضيف الى ما يلي جانب الرأس فجهة فوق، أو مايلي جانب القدم فهو جهة تحت. وكذا يكون الحيز أماماً أو خلفاً أو يميناً أو شمالاً بالنسبة لما يضاف إليه.
فلا وجود للجهة بدون الاضافة. وكل ما كان في جهة فهو يشغل حيزاً قدر ذاته فيكون حادثاً كما تقرر سابقاً.
ويقال أيضاً أن الجهة إما أن تكون أمراً وجودياً أو عدمياً. فإن كان وجودياً فلا يخلو إما أن يكون حادثاً أو قديماً. وافتراض أن الله تعالى وتنزه في جهة حادثة يستلزم ملازمته للحوادث ولايسبقها فيكون مثلها. وإن سبقها يكون ناقصاً فيتكمل بها. وهذا كله محال.
وإن كانت الجهة قديمة لزم تعدد القدماء وعدم شمول القدرة الالهية، إذ أن شيئاً من العالم ليس داخلاً في قدرته تعالى.
وإن كانت عدماً لزم حلول القديم في العدم وهو باطل.
وبالجملة فالكون في جهة يترتب على الاحكام السابقة المتعلقة بالحيز. فنقول كل موجود في جهة فهو حادث يفتقر الى محدث موجود تنتفي عنه الجهة.
ونفي الجهة عن الله تعالى يقتضي أن لا يكون سبحانه داخل العالم ولا خارجه. أما كونه ليس داخل العالم فواضح. وأما أنه ليس خارجه فلأنه لو كان خارج العالم لكان محاذياً لجسم العالم ولا يخلو إما أن أن يكون أكبر منه أو أصغر منه أو مساوياً له. وكونه بالمقدار الذي هو عليه إنما هو لمخصص فيلزم الافتقار والاحتياج. فلانقول هو خارج العالم بل نقول إنه لا داخل العالم ولا خارجه، لئلا يلزم الجهة والمكان. على أن خارج العالم لاشيئ.
قال الامام أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الاقتصاد:
"فإن قيل: فنفي الجهة يؤدي الى المحال وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات الست ويكون لا داخل العالم ولا خارجه ولامتصلاً به ولا منفصلاً عنه وذلك محال.
قلنا: مسلم أن كل موجود يقبل الاتصال فوجوده لا متصلاً ولا منفصلاً محال. وإن كان موجود يقبل الاختصاص بالجهة فوجوده مع خلو الجهات الست عنه محال. فأما موجود لا يقبل الاتصال ولا الاختصاص بالجهة فخلوه عن طرفي النقيض غير محال. وهو كقول القائل: يستحيل موجود لا يكون عاجزاً ولا قادراً ولا عالماً ولا جاهلاً فإن أحد المتضادين لا يخلو الشيئ عنه.
فيقال له: إن كان ذلك الشيئ قابلاً للمتضادين فيستحيل خلوه عنهما. وأما الجماد الذي لا يقبل واحداً منهما لأنه فقد شرطهما وهو الحياة فخلوه عنهما ليس بمحال. فكذلك شرط الاتصال والاختصاص بالجهات التحيز والقيام بالمتحيز، فإذا فقد هذا لم يستحل الخلو عن متضادته. فرجع النظر إذاً الى أن موجوداً ليس بمتحيز ولاهو في متحيز بل فاقد شرط الاتصال والاختصاص هل هو محال أم لا؟
فإن زعم الخصم أن ذلك محال وجوده دللنا عليه بأنه مهما بان أن كل متحيز حادث وان كل حادث يفتقر الى فاعل ليس بحادث فقد لزم بالضرورة من هاتين المقدمتين ثبوت موجود ليس بمتحيز. أما الأصلان فقد أثبتناهما وأما الدعوى اللازمة منهما فلا سبيل الى جحدها مع الاقرار بالأصلين."اه.
تعليق