السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
أخي الكريم نزار،
أوَّلاً: أصل هذا الموضوع هو في تبيان مخالفة الشيخ ابن عربي رحمه الله للسادة الأشاعرة في الاعتقاد، فنقلتُ عن عقيدة الخواصِّ نصوصاً كثيرة في ذلك هو بنفسه يخطِّئ الأشاعرة فيها ويخالفهم...
فأثبتُّ أنَّه مخالف للسادة الأشاعرة في الاعتقاد بغضِّ النَّظر عن كونه قائلاً بوحدة الوجود أو لا، فالمطلوب بالذات كان إثبات كونه مخالفاً لأهلِّ الحقِّ، وبالعَرَضِ كونه قائلاً بواحد من الفلسفات المخالفة متعيِّناً.
فأنت لم تناقشني في ما ناقشتُ فيه ابن عربي، فأوَّلاً ناقشني في أصل الموضوع، فهل ابن عربي أشعريٌّ مع كونه قائلاً بما قال مصرِّحاً به أو لا؟!
أمَّا أنَّ كلام ابن عربي الذي نقلتُه عنه ليس مفهوماً وهو من باب الأسرار والرموز فكلام ابن عربي في عقيدة الخواصِّ واضح كالشمس لمن كان متعلِّماً علمَ الكلام على وجهه، وأنا هاهنا أرجو منك رجاء، وهو أن تتناسى أنَّ كلام ابن عربي هو كلام ابن عربي، عدَّه كلاماً للسهرورديِ أو ابن سينا أو شخصاً مجهولاً، فهل ستحكم على كلامه السابق بأنَّه رموز وأسرار، أو ستجده في غايرة الوضوح في تقرير مسائل معيَّنة؟!
ثانياً: قد سبق منك تقرير معيَّن لوحدة الوجود، فهل تقرُّ بعد ما أجبتُك وبعد الذي ذكرتَ هاهنا أنَّك كنت في تقريرك ذاك مخطئاً؟
هل ما زلتَ على رأيك في أن وحدة الوجود التي يقول بها ابن عربي هي على النحو الذي قرَّرتَه أنت؟
وإنَّما أسألك هذا السؤال لكي أتوكَّد.
ثالثاً: الخوض في وحدة الوجود مهمٌّ في نفسه، فهو مذهب باطل يقول به عدد من الصوفيَّة، وخلاف الناس في تفسيره والحكم عليه كبير جداً، فلهذا مهمٌّ جدّاً الخوض فيه في نفسه، أمَّا كونه غير مهمٍّ عندك وليست له أولويَّة فلك ذلك، فليس يلزم الكلَّ البحثُ في المسائل كلِّها.
لكنَّ الأمر هو أنَّك قد خضتَ في هذه المسألة تماماً وفسَّرت وحدة الوجود بتفسيرك بتفسيرك الذي لم أقرأه ولم أسمعه من أحد أبداً... واتَّهمتني بالتَّعسُّف في الفهم وحمل كلام ابن عربي على غير محمله وأنِّي بلا زاد معرفيٍّ وبغير تحقيق ولا تمحيص، والحكم عليَّ في هذا هو فرع فهم أصل المسألة.
فبأيِّ حقٍّ وأيِّ منطق تخوض في المسألة كلَّ هذا الخوض وتطلق الأحكام بكلِّ هذه الجسارة ثمّ تقول إنَّك لن تخوض فيها وهي ليست من أولويَّاتك؟!
فطريقتك هي في نفسها محل نظر وتردد عظيم عندي.
ثمَّ ألا ترى أنَّ قولك إنَّ للمعلومات وجوداً علمياً أزلياً قولٌ لم يقل به أشعريٌّ معتبرٌ من قبل؟!
فهناك المعلوم وهناك صفة العلم وهناك تعلُّق صفة العلم، والموجود هو صفة العلم والمعلوم، أمَّا التَّعلُّق فاعتباريٌّ، فماذا تقصد أصلاً بقولك إنَّ للمعلومات وجوداً علمياً أزلياً؟!
فضلاً عن أن قلتَ إنَّ هذا ممَّا لا ريب فيه ولا شكَّ! وأنا أجزم أنَّك لم تقل بهذا القول الشَّاذِّ إلا لتقريب فهمك لوحدة الوجود، وإلا فإنَّك على قول السادة الأشاعرة تماماً بأن ليس هناك موجود قديم إلا الله تعالى، وأنَّ تعلُّقات العلم ليس وجوديَّة أصلاً، بل هي اعتباريَّة.
أليس استقراب قول باطل بكلِّ وجه لتقريب القول بوحدة الوجود طريقة باطلة في النقاش والحوار؟
وبعد ذلك لا نسلم أن هذا المعنى الذي تقنرحه هو المراد والمدلول من كلام ابن عربي أصلاً!
وكلامه أمامك وأمام كلِّ من يريد معرفته، وهو واضح لمن عنده الآلة للفهم.
ثمَّ إنَّك تقول إنَّ هذه المسألة ليست من أولوياتك وأنَّك تريد أن لا تخوض فيها، على رأسي...
فاختيار السكوت والتَّوقُّف حقٌّ لك...
لكن أن تُلزمني وتلزم الخلقَ بالتَّوقُّف والسكوت خطأ عظيم، فأنت تتوقَّف وتسكت لأنَّك ترى نفسك غير أهل في هذا أو لأنك ترى رأيا خاصاً في نفسك!! أو لأنَّك منشغل عنه أو لأنَّه في نفسه غير مهمٍّ عندك، لكن كيف يحقُّ لك أن تلزم نفسك بالتَّوقُّف؟!
رابعاً: استدلالك بالإمام الكرمانيِّ رحمه الله تعالى عليه ملحوظات:
الأولى: أطالبك بكامل كلامه، فالجزء الذي ذكرتَ غير كافٍ في معرفة قول الإمام الكرمانيِّ رحمه الله.
الثانية: هو قال: "ولعل كلامَهُم رمزٌ إلى أسراره سبحانه، ومحمول على التأويل".
فالإمام يحتمل احتمالاً لكلامهم هذا بقوله "لعلَّ"، فهو لا يجزم بأنَّ قولهم آيل إلى كونه أسراراً ورموزاً، بل بعد أن قرَّر قولهم احتمل هذا الاحتمال. ولكن كون كلامهم في حقيقته رموزاً وأسراراً هو خلاف الأصل، ولذا قال الإمام "لعلَّ"!
الثالثة: سلَّمنا ((تنزُّلاً)) أنَّ الإمام رحمه الله ينصُّ على أنَّ وحدة الوجود من باب الأسرار التي لا يدركها إلا الخواصُّ، فيكون حكمه هذا هو بأنَّه يجهل حقيقة وحدة الوجود.
فهل هذا عندك دليل على امتناع أن نفهم وحدة الوجود؟!
ليس بدليل عندي! فإنَّ من جهل شيئاً ليس بحجَّة على من علمه.
ثمَّ إنَّ كثيراً من العلماء قد عرَّفوا وحدة الوجود وعرفوها وبيَّنوها وناقشوها من الفريقين فريق القائلين بها وفريق المبطلين لها...
فالسيِّد الشريف الجرجانيُّ رحمه الله تعالى قد عرَّفها في رسالة بشكل واضح، والملا عبد الرحمن الجامي رحمه الله له رسالة «الدرة الفاخرة» وهي رسالة في غاية الوضوح في تبيين الفرق بين مذهب الوجوديَّة والمتكلمين والفلاسفة، والإمام السرهندي رحمه الله تعالى له مناقشة ظاهرة لوحدة الوجود، وكتب القائلين بالوحدة كثيرة في بيانها والاستدلال عليها.
فهل نردُّ كلام هؤلاء جميعاً لجزء جملة من كلام الإمام الكرمانيِّ رحمه الله؟!
هل نردُّ كلام من يقول إنَّه قد علم وفهم بكلام من يقول إنَّه قد لم يعلم أو من احتمل لها فهماً غير الظاهر منها؟! أو نردُّ من سوَّد الصفحات الكثيرة في تقرير وحدة الوجود كابن عربي نفسه ومن تلاميذه أنفسهم ومن تلاميذهم ومن غيرهم ممَّن ردَّ عليهم أو اكتفى في تقرير قولهم بهذه العبارة؟؟؟
أليست هذه طريقة ومنهجا غريبا عند أهل العلم، مخالفا للقواعد المقررة المعتبرة؟!!
لكنِّي لا أسلِّم أبداً أنَّ الإمام الكرمانيَّ رحمه الله تعالى قد قال إنَّه جاهل بحقيقة وحدة الوجود، ولا أنَّه قال إنَّ حقيقة وحدة الوجود ترجع إلى أسرار ورموز تُتأوَّل.
الرابعة: ليس الإمام الكرمانيُّ رحمه الله تعالى وحده مَن قال إنَّ السادة الصوفيَّة عندهم كلام هو رموز وأسرار فيتأوَّل كلامهم، بل قال ذلك كثير من السادة العلماء.
لكنَّ هذا إنَّما يصحُّ لمن كان كلامه من العارفين على سبيل الشَّطح أو ما كان عن حال فناء أو ما كان المخاطب فيه الخواصُّ من العارفين، أو حتى ما كان كلامه عبارة أو ثنتين أو ثلاثاً! هو يُتخيَّل أن يكون ممَّن كان في حال مجلس سماع أو ذكر، لكن أن يكون في حال تسويد صفحات كثيرة في التقرير والتحرير والاستدلال؟!
فكلام ابن عربي الذي هنا فهو تقرير للمسائل وتحرير للدلائل، فهو ليس من باب رموز ولا أسرار، هو متكلِّم بطريقة فلسفيَّة واضحة في تقرير المسائل، ويستدلُّ عليها باستدلالات عقليَّة، نعم هو يذكر الكشف، لكنَّه يذكره في الدلالة على أمر من المعقولات التي بها يخالف الأشاعرة.
فكلام الإمام الكرمانيِّ رحمه الله تعالى وغيره من السادة العلماء- لا يُوجَّه أبداً على كلام الشيخ ابن عربي!
قولك: "أدعوك إلى التريث أكثر وعدم التقحم بتلك الجرأة في مثل هذه المباحث، حتى ولو خيلت لك نفسك أنك أهل لها، وكما يقال: علمت شيئا وغابت عنك أشياء، والعلم كثير، وعقل ابن آدم صغير".
أقول: الإنسان إن تكلَّم على ما لا يعلم فهو مذموم، أمَّا إن تكلَّم على ما يعلم فلا يُذمُّ، فما يدريك أخي أنِّي يغيب عنِّي فهم حقيقة وحدة الوجود أو مسائلها؟!
أمَّا أنا فأعيد بأنِّي متوكِّد من أنَّ فهمي صحيح لأنِّي قرأت في وحدة الوجود لعدد من الكاتبين، وكلَّما قرأت لواحدت زاد علمي بأنَّ فهمي الأوَّل صحيح، فلا تعارض فيما كتب العلماء في تفسير حقيقة وحدة الوجود إلا من جهة اختلاف بعضهم في بعض جزئياتها، وهذه الاختلافات واضحة ظاهرة-.
ثمَّ إنِّي بعد أن علمتُ بأنِّي أعلم ما هي وحدة الوجود وجدتُ أنَّ من الواجب عليَّ نقد وحدة الوجود ونقد ابن عربي لأنَّه قائل بها، هذا واجب عليَّ كما يجب عليَّ نقد ابن تيمية فيما شذَّ فيه عن المسلمين وليس ذلك من باب أني أسوي بين الاثنين في العقائد، بل أسوي بينهما من حيث المنهج الذي ينبغي التعامل معهما به، فالاطراد المنهجي علامة السوية الفكرية.
قولك: "ولن أناقش ما ورد في كلامك من حمل لكلام ابن عربي على غير المحمل اللائق شكلا ومضمونا".
أقول: رجعتَ إلى المصادرة! يا أخي ما دمت تقول إن كلامه بالنسبة لك في مستوى الرمز وغير مفهوم، ولا أنت متأكد من دلالته على هذا المعنى الباطل الذي نوضحه، فحكمك على كلامي بأنَّه حمل لكلام ابن عربي على غير محمله فرع كونك متصوِّراً لكلام ابن عربي، لكنَّك لا تتصوَّر كلام ابن عربي أصلاً، ولست بأهل ذلك بحسب ما أقررتَ وما سبق من تقريرك الباطل لوحدة الوجود.
وعليه: حكمك على ما فعلتُ باطل.
قولك: "ولكن ثق أنك بالغت في تخيل مفاهيم لا علاقة لها بكلام ابن عربي".
أقول: من أين تريد أن أثق بذلك؟ هل تريدني أن أقلِّدك مثلاً؟ أو إنَّ مبالغتي ظاهرة عندك تماماً؟!
فبيِّن موضعها!
أو إنَّك فقط تعيد رمي الكلام إجمالاً وتعميماً؟!
إن كان عندك مثال عمليٌّ على أنِّي غلطتُ في الفهم أو بالغت فهاته.
وإلا فأرجو أن تتركني وما أقوم به ولا تقيدني باحتمالات عندك غير مدعَّمة بأدلة.
قولك: "وقد ذكرت لك شاهداً معتبراً من كلام إمام من أئمة الأشاعرة بلا منازعة يوقف المنصف على خطإك في شدة تسرعك ومسارعتك لتخطئة ابن عربي تخطئة مخرجة من الملة وإن لم تصرح بأنه خارج من الملة".
أقول: عبارة الإمام الكرمانيِّ لا تدلُّ على خطئي من أيِّ وجه!
فأولاً عبارته لا تفيد خطئي في تحليلي لكلام ابن عربي، وثانياً هات كامل كلامه!
أمَّا مسألة التكفير فأنت تعرف طريقة السادة المشايخ، فنحن كلامنا على تبيان الحقِّ وإظهار الباطل كي لا ينخدع النَّاس به.
ولا نحكم على النَّاس بكفر المعيَّن، فهذه مسألة فقهيَّة، أي نترك ذلك للفقهاء المشتغلين بتنزيل الأحكام على أفرادها الخارجية، وشغلنا إنما هو بيان الأفكار وتحقيقها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
نعم، أنا أقول وأصرِّح وأجزم بأن ابن عربي يقول بوحدة الوجود، وأجزم ببطلان هذا القول الفلسفيِّ، وأما الحكم على ابن عربي بعينه فأتركه للفقهاء.
ولا أدري تماماً إن كنتَ تريد بشبه الجملة هذه رميي بتكفير الرَّجل! فأنا موقفي في غاية الوضوح!!
ونصيحتي لك في النِّهاية أن تفعل ما هو واجب عليك، وهو أن تقرأ وتفهم قول هؤلاء القوم، فهم جزء من الأمَّة، ولهم آثارهم وإشكالاتهم التي بقيَّت في الأمّة إلى الآن مع أنَّ القائلين بوحدة الوجود على معناها الحقيقيِّ الآن ندرة، كما أنَّ المحقِّقين الحقيقيِّين في أغلب المذاهب ندرة-!
فإن تعلَّلتَ بالانشغال أو عدم الاهتمام فلا تقف ما ليس لك فيه علم.
وأقترح أن تغير موقفك النازع للتأويل والابتعاد عن ظواهر ابن عربي بلا أدلة كافية، وأن تعلم أن إبطال معتقد وحدة الوجود مهمة من المهمات...
وإنك إن استطعت أن تقنع المسلمين من أهل السنة بترك الكلام في ابن عربي والتأثر بكلماته الوجودية هذه، فلا سلطان لك على غيرهم من الفرق الأخرى ومن الأمم غير الإسلامية، فإن كثيرا منهم يعتمدون على ابن عربي في تقرير الوحدة كما هو معلوم. فالكلام في نقد مذهب ابن عربي كما يظهر من كلامه واجب لا بدَّ منه لمن يشتغل بعلم الكلام الذي تنادي أنت بضرورة إعادته إلى مكانته، وليس رجوعه إلى مكانته يتم بالطريقة التي تقترحها بل بما أوضح وبما عليه كثير من أعلام الأمة...
والسلام عليكم...
أخي الكريم نزار،
أوَّلاً: أصل هذا الموضوع هو في تبيان مخالفة الشيخ ابن عربي رحمه الله للسادة الأشاعرة في الاعتقاد، فنقلتُ عن عقيدة الخواصِّ نصوصاً كثيرة في ذلك هو بنفسه يخطِّئ الأشاعرة فيها ويخالفهم...
فأثبتُّ أنَّه مخالف للسادة الأشاعرة في الاعتقاد بغضِّ النَّظر عن كونه قائلاً بوحدة الوجود أو لا، فالمطلوب بالذات كان إثبات كونه مخالفاً لأهلِّ الحقِّ، وبالعَرَضِ كونه قائلاً بواحد من الفلسفات المخالفة متعيِّناً.
فأنت لم تناقشني في ما ناقشتُ فيه ابن عربي، فأوَّلاً ناقشني في أصل الموضوع، فهل ابن عربي أشعريٌّ مع كونه قائلاً بما قال مصرِّحاً به أو لا؟!
أمَّا أنَّ كلام ابن عربي الذي نقلتُه عنه ليس مفهوماً وهو من باب الأسرار والرموز فكلام ابن عربي في عقيدة الخواصِّ واضح كالشمس لمن كان متعلِّماً علمَ الكلام على وجهه، وأنا هاهنا أرجو منك رجاء، وهو أن تتناسى أنَّ كلام ابن عربي هو كلام ابن عربي، عدَّه كلاماً للسهرورديِ أو ابن سينا أو شخصاً مجهولاً، فهل ستحكم على كلامه السابق بأنَّه رموز وأسرار، أو ستجده في غايرة الوضوح في تقرير مسائل معيَّنة؟!
ثانياً: قد سبق منك تقرير معيَّن لوحدة الوجود، فهل تقرُّ بعد ما أجبتُك وبعد الذي ذكرتَ هاهنا أنَّك كنت في تقريرك ذاك مخطئاً؟
هل ما زلتَ على رأيك في أن وحدة الوجود التي يقول بها ابن عربي هي على النحو الذي قرَّرتَه أنت؟
وإنَّما أسألك هذا السؤال لكي أتوكَّد.
ثالثاً: الخوض في وحدة الوجود مهمٌّ في نفسه، فهو مذهب باطل يقول به عدد من الصوفيَّة، وخلاف الناس في تفسيره والحكم عليه كبير جداً، فلهذا مهمٌّ جدّاً الخوض فيه في نفسه، أمَّا كونه غير مهمٍّ عندك وليست له أولويَّة فلك ذلك، فليس يلزم الكلَّ البحثُ في المسائل كلِّها.
لكنَّ الأمر هو أنَّك قد خضتَ في هذه المسألة تماماً وفسَّرت وحدة الوجود بتفسيرك بتفسيرك الذي لم أقرأه ولم أسمعه من أحد أبداً... واتَّهمتني بالتَّعسُّف في الفهم وحمل كلام ابن عربي على غير محمله وأنِّي بلا زاد معرفيٍّ وبغير تحقيق ولا تمحيص، والحكم عليَّ في هذا هو فرع فهم أصل المسألة.
فبأيِّ حقٍّ وأيِّ منطق تخوض في المسألة كلَّ هذا الخوض وتطلق الأحكام بكلِّ هذه الجسارة ثمّ تقول إنَّك لن تخوض فيها وهي ليست من أولويَّاتك؟!
فطريقتك هي في نفسها محل نظر وتردد عظيم عندي.
ثمَّ ألا ترى أنَّ قولك إنَّ للمعلومات وجوداً علمياً أزلياً قولٌ لم يقل به أشعريٌّ معتبرٌ من قبل؟!
فهناك المعلوم وهناك صفة العلم وهناك تعلُّق صفة العلم، والموجود هو صفة العلم والمعلوم، أمَّا التَّعلُّق فاعتباريٌّ، فماذا تقصد أصلاً بقولك إنَّ للمعلومات وجوداً علمياً أزلياً؟!
فضلاً عن أن قلتَ إنَّ هذا ممَّا لا ريب فيه ولا شكَّ! وأنا أجزم أنَّك لم تقل بهذا القول الشَّاذِّ إلا لتقريب فهمك لوحدة الوجود، وإلا فإنَّك على قول السادة الأشاعرة تماماً بأن ليس هناك موجود قديم إلا الله تعالى، وأنَّ تعلُّقات العلم ليس وجوديَّة أصلاً، بل هي اعتباريَّة.
أليس استقراب قول باطل بكلِّ وجه لتقريب القول بوحدة الوجود طريقة باطلة في النقاش والحوار؟
وبعد ذلك لا نسلم أن هذا المعنى الذي تقنرحه هو المراد والمدلول من كلام ابن عربي أصلاً!
وكلامه أمامك وأمام كلِّ من يريد معرفته، وهو واضح لمن عنده الآلة للفهم.
ثمَّ إنَّك تقول إنَّ هذه المسألة ليست من أولوياتك وأنَّك تريد أن لا تخوض فيها، على رأسي...
فاختيار السكوت والتَّوقُّف حقٌّ لك...
لكن أن تُلزمني وتلزم الخلقَ بالتَّوقُّف والسكوت خطأ عظيم، فأنت تتوقَّف وتسكت لأنَّك ترى نفسك غير أهل في هذا أو لأنك ترى رأيا خاصاً في نفسك!! أو لأنَّك منشغل عنه أو لأنَّه في نفسه غير مهمٍّ عندك، لكن كيف يحقُّ لك أن تلزم نفسك بالتَّوقُّف؟!
رابعاً: استدلالك بالإمام الكرمانيِّ رحمه الله تعالى عليه ملحوظات:
الأولى: أطالبك بكامل كلامه، فالجزء الذي ذكرتَ غير كافٍ في معرفة قول الإمام الكرمانيِّ رحمه الله.
الثانية: هو قال: "ولعل كلامَهُم رمزٌ إلى أسراره سبحانه، ومحمول على التأويل".
فالإمام يحتمل احتمالاً لكلامهم هذا بقوله "لعلَّ"، فهو لا يجزم بأنَّ قولهم آيل إلى كونه أسراراً ورموزاً، بل بعد أن قرَّر قولهم احتمل هذا الاحتمال. ولكن كون كلامهم في حقيقته رموزاً وأسراراً هو خلاف الأصل، ولذا قال الإمام "لعلَّ"!
الثالثة: سلَّمنا ((تنزُّلاً)) أنَّ الإمام رحمه الله ينصُّ على أنَّ وحدة الوجود من باب الأسرار التي لا يدركها إلا الخواصُّ، فيكون حكمه هذا هو بأنَّه يجهل حقيقة وحدة الوجود.
فهل هذا عندك دليل على امتناع أن نفهم وحدة الوجود؟!
ليس بدليل عندي! فإنَّ من جهل شيئاً ليس بحجَّة على من علمه.
ثمَّ إنَّ كثيراً من العلماء قد عرَّفوا وحدة الوجود وعرفوها وبيَّنوها وناقشوها من الفريقين فريق القائلين بها وفريق المبطلين لها...
فالسيِّد الشريف الجرجانيُّ رحمه الله تعالى قد عرَّفها في رسالة بشكل واضح، والملا عبد الرحمن الجامي رحمه الله له رسالة «الدرة الفاخرة» وهي رسالة في غاية الوضوح في تبيين الفرق بين مذهب الوجوديَّة والمتكلمين والفلاسفة، والإمام السرهندي رحمه الله تعالى له مناقشة ظاهرة لوحدة الوجود، وكتب القائلين بالوحدة كثيرة في بيانها والاستدلال عليها.
فهل نردُّ كلام هؤلاء جميعاً لجزء جملة من كلام الإمام الكرمانيِّ رحمه الله؟!
هل نردُّ كلام من يقول إنَّه قد علم وفهم بكلام من يقول إنَّه قد لم يعلم أو من احتمل لها فهماً غير الظاهر منها؟! أو نردُّ من سوَّد الصفحات الكثيرة في تقرير وحدة الوجود كابن عربي نفسه ومن تلاميذه أنفسهم ومن تلاميذهم ومن غيرهم ممَّن ردَّ عليهم أو اكتفى في تقرير قولهم بهذه العبارة؟؟؟
أليست هذه طريقة ومنهجا غريبا عند أهل العلم، مخالفا للقواعد المقررة المعتبرة؟!!
لكنِّي لا أسلِّم أبداً أنَّ الإمام الكرمانيَّ رحمه الله تعالى قد قال إنَّه جاهل بحقيقة وحدة الوجود، ولا أنَّه قال إنَّ حقيقة وحدة الوجود ترجع إلى أسرار ورموز تُتأوَّل.
الرابعة: ليس الإمام الكرمانيُّ رحمه الله تعالى وحده مَن قال إنَّ السادة الصوفيَّة عندهم كلام هو رموز وأسرار فيتأوَّل كلامهم، بل قال ذلك كثير من السادة العلماء.
لكنَّ هذا إنَّما يصحُّ لمن كان كلامه من العارفين على سبيل الشَّطح أو ما كان عن حال فناء أو ما كان المخاطب فيه الخواصُّ من العارفين، أو حتى ما كان كلامه عبارة أو ثنتين أو ثلاثاً! هو يُتخيَّل أن يكون ممَّن كان في حال مجلس سماع أو ذكر، لكن أن يكون في حال تسويد صفحات كثيرة في التقرير والتحرير والاستدلال؟!
فكلام ابن عربي الذي هنا فهو تقرير للمسائل وتحرير للدلائل، فهو ليس من باب رموز ولا أسرار، هو متكلِّم بطريقة فلسفيَّة واضحة في تقرير المسائل، ويستدلُّ عليها باستدلالات عقليَّة، نعم هو يذكر الكشف، لكنَّه يذكره في الدلالة على أمر من المعقولات التي بها يخالف الأشاعرة.
فكلام الإمام الكرمانيِّ رحمه الله تعالى وغيره من السادة العلماء- لا يُوجَّه أبداً على كلام الشيخ ابن عربي!
قولك: "أدعوك إلى التريث أكثر وعدم التقحم بتلك الجرأة في مثل هذه المباحث، حتى ولو خيلت لك نفسك أنك أهل لها، وكما يقال: علمت شيئا وغابت عنك أشياء، والعلم كثير، وعقل ابن آدم صغير".
أقول: الإنسان إن تكلَّم على ما لا يعلم فهو مذموم، أمَّا إن تكلَّم على ما يعلم فلا يُذمُّ، فما يدريك أخي أنِّي يغيب عنِّي فهم حقيقة وحدة الوجود أو مسائلها؟!
أمَّا أنا فأعيد بأنِّي متوكِّد من أنَّ فهمي صحيح لأنِّي قرأت في وحدة الوجود لعدد من الكاتبين، وكلَّما قرأت لواحدت زاد علمي بأنَّ فهمي الأوَّل صحيح، فلا تعارض فيما كتب العلماء في تفسير حقيقة وحدة الوجود إلا من جهة اختلاف بعضهم في بعض جزئياتها، وهذه الاختلافات واضحة ظاهرة-.
ثمَّ إنِّي بعد أن علمتُ بأنِّي أعلم ما هي وحدة الوجود وجدتُ أنَّ من الواجب عليَّ نقد وحدة الوجود ونقد ابن عربي لأنَّه قائل بها، هذا واجب عليَّ كما يجب عليَّ نقد ابن تيمية فيما شذَّ فيه عن المسلمين وليس ذلك من باب أني أسوي بين الاثنين في العقائد، بل أسوي بينهما من حيث المنهج الذي ينبغي التعامل معهما به، فالاطراد المنهجي علامة السوية الفكرية.
قولك: "ولن أناقش ما ورد في كلامك من حمل لكلام ابن عربي على غير المحمل اللائق شكلا ومضمونا".
أقول: رجعتَ إلى المصادرة! يا أخي ما دمت تقول إن كلامه بالنسبة لك في مستوى الرمز وغير مفهوم، ولا أنت متأكد من دلالته على هذا المعنى الباطل الذي نوضحه، فحكمك على كلامي بأنَّه حمل لكلام ابن عربي على غير محمله فرع كونك متصوِّراً لكلام ابن عربي، لكنَّك لا تتصوَّر كلام ابن عربي أصلاً، ولست بأهل ذلك بحسب ما أقررتَ وما سبق من تقريرك الباطل لوحدة الوجود.
وعليه: حكمك على ما فعلتُ باطل.
قولك: "ولكن ثق أنك بالغت في تخيل مفاهيم لا علاقة لها بكلام ابن عربي".
أقول: من أين تريد أن أثق بذلك؟ هل تريدني أن أقلِّدك مثلاً؟ أو إنَّ مبالغتي ظاهرة عندك تماماً؟!
فبيِّن موضعها!
أو إنَّك فقط تعيد رمي الكلام إجمالاً وتعميماً؟!
إن كان عندك مثال عمليٌّ على أنِّي غلطتُ في الفهم أو بالغت فهاته.
وإلا فأرجو أن تتركني وما أقوم به ولا تقيدني باحتمالات عندك غير مدعَّمة بأدلة.
قولك: "وقد ذكرت لك شاهداً معتبراً من كلام إمام من أئمة الأشاعرة بلا منازعة يوقف المنصف على خطإك في شدة تسرعك ومسارعتك لتخطئة ابن عربي تخطئة مخرجة من الملة وإن لم تصرح بأنه خارج من الملة".
أقول: عبارة الإمام الكرمانيِّ لا تدلُّ على خطئي من أيِّ وجه!
فأولاً عبارته لا تفيد خطئي في تحليلي لكلام ابن عربي، وثانياً هات كامل كلامه!
أمَّا مسألة التكفير فأنت تعرف طريقة السادة المشايخ، فنحن كلامنا على تبيان الحقِّ وإظهار الباطل كي لا ينخدع النَّاس به.
ولا نحكم على النَّاس بكفر المعيَّن، فهذه مسألة فقهيَّة، أي نترك ذلك للفقهاء المشتغلين بتنزيل الأحكام على أفرادها الخارجية، وشغلنا إنما هو بيان الأفكار وتحقيقها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
نعم، أنا أقول وأصرِّح وأجزم بأن ابن عربي يقول بوحدة الوجود، وأجزم ببطلان هذا القول الفلسفيِّ، وأما الحكم على ابن عربي بعينه فأتركه للفقهاء.
ولا أدري تماماً إن كنتَ تريد بشبه الجملة هذه رميي بتكفير الرَّجل! فأنا موقفي في غاية الوضوح!!
ونصيحتي لك في النِّهاية أن تفعل ما هو واجب عليك، وهو أن تقرأ وتفهم قول هؤلاء القوم، فهم جزء من الأمَّة، ولهم آثارهم وإشكالاتهم التي بقيَّت في الأمّة إلى الآن مع أنَّ القائلين بوحدة الوجود على معناها الحقيقيِّ الآن ندرة، كما أنَّ المحقِّقين الحقيقيِّين في أغلب المذاهب ندرة-!
فإن تعلَّلتَ بالانشغال أو عدم الاهتمام فلا تقف ما ليس لك فيه علم.
وأقترح أن تغير موقفك النازع للتأويل والابتعاد عن ظواهر ابن عربي بلا أدلة كافية، وأن تعلم أن إبطال معتقد وحدة الوجود مهمة من المهمات...
وإنك إن استطعت أن تقنع المسلمين من أهل السنة بترك الكلام في ابن عربي والتأثر بكلماته الوجودية هذه، فلا سلطان لك على غيرهم من الفرق الأخرى ومن الأمم غير الإسلامية، فإن كثيرا منهم يعتمدون على ابن عربي في تقرير الوحدة كما هو معلوم. فالكلام في نقد مذهب ابن عربي كما يظهر من كلامه واجب لا بدَّ منه لمن يشتغل بعلم الكلام الذي تنادي أنت بضرورة إعادته إلى مكانته، وليس رجوعه إلى مكانته يتم بالطريقة التي تقترحها بل بما أوضح وبما عليه كثير من أعلام الأمة...
والسلام عليكم...
تعليق