بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه أما بعد :
معذرة أنني أعود و قد كثرت الردود في الموضوع و تباعدت، و ما كان ينبغي أن أعود و لا أن أتداخل من البداية لأن الموضوع كان موضوع الشيخ همام أصلا، و لكنني أحب أن أوجز ها هنا مسائل تعلقت برد الشيخ هانئ هنأه الله في الدارين في عبارات بسيطة موجزة و نكتفي بها إن شاء الله حتى لا يمل القارئ... و سأبتعد إن شاء الله عن تناول العبارات الشخصية فليس فيها كبير جدوى...
أما سعيد بن جبير فخرج مع الخارجين في ثورة القراء مع ابن الأشعث رحم الله الجميع لما ثبت عندهم من كفر الحجاج ، فليس الأمر مجرد نهي وأمر كما سبق ، وعدم ثبوت كفر الحجاج عندك أو عدم تصورك تكفير من خرج عليه له لا ينفي هذه الحقيقة التاريخية الثابتة وراجع تفضلا ما كتب في شأن ثورة ابن الأشعث وأسبابها يظهر لك الأمر .
جزمك بكفر الحجاج معتمدا فيه على روايات بصيغة التمريض مع أنك تمنع ذلك لغيرك، و قد كنت نقلت لك خطب الخارجين و هم يحرضون جيش القراء فكان ذلك منهم جميعا أنه من باب النهي عن المنكر و زالة الظلم و رفعه...
و أنا لا أعارضك إن قلت أن الحجاج كافر لتبديله الشرع، و لكنني قلت لك قس عليه بشار الأسد فقط (يعني تنزلا)...
قال الذهبي : أهلكه الله في رمضان سنة خمس وتسعين كهلا وكان ظلوما جبارا ناصبيا خبيثا سفاكا للدماء وكان ذا شجاعة وإقدام وكر ودهاء وقد سقت من سوء سيرته بالتاريخ الكبير وحصاره لابن الزبير بالكعبة ورميه إياه بالمنجنيق وإذلاله لأهل الحرمين ثم ولايته على العراق والمشرق كله عشرين سنة وحروب ابن الأشعث له وتأخيره للصلوات إلى أن استأصله الله فنسبه ولا نحبه بل نبغضه في الله فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه وأمره إلى الله وله توحيد في الجملة ونظراء من ظلمة الجبابرة والأمراء...
قال ابن عبد البر : الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي أمه فارعة بنت همام بن عقيل بن عروة بن مسعود الثقفي كانت قبل أبيه تحت المغيرة بن شعبة وكان الحجاج عند جمهور العلماء أهلاً لأن يروى عنه ولا يؤثر حديثه ولا يذكر بخير لسوء سره وإفراطه في الظلم ومن أهل العلم طائفة تكفره وقد ذكرنا أخبارهم في كتاب مفرد ولي الحجاز ثلاث سنين وولي العراق عشرين سنة قدم عليهم سنة خمس وسبعين ومات سنة خمس وتسعين . التمهيد ( 10/ 10)
فأين تورعك عن إنزال حكم الكفر في شخص مختلف في أمره على الأقل؟؟
ثم إني قلت لك شيخنا أن الحجاج لعنة الله عليه إنما كان عامل الخليفة، و من خرج على الحجاج فإنما خرج على ولي الأمر...
و أما كلام الأبي رحمة الله عليه فلاحظ قوله في تلك الروايات "إن ثبتت" و كيف تثبت و هي كلها بصيغ التمريض و الانقطاع الفاضح؟
قلت شيخنا :قال القاضي عياض في إكمال المعلم :
بل كان في هذا الخلاف أولاً ثم وقع الاتفاق بعد على ترك القيام...
فلاحظ شيخنا الفاضل و تكفيك الإشارة، و أما قولة أن ذلك كان مذهب السلف ثم هجر، فكم هو جميل أن يهجر دين السلف...
مسألة اعتماد الإخباريين في ما نورده من أخبار مولاي أنا أعلم أننا سنختلف فيها، و هي مسألة اختلف فيها الأكابر فنرجيها إن شاء الله...
مسألة سيدنا الحسين عليه السلام قلت فيها :
أنت تصر أن تجعل الحسين باغيا خارجا على يزيد بينما التاريخ والسادة الفقهاء من خلفه يصرون أن ذلك محض وهم شاع بين الناس لا يعضده أي حقيقة تاريخية .
و هنا لا أملك أن أقول لك عن أي حقيقة تاريخية تتكلم شيخنا، فكونه خرج مقطوع به في جميع الكتب، و لكننا اختلفنا أنا و أنت كما قلته أنت في أن الأمر لم يكن قد استتب ليزيد... فعن أي عدم خروج تقصد؟
سبق و أن ذكرتك بما نقلته أنت من كلام الصاوي عليه رحمة الله بأن التعيين و القهر من أشكال ثبوت الحكم
قال الإمام: إما بيعة أهل الحل والعقد ، وإما بعهد الإمام الذي قبله له وإما بتغلبه ، على الناس ، وحينئذ فلا يشترط فيه شرط لأن من اشتدت وطأته وجبت طاعته ..
و هما معا قد ثبتا ليزيد، و ابن عمر كان يمنع عياله من حل بيعة يزيد، و يعتبره ولي الأمر تماما مثلما تقول، فعلام خلافنا؟؟
نقلي ما دار بين سيدنا الحسين عليه السلام و أهل بيته و أصحابه كما قلت أنت من كتب الشيعة بالنسبة إلي ليست منقصة لأنها مجرد أخبار تاريخية هي على مباني من اعتنى بها صحيحة، ردك لتلك المسرحية كما تبدو لك لم أكن أنتظر منك أكثر منه، لكنني فعلت ذلك عن قصد...
و لم تكن لإثبات وجهة نظري لأنني سبقتها لك بما ثبت في كتب أهل السنة من الخروج إلى سيدنا الحسين و إرسال الرسل له و نقل حديث أمنا عائشة رضي الله عنها و في الباب الكثير منه...
و أما كلامك عن الواقدي رحمه الله تعالى فقد قلت لك آنفا أن المسألة كبيرة و أظنك تعلم حجمها، فنرجيها لموضوع آخر، و الواقدي إن كان لديك كما عبرت عنه فهو في الأخبار عمدة و لدى كثير من العلماء لم ير مثله في زمانه علما...
سألت من أين تلك النبوءات و كأنك تجهل بأنك تلكم النبوءات عرفها من اعتنى بحديث رسول الله و عرف غيرها الكثير، و مع ذلك فعن أم سلمة قالت: كان جبريل عند النبي - صلى الله عليه و على آله وسلم- والحسين معي، فبكى الحسين فتركته فدخل على النبي - صلى الله عليه و على آله وسلم- فدنى من النبي - صلى الله عليه و على آله وسلم-، فقال جبريل: أتحبه يا محمد؟ فقال: نعم. قال: إن أمتك ستقتله وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها فأراه إياها فإذا الأرض يقال لها كربلاء...
قلت شيخنا الفاضل الندي : أما استسهالك إزهاق أرواح المسلمين ... وما يدريك أنه يبقى عاصيا !!
لمجرد أن الظلم يزال و يرفع في شريعة الله، و لا يرضى بالظلم و هو قادر على إزالته من في قلبه إيمان، و القدرة بعدها يفصل فيها، و لكن النهي عن المنكر (و الظلم منكر كبير) واجب على كل مؤمن بحسب طاقته و قدرته.. و حفظ الدين و رفع الظلم و إزالته و إبعاد الأذية عن جمع المسلمين و عن نفس المظلوم مقدم على الصبر عليه عند القدرة، و قد يرجع العكس..
قلت شيخنا :
وحبذا لو راجعت كتابي الجهاد والبغي من كتب الفقه المعتبرة ثم أخبرتنا بما تجد .
أفعل إن شاء الله شيخنا الفاضل الكريم.. سمعا و طاعة..
قلت شيخنا :فأقول:
قيد (العدل) من كيسك فلا اعتبار به ، وأئمتنا يعرفون الباغية كما في مختصر خليل :
[ (ص) : الباغية فرقة خالفت الإمام لمنع حق أو لخلغه ] آ.هـ
فلو أكملت العبارة سيدنا الفاضل ستجدها ربما هكذا : قال الباغيةُ : فرقةٌ خالفت الإمام بمنع حق ، أو لقلعِه ، فللعدلِ قتالهم وإِن تأولوا..
قال رحمه الله تعالى: وعلم أنه لو خرجت لا لمنع حق بل لمنع ظلم كأمره بمعصية ليست بباغية كما يفهم من كلام ابن عرفة. وزاد ابن عرفة وابن الحاجب قيدا آخر وهو كون الخروج مغالبة ولا بد منه.
قلت سيدي :
هذا محض وهم منك أو ربما سوء فهم ، وإلا تكرم ودلني أين بالضبط قلتُ ما ادعيتَ علي ؟
قلت سيدي في مشاكرتك رقم 37 :
بينما يشترط في صحة وجواز الخروج والبغي على الحاكم الظالم عدالة الداعي إلى ذلك !!
ويشترط في صحة الخروج والبغي الشوكة والراية والجماعة ، بينما لا يشترط شيء من ذلك في الأمر والنهي ، بل لو لم يكن إلا هو لجاز له الأمر والنهي وأجره على الله !!
فأظن العبارة لك و أنا لم أفتر عليك... و قد كنت أنا في المشاركة رقم 20:
أشرت سيدي إلى الشرائط التي ينبغي أن تستجمع في الخارجين، و هذا هو الذي ينبغي أن يركز عليه، لا أن نقول بعدم جواز الخروج على الحاكم لأننا اتفقنا أن هذا الإطلاق ليس على حقيقته، فعدلنا إلى إمكانية الخروج على الحاكم و حتما هناك ما يكون واجبا و هناك ما يكون فضلا لا يستطيعه إلا السادة من الناس، فعدلنا إلى إطلاق جواز الخروج على الحاكم لكن بشرائط، و أظننا متفقان إلى هذه الغاية، و أننا إنما سنختلف في توفر الشروط التي سنتفق عليها كذلك بناء على ما نص عليه الفقهاء...
فلست أدري بعدها من منا لا يقرأ كلام الآخر، و لكن لا بأس و أنا صدقني شيخنا الفاضل كثرت علي المشاغل هذه الأيام فاعذرني إن أهملت شيئا من كلامك أو بدا مني قصر فهم أو غباء...
قلت شيخنا الفاضل : وأحب منك أن تدلني أنت على ثورة واحدة توفرت فيها شرائط الخروج حتى تطالبونا بدعمها .
انتظر حتى نتفق على أن الخروج ليس حراما على إطلاقه، فأنا إلى الآن لم أفهم منك أتقول بإطلاق الحرمة على كل خروج أم تعتبر شروطا للخروج كما يقول ذلك ساداتنا؟ و أما عن الثورات التي لا تعجبك سوى لأن الإخوان يقطفون ثمارها، فهي ناجحة من حيث الانتصار، و قطف الإخوان لها (على ما ننكره عليهم) ليس إلا لأن علماء أهل السنة متقوقعون...
مسألة الفروق يا سيدي ليست المسألة أنها لم ترقني، قال رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم: سَيَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ , فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ , وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ , وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ فَذَلِكُمُ الْهَالِكُ..
و قال :
ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون مالًا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل...
جاء في مواهب الجليل: إنما الطاعة في المعروف إنما للحصر ويعني به ما ليس بمنكر ولا معصية فيدخل فيه الطاعة الواجبة والمندوب إليها والامور الجائزة شرعا. فلو أمر بجائز صارت طاعته فيه واجبة ولما حلت مخالفته، فلو أمر بما زجر الشرع عنه زجر تنزيه لا تحريم فهذا مشكل والاظهر جواز المخالفة تمسكا بقوله: إنما الطاعة في المعروف وهذا ليس بمعروف إلا أن يخاف على نفسه منه فله أن يقتتل انتهى.
و أما الرواية التي نعود إليها دائما فيا سيدي هي لم تعد تفيد بعد أن أجبتني بأن سيدنا النفس الزكية كان ظالما و أنه قتل ظالما... و لكن لو لاحظت الرواية و الكتاب لا أملكه و لا يمكنني الوصول إليها حيث أنا، فهو يقول فيها و لك أن تفيدنا إن كنت أنا واهما: و قال حدثني عبد الحميد...
و هنا احتمال إما أن سيدنا الطبري كاذب رحمة الله عليه و حاشاه، و إما أنه ينقل في سياق كلام متصل عن أحد الرواة فيقول قال و قال و قال أنه حدثه عبد الحميد، فليتك ترجع للكتاب و تفيدنا في المسألة، و لا أظن من ذكرت لك و أوردها جازما يغفل عما ذكرته أنت شيخنا الفاضل، و عبد الحميد هو عبد الحميد بذكر اسمه و اسم أبيه و كنيته فعلام الخلاف؟
قلت سيدي : الفرق بين الحسين عليه السلام وغيره أن غيره كمحمد النفس الزكية- خرجوا على سلطة استقر لها الأمر واستتب الحكم واجتمع عليها الناس...
اعذر قلة معلوماتي و ثقافتي المتواضعة سيدي، لكن السفاح أخو السفاح لم يكن قد استتب له الأمر، و كيف و قد كان خرج عليه ابراهيم في محل ثان و بالتزامن مع النفس الزكية و لما زحف عليه إلى قصره أسرج المنصور بغاله ليهرب من قصره... فكيف تقول أن الأمر استتب له بخلاف يزيد ؟
و من خرج على يزيد في وقت سيدنا الحسين غيره؟ أما مكة و الأقاليم فقد كانوا كارهين لحكمه غير مبايعين له كما كانوا كارهين لحكم أبيه من قبله، و هذا لا يمنع استتباب الأمر له، و كيف توفق بين قول الإمام أنه لا يشترط فيه بعد ذلك شرط و بين شرطك هذا الذي تقول به إن سلمنا استتباب الأمر للمنصور؟؟
قلت شيخنا الفاضل: فإن كان عدلا مستجمعا للشرائط صاحب شوكة وراية وظهر حسمه النزاع بأقل الأضرار فبغيه جائز وخروجه حلال بل يجب على المسلمين كفاية معونته والوقوف معه حتى يتم الإطاحة بالحاكم الظالم .
ذلك ما كنت أدعوك لمدارسته في مشاركتي 20 فكنت تقول حرمة الخروج مطلقا.. فأنت ها هنا تقول بأن من الخروج ما يجوز و ما يندب و ما يجب كما قلت لك في مشاركتي رقم 20...
و قولك أن من أئمة السلف من نفر عنه فكذلك كان الحال مع سيدنا الحسين عليه السلام و لك في ابن عمر رضي الله عنه مثال... و أما استشهادك بسيدنا جعفر الصادق في ذلك فصحيح لكن ليس لأنه يرى حرمة الخروج مطلقا، بل لأنه يرى أن كل سيف من العترة خرج على ظالم زمانه فمكسور، و هو لم يخرج مع عمه أولا لأجل ذلك...
و أما سيدنا سفيان الثوري فالرواية عنه متضاربة في ذلك، و بعض سادات أهل البيت الذين لم يخرجوا فربما ذلك راجع إلى ما يقولون به من أن الإمامة إنما تكون بعد سيدنا الحسين في ولده...
تفسير وسعك بالأمر فيه ما فيه من المخالفة لقواعد اللغة يا مولانا، و سيدنا ابن العربي رحمه الله تعالى تعرف رأيه في المسألة و ما ذهب إليه في شأن سيدنا الحسين عليه السلام فهل تقول بقوله؟ و أما قول سيدنا سحنون عليه رحمات الله بعدها فينظر فيها عندما نتحدث عن شروط صحة الخروج التي نتفق على التفصيل فيه كما سبق...
قلت شيخنا الفاضل : فاقصد شيخا مجازا في الفقه المالكي واقرأ عليه باب البغي من الشرح الصغير للقطب الدردير وستنجلي كل عقدة بإذن الله .
أفعل إن شاء الله شيخنا و بارك الله فيك على هذه النصيحة الغالية...
معذرة أنني أعود و قد كثرت الردود في الموضوع و تباعدت، و ما كان ينبغي أن أعود و لا أن أتداخل من البداية لأن الموضوع كان موضوع الشيخ همام أصلا، و لكنني أحب أن أوجز ها هنا مسائل تعلقت برد الشيخ هانئ هنأه الله في الدارين في عبارات بسيطة موجزة و نكتفي بها إن شاء الله حتى لا يمل القارئ... و سأبتعد إن شاء الله عن تناول العبارات الشخصية فليس فيها كبير جدوى...
أما سعيد بن جبير فخرج مع الخارجين في ثورة القراء مع ابن الأشعث رحم الله الجميع لما ثبت عندهم من كفر الحجاج ، فليس الأمر مجرد نهي وأمر كما سبق ، وعدم ثبوت كفر الحجاج عندك أو عدم تصورك تكفير من خرج عليه له لا ينفي هذه الحقيقة التاريخية الثابتة وراجع تفضلا ما كتب في شأن ثورة ابن الأشعث وأسبابها يظهر لك الأمر .
جزمك بكفر الحجاج معتمدا فيه على روايات بصيغة التمريض مع أنك تمنع ذلك لغيرك، و قد كنت نقلت لك خطب الخارجين و هم يحرضون جيش القراء فكان ذلك منهم جميعا أنه من باب النهي عن المنكر و زالة الظلم و رفعه...
و أنا لا أعارضك إن قلت أن الحجاج كافر لتبديله الشرع، و لكنني قلت لك قس عليه بشار الأسد فقط (يعني تنزلا)...
قال الذهبي : أهلكه الله في رمضان سنة خمس وتسعين كهلا وكان ظلوما جبارا ناصبيا خبيثا سفاكا للدماء وكان ذا شجاعة وإقدام وكر ودهاء وقد سقت من سوء سيرته بالتاريخ الكبير وحصاره لابن الزبير بالكعبة ورميه إياه بالمنجنيق وإذلاله لأهل الحرمين ثم ولايته على العراق والمشرق كله عشرين سنة وحروب ابن الأشعث له وتأخيره للصلوات إلى أن استأصله الله فنسبه ولا نحبه بل نبغضه في الله فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه وأمره إلى الله وله توحيد في الجملة ونظراء من ظلمة الجبابرة والأمراء...
قال ابن عبد البر : الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي أمه فارعة بنت همام بن عقيل بن عروة بن مسعود الثقفي كانت قبل أبيه تحت المغيرة بن شعبة وكان الحجاج عند جمهور العلماء أهلاً لأن يروى عنه ولا يؤثر حديثه ولا يذكر بخير لسوء سره وإفراطه في الظلم ومن أهل العلم طائفة تكفره وقد ذكرنا أخبارهم في كتاب مفرد ولي الحجاز ثلاث سنين وولي العراق عشرين سنة قدم عليهم سنة خمس وسبعين ومات سنة خمس وتسعين . التمهيد ( 10/ 10)
فأين تورعك عن إنزال حكم الكفر في شخص مختلف في أمره على الأقل؟؟
ثم إني قلت لك شيخنا أن الحجاج لعنة الله عليه إنما كان عامل الخليفة، و من خرج على الحجاج فإنما خرج على ولي الأمر...
و أما كلام الأبي رحمة الله عليه فلاحظ قوله في تلك الروايات "إن ثبتت" و كيف تثبت و هي كلها بصيغ التمريض و الانقطاع الفاضح؟
قلت شيخنا :قال القاضي عياض في إكمال المعلم :
بل كان في هذا الخلاف أولاً ثم وقع الاتفاق بعد على ترك القيام...
فلاحظ شيخنا الفاضل و تكفيك الإشارة، و أما قولة أن ذلك كان مذهب السلف ثم هجر، فكم هو جميل أن يهجر دين السلف...
مسألة اعتماد الإخباريين في ما نورده من أخبار مولاي أنا أعلم أننا سنختلف فيها، و هي مسألة اختلف فيها الأكابر فنرجيها إن شاء الله...
مسألة سيدنا الحسين عليه السلام قلت فيها :
أنت تصر أن تجعل الحسين باغيا خارجا على يزيد بينما التاريخ والسادة الفقهاء من خلفه يصرون أن ذلك محض وهم شاع بين الناس لا يعضده أي حقيقة تاريخية .
و هنا لا أملك أن أقول لك عن أي حقيقة تاريخية تتكلم شيخنا، فكونه خرج مقطوع به في جميع الكتب، و لكننا اختلفنا أنا و أنت كما قلته أنت في أن الأمر لم يكن قد استتب ليزيد... فعن أي عدم خروج تقصد؟
سبق و أن ذكرتك بما نقلته أنت من كلام الصاوي عليه رحمة الله بأن التعيين و القهر من أشكال ثبوت الحكم
قال الإمام: إما بيعة أهل الحل والعقد ، وإما بعهد الإمام الذي قبله له وإما بتغلبه ، على الناس ، وحينئذ فلا يشترط فيه شرط لأن من اشتدت وطأته وجبت طاعته ..
و هما معا قد ثبتا ليزيد، و ابن عمر كان يمنع عياله من حل بيعة يزيد، و يعتبره ولي الأمر تماما مثلما تقول، فعلام خلافنا؟؟
نقلي ما دار بين سيدنا الحسين عليه السلام و أهل بيته و أصحابه كما قلت أنت من كتب الشيعة بالنسبة إلي ليست منقصة لأنها مجرد أخبار تاريخية هي على مباني من اعتنى بها صحيحة، ردك لتلك المسرحية كما تبدو لك لم أكن أنتظر منك أكثر منه، لكنني فعلت ذلك عن قصد...
و لم تكن لإثبات وجهة نظري لأنني سبقتها لك بما ثبت في كتب أهل السنة من الخروج إلى سيدنا الحسين و إرسال الرسل له و نقل حديث أمنا عائشة رضي الله عنها و في الباب الكثير منه...
و أما كلامك عن الواقدي رحمه الله تعالى فقد قلت لك آنفا أن المسألة كبيرة و أظنك تعلم حجمها، فنرجيها لموضوع آخر، و الواقدي إن كان لديك كما عبرت عنه فهو في الأخبار عمدة و لدى كثير من العلماء لم ير مثله في زمانه علما...
سألت من أين تلك النبوءات و كأنك تجهل بأنك تلكم النبوءات عرفها من اعتنى بحديث رسول الله و عرف غيرها الكثير، و مع ذلك فعن أم سلمة قالت: كان جبريل عند النبي - صلى الله عليه و على آله وسلم- والحسين معي، فبكى الحسين فتركته فدخل على النبي - صلى الله عليه و على آله وسلم- فدنى من النبي - صلى الله عليه و على آله وسلم-، فقال جبريل: أتحبه يا محمد؟ فقال: نعم. قال: إن أمتك ستقتله وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها فأراه إياها فإذا الأرض يقال لها كربلاء...
قلت شيخنا الفاضل الندي : أما استسهالك إزهاق أرواح المسلمين ... وما يدريك أنه يبقى عاصيا !!
لمجرد أن الظلم يزال و يرفع في شريعة الله، و لا يرضى بالظلم و هو قادر على إزالته من في قلبه إيمان، و القدرة بعدها يفصل فيها، و لكن النهي عن المنكر (و الظلم منكر كبير) واجب على كل مؤمن بحسب طاقته و قدرته.. و حفظ الدين و رفع الظلم و إزالته و إبعاد الأذية عن جمع المسلمين و عن نفس المظلوم مقدم على الصبر عليه عند القدرة، و قد يرجع العكس..
قلت شيخنا :
وحبذا لو راجعت كتابي الجهاد والبغي من كتب الفقه المعتبرة ثم أخبرتنا بما تجد .
أفعل إن شاء الله شيخنا الفاضل الكريم.. سمعا و طاعة..
قلت شيخنا :فأقول:
قيد (العدل) من كيسك فلا اعتبار به ، وأئمتنا يعرفون الباغية كما في مختصر خليل :
[ (ص) : الباغية فرقة خالفت الإمام لمنع حق أو لخلغه ] آ.هـ
فلو أكملت العبارة سيدنا الفاضل ستجدها ربما هكذا : قال الباغيةُ : فرقةٌ خالفت الإمام بمنع حق ، أو لقلعِه ، فللعدلِ قتالهم وإِن تأولوا..
قال رحمه الله تعالى: وعلم أنه لو خرجت لا لمنع حق بل لمنع ظلم كأمره بمعصية ليست بباغية كما يفهم من كلام ابن عرفة. وزاد ابن عرفة وابن الحاجب قيدا آخر وهو كون الخروج مغالبة ولا بد منه.
قلت سيدي :
هذا محض وهم منك أو ربما سوء فهم ، وإلا تكرم ودلني أين بالضبط قلتُ ما ادعيتَ علي ؟
قلت سيدي في مشاكرتك رقم 37 :
بينما يشترط في صحة وجواز الخروج والبغي على الحاكم الظالم عدالة الداعي إلى ذلك !!
ويشترط في صحة الخروج والبغي الشوكة والراية والجماعة ، بينما لا يشترط شيء من ذلك في الأمر والنهي ، بل لو لم يكن إلا هو لجاز له الأمر والنهي وأجره على الله !!
فأظن العبارة لك و أنا لم أفتر عليك... و قد كنت أنا في المشاركة رقم 20:
أشرت سيدي إلى الشرائط التي ينبغي أن تستجمع في الخارجين، و هذا هو الذي ينبغي أن يركز عليه، لا أن نقول بعدم جواز الخروج على الحاكم لأننا اتفقنا أن هذا الإطلاق ليس على حقيقته، فعدلنا إلى إمكانية الخروج على الحاكم و حتما هناك ما يكون واجبا و هناك ما يكون فضلا لا يستطيعه إلا السادة من الناس، فعدلنا إلى إطلاق جواز الخروج على الحاكم لكن بشرائط، و أظننا متفقان إلى هذه الغاية، و أننا إنما سنختلف في توفر الشروط التي سنتفق عليها كذلك بناء على ما نص عليه الفقهاء...
فلست أدري بعدها من منا لا يقرأ كلام الآخر، و لكن لا بأس و أنا صدقني شيخنا الفاضل كثرت علي المشاغل هذه الأيام فاعذرني إن أهملت شيئا من كلامك أو بدا مني قصر فهم أو غباء...
قلت شيخنا الفاضل : وأحب منك أن تدلني أنت على ثورة واحدة توفرت فيها شرائط الخروج حتى تطالبونا بدعمها .
انتظر حتى نتفق على أن الخروج ليس حراما على إطلاقه، فأنا إلى الآن لم أفهم منك أتقول بإطلاق الحرمة على كل خروج أم تعتبر شروطا للخروج كما يقول ذلك ساداتنا؟ و أما عن الثورات التي لا تعجبك سوى لأن الإخوان يقطفون ثمارها، فهي ناجحة من حيث الانتصار، و قطف الإخوان لها (على ما ننكره عليهم) ليس إلا لأن علماء أهل السنة متقوقعون...
مسألة الفروق يا سيدي ليست المسألة أنها لم ترقني، قال رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم: سَيَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ , فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ , وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ , وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ فَذَلِكُمُ الْهَالِكُ..
و قال :
ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون مالًا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل...
جاء في مواهب الجليل: إنما الطاعة في المعروف إنما للحصر ويعني به ما ليس بمنكر ولا معصية فيدخل فيه الطاعة الواجبة والمندوب إليها والامور الجائزة شرعا. فلو أمر بجائز صارت طاعته فيه واجبة ولما حلت مخالفته، فلو أمر بما زجر الشرع عنه زجر تنزيه لا تحريم فهذا مشكل والاظهر جواز المخالفة تمسكا بقوله: إنما الطاعة في المعروف وهذا ليس بمعروف إلا أن يخاف على نفسه منه فله أن يقتتل انتهى.
و أما الرواية التي نعود إليها دائما فيا سيدي هي لم تعد تفيد بعد أن أجبتني بأن سيدنا النفس الزكية كان ظالما و أنه قتل ظالما... و لكن لو لاحظت الرواية و الكتاب لا أملكه و لا يمكنني الوصول إليها حيث أنا، فهو يقول فيها و لك أن تفيدنا إن كنت أنا واهما: و قال حدثني عبد الحميد...
و هنا احتمال إما أن سيدنا الطبري كاذب رحمة الله عليه و حاشاه، و إما أنه ينقل في سياق كلام متصل عن أحد الرواة فيقول قال و قال و قال أنه حدثه عبد الحميد، فليتك ترجع للكتاب و تفيدنا في المسألة، و لا أظن من ذكرت لك و أوردها جازما يغفل عما ذكرته أنت شيخنا الفاضل، و عبد الحميد هو عبد الحميد بذكر اسمه و اسم أبيه و كنيته فعلام الخلاف؟
قلت سيدي : الفرق بين الحسين عليه السلام وغيره أن غيره كمحمد النفس الزكية- خرجوا على سلطة استقر لها الأمر واستتب الحكم واجتمع عليها الناس...
اعذر قلة معلوماتي و ثقافتي المتواضعة سيدي، لكن السفاح أخو السفاح لم يكن قد استتب له الأمر، و كيف و قد كان خرج عليه ابراهيم في محل ثان و بالتزامن مع النفس الزكية و لما زحف عليه إلى قصره أسرج المنصور بغاله ليهرب من قصره... فكيف تقول أن الأمر استتب له بخلاف يزيد ؟
و من خرج على يزيد في وقت سيدنا الحسين غيره؟ أما مكة و الأقاليم فقد كانوا كارهين لحكمه غير مبايعين له كما كانوا كارهين لحكم أبيه من قبله، و هذا لا يمنع استتباب الأمر له، و كيف توفق بين قول الإمام أنه لا يشترط فيه بعد ذلك شرط و بين شرطك هذا الذي تقول به إن سلمنا استتباب الأمر للمنصور؟؟
قلت شيخنا الفاضل: فإن كان عدلا مستجمعا للشرائط صاحب شوكة وراية وظهر حسمه النزاع بأقل الأضرار فبغيه جائز وخروجه حلال بل يجب على المسلمين كفاية معونته والوقوف معه حتى يتم الإطاحة بالحاكم الظالم .
ذلك ما كنت أدعوك لمدارسته في مشاركتي 20 فكنت تقول حرمة الخروج مطلقا.. فأنت ها هنا تقول بأن من الخروج ما يجوز و ما يندب و ما يجب كما قلت لك في مشاركتي رقم 20...
و قولك أن من أئمة السلف من نفر عنه فكذلك كان الحال مع سيدنا الحسين عليه السلام و لك في ابن عمر رضي الله عنه مثال... و أما استشهادك بسيدنا جعفر الصادق في ذلك فصحيح لكن ليس لأنه يرى حرمة الخروج مطلقا، بل لأنه يرى أن كل سيف من العترة خرج على ظالم زمانه فمكسور، و هو لم يخرج مع عمه أولا لأجل ذلك...
و أما سيدنا سفيان الثوري فالرواية عنه متضاربة في ذلك، و بعض سادات أهل البيت الذين لم يخرجوا فربما ذلك راجع إلى ما يقولون به من أن الإمامة إنما تكون بعد سيدنا الحسين في ولده...
تفسير وسعك بالأمر فيه ما فيه من المخالفة لقواعد اللغة يا مولانا، و سيدنا ابن العربي رحمه الله تعالى تعرف رأيه في المسألة و ما ذهب إليه في شأن سيدنا الحسين عليه السلام فهل تقول بقوله؟ و أما قول سيدنا سحنون عليه رحمات الله بعدها فينظر فيها عندما نتحدث عن شروط صحة الخروج التي نتفق على التفصيل فيه كما سبق...
قلت شيخنا الفاضل : فاقصد شيخا مجازا في الفقه المالكي واقرأ عليه باب البغي من الشرح الصغير للقطب الدردير وستنجلي كل عقدة بإذن الله .
أفعل إن شاء الله شيخنا و بارك الله فيك على هذه النصيحة الغالية...
تعليق