بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و من والاه أما بعد:
هذا الموضوع كان الشيخ عبد العظيم النابلسي كلاما رأيته يستاهل أن يكمله و أن نقرأه فأحببت أن نفرده بموضوع مستقل بعدا به عن كل عصبية، فمعذرة من الشيخ جلال أن قد فعلت خلاف ما رأى و أرجو من الشيخ النابلسي متابعة الموضوع:
السؤال هو : حكم الخروج على الإمام الفاسق أو خلعه هل هو واحد لا غير أم إنه مختلف باختلاف أنواع الفسوق و بتفاوت المصالح و المفاسد التي يفرضها الواقع ؟
للإجابة لا بد من تحديد شيئين :
الأول : نقاط الاتفاق .
الثاني : تحديد المصطلحات في هذه المسألة .
الأول : نقاط الاتفاق .
نتفق على أن :
- الذي لا ينطبق عليه مفهوم الإمام لا يسمى إماما ، ولا تشمله أحكام الخروج على الإمام أو خلعه ، ولا تشمل الخارجين عليه أحكام البغاة مطلقا .
- الكفر و التكفير أحكامه تؤخذ من كتب الفقه و كتب العقائد (عقائد أهل السنة و الجماعة الأشاعرة و الماتريدية و من دار في فلكهم)
- هناك أسباب تؤدي إلى حل الإمامة و عدم اعتبارها حتى و لو تنصب الحاكم للحكم، تفصيلها في كتب الفقه و كتب العقائد .
- أجمع العلماء على أن إمامة الكافر لا تنعقد ابتداء ، ولو ارتد أو استولى كافرعلى الحكم فلا اعتبار لولايته و لا لإمامته .
- الفسوق له مراتب و انواع و أسباب متفاوتة في الفساد و في مدة دوامها ، و يختلف الفسق باختلاف ما يقترن به من مفاسد .
- شأن الإمامة مبناه على جلب المصالح و دفع المفاسد .
الثاني : تحديد المصطلحات في هذه المسألة
1- الإمام .
الإمام : هو الشخص الذي ثبتت له الإمامة بالطرق التي تثبت بها في الشرع .
و الإمامة كما عرفها الآمدي و العضد و الشريف و السعد و البيضاوي و الكمال بن أبي شريف هي : " رياسة عامة في الدين و الدنيا خلافة عن النبي (ص) في إقامة قوانين الدين و حفظ حوزة الملة بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة " اهـ أبكار الأفكار وشرح المواقف وشرح المقاصد و شرح مطالع الأنظار و المسامرة .
فمن لا يصدق عليه هذا التعريف لا يكون إماما ولا يستحق ما للإمام من أحكام ، و لا يقال لمن قام عليه بأنه باغ على الإمامة او خارج بغير حق .
فلو خرج الناس على من ليس بإماما لهم فإنهم لا تشملهم أحكام البغاة لأنهم عندئذ لم يخرجوا على إمام . و الذين خرجوا على تلك النوعيات من الرؤساء في بعض دول الربيع العربي رأوا أن رؤساءهم ليسوا أئمة .
فليست رئاستهم رئاسة دينية ، و لم يكن الدين سببا في كونهم رؤساء ، و لم يكن هدفهم دينيا عند ترأسهم ، وليسوا معترفين بأن الدين طريق للرئاسة ، أي إنهم لا يخضعون لحكم الدين لو كان يقضي عليهم بترك منصبهم لغيرهم .
و أي واحد فيهم يستحق الاتباع في الدين ؟ كيف يكون هؤلاء متبعين ؟ هل يتعبدنا الله باتباع الفجار و الحثالات و المارقين و الباطنيين و الــ ...... إلخ ؟؟ محال
هذا للمثال لا للحصر.
فإذا لم يكونوا كذلك فليسوا بأئمة .
قد يقول قائل : فإذا لم نسمهم أئمة فماذا نسميهم ؟
أقول: سمهم رؤساء أو حكام أو سلاطين أو ملوك ...إلخ .
- قال الكمال بن أبي شريف في المسامرة بشرح المسايرة : " و اعلم انه قد اتفق أهل الحق و هم أهل السنة و الجماعة رضي الله عنهم على أن معاوية أيام خلافة علي من الملوك لا من الخلفاء " اهـ
ثم وجه قول بعض العلماء بإمامة معاوية بأنها محمولة على إمامته بعد تسليم الحسن الأمر له ، أما في أيام الحسن فقد كان ملكا لا إماما.
- و قال البكي الكومي في تحرير المطالب شرح عقيدة ابن الحاجب : " ثبت عنه ص أنه قال : ( الخلافة بعدي ثلاثون ثم تكون بعدي ملكا عضوضا) . ففرق بين الخلافة و الملك ، فمن كان مستوفيا للشروط المعتبرة فهو خليفة و إلا فهو ملك " اهــ
إذا فهناك فرق بين الإمام و الملك . الإمام من يصدق عليه التعريف السابق أمام الملك و غيره فلا .
و يجب أن نعرف هذه النقطة جيدا ، لأن أحكام الخروج على الأئمة بعضها لا يشملهم .
2- الفسق.
- قال القاضي عبد رب النبي في دستور العلماء : " الفسق : الخروج عن طاعة الله تعالى بارتكاب الكبيرة ، وينبغي أن يقيد بعدم التأويل في ارتكاب الكبيرة للاتفاق على أن الباغي ليس بفاسق ، وفي معنى ارتكاب الكبيرة الإصرار على الصغائر بمعنى الإكثار منها ، سواء كانت من نوع واحد أو من أنواع مختلفة،
وأما استحلال المعصية بمعنى اعتقاد حلها فكفر صغيرة كانت أو كبيرة ،
وكذا الاستهانة بها ، بمعنى عدها هيئة ترتكب من غير مبالاة وتجري مجرى المباحات. " اهــ
- و قال مميزا بين الفسق الكفري و الفسق غير المكفر : " فإنا نقول إن الفاسق بالفسق الذي هو كفر كافر وإنما النزاع في الفسق الذي سوى الكفر" اهــ
- قال التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون : " الفسق: بالكسر وسكون السين المهملة في اللغة عدم إطاعة أمر الله تعالى فيشتمل الكافر والمسلم العاصي . وفي الشرع ارتكاب المسلم كبيرة أو صغيرة مع الإصرار عليها. فالمسلم المرتكب للكبيرة أو المصرّ على الصغيرة يسمّى فاسقا. فبقيد المسلم خرج الكافر، وبالقيدين الأخيرين خرج العدل، هكذا يستفاد من العضدي وجامع الرموز. " اهــ
- و قال الكفوي في الكليات : " وكله راجع في اللغة إلى الخروج من قولهم : فسقت الرطبة عن القشر.
( وإنه لفسق) : أي خروج عن الحق ،
ويختلف الخروج فتارة خروج فعل ، وأخرى خروج اعتقاد وفعل ،
والفاسق أعم من الكافر، والظالم أعم من الفاسق ، والفاجر يطلق على الكافر والفاسق " اهـــ
- و قال الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح: " والفسق لغة خروج عن الاستقامة وهو معنى قولهم خروج الشيء عن الشيء على وجه الفساد وشرعا خروج عن طاعة الله تعالى بارتكاب كبيرة . قال القهستاني : أي أو إصرار على صغيرة وينبغي أن يراد بلا تأويل وإلا فيشكل بالبغاة وذلك كنمّام ومراء وشارب خمر اهـ " اهــ.
- و قال الماوردي في الحاوي : " أَمَّا الْفِسْقُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا تَعَلَّقَ بِأَفْعَالٍ يَتَّبِعُ فِيهَا الشَّهْوَةَ ..... وَالضَّرْبُ الثَّانِي : مِنَ الْفِسْقِ مَا اخْتَصَّ بِاعْتِقَادٍ يَتَعَلَّقُ فِيهِ بِشُبْهَةٍ يَتَأَوَّلُ بِهَا خِلَافَ الْحَقِّ . " اهـــ
- و قال الراغب الأصفهاني في تفسيره : " لما كان الفسق هو الخروج عن أمر اللّه وطاعته ، وكان بين أدنى منزلة وبين أقصاها بون بعيد صار له منازل كثيرة " اهــ
و قال في كفاية النبيه قال : ( قال : عدلا ، أي ليس بفاسق ، و قد يعبر عن هذا بالورع و التقوى و الأمانة ) فالفسق ضد الورع .
و كذلك فسر العدل في المسامرة نقلا عن حجة الإسلام .
فهناك فسق مكفر و فسق غير مكفر ، و للفسق درجات و أنواع و هيئات و أسباب و ظروف و أحوال ، منه ما هو دائم و منه ما يجري مجرى العثرة ، و منه ما يصحبه الكفر و منه ما يصحبه فعل الكبائر....إلخ و منه ما يصحبه الاعتداء على الحقوق و إهمال الواجبات ومنه ما يتضمن الاستخفاف بأحكام الدين و عدم الثقة بها ، فلا بد من اعتبار هذه النقطة لكي نفهم الخلاف الحاصل بين العلماء في حكم الخروج على الإمام الفاسق ، أي واحد من هذه الأنواع قصدوا .
و بسبب هذا الاختلاف في مفهوم الفسق و مقداره و دوامه و ما يقترن به من مفاسد اختلفت أحكام العلماء في خلع الأئمة الفساق وفي أحكام الخروج عليهم .
3- الخروج .
الخروج هو فعل الخارجين ، وهو في اللغة الانفصال و الترك . أي ترك الطاعة بالقوة .
و خروج البغاة يسمى (البغي) و هو : ترك طاعة الإمام الحق الذي ثبتت له الإمامة بالطرق التي تثبت بها في الشرع بشرط شوكة لهم و مطاع فيهم و تأويل - باطل في نفسه - صحيح من وجهة نظرهم .
قال الهيتمي في تحفة المحتاج شرح المنهاج : " لِأَنَّ الْبَغْيَ خُرُوجٌ عَلَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ الْقَائِمِ بِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا " اهـ .
فلا بد من توفر هذه الشروط في الخارجين حتى يسموا بغاة ، و إذا لم تتوفر لم يسموا بغاة . فلو كان لهم دليل قطعي على الخروج مثلا ككفر الإمام المغير للشرع و الذي لا مفسدة من الخروج عليه و لا مصلحة في بقائه - لا يسمون بغاة ، هذا للتمثيل لا للحصر.
و لذلك سمى العلماء خروج الحسن على يزيد خروجا و لم يسموه بغيا ، و كذلك سموا خروج ابن الزبير على عبد الملك خروجا و لم يسموه بغيا ، و كذلك خروج الكثير من السلف مع كل منهما ضد يزيد و عبد الملك بن مروان ولم يسمه احد بغيا ، و كذلك خروج محمد النفس الزكية و خروج زيد بن علي و خروج إبراهيم ابن عبد الله أخي النفس الزكية على حكام عصرهم ، و كذلك قتلة سيدنا عثمان ليسوا بغاة بل عتاة و ظلام لأنهم أصروا بعد أن انحلت شبهتهم فليس خروجهم بغيا بل عتوا و عدوانا . ( و سيأتي بيان من كلام العلماء بأن فعل الحسين يسمى خروجا ) .
و قد فرق العلماء في التسمية بين الخروج و البغي .
فهناك خروجُ بغي // و خروجٌ لا بغي فيه.
و لا بد من التفريق بينهما ، حتى لا يفهم كلام العلماء فهما خاطئا إذا قالوا ( الخروج على الإمام حرام ) أو ( الخروج على هذا الحاكم واجب) ، فالحرام هو خروج البغاة أو العتاة .
و الباغي لم يستحق هذا الاسم لأنه قصد خلع الإمام ، و إلا لكان كل من قصد خلع إمام باغيا و هو محال .
و لذلك كله لا يسمى كل من خرج على الإمام بهدف خلعه باغيا كما سنبين، يسمى باغيا إذا استجمع الشروط المذكورة في البغي.
ولا بد هنا من التفريق بين الخروج و الخلع .
الأول:الخروج غير الخلع، فليس كل من قصد الإمام بخلع كان خارجا عليه ، و إنما الخروج هو ترك الطاعة بالقوة أو الاستقواء ، و الخلع إزالة الإمام عن منصبه لسبب يوجبه .
الثاني : أن استحقاق الخلع شرط للخروج . فالخلع يلزم من عدمه عدم الخروج ، و لا يلزم من وجوده وجود الخروج و لا عدمه .
فمن لم يستحق الخلع امتنع الخروج عليه ، وكل من استحق الخلع فالخروج عليه وعدمه متاحان يرجح أحدهما الأصلح للأمة باجتهاد المعتبرين كما سنبين من أقوال الفقهاء .
الثالث : أن من لم تنعقد له الإمامةُ أو من انحلت إمامته بعد انعقادها لا يسمى (إماما) ولا تشمله أحكام الخلع و الخروج عليه .
و بناء على ما سبق نسأل السؤال التالي :
- حكم الخروج على الإمام الفاسق أو خلعه هل هو واحد لا غير أم إنه مختلف باختلاف أنواع الفسوق و بتفاوت المصالح و المفاسد التي يفرضها الواقع ؟
لم أجد في كتب الفقهاء و المتكلمين من تناول هذا الموضوع بهذا النفس العميق الذي تناوله به في كتاب غياثُ الأممِ في التياثِ الظـُّلَم كما هو متوقع من هذه الشخصية الفريدة في تاريخ البشرية جمعاء ، كيف وكتبه بحور زاخرة و بدور زاهرة و كواكب لامعة و شهب ساطعة ، يُرجَع إليها في المشكلات و يستضاء بنورها في المعضلات ، كيف و صاحبها هو قاضي محاكم المعقول و المنقول و فيصل أحكامها ، و قائد جحافل الفروع و الأصول و رافع لوائها ؟
وكم أزداد ثقة بمذهب أهل السنة كلما طالعت لهذه النادرة البشرية المسماة بإمام الحرمين أبي المعالي الجويني .
و لن أجد منه لهجة و هو يصف كتابه قائلا : " وَالْآنَ كَمَا انْتَهَى مَقْصِدُنَا فِي هَذِهِ الْفُنُونِ- وَقَدْ جَرَتْ بِيُمْنِ أَيَّامِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ كَهْفِ الْأَنَامِ - عَلَى زُمرةٍ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا، وَلَمْ يَجْرِ فِي تَصَانِيفِ الْمُتَقَدِّمِينَ شَكْلُهَا، وَنَبَّهْتُ عَلَى دَقَائِقَ لَمْ يَخْطِرْ لِلْغَوَّاصِينَ فَرْعُهَا وَأَصْلُهَا، عَلَى أَنِّي لَمْ أَذْكُرْ - وَاللَّهِ - إِلَّا أَطْرَافًا، وَلَمْ أَقْصِدْ إِلَّا اسْتِطْرَافًا" اهــ
- و قال : " وَهَذَا مُشْكِلٌ عَظِيمٌ بَيَّنْتُهُ، وَسِرٌّ جَسِيمٌ فِي الْإِيَالَةِ أَعْلَنْتُهُ، وَلَا يَحْظَى - وَاللَّهِ - بِهَذَا الْكِتَابِ إِلَّا مَنْ وَافَقَهُ التَّوْفِيقُ، وَسَاوَقَهُ التَّحْقِيقُ، فَكَمْ فِيهِ مِنْ عُقَدٍ فِي مُشْكِلَاتٍ فَضَضْتُهَا، وَأَبْكَارٍ مِنْ بَدَائِعِ الْمَعَانِي افْتَضَضْتُهَا " اهــ
- و قال : " وَأَنَا أَتَحَدَّى عُلَمَاءَ الدَّهْرِ فِيمَا أَوْضَحْتُ فِيهِ مَسْلَكَ الِاسْتِدْلَالِ، فَمَنْ أَبْدَى مُخَالَفَةً فَدُونَهُ وَالنِّزَالُ فِي مَوَاقِفِ الرِّجَالِ.
وَهُوَ قَوْلٌ أَضْمَنُ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَتِهِ فِي الْيَوْمِ الْجَمِّ الْأَهْوَالِ، إِذَا حَقَّتِ الْمُحَاقَّةُ فِي السُّؤَالِ، مِنَ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ، ذِي الْجَلَالِ .
ثُمَّ قُرُبَاتُ الْعَالَمِينَ، وَتَطَوُّعَاتُ الْمُتَقَرِّبِينَ، لَا تُوَازِي وَقْفَةً مِنْ وَقَفَاتِ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي الذَّبِّ عَنِ الدِّينِ. " اهـ
فلله دره ما أصدقه في ما يقول
ينبع ..... .
هذا الموضوع كان الشيخ عبد العظيم النابلسي كلاما رأيته يستاهل أن يكمله و أن نقرأه فأحببت أن نفرده بموضوع مستقل بعدا به عن كل عصبية، فمعذرة من الشيخ جلال أن قد فعلت خلاف ما رأى و أرجو من الشيخ النابلسي متابعة الموضوع:
السؤال هو : حكم الخروج على الإمام الفاسق أو خلعه هل هو واحد لا غير أم إنه مختلف باختلاف أنواع الفسوق و بتفاوت المصالح و المفاسد التي يفرضها الواقع ؟
للإجابة لا بد من تحديد شيئين :
الأول : نقاط الاتفاق .
الثاني : تحديد المصطلحات في هذه المسألة .
الأول : نقاط الاتفاق .
نتفق على أن :
- الذي لا ينطبق عليه مفهوم الإمام لا يسمى إماما ، ولا تشمله أحكام الخروج على الإمام أو خلعه ، ولا تشمل الخارجين عليه أحكام البغاة مطلقا .
- الكفر و التكفير أحكامه تؤخذ من كتب الفقه و كتب العقائد (عقائد أهل السنة و الجماعة الأشاعرة و الماتريدية و من دار في فلكهم)
- هناك أسباب تؤدي إلى حل الإمامة و عدم اعتبارها حتى و لو تنصب الحاكم للحكم، تفصيلها في كتب الفقه و كتب العقائد .
- أجمع العلماء على أن إمامة الكافر لا تنعقد ابتداء ، ولو ارتد أو استولى كافرعلى الحكم فلا اعتبار لولايته و لا لإمامته .
- الفسوق له مراتب و انواع و أسباب متفاوتة في الفساد و في مدة دوامها ، و يختلف الفسق باختلاف ما يقترن به من مفاسد .
- شأن الإمامة مبناه على جلب المصالح و دفع المفاسد .
الثاني : تحديد المصطلحات في هذه المسألة
1- الإمام .
الإمام : هو الشخص الذي ثبتت له الإمامة بالطرق التي تثبت بها في الشرع .
و الإمامة كما عرفها الآمدي و العضد و الشريف و السعد و البيضاوي و الكمال بن أبي شريف هي : " رياسة عامة في الدين و الدنيا خلافة عن النبي (ص) في إقامة قوانين الدين و حفظ حوزة الملة بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة " اهـ أبكار الأفكار وشرح المواقف وشرح المقاصد و شرح مطالع الأنظار و المسامرة .
فمن لا يصدق عليه هذا التعريف لا يكون إماما ولا يستحق ما للإمام من أحكام ، و لا يقال لمن قام عليه بأنه باغ على الإمامة او خارج بغير حق .
فلو خرج الناس على من ليس بإماما لهم فإنهم لا تشملهم أحكام البغاة لأنهم عندئذ لم يخرجوا على إمام . و الذين خرجوا على تلك النوعيات من الرؤساء في بعض دول الربيع العربي رأوا أن رؤساءهم ليسوا أئمة .
فليست رئاستهم رئاسة دينية ، و لم يكن الدين سببا في كونهم رؤساء ، و لم يكن هدفهم دينيا عند ترأسهم ، وليسوا معترفين بأن الدين طريق للرئاسة ، أي إنهم لا يخضعون لحكم الدين لو كان يقضي عليهم بترك منصبهم لغيرهم .
و أي واحد فيهم يستحق الاتباع في الدين ؟ كيف يكون هؤلاء متبعين ؟ هل يتعبدنا الله باتباع الفجار و الحثالات و المارقين و الباطنيين و الــ ...... إلخ ؟؟ محال
هذا للمثال لا للحصر.
فإذا لم يكونوا كذلك فليسوا بأئمة .
قد يقول قائل : فإذا لم نسمهم أئمة فماذا نسميهم ؟
أقول: سمهم رؤساء أو حكام أو سلاطين أو ملوك ...إلخ .
- قال الكمال بن أبي شريف في المسامرة بشرح المسايرة : " و اعلم انه قد اتفق أهل الحق و هم أهل السنة و الجماعة رضي الله عنهم على أن معاوية أيام خلافة علي من الملوك لا من الخلفاء " اهـ
ثم وجه قول بعض العلماء بإمامة معاوية بأنها محمولة على إمامته بعد تسليم الحسن الأمر له ، أما في أيام الحسن فقد كان ملكا لا إماما.
- و قال البكي الكومي في تحرير المطالب شرح عقيدة ابن الحاجب : " ثبت عنه ص أنه قال : ( الخلافة بعدي ثلاثون ثم تكون بعدي ملكا عضوضا) . ففرق بين الخلافة و الملك ، فمن كان مستوفيا للشروط المعتبرة فهو خليفة و إلا فهو ملك " اهــ
إذا فهناك فرق بين الإمام و الملك . الإمام من يصدق عليه التعريف السابق أمام الملك و غيره فلا .
و يجب أن نعرف هذه النقطة جيدا ، لأن أحكام الخروج على الأئمة بعضها لا يشملهم .
2- الفسق.
- قال القاضي عبد رب النبي في دستور العلماء : " الفسق : الخروج عن طاعة الله تعالى بارتكاب الكبيرة ، وينبغي أن يقيد بعدم التأويل في ارتكاب الكبيرة للاتفاق على أن الباغي ليس بفاسق ، وفي معنى ارتكاب الكبيرة الإصرار على الصغائر بمعنى الإكثار منها ، سواء كانت من نوع واحد أو من أنواع مختلفة،
وأما استحلال المعصية بمعنى اعتقاد حلها فكفر صغيرة كانت أو كبيرة ،
وكذا الاستهانة بها ، بمعنى عدها هيئة ترتكب من غير مبالاة وتجري مجرى المباحات. " اهــ
- و قال مميزا بين الفسق الكفري و الفسق غير المكفر : " فإنا نقول إن الفاسق بالفسق الذي هو كفر كافر وإنما النزاع في الفسق الذي سوى الكفر" اهــ
- قال التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون : " الفسق: بالكسر وسكون السين المهملة في اللغة عدم إطاعة أمر الله تعالى فيشتمل الكافر والمسلم العاصي . وفي الشرع ارتكاب المسلم كبيرة أو صغيرة مع الإصرار عليها. فالمسلم المرتكب للكبيرة أو المصرّ على الصغيرة يسمّى فاسقا. فبقيد المسلم خرج الكافر، وبالقيدين الأخيرين خرج العدل، هكذا يستفاد من العضدي وجامع الرموز. " اهــ
- و قال الكفوي في الكليات : " وكله راجع في اللغة إلى الخروج من قولهم : فسقت الرطبة عن القشر.
( وإنه لفسق) : أي خروج عن الحق ،
ويختلف الخروج فتارة خروج فعل ، وأخرى خروج اعتقاد وفعل ،
والفاسق أعم من الكافر، والظالم أعم من الفاسق ، والفاجر يطلق على الكافر والفاسق " اهـــ
- و قال الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح: " والفسق لغة خروج عن الاستقامة وهو معنى قولهم خروج الشيء عن الشيء على وجه الفساد وشرعا خروج عن طاعة الله تعالى بارتكاب كبيرة . قال القهستاني : أي أو إصرار على صغيرة وينبغي أن يراد بلا تأويل وإلا فيشكل بالبغاة وذلك كنمّام ومراء وشارب خمر اهـ " اهــ.
- و قال الماوردي في الحاوي : " أَمَّا الْفِسْقُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا تَعَلَّقَ بِأَفْعَالٍ يَتَّبِعُ فِيهَا الشَّهْوَةَ ..... وَالضَّرْبُ الثَّانِي : مِنَ الْفِسْقِ مَا اخْتَصَّ بِاعْتِقَادٍ يَتَعَلَّقُ فِيهِ بِشُبْهَةٍ يَتَأَوَّلُ بِهَا خِلَافَ الْحَقِّ . " اهـــ
- و قال الراغب الأصفهاني في تفسيره : " لما كان الفسق هو الخروج عن أمر اللّه وطاعته ، وكان بين أدنى منزلة وبين أقصاها بون بعيد صار له منازل كثيرة " اهــ
و قال في كفاية النبيه قال : ( قال : عدلا ، أي ليس بفاسق ، و قد يعبر عن هذا بالورع و التقوى و الأمانة ) فالفسق ضد الورع .
و كذلك فسر العدل في المسامرة نقلا عن حجة الإسلام .
فهناك فسق مكفر و فسق غير مكفر ، و للفسق درجات و أنواع و هيئات و أسباب و ظروف و أحوال ، منه ما هو دائم و منه ما يجري مجرى العثرة ، و منه ما يصحبه الكفر و منه ما يصحبه فعل الكبائر....إلخ و منه ما يصحبه الاعتداء على الحقوق و إهمال الواجبات ومنه ما يتضمن الاستخفاف بأحكام الدين و عدم الثقة بها ، فلا بد من اعتبار هذه النقطة لكي نفهم الخلاف الحاصل بين العلماء في حكم الخروج على الإمام الفاسق ، أي واحد من هذه الأنواع قصدوا .
و بسبب هذا الاختلاف في مفهوم الفسق و مقداره و دوامه و ما يقترن به من مفاسد اختلفت أحكام العلماء في خلع الأئمة الفساق وفي أحكام الخروج عليهم .
3- الخروج .
الخروج هو فعل الخارجين ، وهو في اللغة الانفصال و الترك . أي ترك الطاعة بالقوة .
و خروج البغاة يسمى (البغي) و هو : ترك طاعة الإمام الحق الذي ثبتت له الإمامة بالطرق التي تثبت بها في الشرع بشرط شوكة لهم و مطاع فيهم و تأويل - باطل في نفسه - صحيح من وجهة نظرهم .
قال الهيتمي في تحفة المحتاج شرح المنهاج : " لِأَنَّ الْبَغْيَ خُرُوجٌ عَلَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ الْقَائِمِ بِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا " اهـ .
فلا بد من توفر هذه الشروط في الخارجين حتى يسموا بغاة ، و إذا لم تتوفر لم يسموا بغاة . فلو كان لهم دليل قطعي على الخروج مثلا ككفر الإمام المغير للشرع و الذي لا مفسدة من الخروج عليه و لا مصلحة في بقائه - لا يسمون بغاة ، هذا للتمثيل لا للحصر.
و لذلك سمى العلماء خروج الحسن على يزيد خروجا و لم يسموه بغيا ، و كذلك سموا خروج ابن الزبير على عبد الملك خروجا و لم يسموه بغيا ، و كذلك خروج الكثير من السلف مع كل منهما ضد يزيد و عبد الملك بن مروان ولم يسمه احد بغيا ، و كذلك خروج محمد النفس الزكية و خروج زيد بن علي و خروج إبراهيم ابن عبد الله أخي النفس الزكية على حكام عصرهم ، و كذلك قتلة سيدنا عثمان ليسوا بغاة بل عتاة و ظلام لأنهم أصروا بعد أن انحلت شبهتهم فليس خروجهم بغيا بل عتوا و عدوانا . ( و سيأتي بيان من كلام العلماء بأن فعل الحسين يسمى خروجا ) .
و قد فرق العلماء في التسمية بين الخروج و البغي .
فهناك خروجُ بغي // و خروجٌ لا بغي فيه.
و لا بد من التفريق بينهما ، حتى لا يفهم كلام العلماء فهما خاطئا إذا قالوا ( الخروج على الإمام حرام ) أو ( الخروج على هذا الحاكم واجب) ، فالحرام هو خروج البغاة أو العتاة .
و الباغي لم يستحق هذا الاسم لأنه قصد خلع الإمام ، و إلا لكان كل من قصد خلع إمام باغيا و هو محال .
و لذلك كله لا يسمى كل من خرج على الإمام بهدف خلعه باغيا كما سنبين، يسمى باغيا إذا استجمع الشروط المذكورة في البغي.
ولا بد هنا من التفريق بين الخروج و الخلع .
الأول:الخروج غير الخلع، فليس كل من قصد الإمام بخلع كان خارجا عليه ، و إنما الخروج هو ترك الطاعة بالقوة أو الاستقواء ، و الخلع إزالة الإمام عن منصبه لسبب يوجبه .
الثاني : أن استحقاق الخلع شرط للخروج . فالخلع يلزم من عدمه عدم الخروج ، و لا يلزم من وجوده وجود الخروج و لا عدمه .
فمن لم يستحق الخلع امتنع الخروج عليه ، وكل من استحق الخلع فالخروج عليه وعدمه متاحان يرجح أحدهما الأصلح للأمة باجتهاد المعتبرين كما سنبين من أقوال الفقهاء .
الثالث : أن من لم تنعقد له الإمامةُ أو من انحلت إمامته بعد انعقادها لا يسمى (إماما) ولا تشمله أحكام الخلع و الخروج عليه .
و بناء على ما سبق نسأل السؤال التالي :
- حكم الخروج على الإمام الفاسق أو خلعه هل هو واحد لا غير أم إنه مختلف باختلاف أنواع الفسوق و بتفاوت المصالح و المفاسد التي يفرضها الواقع ؟
لم أجد في كتب الفقهاء و المتكلمين من تناول هذا الموضوع بهذا النفس العميق الذي تناوله به في كتاب غياثُ الأممِ في التياثِ الظـُّلَم كما هو متوقع من هذه الشخصية الفريدة في تاريخ البشرية جمعاء ، كيف وكتبه بحور زاخرة و بدور زاهرة و كواكب لامعة و شهب ساطعة ، يُرجَع إليها في المشكلات و يستضاء بنورها في المعضلات ، كيف و صاحبها هو قاضي محاكم المعقول و المنقول و فيصل أحكامها ، و قائد جحافل الفروع و الأصول و رافع لوائها ؟
وكم أزداد ثقة بمذهب أهل السنة كلما طالعت لهذه النادرة البشرية المسماة بإمام الحرمين أبي المعالي الجويني .
و لن أجد منه لهجة و هو يصف كتابه قائلا : " وَالْآنَ كَمَا انْتَهَى مَقْصِدُنَا فِي هَذِهِ الْفُنُونِ- وَقَدْ جَرَتْ بِيُمْنِ أَيَّامِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ كَهْفِ الْأَنَامِ - عَلَى زُمرةٍ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا، وَلَمْ يَجْرِ فِي تَصَانِيفِ الْمُتَقَدِّمِينَ شَكْلُهَا، وَنَبَّهْتُ عَلَى دَقَائِقَ لَمْ يَخْطِرْ لِلْغَوَّاصِينَ فَرْعُهَا وَأَصْلُهَا، عَلَى أَنِّي لَمْ أَذْكُرْ - وَاللَّهِ - إِلَّا أَطْرَافًا، وَلَمْ أَقْصِدْ إِلَّا اسْتِطْرَافًا" اهــ
- و قال : " وَهَذَا مُشْكِلٌ عَظِيمٌ بَيَّنْتُهُ، وَسِرٌّ جَسِيمٌ فِي الْإِيَالَةِ أَعْلَنْتُهُ، وَلَا يَحْظَى - وَاللَّهِ - بِهَذَا الْكِتَابِ إِلَّا مَنْ وَافَقَهُ التَّوْفِيقُ، وَسَاوَقَهُ التَّحْقِيقُ، فَكَمْ فِيهِ مِنْ عُقَدٍ فِي مُشْكِلَاتٍ فَضَضْتُهَا، وَأَبْكَارٍ مِنْ بَدَائِعِ الْمَعَانِي افْتَضَضْتُهَا " اهــ
- و قال : " وَأَنَا أَتَحَدَّى عُلَمَاءَ الدَّهْرِ فِيمَا أَوْضَحْتُ فِيهِ مَسْلَكَ الِاسْتِدْلَالِ، فَمَنْ أَبْدَى مُخَالَفَةً فَدُونَهُ وَالنِّزَالُ فِي مَوَاقِفِ الرِّجَالِ.
وَهُوَ قَوْلٌ أَضْمَنُ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَتِهِ فِي الْيَوْمِ الْجَمِّ الْأَهْوَالِ، إِذَا حَقَّتِ الْمُحَاقَّةُ فِي السُّؤَالِ، مِنَ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ، ذِي الْجَلَالِ .
ثُمَّ قُرُبَاتُ الْعَالَمِينَ، وَتَطَوُّعَاتُ الْمُتَقَرِّبِينَ، لَا تُوَازِي وَقْفَةً مِنْ وَقَفَاتِ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي الذَّبِّ عَنِ الدِّينِ. " اهـ
فلله دره ما أصدقه في ما يقول
ينبع ..... .
تعليق