الشيخ المراغي: المسائل الفقهية ما دامت غير قطعية فهي قابلة للتجدد والتغير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال علي الجهاني
    خادم أهل العلم
    • Jun 2003
    • 4020

    #1

    الشيخ المراغي: المسائل الفقهية ما دامت غير قطعية فهي قابلة للتجدد والتغير

    هذا نص كلمة ألقاها الشيخ المراغي ونشرت في جريدة الأهرام، في 28 فبراير 1936م عندما كان شيخا للأزهر. ألقاها بمناسبة زيارة وفد من الطلاب العراقيين لمصر:

    [لقد سمعت من أستاذكم مدرس الشريعة أنكم في العراق بدأتم تضعون تعديلات جديدة في (الجريدة)، أي نظام حكومتكم للمحاكم الشرعية وقوانين الأحوال الشخصية، وأنكم لزمتم في وضع هذه التعديلات قاعدة ألا تحيدوا عن أصول الشريعة الإسلامية. وبذلك سبقتم الأمم الإسلامية، وأبقيتم في الوقت نفسه من لم يخرج منها على أصول الإسلام، كما أبقيتم على موافقة الأمم التي لزمت قواعد الإسلام في بدواها وصحراواتها.

    إن الشريعة الإسلامية فيها السماحة والتوسعة ما يجعلنا نجد في تعريفاتها وأحكامها ما يفيدنا وينفعنا كل وقت، وما يوافق رغباتنا وحاجاتنا وضرورات حياتنا وتقدمنا ونحن في ذلك كله لازمون لحدود الشريعة، ولكن فريقا من متأخري العلماء رأوا أن كل ما جاء في كتب الفقه من المتون والشروح والحواشي والتقارير والآراء المصيبة والمخطة من الدين، من أصوله التي يجب أن نتمسك بها ولا نحيد عنها، وهم مخطئون في هذا الفهم.

    وإن من ينظر في كتب الشريعة الأصلية بعين البصر والحذق يجد أنه من غير المعقول أن تضع قانونا أو كتابا أو مبدأ في القرن الثاني من الهجرة ثم تجيء بعد ذلك فتطبق هذا القانون أو الكتاب أو المبدأ في مصر أو في العراق سنة 1354هـ.

    وإن من ينظر إلى أقوال الأئمة من مذهب أبي حنيفة وما وقع بينه وبين أصحابه محمد وزفر وأبي يوسف، وينهم هم يجد أن التجديد في الأحكام الشرعية ميسور لنا وفي أهون مستطاعنا. ويجد أن بطلان الدوام لأحكام معينة وبقاءها حيث يبقى الدهر من الأمور البدهية.

    لقد وضع علماء الحنفية قاعدة تشريعية هي أن العرف العام يعمل به والعرف الخاص أيضاً، والعرف العام عندهم يخصص النصوص والقياس ويترك به ظاهر الرواية، وكذلك يترك ظاهر الرواية بالعرف الخاص.

    وقال بعض فقهائهم: إن من شروط المفتي والقاضي أن يكون ملما بأهل زمانه وأحوالهم وإلا كان ضرره أكثر من نفعه.

    إن المسائل الفقهية ما دامت غير قطعية فهي قابلة بحكم الشرع نفسه- للتجدد والتغير. وقد لاحظ ذلك علماء بغداد ومشروعهم حين قرروا إصلاح المجلة القضائية كما أخبرني بذلك أستاذكم في الشريعة، وسرني بهذا الخبر، وإني أهنئكم وأهنئ العراق بهذا السبق. وأقول بوصي شيخا للأزهر إني أمتنى أن يفعل كل المسلم كما فعل العراق.

    وهذا الحديث يعمكم كما يعم إخوانكم في العراق وفي مصر. أما ما يخصكم بوصف أنكم طلبة وشبان عليهم ينبي مستقبل وطنكم فإني أنصحكم أن تخلصوا للعلم، أخلصوا للعلم، اجعلوا محبوبًا لذاته، مطلوبًا لذاته، لا لعرض من أعراض الدنيا، فإذا جاءت أعراض الدنيا بعد ذلك وستجيئ- كان ذلك للخير، وكان عرضا لا مقصودا مقدرا قسرا. وأنصحكم بعد ذلك بالمحافظة على كرامتكم ومتانة خلقكم ورجولتكم، قد ترمون في ذلك بأنكم جامدون مقلدون متوحشون، ولكن ذلك كله لا يثنيكم عن التمسك بالرجولة والشجاعة والخلق الكريم والإباء والصرامة، وأن تبقوا ما حييتم متشرفين بكرم محتدكم. وإني في آخر الأمر أشكركم على هذه الزيارة راجيا أن تكرروها
    .]

    وقد اعتبر الشيخ مصطفى صبري هذه الكلمة الفظيعة التي تؤدي إلى كارثة مثل الكارثة التي حلت بتركيا بتركها الشريعة الإسلامية واستبدالها بالعلمانية.

    ولا شك أن رؤية الشيخ مصطفى صبري كانت صائبة إلى حد كبير، رغم وجود احتمالية لتأويل كلام الشيخ المراغي. ووجه هذا الصواب أن الشيخ لا يتحدث في مجال تحقيق قواعد أصلية لاستنباط الأحكام الشرعية، فيبين لهؤلاء الطلاب الفرق بين الأحكام الشرعية التي بنيت على الأعراف والمصالح فتتغير بتغيرها؛ لأنها دليلها، وبين الأحكام الثابتة المستنبطة بناءا على الأدلة. ولكنه أطلق الكلام.

    مثلا الإنكار على متأخري العلماء لاعتبارهم ما في الحواشي من الصحيح والخطأ، اعتبارهم إياه من الدين!! يعني بعبارة أخرى هو ليس من الدين الواجب التزامه.

    ثم إنكاره استخدام القوانين والكتب والمبادئ المكتوبة في القرن الثاني الهجري، في عصرنا الحديث، بسبب تغير الزمان فقط. وتمثيله للاختلاف بين الإمام أبي حنيفة وبين تلاميذه بأنه فتح لباب الاختلاف، شيء غريب، فإنما اختلفوا لاختلاف اجتهادهم في النظر إلى الأدلة، لا لمجرد الاختلاف، ولا بسبب تغير الأعراف والمصالح!! ومن درس شيئا من المذهب الحنفي عرف ذلك حقا وقطعاً.

    واستسهال الاجتهاد هو المصيبة العظمى التي أفسدت الفقه الإسلامي في واقعنا اليوم، والتي جاءت في دعوات الكثير من أمثال هذا الشيخ ..

    ومما أراه خطيرا تفريقه بين الأحكام القطعية في الفقه والأحكام غير القطعية، بأن غير القطعية قابلة للتجدد والتغير.. مع أن إجماع المسلمين على أن الأحكام الفقهية تؤخذ من الأدلة الظنية، وأن الفقه مبني على الظن، وتطلب القطع في مجال الظن جريمة كبرى ..

    وكذلك جعله مبدأ المخالفة ليس هو الأدلة وتغير العرف، بل (ما يفيدنا وينفعنا كل وقت، وما يوافق رغباتنا وحاجاتنا وضرورات حياتنا وتقدمنا)، مع أن الواجب هو أن تكون منافعنا ورغباتنا محكوما عليها، وليست حاكمة، وها هو يظهر للناس جيلا بعد جيل، كيف أن المستجدات التي أرادوا إباحتها بسبب التغير العالمي في طرق الاقتصاد والمعيشة، جرت الفساد على الناس ومازالت تسبب لهم المصائب المعيشية، والتي مآلها إلى الهلاك إذا لم تتدارك البشرية نفسها (الربا مثلاً).
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا
يعمل...