بسم الله الرحمن الرحيم
ذلك بأنَّ كلَّ معنى يتَّصف به العبد فهو معنى ممَّا يتَّصف به الممكن، فهو معنى ممكن (وحادث)، لأنَّ العبد بما فيه مرجَّح حادث بلا ريب، فكذا صفاته، والله تعالى ليس له أيُّ صفة ممكنة، فلا يتَّصف بأيِّ معنى من المعاني التي يتَّصف بها العبد.
أي: لئن قيل باشتراك بين الله تعالى والعبد في معنى ما [أو في قدر ما من المعنى] فهذا المعنى [أو هذا القدر من المعنى] المشترك إمَّا واجب أو ممكن، إن كان واجباً فلا يتَّصف به العبد، وإن كان ممكناً فلا يتَّصف به الله تعالى.
مثال ذلك اليد المنسوبة إلى العبد، فهي بحسب تعريفها جزء من البدن يُمسك به ويُبطش...
بغضِّ النَّظر عن شكل اليد وكيفيَّتها ومادَّتها وحجمها ولونها، هذا المعنى في ذاته مهما كانت كيفيَّته يجب تنزيه الله تعالى عنه، لأنَّ الله تعالى منزَّه عن أن يكون متحيِّزاً.
وكذلك السَّمع، فمن أثبت قدراً مشتركاً في معناه بين الله تعالى والعبد كان مثبتاً لله تعالى صفة ممكنة، وهذا ممتنع.
وبطريق آخر يقال: سمع العبد انفعال فيه، والله تعالى منزَّه عن الانفعال، فالله تعالى منزَّه عن معنى السَّمع الذي يتَّصف به العبد.
سؤال: أنتم تقولون بالاشتراك بين الله تعالى والعبد في السَّمع، فكيف تنكر هذا الآن؟
أقول: لا نقول بالاشتراك المعنويِّ بين الله تعالى والعبد في صفة السَّمع، فصفة السمع لله تعالى لها معنى آخر غير صفة السَّمع للعبد مطلقاً، ليس الاشتراك إلا لفظيّاً عندنا، وإنَّما الاشتراك في متعلَّق الصِّفة في كون زيد مسموعاً لله تعالى وللعبد.
وكذلك ليس هناك اشتراك في أيِّ معنى من المعاني، حتَّى لو تشابهت أسماؤها، كصفة القدرة والإرادة والعلم والحياة. فالاشتراك لفظيٌّ للاشتراك في لازم ثبوت هذا المعنى فقط، واللازم خارج عن المعنى، وهو أمر اعتباريٌّ. فلذلك كان تعريفنا للصِّفات رسماً لا حدّاً، والتَّعريف بالرَّسم لا يستلزم الاشتراك في المعنى بأيِّ وجه، بل هو تعريف للصِّفة بلوازمها. وذلك كتعريفنا (الرُّوح).
انظر هذا هنا
وهنا
فإلزام الأشعريَّة بحصول الاشتراك المعنويِّ في الصِّفات جهل عليهم، وقولهم رضي الله عنهم إنَّ الله تعالى متَّصف بصفات المعاني ليس يلزم منه الاشتراك المعنويُّ، ونفيهم الاشتراك المعنويَّ لا يستلزم كونهم معتزلة نافين للصِّفات.
الحاصل: إثبات قدر مشترك معنويٍّ بين صفة الله تعالى وصفة المخلوق هو قول بأنَّ حقيقة هذا الذي يتَّصف الله تعالى به هو حقيقة ما يتَّصف به المخلوق.
ونحن نثبت أنَّ كلَّ حقيقة وجوديَّة يتَّصف المخلوق بها ممكنة، فيتنزَّه الله تعالى عن الاتِّصاف بها.
سيقال: أنتم تقولون بالاشتراك في الوجود.
ليجاب: الوجود أمر اعتباريٌّ ليس له مصداق في الخارج، أمَّا اليد فلها مصداق في الخارج، فمعلوم أنَّنا إن قلنا: اليد مشتركة بين زيد وعمرو والقرد، فليس المقصود اشتراك خارجيٌّ، إنَّما المقصود الاشتراك في حقائق هذه الصفات الخارجيَّة، فمعنى اليد لزيد هو هو لعمرو وهو هو للقرد، وإن اختلفت الأشكال والأحجام والألوان، وحتّى لو فرضنا اختلاف المادَّة.
...
تنبيه: لمَّا كان أصلُ تنزيهنا الله تعالى عن الاتِّصاف بما يتَّصف به المخلوقات من المعاني لعلمنا بأنَّ كلَّ صفات المخلوقات ممكنة حادث
تعليق