بسم الله الرحمن الرحيم
يقول رضي الله عنه في كتابه الغنية الصفحة 54
قضى بالفناء على جميع الأنام فقال (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) وهو بجهة العلو مستو على العرش , محتو على الملك محيط علمه بالأشياء ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) ...... _ حتى قال رضي الله عنه في الصفحة 56 -57 _
وهو منزه عن مشابهة خلقه ولا يخلو من علمه مكان ولا يجوز وصفه انه في كل مكان بل يقال : إنه في السماء على العرش كما قال جل ثناؤه (الرحمن على العرش استوى )وقوله (ثم استوى على العرش الرحمن )وقال تعالى ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه )والنبي صلى الله عليه وسلم حكم بإسلام الأمة لما قال لها "أين الله؟ فأشارت إلى السماء " وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ( لما خلق الله الخلق كتب كتابا على نفسه وهو عنده فوق العرش : إن رحمتي غلبت غضبي ) وفي لفظ آخر ( لما قضى الله سبحانه الخلق كتب على نفسه في كتاب هو عنده فوق العرش : إن رحمتي سبقت غضبي )
وينبغي إطلاق صفة الإستواء من غير تأويل وأنه استواء الذات على العرش لا على معنى القعود والمماسة كما قالت المجسمة والكرامية , ولا على معنى العلو والرفعة كما قالت الأشعرية , ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة لأن الشرع لم يرد بذلك ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين من السلف الصالح من أصحاب الحديث ذلك بل المنقول عنهم حمله على الإطلاق
وقد روى عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل
(الرحمن على العرش استوى ) قالت : الكيف غير معقول , والإستواء غير مجهول , والإقرار به واجب , والجحود به كفر .....
_ إلى أن قال رضي الله عنه _
وقال أحمد رحمه الله في رواية عنه في موضع آخر : نحن نؤمن بأن الله عز وجل على العرش كيف شاء وكما شاء , بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده حاد , لما روي عن سعيد بن المسيب عن كعب الاحبار قال : قال الله تعالى في التوراة :
أنا الله فوق عبادي , وعرشي فوق جميع خلقي , وأنا على عرشي عليه أدبر عبادي ولا يخفى علي شيء من عبادي .
وكونه عز وجل على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف , ولأن الله تعالى فيما لم يزل موصوف بالعلو والقدرة , والاستيلاء والغلبة على جميع خلقه من العرش وغيره , ....... "
وأود أن أشير إلى فصل مهم في الكتاب وهو "في علامات أهل البدع"
يقول الإمام الجيلاني رضي الله عنه :
في نفس الكتاب 1/80
(فصل) واعلم أن لأهل البدعة علامات يعرفون بها ,فعلامة أهل البدعة الوقيعة في أهل الأثر , وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر بالحشوية , ويريدون إبطال الأثر
وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مجبرة , وعلامة الجهمية تسمية أهل السنة مشبهة , وعلامة الرافضة تسميتهم أهل الأثر نواصب ,وكل ذلك عصبية وغياظ لأهل السنة ولا إسم لهم إلا إسم واحد أصحاب الحديث , ولا يلتصق بهم ما لقبهم به أهل البدع ,كما لا يلتصق بالنبي صلى الله عليه وسلم تسمية كفار مكة ساحرا وشاعرا ومجنونا ومفتونا وكاهنا ولم يكن إسمه عند الله وعند ملائكته وعند إنسه وجنه وسائر خلقه إلا رسولا نبيا بريا من العاهات كلها ,
"انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا "
قال الشيخ عبدالقادر الجيلاني في كتابه الفتح الرباني:
" يـــــا من يشكو الخلق مصائبه ، ايش ينفعك شكواك إلى الخلق؟!!
لا ينفعونك ولا يضرونك وإذا اعتمدت عليهم اشركت في باب الحق عزّ وجلّ يبعدونك ، وفي سخطهِ يوقعونك! ..
ويلك أما تستحيي أن تطلب من غير الله وهو أقرب إليك من غيره".
ويقول:
"لا تدعو مع الله أحداً كما قال {فلا تدعو مع الله أحداً} "
وقال لولده عند مرضِ موته:
" لا تخف أحداً ولا ترجه ، وأوكل الحوائج كلها إلى الله ، واطلبها منه ، ولا تثق بأحدٍ سوى الله عز وجل ، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه ، التوحيد ، وجماع الكل التوحيد"
من كتــاب الفتح الرباني والفيض الرحماني ص117-118،159،373 نقلاً عن موسوعة أهل السنة للشيخ أبو عبيدة عبدالرحمن محمد سعيد
قول الشيخ الإمام العارف قدوة العارفين الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه
قال في كتابه تحفة المتقين وسبيل العارفين في باب اختلاف المذاهب في صفات الله عز وجل وفي ذكر اختلاف الناس في الوقف عند قوله {وما يعلم تأويله إلا الله} قال إسحاق في العلم إلى أن قال: والله تعالى بذاته على العرش علمه محيط بكل مكان والوقف عند أهل الحق على قوله إلا الله وقد روى ذلك عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الوقف حسن لمن اعتقد أن الله بذاته على العرش ويعلم ما في السموات والأرض إلى أن قال ووقف جماعة من منكري استواء الرب عز وجل على قوله: {الرحمن على العرش استوى} وابتدأوا بقوله استوى له ما في السموات وما في الأرض يريدون بذلك نفي الاستواء الذي وصف به نفسه وهذا خطأ منهم لأن الله تعالى استوى على العرش بذاته وقال في كتابه الغنية أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن تعرف وتتيقن أن الله واحد أحد إلى أن قال وهو بجهة العلو مستو على العرش محتو على الملك محيط علمه بالأشياء إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان بل يقال أنه في السماء على العرش استوى قال الله تعالى الرحمن على العرش استوى وساق آيات وأحاديث ثم قال وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل وأنه استواء الذات على العرش ثم قال وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف . هذا نص كلامه في الغنية
من كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم 1/175
الإيمان
قال الشيخ عبد القادر الجيلاني أن الإيمان قول باللسان، ومعرفة بالجنان، وعمل بالأركان. و فرق الشيخ معنى الإيمان والإسلام. الإيمان هو الدين والشريعة والملة، لأن الدين هو ما يدان به من الطاعات مع اجتناب المـحظورات والمـحرّمات، وذلك هو صفة الإيمان. وأما الإسلام فهو من جملة الإيمان، وكل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانا، لأن الإسلام هو بمعنى الاستسلام والانقياد. وكل مؤمن مستيلم منقاد لله تعالى، وليس كل مسلم مؤمنا بالله. وقد استدل على ذلك بقوله تعالى: (قَالَتِ اْلأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اْلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لاَيَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وبحديث مـجيء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان.
والإيمان عند الشيخ عبد القادر الجيلاني يزيد بالطاعات وينقص بالعصيان، ويقوى بالعلم ويضعف بالجهل، وبالتوفيق يقع. واستدل الشيخ بقول تعالى وعز: (وَإِذَا مَآأُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ). وبقوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وبقوله تعالى : (...لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِيمَانًا...) قال الشيخ: وما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقصان.
2. حكم مرتكب الكبيرة
أحكام مرتكب الكبيرة من مسائل العقيدة التي اختلفت فيها أقوال الناس. حكمه عند الشيخ أنه لا يخرج من الـملة وأنه فاسق بمعصيته واقع تحت المشيئة في الدار الاخراة إن شاء الله عذّبه وإن شاء رحـمه وأنه لا يكفر بها إذا مات على التوحيد حيث قال:
"ونعتقد أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا كثيرة من الكبائر والصغائر لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا بغير توبة إذا مات على التوحيد والإخلاص، بل يردّ أمره إلى الله عزّ وجلّ، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه وأدخله النار، فلا ندخل بين الله تعالى وبين خلقه، مالم يـخبرنا الله بمصيرته."
ويقول الشيخ في موضع اخر:
"ونعتقد أن من أدخله الله النار بكبيرته مع الإيمان، فإنه لا يخلد فيها، بل يخرجه منها، لأن النار في حقّه كالسجن في الدنيا، فيستوفي منه بقدر كبيرته وجريمته، ثم يخرج برحمة الله تعالى ولا يخلد فيها".
3. قضية الصفات
في هذه القضية أثبت الشيخ ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات من غير تـخريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل إثباتا يليق بـجلاله وعظمته. مثل وصف الشيخ بأن الله تعالى هو حيّ بحياة وعالم بعلم وقادر بقدرة ومريد بإرادة وسميع بسمع وبصير ببصر، وأنه تعالى محيي ومميت محدث وموجد وهو يقبض ويبسط، يضحك ويفرح، له يدان وكلتا يديه يمين.
ونفى ما نفاه عز وجل عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم مما ينافي كماله وجلاله. فمن ذلك عند اراء الشيخ، لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بالجهل والشك والظن وغلبة الظن والسهو والنسيان والسِّنة والنوم والغلبة والغفلة والعجز والموت، ولا يجوز أيضا عليه الحدود ولا النهاية، ولا القبل ولا البعد، ولا تحت ولا قدام، ولا خلف ولا كيف، لأن جميع ذلك ما ورد به الشرع.
ويعتقد الشيخ أن الله لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته ولا في أفعاله. استدل الشيخ بقوله تعالى: (َ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). وأن إثبات ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله بلا تأويل لا يقتضي تشبيها أو تمثيلا مثل المشبهة أو المجسمة. وقد اشار الشيخ إلى هذه المعاني بقوله:
"وينبغي إطلاق صفة الإستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش لا على معنى القعود والمماسة كما قالت المجسمة والكرامية، ولا على معنى العلوّ والرفعة كما قالت الأشعرية ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة، لأن الشرع لم يرد بذلك ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين من السلف الصالح من اصحاب الحديث، بل المنقول عنهم حمله على الإطلاق."
4. قضية القرأن
لقد ذهب الشيخ في هذه القضية إلى أن القرآن الكريم كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم حيث يقول:
"ونعتقد أن القرآن كلام الله وكتابه وخطابه ووحيه الذي نزل به جبريل على رسوله صلى الله عليه وسلام كما قال عزّ وجلّ : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ اْلأَمِينُ {193} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ {194} بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ). هو الذي بلغه رسوله صلى الله عليه وسلم أمته امتثالا لأمر رب العالمين يقول تعالى: (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآأُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)
رأى الشيخ أن القرآن كلام الله تعالى وهو غير مـخلوق كيفما قرئ وتلي وكتب، وكيفما تصرفت به قراءة قارئ، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، هو كلام الله وصفة من صفات ذاته، غير محدث ولا مبدل ولا مغير ولا مؤلف ولا منقوص ولا مصنوع ولا مزاد فيه، منه بدأ تنزيله وإليه يعود حكمه.
عند الشيخ من زعم أن القرآن مـخلوق فهو كافر حيث يقول:
"فمن زعم أنه مـخلوق أو عبارته أو التلاوة غير المتلو، أو قال: لفظي بالقرأن مـخلوق فهو كافر بالله العظيم، ولا يخالط ولايؤاكل ولايناكح ولايجاور، بل يهجر ويهان، ولا يصلى خلفه، ولا تقبل شهادته، ولا تصح ولايته في نكاح وليه، ولايصلى عليه إذا مات، فإن ظفر به استتيب ثلاثا كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل."
بل قال الشيخ أن حروف المعجم غير مخلوق سواء كان ذلك في كلام الله تعالى أو في كلام الأدميين. استدل الشيخ بقوله تعالى: (إِنَّمَآأَمْرُهُ إِذَآأَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) فسّر الشيخ أنها حرفان، فلو كانت "كن" مخلوقة لاحتاجت إلى "كن" تخلق بها إلى ما لا نهاية له. وأما الدليل من السنة فما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال لعثمان بن عفان لـما سئل عن أ ب ت ث إلى أخر الحروف فقال: الألف من إسم الله الذي هو الله، والباء من إسم الله الذي هو البارئ، والتاء من إسم الله الذي هو المتكبر، والثاء من إسم الله الذي هو الباعث والوارث حتى أتى إلى آحرها، فذكر أنها كلها من أسماء الله وصفاته.
5. افعال العباد
ذكر الشيخ عقيدته في هذه القضية وقرر أن أفعال العباد خلق الله عز وجل وهي في نفس الوقت كسب لهم، فيقول الشيخ:
"ونعتقد أن افعال العباد خلق الله عز وجل كسب لهم خيرها وشرها حسنها وقبيحها ما كانا منها طاعة ومعصية لا على معنى أنه أمر بالمعصية لكن قضى بها وقدرها وجعلها على حسب قصده وأنه قسم الأرزاق وقدّرها فلا يصدها صاد ولا يمنعها مانع لا زائدها ينقص ولا ناقصها يزيد ولا ناعمها يخشن ولاخشنها ينعم ورزق غد لا يؤكل اليوم وقسم زيد لا ينقل إلى عمرو وأنه تعالى يرزق الحرام كما يرزق الحلال على معنى أنه يـجعله غذاء للأبدان وقواما للأجسام لا على معنى إباحة الحرام. وكذلك القاتل لم يقطع أجل المقتول المقدر له. بل يموت بأجله وكذلك الغريق ومن هدم عليه الحائط وألقى من شاهق ومن أكله سبع وكذلك هداية المسلمين والمؤمنين وضلالة الكافرين. إليه عز وجل جميع ذلك فعل له وصنعه لا شريك له في ملكه".
ث. تحليل المقارنة
وما ذهب إليه الشيخ عبد القادر الجيلاني من قضية الإيمان هو معتقد أهل السنة والجماعة من السلف الذين يقررون أن الإيمان قول وعمل، قول اللسان وعمل القلب والـجوارح. روى عن مالك والشافعى وأحمد والأوزاعى واسحق بن راهويه وأهل الحديث وأهل المدينة وأهل الظاهر أنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان. واختلف الشيخ عبد القادر الجيلاني الإمام الماتريدى من الخلف الذي ذهب إلى أن معنى الإيمان مجرد التصديق، و الإقرار شرط لاجراء الأحكام في الدنيا " كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم علي الله. أما العمل شرط لتحقيق الإيمان الكامل.
قد وافق أيضا رأي الشيخ برأي الإمام أحمد بن حنبل وغيره أن الإيمان يزيد وينقص، وزيادته بالإحسان في العمل، ونقصانه بالإساءة. وقد بوّب الإمام البخاري باباً في صحيحه لبيان زيادة الإيمان ونقصانه. وقد روى عن الإيمام الشافعي رضي الله عنه أن الإيمان يزيد وينقص. ولكن بعض من يقول عدم الزيادة والنقصان في الإيمان. ثم فصّل الإمام الباقلانى حل مشكلة التردد بين زيادة الإيمان وعدم زيادته، إذ جعل الإيمان يزيد وينقص من حيث الجزاء المستحق له من عند الله باعتبار ما يصاحبه من عمل لم يكن لتصبح له قيمة قط بغير الإيمان، أما الإيمان من حيث التصديق في ذاته أو صورته فلا يزيد ولا ينقص.
رأي الشيخ عبد القادر الجيلاني في قضية مرتكب الكبيرة مثل رأي الإمام أحمد بن حنبل و الإمام أبو حنيفة و الإمام مالك و الإمام الشافعى، أن العاصي مرجأ أمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. ويتضح الإمام أحمد بن حنبل رأيه خصوصا في حكم مرتكب الكبيرة بقوله: "لا يكفر أحد من أهل التوحيد، وإن عملوا بالكبائر". زاد أمل فتح الله زركشي، وذلك ما عدا الشرك كما دلت عليه الاية الكريمة: (إِنَّ اللهَ لاَيَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا).
يقول البغدادى في الفرق بين الفرق الذي نقله يحي هاشم: "وكان علماء التابعين مع أكثر الأمة يقولون إن صاحب الكبيرة من أمة الإسلام مؤمن. لما فيه من معرفته بالرسل والكتب المنزلة، ولـمعرفته بأن كل ما جاء من عند الله حق. ولكنه فاسق بكبيرته وفسقه لا ينفى عنه اسم الإيمان والإسلام."
وكذلك قد وافق الشيخ عبد القادر الجيلاني في قضية الصفات بمذهب أهل السنة والجماعة في تعظيم الله عز وجل و تنزيهه عما لا يليق به سبحانه وتعالى. يقول محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة: " اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تغيير ولا وصف ولاتشبيه فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثمّ سكتوا."
في قصية القرآن يتفق الشيخ عبد القادر الجيلاني مع علماء أهل السنة والجماعة من السلف في القول بأنه كلام الله الـمنزل غير مـخلوق. منهم الإمام أبو حنيفة والإمام مالك بن أنس و الإمام الشافعي و الإمام أحمد بن حنبل، كلهم يقولون بقدم القرآن وأنه كلام الله غير مـخلوق، من يقول بذلك فهو كافر. ويرى أيضا الخلف بقدم القرآن. ولكن لا يتفق الشيخ عبد القادر الجيلاني بعض آرائ الخلف من الأشاعرة الذين ينقسمون كلام الله إلى قسمين، كلام نفسي و كلام لفطي. بل يذهب الشيخ الى ان القرآن كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه ويكفر من يقول انه عبارة او مخلوق وهذا هو مذهب السلف واهل السنة والجماعة
منقول بتصرف
يقول رضي الله عنه في كتابه الغنية الصفحة 54
قضى بالفناء على جميع الأنام فقال (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) وهو بجهة العلو مستو على العرش , محتو على الملك محيط علمه بالأشياء ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) ...... _ حتى قال رضي الله عنه في الصفحة 56 -57 _
وهو منزه عن مشابهة خلقه ولا يخلو من علمه مكان ولا يجوز وصفه انه في كل مكان بل يقال : إنه في السماء على العرش كما قال جل ثناؤه (الرحمن على العرش استوى )وقوله (ثم استوى على العرش الرحمن )وقال تعالى ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه )والنبي صلى الله عليه وسلم حكم بإسلام الأمة لما قال لها "أين الله؟ فأشارت إلى السماء " وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ( لما خلق الله الخلق كتب كتابا على نفسه وهو عنده فوق العرش : إن رحمتي غلبت غضبي ) وفي لفظ آخر ( لما قضى الله سبحانه الخلق كتب على نفسه في كتاب هو عنده فوق العرش : إن رحمتي سبقت غضبي )
وينبغي إطلاق صفة الإستواء من غير تأويل وأنه استواء الذات على العرش لا على معنى القعود والمماسة كما قالت المجسمة والكرامية , ولا على معنى العلو والرفعة كما قالت الأشعرية , ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة لأن الشرع لم يرد بذلك ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين من السلف الصالح من أصحاب الحديث ذلك بل المنقول عنهم حمله على الإطلاق
وقد روى عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل
(الرحمن على العرش استوى ) قالت : الكيف غير معقول , والإستواء غير مجهول , والإقرار به واجب , والجحود به كفر .....
_ إلى أن قال رضي الله عنه _
وقال أحمد رحمه الله في رواية عنه في موضع آخر : نحن نؤمن بأن الله عز وجل على العرش كيف شاء وكما شاء , بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده حاد , لما روي عن سعيد بن المسيب عن كعب الاحبار قال : قال الله تعالى في التوراة :
أنا الله فوق عبادي , وعرشي فوق جميع خلقي , وأنا على عرشي عليه أدبر عبادي ولا يخفى علي شيء من عبادي .
وكونه عز وجل على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف , ولأن الله تعالى فيما لم يزل موصوف بالعلو والقدرة , والاستيلاء والغلبة على جميع خلقه من العرش وغيره , ....... "
وأود أن أشير إلى فصل مهم في الكتاب وهو "في علامات أهل البدع"
يقول الإمام الجيلاني رضي الله عنه :
في نفس الكتاب 1/80
(فصل) واعلم أن لأهل البدعة علامات يعرفون بها ,فعلامة أهل البدعة الوقيعة في أهل الأثر , وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر بالحشوية , ويريدون إبطال الأثر
وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مجبرة , وعلامة الجهمية تسمية أهل السنة مشبهة , وعلامة الرافضة تسميتهم أهل الأثر نواصب ,وكل ذلك عصبية وغياظ لأهل السنة ولا إسم لهم إلا إسم واحد أصحاب الحديث , ولا يلتصق بهم ما لقبهم به أهل البدع ,كما لا يلتصق بالنبي صلى الله عليه وسلم تسمية كفار مكة ساحرا وشاعرا ومجنونا ومفتونا وكاهنا ولم يكن إسمه عند الله وعند ملائكته وعند إنسه وجنه وسائر خلقه إلا رسولا نبيا بريا من العاهات كلها ,
"انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا "
قال الشيخ عبدالقادر الجيلاني في كتابه الفتح الرباني:
" يـــــا من يشكو الخلق مصائبه ، ايش ينفعك شكواك إلى الخلق؟!!
لا ينفعونك ولا يضرونك وإذا اعتمدت عليهم اشركت في باب الحق عزّ وجلّ يبعدونك ، وفي سخطهِ يوقعونك! ..
ويلك أما تستحيي أن تطلب من غير الله وهو أقرب إليك من غيره".
ويقول:
"لا تدعو مع الله أحداً كما قال {فلا تدعو مع الله أحداً} "
وقال لولده عند مرضِ موته:
" لا تخف أحداً ولا ترجه ، وأوكل الحوائج كلها إلى الله ، واطلبها منه ، ولا تثق بأحدٍ سوى الله عز وجل ، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه ، التوحيد ، وجماع الكل التوحيد"
من كتــاب الفتح الرباني والفيض الرحماني ص117-118،159،373 نقلاً عن موسوعة أهل السنة للشيخ أبو عبيدة عبدالرحمن محمد سعيد
قول الشيخ الإمام العارف قدوة العارفين الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه
قال في كتابه تحفة المتقين وسبيل العارفين في باب اختلاف المذاهب في صفات الله عز وجل وفي ذكر اختلاف الناس في الوقف عند قوله {وما يعلم تأويله إلا الله} قال إسحاق في العلم إلى أن قال: والله تعالى بذاته على العرش علمه محيط بكل مكان والوقف عند أهل الحق على قوله إلا الله وقد روى ذلك عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الوقف حسن لمن اعتقد أن الله بذاته على العرش ويعلم ما في السموات والأرض إلى أن قال ووقف جماعة من منكري استواء الرب عز وجل على قوله: {الرحمن على العرش استوى} وابتدأوا بقوله استوى له ما في السموات وما في الأرض يريدون بذلك نفي الاستواء الذي وصف به نفسه وهذا خطأ منهم لأن الله تعالى استوى على العرش بذاته وقال في كتابه الغنية أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن تعرف وتتيقن أن الله واحد أحد إلى أن قال وهو بجهة العلو مستو على العرش محتو على الملك محيط علمه بالأشياء إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان بل يقال أنه في السماء على العرش استوى قال الله تعالى الرحمن على العرش استوى وساق آيات وأحاديث ثم قال وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل وأنه استواء الذات على العرش ثم قال وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف . هذا نص كلامه في الغنية
من كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم 1/175
الإيمان
قال الشيخ عبد القادر الجيلاني أن الإيمان قول باللسان، ومعرفة بالجنان، وعمل بالأركان. و فرق الشيخ معنى الإيمان والإسلام. الإيمان هو الدين والشريعة والملة، لأن الدين هو ما يدان به من الطاعات مع اجتناب المـحظورات والمـحرّمات، وذلك هو صفة الإيمان. وأما الإسلام فهو من جملة الإيمان، وكل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانا، لأن الإسلام هو بمعنى الاستسلام والانقياد. وكل مؤمن مستيلم منقاد لله تعالى، وليس كل مسلم مؤمنا بالله. وقد استدل على ذلك بقوله تعالى: (قَالَتِ اْلأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اْلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لاَيَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وبحديث مـجيء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان.
والإيمان عند الشيخ عبد القادر الجيلاني يزيد بالطاعات وينقص بالعصيان، ويقوى بالعلم ويضعف بالجهل، وبالتوفيق يقع. واستدل الشيخ بقول تعالى وعز: (وَإِذَا مَآأُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ). وبقوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وبقوله تعالى : (...لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِيمَانًا...) قال الشيخ: وما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقصان.
2. حكم مرتكب الكبيرة
أحكام مرتكب الكبيرة من مسائل العقيدة التي اختلفت فيها أقوال الناس. حكمه عند الشيخ أنه لا يخرج من الـملة وأنه فاسق بمعصيته واقع تحت المشيئة في الدار الاخراة إن شاء الله عذّبه وإن شاء رحـمه وأنه لا يكفر بها إذا مات على التوحيد حيث قال:
"ونعتقد أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا كثيرة من الكبائر والصغائر لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا بغير توبة إذا مات على التوحيد والإخلاص، بل يردّ أمره إلى الله عزّ وجلّ، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه وأدخله النار، فلا ندخل بين الله تعالى وبين خلقه، مالم يـخبرنا الله بمصيرته."
ويقول الشيخ في موضع اخر:
"ونعتقد أن من أدخله الله النار بكبيرته مع الإيمان، فإنه لا يخلد فيها، بل يخرجه منها، لأن النار في حقّه كالسجن في الدنيا، فيستوفي منه بقدر كبيرته وجريمته، ثم يخرج برحمة الله تعالى ولا يخلد فيها".
3. قضية الصفات
في هذه القضية أثبت الشيخ ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات من غير تـخريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل إثباتا يليق بـجلاله وعظمته. مثل وصف الشيخ بأن الله تعالى هو حيّ بحياة وعالم بعلم وقادر بقدرة ومريد بإرادة وسميع بسمع وبصير ببصر، وأنه تعالى محيي ومميت محدث وموجد وهو يقبض ويبسط، يضحك ويفرح، له يدان وكلتا يديه يمين.
ونفى ما نفاه عز وجل عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم مما ينافي كماله وجلاله. فمن ذلك عند اراء الشيخ، لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بالجهل والشك والظن وغلبة الظن والسهو والنسيان والسِّنة والنوم والغلبة والغفلة والعجز والموت، ولا يجوز أيضا عليه الحدود ولا النهاية، ولا القبل ولا البعد، ولا تحت ولا قدام، ولا خلف ولا كيف، لأن جميع ذلك ما ورد به الشرع.
ويعتقد الشيخ أن الله لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته ولا في أفعاله. استدل الشيخ بقوله تعالى: (َ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). وأن إثبات ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله بلا تأويل لا يقتضي تشبيها أو تمثيلا مثل المشبهة أو المجسمة. وقد اشار الشيخ إلى هذه المعاني بقوله:
"وينبغي إطلاق صفة الإستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش لا على معنى القعود والمماسة كما قالت المجسمة والكرامية، ولا على معنى العلوّ والرفعة كما قالت الأشعرية ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة، لأن الشرع لم يرد بذلك ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين من السلف الصالح من اصحاب الحديث، بل المنقول عنهم حمله على الإطلاق."
4. قضية القرأن
لقد ذهب الشيخ في هذه القضية إلى أن القرآن الكريم كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم حيث يقول:
"ونعتقد أن القرآن كلام الله وكتابه وخطابه ووحيه الذي نزل به جبريل على رسوله صلى الله عليه وسلام كما قال عزّ وجلّ : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ اْلأَمِينُ {193} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ {194} بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ). هو الذي بلغه رسوله صلى الله عليه وسلم أمته امتثالا لأمر رب العالمين يقول تعالى: (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآأُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)
رأى الشيخ أن القرآن كلام الله تعالى وهو غير مـخلوق كيفما قرئ وتلي وكتب، وكيفما تصرفت به قراءة قارئ، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، هو كلام الله وصفة من صفات ذاته، غير محدث ولا مبدل ولا مغير ولا مؤلف ولا منقوص ولا مصنوع ولا مزاد فيه، منه بدأ تنزيله وإليه يعود حكمه.
عند الشيخ من زعم أن القرآن مـخلوق فهو كافر حيث يقول:
"فمن زعم أنه مـخلوق أو عبارته أو التلاوة غير المتلو، أو قال: لفظي بالقرأن مـخلوق فهو كافر بالله العظيم، ولا يخالط ولايؤاكل ولايناكح ولايجاور، بل يهجر ويهان، ولا يصلى خلفه، ولا تقبل شهادته، ولا تصح ولايته في نكاح وليه، ولايصلى عليه إذا مات، فإن ظفر به استتيب ثلاثا كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل."
بل قال الشيخ أن حروف المعجم غير مخلوق سواء كان ذلك في كلام الله تعالى أو في كلام الأدميين. استدل الشيخ بقوله تعالى: (إِنَّمَآأَمْرُهُ إِذَآأَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) فسّر الشيخ أنها حرفان، فلو كانت "كن" مخلوقة لاحتاجت إلى "كن" تخلق بها إلى ما لا نهاية له. وأما الدليل من السنة فما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال لعثمان بن عفان لـما سئل عن أ ب ت ث إلى أخر الحروف فقال: الألف من إسم الله الذي هو الله، والباء من إسم الله الذي هو البارئ، والتاء من إسم الله الذي هو المتكبر، والثاء من إسم الله الذي هو الباعث والوارث حتى أتى إلى آحرها، فذكر أنها كلها من أسماء الله وصفاته.
5. افعال العباد
ذكر الشيخ عقيدته في هذه القضية وقرر أن أفعال العباد خلق الله عز وجل وهي في نفس الوقت كسب لهم، فيقول الشيخ:
"ونعتقد أن افعال العباد خلق الله عز وجل كسب لهم خيرها وشرها حسنها وقبيحها ما كانا منها طاعة ومعصية لا على معنى أنه أمر بالمعصية لكن قضى بها وقدرها وجعلها على حسب قصده وأنه قسم الأرزاق وقدّرها فلا يصدها صاد ولا يمنعها مانع لا زائدها ينقص ولا ناقصها يزيد ولا ناعمها يخشن ولاخشنها ينعم ورزق غد لا يؤكل اليوم وقسم زيد لا ينقل إلى عمرو وأنه تعالى يرزق الحرام كما يرزق الحلال على معنى أنه يـجعله غذاء للأبدان وقواما للأجسام لا على معنى إباحة الحرام. وكذلك القاتل لم يقطع أجل المقتول المقدر له. بل يموت بأجله وكذلك الغريق ومن هدم عليه الحائط وألقى من شاهق ومن أكله سبع وكذلك هداية المسلمين والمؤمنين وضلالة الكافرين. إليه عز وجل جميع ذلك فعل له وصنعه لا شريك له في ملكه".
ث. تحليل المقارنة
وما ذهب إليه الشيخ عبد القادر الجيلاني من قضية الإيمان هو معتقد أهل السنة والجماعة من السلف الذين يقررون أن الإيمان قول وعمل، قول اللسان وعمل القلب والـجوارح. روى عن مالك والشافعى وأحمد والأوزاعى واسحق بن راهويه وأهل الحديث وأهل المدينة وأهل الظاهر أنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان. واختلف الشيخ عبد القادر الجيلاني الإمام الماتريدى من الخلف الذي ذهب إلى أن معنى الإيمان مجرد التصديق، و الإقرار شرط لاجراء الأحكام في الدنيا " كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم علي الله. أما العمل شرط لتحقيق الإيمان الكامل.
قد وافق أيضا رأي الشيخ برأي الإمام أحمد بن حنبل وغيره أن الإيمان يزيد وينقص، وزيادته بالإحسان في العمل، ونقصانه بالإساءة. وقد بوّب الإمام البخاري باباً في صحيحه لبيان زيادة الإيمان ونقصانه. وقد روى عن الإيمام الشافعي رضي الله عنه أن الإيمان يزيد وينقص. ولكن بعض من يقول عدم الزيادة والنقصان في الإيمان. ثم فصّل الإمام الباقلانى حل مشكلة التردد بين زيادة الإيمان وعدم زيادته، إذ جعل الإيمان يزيد وينقص من حيث الجزاء المستحق له من عند الله باعتبار ما يصاحبه من عمل لم يكن لتصبح له قيمة قط بغير الإيمان، أما الإيمان من حيث التصديق في ذاته أو صورته فلا يزيد ولا ينقص.
رأي الشيخ عبد القادر الجيلاني في قضية مرتكب الكبيرة مثل رأي الإمام أحمد بن حنبل و الإمام أبو حنيفة و الإمام مالك و الإمام الشافعى، أن العاصي مرجأ أمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. ويتضح الإمام أحمد بن حنبل رأيه خصوصا في حكم مرتكب الكبيرة بقوله: "لا يكفر أحد من أهل التوحيد، وإن عملوا بالكبائر". زاد أمل فتح الله زركشي، وذلك ما عدا الشرك كما دلت عليه الاية الكريمة: (إِنَّ اللهَ لاَيَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا).
يقول البغدادى في الفرق بين الفرق الذي نقله يحي هاشم: "وكان علماء التابعين مع أكثر الأمة يقولون إن صاحب الكبيرة من أمة الإسلام مؤمن. لما فيه من معرفته بالرسل والكتب المنزلة، ولـمعرفته بأن كل ما جاء من عند الله حق. ولكنه فاسق بكبيرته وفسقه لا ينفى عنه اسم الإيمان والإسلام."
وكذلك قد وافق الشيخ عبد القادر الجيلاني في قضية الصفات بمذهب أهل السنة والجماعة في تعظيم الله عز وجل و تنزيهه عما لا يليق به سبحانه وتعالى. يقول محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة: " اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تغيير ولا وصف ولاتشبيه فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثمّ سكتوا."
في قصية القرآن يتفق الشيخ عبد القادر الجيلاني مع علماء أهل السنة والجماعة من السلف في القول بأنه كلام الله الـمنزل غير مـخلوق. منهم الإمام أبو حنيفة والإمام مالك بن أنس و الإمام الشافعي و الإمام أحمد بن حنبل، كلهم يقولون بقدم القرآن وأنه كلام الله غير مـخلوق، من يقول بذلك فهو كافر. ويرى أيضا الخلف بقدم القرآن. ولكن لا يتفق الشيخ عبد القادر الجيلاني بعض آرائ الخلف من الأشاعرة الذين ينقسمون كلام الله إلى قسمين، كلام نفسي و كلام لفطي. بل يذهب الشيخ الى ان القرآن كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه ويكفر من يقول انه عبارة او مخلوق وهذا هو مذهب السلف واهل السنة والجماعة
منقول بتصرف
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) فالخلق كلهم يقرّون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك). تفسير الطبري - (20 / 60)
تعليق