...
وأصلا العوام السبيل معهم أن لا يعرّضوا إلى دقائق علم الكلام بل يُعرّفون بما يقوم به أمر دينهم من أبجديات العقيدة ويعلّمون أن الله ليس كمثله شيء وأن كل ما قام في ذهنهم فالله بخلافه وأن هذه النصوص الموهمة ليست على ظاهرها المعروف في حق الآدميين لتفاوت مقام الخالق والمخلوق وكفى ، فعلم الكلام دواء لا يعرف خصائصه واستعماله إلا الطبيب الماهر وهو فرض كفاية وفي تعريض العوام لدقائقه والإكثار من جرعته مهلكة لهم كما ذكر الإمام الغزالي في الإقتصاد ، والأولى لهم بعد تعليمهم أبجديات العقيدة أن يُشغلوا بتعلم فروض دينهم من طهارة وعبادات ونحوها مما لا يجيده الكثير منهم فيفضي الواحد منهم إلى ربه وهو لم يغتسل غسلا صحيحا ولو مرة في حياته والله المستعان ، ثم بعده يتولى الورثة المحمديون تسليكهم و تزكية نفوسهم وإرشادهم بما ينصلح به حال دينهم ودنياهم وتقوم به معاملاتهم وقلوبهم ليلاقوا ربهم غير فاتنين ولا مفتونين، فليس امتحان العوام وسؤالهم عن الاستواء وغيره من الحكمة في معاملة الخلق وهدايتهم في شيء !!).
أقول:
أخي أنقل لك أولا كلام حجة الاسلام الغزالي في "الجام العوام" حيث يقول رضي الله عنه:
"..الوظيفة الاولى[للعامي]: التقديس..ومعناه أنه اذا سمع اليد والاصبع و قوله صلى الله عليه وآله وسلم:"ان الله خمر طينة آدم بيده" و "ان قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمان"، فينبغي أن يعلم أن اليد تطلق لمعنيين:أحدهما هو الموضع الاصلي و هو عضو مركب من لحم وعصب ،واللحم والعصب والعظم جسم مخصوص و صفات مخصوصة، أعني بالجسم عبارة عن مقدار له طول وعرض و عمق يمنع غيره من أن يوجد بحيث هو الا بأن يتنحى عن ذلك المكان، و قد يستعار هذا اللفظ أعني اليد لمعنى آخر ليس ذلك المعنى بجسم أصلا كما يقال: البلدة في يد الامير، فان ذلك مفهوم وان كان الامير مقطوع اليد مثلا. فعلى العامي و غير العامي أن يتحقق قطعا و يقينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم و أن ذلك في حق الله محال وهو عنه مقدس...مثال آخر: اذا قرع سمعه النزول في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:"ينزل الله تعالى في كل ليلة الى السماء الدنيا"، فالواجب عليه أن يعلم أن النزول اسم مشترك قد يطلق اطلاقا يفتقر فيه الى ثلاثة أجسام:جسم عال هو مكان لساكنه، وجسم سافل كذلك، وجسم منتقل من السافل الى العالي و من العالي الى السافل، فان كان من اسفل الى علو سمي صعودا و عروجا ورقيا، و ان كان من علو الى اسفل سمي نزولا وهبوطا ، و قد يطلق على معنى آخر و لا يفتقر فيه الى تقدير انتقال و حركة في جسم كما قال الله تعالى:"وأنزل لكم من الانعام ثمانية ازواج".و ما رئي البعير والبقر نازلا من السماء بالانتقال بل هي مخلوقة في الارحام ،و لانزالها معنى لا محالة.كما قال الشافعي رضي الله عنه: دخلت مصر فلم يقيموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت.فلم يرد به انتقال جسده الى اسفل ، فتحقق المؤمن قطعا ان النزول في حق الله تعالى ليس بالمعنى الاول...فإن الشخص والجسد أجسام والرب جل جلاله ليس بجسم.
فإن خطر له أنه لم يرد هذا [أي المعنى الاول] فماذا أراد ؟ فيقال له:اذا عجزت عن فهم نزول البعير من السماء فانت عن فهم نزول الله تعالى اعجز. فليس بعشك فادرجي. و اشتغل بعبادتك أو حرفتك و اسكت، و اعلم أنه اريد به معنى من المعاني التي يجوز ان يراد بالنزول في لغة العرب،ويليق ذلك المعنى بجلال الله تعالى و عظمته و ان كنت لا تعلم حقيقته وكيفيته.
و يقول رحمه الله :..فإذن الايمان بالجمليات التي ليست مفصلة في الذهن ممكن، ولكن تقديسه الذي هو نفي المحال عنه ينبغي ان يكون مفصلا، فان المنفي هي الجسمية و لوازمها، ونعني بالجسم هاهنا الشخص المقدر الطويل العريض العميق الذي يمنع غيره من أن يوجد بحيث هو والذي يدفع ما يطلب مكانه ان كان قويا و يندفع و يتنحى عن مكانه بقوة دافعة ان كان ضعيفا.
و انما شرحنا هذا اللفظ مع ظهوره لان العامي ربما لا يفهم المراد منه.
[...] الى أن قال :...فاذن الفائدة في نقل هذه الاخبار عظيمة و الضرر يسير. فأنّى يساوي هذا حكاية الظنون المنقدحة في النفس.
فهذه سبل تجاذب طرق الاجتهاد في اباحة ذكر التأويل المظنون أو المنع. ولا يبعد ذكر وجه ثالث و هو أن ينظر الى قرائن حال السائل و المستمع، فإن علم أنه ينتفع به ذكره، وان علم أنه يتضرر تركه، وان ظن أحد الأمرين كان ظنه كالعلم في اباحة الذكر، وكم من انسان لا تتحرك داعيته باطنا الى معرفة هذه المعاني و لا يحيك في نفسه اشكال من ظواهرها، فذكر التأويل معه مشوش، وكم من انسان يحيك في نفسه اشكال الظاهر حتى يكاد أن يسوء اعتقاده في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم و ينكر قوله الموهم، فمثل هذا لو ذكر معه الاحتمال المظنون بل مجرد الاحتمال الذي ينبو عنه اللفظ انتفع به ولا بأس بذكره معه فإنه دواء لدائه و ان داء في غيره.و لكن لا ينبغي أن يذكر على رؤوس المنابر لأن ذلك يحرك الدواعي الساكنة من أكثر المستمعين، وقد كانوا غافلين و عن اشكاله منفكين، و لما كان زمان السلف الاول زمان سكون القلب بالغوا في الكف عن التأويل خيفة من تحريك الدواعي و تشويش القلوب
فمن خالفهم في ذلك الزمان فهو الذي حرك الفتنة و ألقى هذه الشكوك في القلوب مع الاستغناء عنه فباء بالاثم. أما الآن و قد فشا ذلك في بعض البلاد فالعذر في اظهار شيء من ذلك رجاء لإماطة الأوهام الباطلة عن القلوب أظهر و اللوم عن قائله أقل.
ثم قال رحمه الله و أحسن إليه:
" فإن قيل : فقد فرقتم بين التأويل المقطوع و المظنون فبماذا يحصل القطع بصحة التأويل؟ قلنا بأمرين:
أحدهما: أن يكون المعنى مقطوعا ثبوته لله تعالى كفوقية المرتبة.
والثاني: أن لا يكون اللفظ محتملا الا لأمرين و قد بطل أحدهما و تعين الثاني: مثاله قوله تعالى : "و هو القاهر فوق عباده".فإنه ان ظهر في وضع اللسان أن الفوق لا يحتمل الا فوقية المكان أو فوقية الرتبة ، وقد بطل فوقية المكان لمعرفة التقديس لم يبق الا فوقية الرتبة...فالله فوق عباده بهذا المعنى ، وهذا كالمقطوع به في لفظ الفوق وأنه لا يستعمل في لسان العرب الا في هذين المعنيين . أما لفظ الاستواء الى السماء وعلى العرش ربما لا ينحصر مفهومه في اللغة هذا الانحصار. و اذا تردد بين ثلاثة معان ،معنيان جائزان على الله تعالى ومعنى واحد هو الباطل ، فتنزيله على أحد المعنيين الجائزين أن يكون بالظن والاحتمال المجرد." اهـ كلامه رحمه الله تعالى.
أقول : فقولك أخي " بأن العامي الذي لم يتسع قلبه للتفويض البسيط كما تزعم يبعد جدا أن يسع التأويل الدقيق المركب المستلزم لمعرفة باللغة وكثير من القواعد الكلامية والمنطقية"...
مردود بكلام الامام الغزالي الذي يدعو الى عدم مجاوزة العوام للتفويض..و مع ذلك فهو يشدد على ضرورة تلقينهم المعاني اللغوية للكلمات الموهمة حتى لا يظنوا أن اللغة لا تحتمل الا المعنى المستحيل على الله تعالى. و يشدد أيضا على ضرورة تفهيم العوام التقديس و التنزيه التفصيلي لله تعالى عن الجسمية و لوازمها حتى يفهموا التفويض الحقيقي..
اذ التفويض مسبوق بالتأويل و التنزيه و التقديس .فيجب تعليم العوام كما نقلت عن الامام- معنى الجسم و لوازم الجسمية و أن تلك المعاني مستحيلة على الله تعالى .فإذا أدركوا ذلك أدركوا التفويض مع التنزيه فيقدرون على فهم ضرورة عدم حمل النصوص المتشابهة على المعاني الملازمة للجسمية ،ثم تفويض المعنى اللائق بالله تعالى و ترك ذلك التعيين للعلماء الراسخين.
و لا يعني ذلك بحال أننا ندعو الى تعليم العوام علم الكلام و أساليبه و مجادلاته، بل الاقتصار منه و من اللغة على ما يحقق التنزيه و التقديس فحسب كما ذكر الامام رحمه الله تعالى- ليحصل التفويض الحقيقي المقصود.
اذ لا تفويض من غير تنزيه بل التفويض بلا تنزيه هو التجسيم والتشبيه بعينه.و الفرق بين تفويضنا و"تفويضهم" هو في التنزيه و التقديس .
فقولك: " وأصلا العوام السبيل معهم أن لا يعرّضوا إلى دقائق علم الكلام بل يُعرّفون بما يقوم به أمر دينهم من أبجديات العقيدة ويعلّمون أن الله ليس كمثله شيء''.
لا أفهم سبب وروده هنا !! فهل قلت أنا أو غيري بجواز تعريض العوام الى دقائق علم الكلام ؟؟ انما الذي أقوله ان الاكتفاء بردع العوام عن التأويل و دعوتهم الى التفويض ليس حلا سليما لعقائدهم في كل حال و مع كل مسألة.
بل تلقينهم بعض معاني اللغة التي تعينهم على مغالبة التشبيه و التجسيم الذي اعتادوا عليه، و افهامهم شيئا يسيرا من الكلام كمعنى الجسم و لوازمه ليدركوا تنزه الرب تعالى عن ذلك فيبلغوا التفويض بيسر و لا يغلبهم تلبيس المجسمة والمشبهة، فذلك لا عيب فيه بل نراه ضروريا خاصة في عصر انتشار التشبيه والتجسيم انتشارا كبيرا . و هذا هو كلام الامام الغزالي مع أنه يعتقد ضرورة الجام العوام عن علم الكلام و حملهم على التفويض الكامل دون سؤال و لا فهم بل بتصديق مطلق لصاحب الشرع صلى الله عليه وآله وسلم.
و المثال الذي ذكرته-عن الاستواء- في كلامي السابق خير دليل على هذا.
..يتبع..
وأصلا العوام السبيل معهم أن لا يعرّضوا إلى دقائق علم الكلام بل يُعرّفون بما يقوم به أمر دينهم من أبجديات العقيدة ويعلّمون أن الله ليس كمثله شيء وأن كل ما قام في ذهنهم فالله بخلافه وأن هذه النصوص الموهمة ليست على ظاهرها المعروف في حق الآدميين لتفاوت مقام الخالق والمخلوق وكفى ، فعلم الكلام دواء لا يعرف خصائصه واستعماله إلا الطبيب الماهر وهو فرض كفاية وفي تعريض العوام لدقائقه والإكثار من جرعته مهلكة لهم كما ذكر الإمام الغزالي في الإقتصاد ، والأولى لهم بعد تعليمهم أبجديات العقيدة أن يُشغلوا بتعلم فروض دينهم من طهارة وعبادات ونحوها مما لا يجيده الكثير منهم فيفضي الواحد منهم إلى ربه وهو لم يغتسل غسلا صحيحا ولو مرة في حياته والله المستعان ، ثم بعده يتولى الورثة المحمديون تسليكهم و تزكية نفوسهم وإرشادهم بما ينصلح به حال دينهم ودنياهم وتقوم به معاملاتهم وقلوبهم ليلاقوا ربهم غير فاتنين ولا مفتونين، فليس امتحان العوام وسؤالهم عن الاستواء وغيره من الحكمة في معاملة الخلق وهدايتهم في شيء !!).
أقول:
أخي أنقل لك أولا كلام حجة الاسلام الغزالي في "الجام العوام" حيث يقول رضي الله عنه:
"..الوظيفة الاولى[للعامي]: التقديس..ومعناه أنه اذا سمع اليد والاصبع و قوله صلى الله عليه وآله وسلم:"ان الله خمر طينة آدم بيده" و "ان قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمان"، فينبغي أن يعلم أن اليد تطلق لمعنيين:أحدهما هو الموضع الاصلي و هو عضو مركب من لحم وعصب ،واللحم والعصب والعظم جسم مخصوص و صفات مخصوصة، أعني بالجسم عبارة عن مقدار له طول وعرض و عمق يمنع غيره من أن يوجد بحيث هو الا بأن يتنحى عن ذلك المكان، و قد يستعار هذا اللفظ أعني اليد لمعنى آخر ليس ذلك المعنى بجسم أصلا كما يقال: البلدة في يد الامير، فان ذلك مفهوم وان كان الامير مقطوع اليد مثلا. فعلى العامي و غير العامي أن يتحقق قطعا و يقينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم و أن ذلك في حق الله محال وهو عنه مقدس...مثال آخر: اذا قرع سمعه النزول في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:"ينزل الله تعالى في كل ليلة الى السماء الدنيا"، فالواجب عليه أن يعلم أن النزول اسم مشترك قد يطلق اطلاقا يفتقر فيه الى ثلاثة أجسام:جسم عال هو مكان لساكنه، وجسم سافل كذلك، وجسم منتقل من السافل الى العالي و من العالي الى السافل، فان كان من اسفل الى علو سمي صعودا و عروجا ورقيا، و ان كان من علو الى اسفل سمي نزولا وهبوطا ، و قد يطلق على معنى آخر و لا يفتقر فيه الى تقدير انتقال و حركة في جسم كما قال الله تعالى:"وأنزل لكم من الانعام ثمانية ازواج".و ما رئي البعير والبقر نازلا من السماء بالانتقال بل هي مخلوقة في الارحام ،و لانزالها معنى لا محالة.كما قال الشافعي رضي الله عنه: دخلت مصر فلم يقيموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت.فلم يرد به انتقال جسده الى اسفل ، فتحقق المؤمن قطعا ان النزول في حق الله تعالى ليس بالمعنى الاول...فإن الشخص والجسد أجسام والرب جل جلاله ليس بجسم.
فإن خطر له أنه لم يرد هذا [أي المعنى الاول] فماذا أراد ؟ فيقال له:اذا عجزت عن فهم نزول البعير من السماء فانت عن فهم نزول الله تعالى اعجز. فليس بعشك فادرجي. و اشتغل بعبادتك أو حرفتك و اسكت، و اعلم أنه اريد به معنى من المعاني التي يجوز ان يراد بالنزول في لغة العرب،ويليق ذلك المعنى بجلال الله تعالى و عظمته و ان كنت لا تعلم حقيقته وكيفيته.
و يقول رحمه الله :..فإذن الايمان بالجمليات التي ليست مفصلة في الذهن ممكن، ولكن تقديسه الذي هو نفي المحال عنه ينبغي ان يكون مفصلا، فان المنفي هي الجسمية و لوازمها، ونعني بالجسم هاهنا الشخص المقدر الطويل العريض العميق الذي يمنع غيره من أن يوجد بحيث هو والذي يدفع ما يطلب مكانه ان كان قويا و يندفع و يتنحى عن مكانه بقوة دافعة ان كان ضعيفا.
و انما شرحنا هذا اللفظ مع ظهوره لان العامي ربما لا يفهم المراد منه.
[...] الى أن قال :...فاذن الفائدة في نقل هذه الاخبار عظيمة و الضرر يسير. فأنّى يساوي هذا حكاية الظنون المنقدحة في النفس.
فهذه سبل تجاذب طرق الاجتهاد في اباحة ذكر التأويل المظنون أو المنع. ولا يبعد ذكر وجه ثالث و هو أن ينظر الى قرائن حال السائل و المستمع، فإن علم أنه ينتفع به ذكره، وان علم أنه يتضرر تركه، وان ظن أحد الأمرين كان ظنه كالعلم في اباحة الذكر، وكم من انسان لا تتحرك داعيته باطنا الى معرفة هذه المعاني و لا يحيك في نفسه اشكال من ظواهرها، فذكر التأويل معه مشوش، وكم من انسان يحيك في نفسه اشكال الظاهر حتى يكاد أن يسوء اعتقاده في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم و ينكر قوله الموهم، فمثل هذا لو ذكر معه الاحتمال المظنون بل مجرد الاحتمال الذي ينبو عنه اللفظ انتفع به ولا بأس بذكره معه فإنه دواء لدائه و ان داء في غيره.و لكن لا ينبغي أن يذكر على رؤوس المنابر لأن ذلك يحرك الدواعي الساكنة من أكثر المستمعين، وقد كانوا غافلين و عن اشكاله منفكين، و لما كان زمان السلف الاول زمان سكون القلب بالغوا في الكف عن التأويل خيفة من تحريك الدواعي و تشويش القلوب
فمن خالفهم في ذلك الزمان فهو الذي حرك الفتنة و ألقى هذه الشكوك في القلوب مع الاستغناء عنه فباء بالاثم. أما الآن و قد فشا ذلك في بعض البلاد فالعذر في اظهار شيء من ذلك رجاء لإماطة الأوهام الباطلة عن القلوب أظهر و اللوم عن قائله أقل.
ثم قال رحمه الله و أحسن إليه:
" فإن قيل : فقد فرقتم بين التأويل المقطوع و المظنون فبماذا يحصل القطع بصحة التأويل؟ قلنا بأمرين:
أحدهما: أن يكون المعنى مقطوعا ثبوته لله تعالى كفوقية المرتبة.
والثاني: أن لا يكون اللفظ محتملا الا لأمرين و قد بطل أحدهما و تعين الثاني: مثاله قوله تعالى : "و هو القاهر فوق عباده".فإنه ان ظهر في وضع اللسان أن الفوق لا يحتمل الا فوقية المكان أو فوقية الرتبة ، وقد بطل فوقية المكان لمعرفة التقديس لم يبق الا فوقية الرتبة...فالله فوق عباده بهذا المعنى ، وهذا كالمقطوع به في لفظ الفوق وأنه لا يستعمل في لسان العرب الا في هذين المعنيين . أما لفظ الاستواء الى السماء وعلى العرش ربما لا ينحصر مفهومه في اللغة هذا الانحصار. و اذا تردد بين ثلاثة معان ،معنيان جائزان على الله تعالى ومعنى واحد هو الباطل ، فتنزيله على أحد المعنيين الجائزين أن يكون بالظن والاحتمال المجرد." اهـ كلامه رحمه الله تعالى.
أقول : فقولك أخي " بأن العامي الذي لم يتسع قلبه للتفويض البسيط كما تزعم يبعد جدا أن يسع التأويل الدقيق المركب المستلزم لمعرفة باللغة وكثير من القواعد الكلامية والمنطقية"...
مردود بكلام الامام الغزالي الذي يدعو الى عدم مجاوزة العوام للتفويض..و مع ذلك فهو يشدد على ضرورة تلقينهم المعاني اللغوية للكلمات الموهمة حتى لا يظنوا أن اللغة لا تحتمل الا المعنى المستحيل على الله تعالى. و يشدد أيضا على ضرورة تفهيم العوام التقديس و التنزيه التفصيلي لله تعالى عن الجسمية و لوازمها حتى يفهموا التفويض الحقيقي..
اذ التفويض مسبوق بالتأويل و التنزيه و التقديس .فيجب تعليم العوام كما نقلت عن الامام- معنى الجسم و لوازم الجسمية و أن تلك المعاني مستحيلة على الله تعالى .فإذا أدركوا ذلك أدركوا التفويض مع التنزيه فيقدرون على فهم ضرورة عدم حمل النصوص المتشابهة على المعاني الملازمة للجسمية ،ثم تفويض المعنى اللائق بالله تعالى و ترك ذلك التعيين للعلماء الراسخين.
و لا يعني ذلك بحال أننا ندعو الى تعليم العوام علم الكلام و أساليبه و مجادلاته، بل الاقتصار منه و من اللغة على ما يحقق التنزيه و التقديس فحسب كما ذكر الامام رحمه الله تعالى- ليحصل التفويض الحقيقي المقصود.
اذ لا تفويض من غير تنزيه بل التفويض بلا تنزيه هو التجسيم والتشبيه بعينه.و الفرق بين تفويضنا و"تفويضهم" هو في التنزيه و التقديس .
فقولك: " وأصلا العوام السبيل معهم أن لا يعرّضوا إلى دقائق علم الكلام بل يُعرّفون بما يقوم به أمر دينهم من أبجديات العقيدة ويعلّمون أن الله ليس كمثله شيء''.
لا أفهم سبب وروده هنا !! فهل قلت أنا أو غيري بجواز تعريض العوام الى دقائق علم الكلام ؟؟ انما الذي أقوله ان الاكتفاء بردع العوام عن التأويل و دعوتهم الى التفويض ليس حلا سليما لعقائدهم في كل حال و مع كل مسألة.
بل تلقينهم بعض معاني اللغة التي تعينهم على مغالبة التشبيه و التجسيم الذي اعتادوا عليه، و افهامهم شيئا يسيرا من الكلام كمعنى الجسم و لوازمه ليدركوا تنزه الرب تعالى عن ذلك فيبلغوا التفويض بيسر و لا يغلبهم تلبيس المجسمة والمشبهة، فذلك لا عيب فيه بل نراه ضروريا خاصة في عصر انتشار التشبيه والتجسيم انتشارا كبيرا . و هذا هو كلام الامام الغزالي مع أنه يعتقد ضرورة الجام العوام عن علم الكلام و حملهم على التفويض الكامل دون سؤال و لا فهم بل بتصديق مطلق لصاحب الشرع صلى الله عليه وآله وسلم.
و المثال الذي ذكرته-عن الاستواء- في كلامي السابق خير دليل على هذا.
..يتبع..
إن قلت لك ( جسم ) فإنك تفهمه بمعزل عن أي مفهوم آخر)..
، ولعلك تفاجأ إن علمت أني ما انتبهت إلى هذه النقطة الدقيقة إلا على يدي سيدي الشيخ سعيد وتلميذه الشيخ ( بلال النجار ) من تتبعي لبعض ما كتباه حولها هنا في هذا المنتدى وفي غيره وقد حل ما كتباه الكثير من الإشكالات التي كنت أواجهها قبل.
تعليق