الأخ هاني الرضا--مطلوب

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سليم بن حمودة الحداد
    طالب علم
    • Jun 2005
    • 89

    #16
    ...

    وأصلا العوام السبيل معهم أن لا يعرّضوا إلى دقائق علم الكلام بل يُعرّفون بما يقوم به أمر دينهم من أبجديات العقيدة ويعلّمون أن الله ليس كمثله شيء وأن كل ما قام في ذهنهم فالله بخلافه وأن هذه النصوص الموهمة ليست على ظاهرها المعروف في حق الآدميين لتفاوت مقام الخالق والمخلوق وكفى ، فعلم الكلام دواء لا يعرف خصائصه واستعماله إلا الطبيب الماهر وهو فرض كفاية وفي تعريض العوام لدقائقه والإكثار من جرعته مهلكة لهم كما ذكر الإمام الغزالي في الإقتصاد ، والأولى لهم بعد تعليمهم أبجديات العقيدة أن يُشغلوا بتعلم فروض دينهم من طهارة وعبادات ونحوها مما لا يجيده الكثير منهم فيفضي الواحد منهم إلى ربه وهو لم يغتسل غسلا صحيحا ولو مرة في حياته والله المستعان ، ثم بعده يتولى الورثة المحمديون تسليكهم و تزكية نفوسهم وإرشادهم بما ينصلح به حال دينهم ودنياهم وتقوم به معاملاتهم وقلوبهم ليلاقوا ربهم غير فاتنين ولا مفتونين، فليس امتحان العوام وسؤالهم عن الاستواء وغيره من الحكمة في معاملة الخلق وهدايتهم في شيء !!).

    أقول:
    أخي أنقل لك أولا كلام حجة الاسلام الغزالي في "الجام العوام" حيث يقول رضي الله عنه:
    "..الوظيفة الاولى[للعامي]: التقديس..ومعناه أنه اذا سمع اليد والاصبع و قوله صلى الله عليه وآله وسلم:"ان الله خمر طينة آدم بيده" و "ان قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمان"، فينبغي أن يعلم أن اليد تطلق لمعنيين:أحدهما هو الموضع الاصلي و هو عضو مركب من لحم وعصب ،واللحم والعصب والعظم جسم مخصوص و صفات مخصوصة، أعني بالجسم عبارة عن مقدار له طول وعرض و عمق يمنع غيره من أن يوجد بحيث هو الا بأن يتنحى عن ذلك المكان، و قد يستعار هذا اللفظ أعني اليد لمعنى آخر ليس ذلك المعنى بجسم أصلا كما يقال: البلدة في يد الامير، فان ذلك مفهوم وان كان الامير مقطوع اليد مثلا. فعلى العامي و غير العامي أن يتحقق قطعا و يقينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم و أن ذلك في حق الله محال وهو عنه مقدس...مثال آخر: اذا قرع سمعه النزول في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:"ينزل الله تعالى في كل ليلة الى السماء الدنيا"، فالواجب عليه أن يعلم أن النزول اسم مشترك قد يطلق اطلاقا يفتقر فيه الى ثلاثة أجسام:جسم عال هو مكان لساكنه، وجسم سافل كذلك، وجسم منتقل من السافل الى العالي و من العالي الى السافل، فان كان من اسفل الى علو سمي صعودا و عروجا ورقيا، و ان كان من علو الى اسفل سمي نزولا وهبوطا ، و قد يطلق على معنى آخر و لا يفتقر فيه الى تقدير انتقال و حركة في جسم كما قال الله تعالى:"وأنزل لكم من الانعام ثمانية ازواج".و ما رئي البعير والبقر نازلا من السماء بالانتقال بل هي مخلوقة في الارحام ،و لانزالها معنى لا محالة.كما قال الشافعي رضي الله عنه: دخلت مصر فلم يقيموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت.فلم يرد به انتقال جسده الى اسفل ، فتحقق المؤمن قطعا ان النزول في حق الله تعالى ليس بالمعنى الاول...فإن الشخص والجسد أجسام والرب جل جلاله ليس بجسم.
    فإن خطر له أنه لم يرد هذا [أي المعنى الاول] فماذا أراد ؟ فيقال له:اذا عجزت عن فهم نزول البعير من السماء فانت عن فهم نزول الله تعالى اعجز. فليس بعشك فادرجي. و اشتغل بعبادتك أو حرفتك و اسكت، و اعلم أنه اريد به معنى من المعاني التي يجوز ان يراد بالنزول في لغة العرب،ويليق ذلك المعنى بجلال الله تعالى و عظمته و ان كنت لا تعلم حقيقته وكيفيته.
    و يقول رحمه الله :..فإذن الايمان بالجمليات التي ليست مفصلة في الذهن ممكن، ولكن تقديسه الذي هو نفي المحال عنه ينبغي ان يكون مفصلا، فان المنفي هي الجسمية و لوازمها، ونعني بالجسم هاهنا الشخص المقدر الطويل العريض العميق الذي يمنع غيره من أن يوجد بحيث هو والذي يدفع ما يطلب مكانه ان كان قويا و يندفع و يتنحى عن مكانه بقوة دافعة ان كان ضعيفا.
    و انما شرحنا هذا اللفظ مع ظهوره لان العامي ربما لا يفهم المراد منه.
    [...] الى أن قال :...فاذن الفائدة في نقل هذه الاخبار عظيمة و الضرر يسير. فأنّى يساوي هذا حكاية الظنون المنقدحة في النفس.
    فهذه سبل تجاذب طرق الاجتهاد في اباحة ذكر التأويل المظنون أو المنع. ولا يبعد ذكر وجه ثالث و هو أن ينظر الى قرائن حال السائل و المستمع، فإن علم أنه ينتفع به ذكره، وان علم أنه يتضرر تركه، وان ظن أحد الأمرين كان ظنه كالعلم في اباحة الذكر، وكم من انسان لا تتحرك داعيته باطنا الى معرفة هذه المعاني و لا يحيك في نفسه اشكال من ظواهرها، فذكر التأويل معه مشوش، وكم من انسان يحيك في نفسه اشكال الظاهر حتى يكاد أن يسوء اعتقاده في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم و ينكر قوله الموهم، فمثل هذا لو ذكر معه الاحتمال المظنون بل مجرد الاحتمال الذي ينبو عنه اللفظ انتفع به ولا بأس بذكره معه فإنه دواء لدائه و ان داء في غيره.و لكن لا ينبغي أن يذكر على رؤوس المنابر لأن ذلك يحرك الدواعي الساكنة من أكثر المستمعين، وقد كانوا غافلين و عن اشكاله منفكين، و لما كان زمان السلف الاول زمان سكون القلب بالغوا في الكف عن التأويل خيفة من تحريك الدواعي و تشويش القلوب
    فمن خالفهم في ذلك الزمان فهو الذي حرك الفتنة و ألقى هذه الشكوك في القلوب مع الاستغناء عنه فباء بالاثم. أما الآن و قد فشا ذلك في بعض البلاد فالعذر في اظهار شيء من ذلك رجاء لإماطة الأوهام الباطلة عن القلوب أظهر و اللوم عن قائله أقل.
    ثم قال رحمه الله و أحسن إليه:
    " فإن قيل : فقد فرقتم بين التأويل المقطوع و المظنون فبماذا يحصل القطع بصحة التأويل؟ قلنا بأمرين:
    أحدهما: أن يكون المعنى مقطوعا ثبوته لله تعالى كفوقية المرتبة.
    والثاني: أن لا يكون اللفظ محتملا الا لأمرين و قد بطل أحدهما و تعين الثاني: مثاله قوله تعالى : "و هو القاهر فوق عباده".فإنه ان ظهر في وضع اللسان أن الفوق لا يحتمل الا فوقية المكان أو فوقية الرتبة ، وقد بطل فوقية المكان لمعرفة التقديس لم يبق الا فوقية الرتبة...فالله فوق عباده بهذا المعنى ، وهذا كالمقطوع به في لفظ الفوق وأنه لا يستعمل في لسان العرب الا في هذين المعنيين . أما لفظ الاستواء الى السماء وعلى العرش ربما لا ينحصر مفهومه في اللغة هذا الانحصار. و اذا تردد بين ثلاثة معان ،معنيان جائزان على الله تعالى ومعنى واحد هو الباطل ، فتنزيله على أحد المعنيين الجائزين أن يكون بالظن والاحتمال المجرد." اهـ كلامه رحمه الله تعالى.
    أقول : فقولك أخي " بأن العامي الذي لم يتسع قلبه للتفويض البسيط كما تزعم يبعد جدا أن يسع التأويل الدقيق المركب المستلزم لمعرفة باللغة وكثير من القواعد الكلامية والمنطقية"...
    مردود بكلام الامام الغزالي الذي يدعو الى عدم مجاوزة العوام للتفويض..و مع ذلك فهو يشدد على ضرورة تلقينهم المعاني اللغوية للكلمات الموهمة حتى لا يظنوا أن اللغة لا تحتمل الا المعنى المستحيل على الله تعالى. و يشدد أيضا على ضرورة تفهيم العوام التقديس و التنزيه التفصيلي لله تعالى عن الجسمية و لوازمها حتى يفهموا التفويض الحقيقي..
    اذ التفويض مسبوق بالتأويل و التنزيه و التقديس .فيجب تعليم العوام كما نقلت عن الامام- معنى الجسم و لوازم الجسمية و أن تلك المعاني مستحيلة على الله تعالى .فإذا أدركوا ذلك أدركوا التفويض مع التنزيه فيقدرون على فهم ضرورة عدم حمل النصوص المتشابهة على المعاني الملازمة للجسمية ،ثم تفويض المعنى اللائق بالله تعالى و ترك ذلك التعيين للعلماء الراسخين.
    و لا يعني ذلك بحال أننا ندعو الى تعليم العوام علم الكلام و أساليبه و مجادلاته، بل الاقتصار منه و من اللغة على ما يحقق التنزيه و التقديس فحسب كما ذكر الامام رحمه الله تعالى- ليحصل التفويض الحقيقي المقصود.
    اذ لا تفويض من غير تنزيه بل التفويض بلا تنزيه هو التجسيم والتشبيه بعينه.و الفرق بين تفويضنا و"تفويضهم" هو في التنزيه و التقديس .
    فقولك: " وأصلا العوام السبيل معهم أن لا يعرّضوا إلى دقائق علم الكلام بل يُعرّفون بما يقوم به أمر دينهم من أبجديات العقيدة ويعلّمون أن الله ليس كمثله شيء''.
    لا أفهم سبب وروده هنا !! فهل قلت أنا أو غيري بجواز تعريض العوام الى دقائق علم الكلام ؟؟ انما الذي أقوله ان الاكتفاء بردع العوام عن التأويل و دعوتهم الى التفويض ليس حلا سليما لعقائدهم في كل حال و مع كل مسألة.
    بل تلقينهم بعض معاني اللغة التي تعينهم على مغالبة التشبيه و التجسيم الذي اعتادوا عليه، و افهامهم شيئا يسيرا من الكلام كمعنى الجسم و لوازمه ليدركوا تنزه الرب تعالى عن ذلك فيبلغوا التفويض بيسر و لا يغلبهم تلبيس المجسمة والمشبهة، فذلك لا عيب فيه بل نراه ضروريا خاصة في عصر انتشار التشبيه والتجسيم انتشارا كبيرا . و هذا هو كلام الامام الغزالي مع أنه يعتقد ضرورة الجام العوام عن علم الكلام و حملهم على التفويض الكامل دون سؤال و لا فهم بل بتصديق مطلق لصاحب الشرع صلى الله عليه وآله وسلم.
    و المثال الذي ذكرته-عن الاستواء- في كلامي السابق خير دليل على هذا.

    ..يتبع..
    يظن الناس بي خيرا و إني
    لشر الناس إن لم يعف عني

    أخوكم سليم

    تعليق

    • سليم بن حمودة الحداد
      طالب علم
      • Jun 2005
      • 89

      #17
      ...
      قلت أخي:
      ( وهذا التفريق وما بنيته عليه من تقسيم لم أر أحدا سبقك إليه حقيقة ، وهو عندي غير سليم ، بل حاصل الأمر أن انكشاف الشيء هو علم به ، ثم انكشاف ( العلم به ) هو ((علم آخر)) غيره بدليل تخلفه عنه وابتناءه عليه وعدم استتباع الأول للثاني وجواز تخلفه !!).

      أقول:
      قلت أنت أخي أن ادراك المعلوم على ماهو عليه من لوازم العلم و ليس ذاتيا مقوما له ، فأجبتك بأن ذلك الادراك ذاتي مقوم و أن من لوازم العلم بالشيء مثلا حصول العلم بذلك الادراك.اذ كل عالم حصل عنده العلم بشيء، يدرك ادراكا مباشرا حصول ذلك العلم له. و هذا لا ينفك عنه أيّ علم فهو من لوازمه. ولكنه ليس من ذاتياته، اذ يمكن فهم العلم وحقيقته- دون فهم أو بغض النظر عن فهم هذا اللازم له وهو ادراك حصوله.و يمكن رفع هذا الادراك الثاني بالوهم والتقدير و مع ذلك يبقى "العلم" مفهوما، فهو أي ادراك حصول العلم- لازم لا ذاتي. وهذين هما المعياران اللذان يعرف بهما اللازم من الذاتي.
      يقول حجة الاسلام والمسلمين الامام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه في "معيار العلم" :
      "...والغرض اظهار معيار لادراك الفرق بين الذاتي واللازم ،وله معياران:
      الأول: ان كل ما يلزم ولا يرتفع في الوجود، ان أمكن أن يرتفع بالوهم والتقدير وبقي الشيء معه مفهوما فهو لازم؛ فإنا نفهم كون الانسان انسانا و كون الجسم جسما و ان رفعنا من وهمنا اعتقاد كونهما مخلوقين مثلا، و كونهما مخلوقين لازم لهما، و لو رفعنا من وهمنا كون الانسان حيوانا لم نقدر على فهم الانسان...فإذن ما لا يرتفع في الوجود والوهم جميعا فهو ذاتي، وما يرتفع في الوجود والوهم فهو عرضي، وما يقبل الارتفاع في الوهم دون الوجود فهو لازم غير ذاتي.
      إلا أن هذا المعيار مع أنه كثير النفع في اغلب المواضع، غير مطّرد في الجميع ، فان من اللوازم ما هو ظاهر اللزوم للشيء بحيث لا يقدر على رفعه في الوهم أيضا ، فإن الانسان يلازمه كونه متلونا ملازمة ظاهرة لا يقدر الانسان على رفعه في الوهم و هو لازم لا ذاتي...
      و كذلك كون كل عدد اما مساو لغيره أو مفاوت فإنه لازم ليس بذاتي ،وربما لا يقدر الانسان على رفعه في الوهم ... فلم يكن هذا مطّردا فنعدل الى المعيار الثاني عند العجز عن الاول و نقول:
      ان كل معنى اذا أحضرته في الذهن مع الشيء الذي شككت في أنه لازم له أو ذاتي ، فإن لم يمكنك أن تفهم ذات الشيء إلا ان يكون قد فهمت له ذلك المعنى أولا ،كالحيوان و الانسان فانك اذا فهمت ما الانسان و ما الحيوان فلا تفهم الانسان الا و قد فهمت أولا أنه حيوان فاعلم أنه ذاتي. وان أمكنك ان تفهم ذات الشيء دون أن تفهم المعنى أو أمكنك الغفلة عن المعنى بالتقدير فاعلم أنه غير ذاتي." اهـ
      فقد بان أن ادراك حصول العلم للعالم ليس ذاتيا للعلم بل لازم له يمكن رفعه بالوهم والتقدير و ان لم يرتفع في الوجود. و يمكن فهم ذات العلم وحقيقته دون فهم أو مع الغفلة عن ذلك الادراك الثاني فلم يكن ذاتيا للعلم.
      و بان أيضا أن انكشاف أو ادراك المعلوم على ما هو عليه،أو حصول ادراك مطابق للواقع لصورة الشيء بجميع ذاتياته المقومة..بان أن هذا الانكشاف والادراك المخصوص ليس لازما للعلم، اذ لا يمكن رفعه في الوهم والتقدير مع بقاء ذات العلم مفهومة كما هو حال اللوازم و منها ذاك الادراك الثاني.
      و كذلك يتوقف فهم ذات العلم على فهم ذلك الانكشاف المخصوص و لا يمكن فهم العلم دون فهم ذلك الانكشاف بالضرورة فهو اذن ذاتي للعلم لا لازم له.

      و قولك:
      (، ثم انكشاف ( العلم به ) هو ((علم آخر)) غيره بدليل تخلفه عنه وابتناءه عليه وعدم استتباع الأول للثاني وجواز تخلفه !!).

      أقول:
      نعم انكشاف أو ادراك حصول العلم بالشيء هو "علم آخر" غير العلم بالشيء. و لكنه لا يتخلف عنه عادة بل كل عالم يحصل له مع علمه بالشيء، علم بحصول العلم بالشيء له. و هو أي العلم الثاني- غير العلم الأول من حيث موضوعه لا من حيث مصدره ، فهما في الحقيقة معلومان لعلم واحد .
      اذ أن من علم بشيء و أدرك صورته و ماهيته على ماهي عليه بيقين،
      يحصل له مع ذلك العلم علم بحصول ذلك العلم له ، فهو علم واحد متعلق بمعلومين هما: الشيء و العلم به.
      يقول حجة الاسلام رحمه الله تعالى في الاقتصاد في الاعتقاد:
      "...ولا شك أن جهما[بن صفوان] ينفي النهاية عن معلومات الله تعالى ثم لا يثبت علوما لا نهاية لها،فيلزمه أن يعترف بعلم واحد يتعلق بمعلومات مختلفة فكيف يستبعد ذلك في أحوال معلوم واحد؟؟
      يحققه أنه لو حدث له سبحانه علم لكل حادث لكان ذلك العلم لا يخلو إما أن يكون معلوما أو غير معلوم، فإن لم يكن معلوما فهو محال لأنه حادث ، وان كان معلوما فإما أن يفتقر الى علم آخر و هذا العلم الى علم آخر و هذا الى علوم أخر لا نهاية لها وهو محال.وإما ان يعلم [الله] الحادث والعلمُ بالحادث هو نفس ذلك العلم، فتكون ذات العلم واحدة ولها معلومان: أحدهما ذاتها والآخر ذات الحادث،فيلزم منه لا محالة تجويز علم واحد يتعلق بمعلومين مختلفين ،فكيف لا يجوز علم واحد يتعلق بأحوال معلوم واحد مع اتحاد العلم و تنزهه عن التغير؟؟ وهذا لا مخرج منه.'' اهـ كلامه رضي الله عنه .
      فالعلم واحد و لكن له معلومان: الأول ذات الشيء و الثاني ذلك العلم بالشيء. و الأول ذاتي للعلم و الثاني لازم له لا يتخلف عنه عادة .

      ثم قلت أخي:
      (فأنت تعلم أولا ، ثم تعلم أنك تعلم ثانيا ، ولو كان الثاني لازم الأول لتساوى حصولهما في النفس ضرورة وتواترا دون تراخ بينهما لعدم قيام اللازم أو العرضي بغير متعلق يتبعه ، فإنت تعلم وهذه نسبة تقوم في نفسك ، ثم تعلم أنك تعلم وهذه نسبة وتصديق آخر انبنى على النسبة الأولى دون أن يكون بينهما علاقة طبعية أو علية بل سببية يجوز أن تتأخر ولا تقوم بعوارض الغفلة وعدم النظر ، ولا بد في حصولها من تراخ وحصول نظر ثم تحصل الثانية ولو كانت لازمة للأولى لحصلت بداهة في النفس عند حدوث الأولى دون تراخ وليس الأمر كذلك .).

      أقول:
      أخي.. العلم بالشيء يستتبع مباشرة دون تراخ ادراك حصول ذلك العلم ، بل هو كما مر- علم واحد لمعلومين متلازمين.
      و هذا كإدراك الانسان لذاته و وعيه بها فإنه يساوق كل ادراك
      أو شعور قام بالذات .و هو يسمّى-عند البعض- علما حضوريا أي حضور ذات الشيء للنفس أو العقل، لا صورة الشيء كما في العلم الحصولي. فالعلم الحصولي علم بالشيء بحصول صورته ومثاله لا حصول ذاته في العقل. و العلم الحضوري علم العقل بذلك العلم أو هو حضور العلم الحصولي للعقل مباشرة أي بذاته.
      و هما متساوقان لا يتخلفان بحكم العادة التي سنّها الله تعالى
      و خلق عليها العلم.
      فهو أي الادراك الثاني أو العلم الحضوري - لا يتأخر عن العلم الأول بعوارض الغفلة وعدم النظر، إلا اذا لم يحدث العلم في العقل أصلا-اذ لا يحصل اللازم من دون ملزومه-. أو اذا حصل العلم بقضية مّا و تلك القضية
      لازمة عن تصور أشياء أخرى متضمنة في تلك القضية؛ كقضية أن العالم حادث مثلا ، فمن يعلم تلك القضية يحصل له العلم بحصول ذلك العلم له. ولكنه ربما يغفل عن تصورات تلزم عنها تلك القضية كتصور الوجود والعدم و التقدم والتأخر و الزمان.
      و هذه التصورات حاصلة لمن يعلم أن العالم حادث بالضرورة، ولكنه يمكن أن يغفل عنها و عن أنها حاصلة له، فيغفل بالتالي عن لازمها وهو العلم بعلمه بها. فهو لا يغفل عن ادراك حصول العلم بها عند حضورها لعقله، بل ذلك لازم لتنبهه اليها، بل هو لا يحصل له ادراك علمه بها عند غفلته عن علمه بها. فإذا تمثلها و اخطرت بذهنه و استحضرها علم بها بالفعل بعد أن كان بالقوة- و حصل له مباشرة ادراك لحصولها في علمه لا محالة دون تأخر ولا غفلة أبدا، اذ ذلك هو معنى استحضاره لها
      و اخطارها و تنبهه لها.

      و قولك أخي:
      (ثم أنت تقول أن الأولى (( انكشاف )) معلوم ، والثاني (( انكشاف انكشاف معلوم )) والإنكشاف الحاصل في تلك حقيقته مساوية للإنكشاف الحاصل في هذه فلا يمكن أن يكون لازما للأولى لما أن اللازم لا يحتوي ذاتيات ملزومه وإلا تساوى معه في الماهية وأنه محال لأن وجوده مبني على وجود ملزومه أو فهمه. فتدبر .).

      أقول: قد تدبرت فرأيت..
      الانكشاف الثاني كما قلت هو علم حضوري أي هو حضور ذات الشيء المعلوم في العلم ،اذ هو حضور ذات الانكشاف الأول للعقل لا صورته ومثاله كما في الانكشاف الاول الذي هو ادراك أوحصول صورة الشيء ومثاله في العقل لا حصول الشيء ذاته في العقل، فليست حقيقته مساوية لحقيقة الأول.فتأمل.

      و قولك:
      (..فلمَ جعلته ذاتيا في الأول الذي هو حصول العلم بالشيء عندك بينما جعلته لازما في الثاني الذي هو العلم بالعلم بالشيء ولمَ التحكم !!؟؟ ).
      أقول:
      الأول ذاتي للعلم لأن ذات العلم لا تفهم من دونه بخلاف الثاني، و لأن الثاني يمكن رفعه في الوهم أو تقدير ارتفاعه في الوجود مع بقاء فهمنا لذات العلم على حاله بخلاف الأول اذ بارتفاعه وهما أو وجودا يرتفع فهمنا للعلم أصلا.
      فليس في الأمر تحكم أبدا.

      قلت أخي:
      (ثم إنك أخي الفاضل قد تحكمت في حد العلم وحدت عن الحد الذي أثبته أنا أولا وهذا مخل بالمطلوب ، فمثلك يعلم مدى الإختلاف الحاصل في حد العلم ، بل إن إمام الحرمين وتلميذه الغزالي قد قالا أنه لا يحد حدا حقيقيا لعسره وعسر الإطلاع على ذاتياته ، بل إن الإمام الرازي قال أنه لا يحد لا حدا حقيقيا ولا رسميا لأنه ضروري ، فمع كل هذا الخلاف الحاصل كان الأجدى التزام الحد الذي أتيت أنا به أولا للعلم ومناقشتي على ضوءه . ).

      أقول:
      أخي.. أعلم بالاختلاف الحاصل في حد العلم ، ولكن هذا ليس دليلا على أن الذي قلته ليس حدا للعلم.
      و الثلاثة العظام رحمهم الله تعالى الذين ذكرتهم ليسوا مختلفين بل متفقين على الذي قلته و هو أننا ندرك حقيقة العلم و ماهيته.

      ..يتبع..

      يظن الناس بي خيرا و إني
      لشر الناس إن لم يعف عني

      أخوكم سليم

      تعليق

      • سليم بن حمودة الحداد
        طالب علم
        • Jun 2005
        • 89

        #18
        ...
        يقول الامام الغزالي رحمه الله في المستصفى :
        " فإن قلت فما حد العلم عندك؟.. فاعلم أنه إسم مشترك قد يطلق على الإبصار والإحساس وله حد بحسبه، ويطلق على التخيل وله حد بحسبه، ويطلق على الظن وله حد آخر، ويطلق على علم الله تعالى على وجه آخر أعلى وأشرف ولست أعني به شرفا بمجرد العموم فقط بل بالذات والحقيقة لأنه معنى واحد محيط بجميع التفاصيل ولا تفاصيل ولا تعدد في ذاته .وقد يطلق على إدراك العقل وهو المقصود بالبيان.
        وربما يعسر تحديده على الوجه الحقيقي بعبارة محررة جامعة للجنس والفصل الذاتي فإنا بينا أن ذلك عسير في أكثر الأشياء بل أكثر المدركات الحسية يتعسر تحديدها فلو أردنا أن نحد رائحة المسك أو طعم العسل لم نقدر عليه وإذا عجزنا عن حد المدركات فنحن عن تحديد الإدراكات أعجز ولكنا نقدر على شرح معنى العلم بتقسيم ومثال أما التقسيم فهو أن نميزه عما يلتبس به ولا يخفى وجه تميزه عن الإرادة والقدرة وسائر صفات النفس وإنما يلتبس بالاعتقادات ولا يخفى أيضا وجه تميزه عن الشك والظن لأن الجزم منتف عنهما والعلم عبارة عن أمر جزم لا تردد فيه ولا تجويز ولا يخفى أيضا وجه تميزه عن الجهل فإنه متعلق بالمجهول على خلاف ما هو به والعلم مطابق للمعلوم [...]
        وبعد هذا التقسيم والتمييز يكاد يكون العلم مرتسما في النفس بمعناه وحقيقته من غير تكلف تحديد. وأما المثال فهو أن إدراك البصيرة الباطنة تفهمه بالمقايسة بالبصر الظاهر ولا معنى للبصر الظاهر إلا انطباع صورة المبصر في القوة الباصرة من إنسان العين كما يتوهم انطباع الصور في المرآة مثلا فكما أن البصر يأخذ صور المبصرات أي ينطبع فيها مثالها المطابق لها لا عينها فإن عين النار لا تنطبع في العين بل مثال يطابق صورتها وكذلك يرى مثال النار في المرآة لا عين النار، فكذلك العقل على مثال مرآة تنطبع فيها صور المعقولات على ما هي عليها. وأعني بصور المعقولات حقائقها وماهياتها. فالعلم عبارة عن أخذ العقل صور المعقولات وهيآتها في نفسه وانطباعها فيه كما يظن من حيث الوهم انطباع الصور في المرآة ففي المرآة ثلاثة أمور الحديد وصقالته والصورة المنطبعة فيها، فكذلك جوهر الآدمي كحديدة المرآة، وعقله هيئة وغريزة في جوهره ونفسه بها يتهيأ للانطباع بالمعقولات كما أن المرآة بصقالتها واستدارتها تتهيأ لمحاكاة الصور.
        فحصول الصور في مرآة العقل التي هي مثال الأشياء هو العلم، والغريزة التي بها يتهيأ لقبول هذه الصورة هي العقل، والنفس التي هي حقيقة الآدمي المخصوصة بهذه الغريزة المهيأة لقبول حقائق المعقولات كالمرآة.
        فالتقسيم الأول يقطع العلم عن مظان الاشتباه، وهذا المثال يفهمك حقيقة العلم.
        فحقائق المعقولات إذا انطبع بها النفس العاقلة تسمى علما، وكما أن السماء والأرض والأشجار والأنهار يتصور أن ترى في المرآة حتى كأنها موجودة في المرآة وكأن المرآة حاوية لجميعها فكذلك الحضرة الإلهية بجملتها يتصور أن تنطبع بها نفس الآدمي والحضرة الإلهية عبارة عن جملة الموجودات فكلها من الحضرة الإلهية إذ ليس في الوجود إلا الله تعالى وأفعاله فإذا انطبعت بها صارت كأنها كل العالم لإحاطتها به تصورا وانطباعا وعند ذلك ربما ظن من لا يدري الحلول فيكون كمن ظن أن الصورة حالة في المرآة وهو غلط لأنها ليست في المرآة ولكن كأنها في المرآة فهذا ما نرى الاقتصار عليه في شرح حقيقة العلم في هذه المقدمة التي هي علاوة على هذا العلم".اهـ
        و قال رضي الله عنه في المنخول من علم الاصول بعبارة أصرح:
        " الفصل الثاني
        في حقيقة العلم و حده
        ولأصحابنا فيه ست عبارات:
        أولها: قول شيخنا أبى الحسن: العلم ما يوجب بمن قام به كونه عالما وهذا فاسد فإنه لا يفيد بيانا ولا يجدي وضوحا إذ العالم مشتق من العلم فمن جهل العلم جهله فهو حوالة على المجهول كقول من فقد خاتما في بيت لمن يسأله عن البيت فيقول البيت الذي تركت فيه خاتمي.
        وثانيها: قول أبى القاسم الإسكافي العلم ما يعلم به ووجه تزييفه كالأول إذ الحد يرد للبيان ولا بيان.
        وثالثها: قول ابن فورك العلم صفة يتأتى للموصوف بها إتقان الفعل وأحكامه وهو باطل بالعلم بالله وبجملة المستحيلات فانه علم ولا يتأتى به الإتقان ثم الإتقان بالقدرة لا بالعلم ولا معنى بأكلة فإنه عبارة عن الانتظام وليس الانتظام صفة لذات المنتظم ولكن إن وقع حسب المراد فهو المنتظم بالنسبة إليه وقد يقبح بالنسبة إلى غيره.
        ورابعها: قول بعضهم تبيين المعلوم على ما هو به أو درك المعلوم ولفظ التبيين مشعر باستفتاح علم بعد سبق استبهام ويخرج عنه علم الباري سبحانه وكذا لفظ الدرك وهو أيضا متردد بين درك الحاسة والعقل واللفظ المتردد لا يحد به.
        وخامسها: قولهم الإحاطة بالمعلوم والرب تعالى معلوم ولا يحاط به إذ الإحاطة تشعر بالانطواء والاحتواء .
        وسادسها: قول القاضي : معرفة المعلوم على ما هو به قال القاضي تحديد العلم لا يتأتى إلا بذكر عبارة تزيد في الوضوح عليه تنبئ عنه فغاية الإمكان ترديد العبارة على السائل حتى يفهم قال لو سألني سائل عن العلم فأقول هو المعرفة ولو سأل عن المعرفة فأقول هو العلم سديد لأنهما عبارتان عن معبر واحد. ولو سئل عن المعرفة والعلم فماذا يقول؟ ثم المعرفة خلاف العلم في اللغة فإنها لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد والعلم يتعدى إلى مفعولين .[...]
        والمختار أن العلم لا حد له إذ العلم صريح في وصفه مفصح عن معناه ولا عبارة أبين منه وعجزنا عن التحديد لا يدل على جهلنا بنفس العلم كما إذا سئلنا عن حد رائحة المسك عجزنا عنه لكون العبارة عنها صريحة ولا يدل ذلك على جهلنا ولكن سنبين العلم بالتقاسيم فنقول: لا خفاء بتمييزه عن الظن والشك والجهل وإنما مظنة الاشتباه الاعتقاد المشتبه مع العلم ووجه الفرق إن المقلد لو طلب متنفسا عز في مسلك النظر لوجده والعالم لا يتمكن منه إذ لا وضوح بعد الوضوح والمعتقد المقلد إن أصغى إلى الشبه تزلزل اعتقاده دون العالم ولو عرض على المعتقد ما يعلم ضرورة لأدرك الفرق بينه وبين ما يعتبره تقليدا مع إن العلوم بعد حصولها ضرورية بأسرها لا تختلف والمعتقد إذا نظر فعلم ذاق من نفسه أمرا على خلاف ما وجده قبله والاعتقاد افتعال من العقد وهو مشعر بتكليف ربط العقد به والعلم انشراح صدر ربط تكليف والقول الوجيز أن المعتقد سابق إلى أحد معتقدي الشاك وواقف عليه إذا الشاك يقول أزيد في الدار أم لا فيقف المعتقد على أنه في الدار ولا يقدر خلافه ولو قدره لتمكن من ذلك ولذلك نقول في اعتقاد المعتقد أن زيدا في الدار وهو في الدار كاعتقاد من يعتقد أنه في الدار وليس فيها والعلم لا يجانسه الجهل فقد بان الفرق.///
        و لم يذكر الامام الغزالي رحمه الله تعالى قول أستاذه أبي المعالي رحمه الله لأنه على رأيه في عسر تحديده و أنه معلوم و لكن يشرح بالتقسيم والمثال. و رأي الامام فخر الدين في بداهة العلم و أنه معلوم بضرورة العقل مشهور كما في المحصول له.

        أخي هؤلاء سادة المتكلمين رحمهم الله تعالى يقولون ان العلم-مطلق العلم- معلوم الحقيقة و الماهية حتى أنه يعسر حده والتعريف به بالجنس والفصل و لكنه ممكن..فهو كما قال الامام الجويني و تلميذه الغزالي: اعتقاد جازم مطابق ثابت. أو حصول الصورة النوعية مطابقة لما في الواقع مع عدم احتمال النقيض.و هو معنى قولنا ادراك حقيقة الشيء على ما هو عليه دون احتمال النقيض.
        أقول: هذه عندي حدود للعلم لا رسوم له ..و لكن الأمر يحتاج الى دراسة أكثر توسعا نرجو أن ييسرها الله تعالى. و لكن لنفرض أنها رسوم فإن ذلك لا يؤثر في موقفي أبدا .اذ حقيقة مطلق العلم معلومة لنا بيقين حتى عند من لا يرى امكانية تحديد العلم فإنه يعتقد أننا نعلم حقيقته كما مر.
        فرأيي أننا نعلم حقيقة العلم مطلق العلم- فظننت أخي أنني أقول أننا نعلم حقيقة وكنه اتصاف الله تعالى بالعلم و هو ما لم أقله أبدا ولا قصدته، و سيأتي مزيد بيان لهذا ان شاء الله تعالى.

        قلت :
        (ولو لاحظت أيها الفاضل في الحدين فستجد أن ( الانكشاف ) و ( إيجاب التمييز ) ذكرا فيها على صيغة الفعل مما يشعر بنفي الذاتية عنهما إذ الفعل لا يصح أن يكون ذاتيا لما أننا نتعقل الشيء أولى ثم نتعقل الفعل الصادر عنه ثانيا ، فليس ثمة ذاتي في الحدين غير لفظة ( صفة ) وهي الجنس في الحدين).

        أقول:
        أخي..لا يلزم من ذكر الفعل في التعريف أن يكون رسما لا حدا حقيقيا.
        فإننا يجوز أن نعرف الخمر بأنه: شراب يحدث السكر .و هذا حد للخمر لا رسم.و هو كقولنا: الخمر شراب مسكر.

        قولك أخي:
        (فالحاصل وبلغة سهلة أن الانكشاف نفسه يحدث بالصفة ، فليس ذاتيا لها بل من مفعولاتها وتأثيراتها ولوزامها ذهنا ، وأن حدوث ذلك الانكشاف بتلك الصفة يجعل تلك الصفة تكتسب اسم ( العلم ) دون غيرها من الصفات ، فالعلم اسم لصفة عملها هو الكشف عن المعاني فليس الكشف ذاتيا للعلم بل عمل له أي لصفته.).

        أقول:
        الانكشاف أو الادراك أو التعقل لا يحدث " بالصفة" و لا هو من مفعولاتها و آثارها بل هو انما يحصل عند الانسان- بالعقل، و تلك "الصفة" أي الانكشاف و الادراك والتعقل هو من مفعولات و آثار العقل أو القوة النظرية.
        و قد مر كلام حجة الاسلام رحمه الله تعالى في المستصفى:
        ''.. فحصول الصور في مرآة العقل التي هي مثال الأشياء هو العلم، والغريزة التي بها يتهيأ لقبول هذه الصورة هي العقل، والنفس التي هي حقيقة الآدمي المخصوصة بهذه الغريزة المهيأة لقبول حقائق المعقولات كالمرآة. فالتقسيم الأول يقطع العلم عن مظان الاشتباه وهذا المثال يفهمك حقيقة العلم فحقائق المعقولات إذا انطبع بها النفس العاقلة تسمى علما..''.
        فليس العلم صفة يحصل بها الادراك والانكشاف بل هو عين الادراك والانكشاف، و هو من مفعولات و آثار العقل فهو القوة التي بها يحدث العلم الانساني الحادث.
        والذي قال ان العلم هو صفة يحصل بها الادراك، انما قصده أن من قام به العلم فهو متصف بالادراك والانكشاف لا أن العلم صفة أو قوة يحدث بها الادراك والانكشاف مثلما نقول ان العقل قوة يحصل بها غيرها و هو حصول الادراك والانكشاف . فالعلم صفة هي الانكشاف و الادراك المخصوص ، لا أنه صفة هي غير الانكشاف فتأمل.

        قولك:
        ( تماما مثلما أن الحياة هي : ( صفة تصحح لمن قامت به الاتصاف بالعلم ) وأن حصول التصحيح هو ما ميز هذه الصفة عن غيرها من الصفات باسم الحياة وهكذا دواليك..).

        أقول:
        الأمر مختلف تماما مع الحياة في هذا الرسم.
        فإن حصول التصحيح ليس من ذاتيات الحياة المقومة لها كما هو حصول الادراك المخصوص بالنسبة الى العلم.

        ..يتبع..

        يظن الناس بي خيرا و إني
        لشر الناس إن لم يعف عني

        أخوكم سليم

        تعليق

        • سليم بن حمودة الحداد
          طالب علم
          • Jun 2005
          • 89

          #19
          ...

          فإن ادراك معنى الحياة ليس متوقفا على معرفة أنها تصحح الاتصاف بالعلم أو لا تصححه. فذلك التصحيح من لوازم الحياة لا من ذاتياتها.
          بخلاف العلم اذ يرتفع ادراكنا لحقيقته اذا ارتفع من الوهم حصول الانكشاف والادراك الثابت المطابق للواقع.كما مر.

          قلت أخي:
          (وكل ما تقدم بالطبع هو على سبيل التجوز وإلا فإن الله لا يحتاج آلة أو واسطة لكي يعلم وإنما هو يعلم حقيقة بذاته التي يقوم بها العلم لا بتوسط صفة العلم وكذلك بقية الصفات .).

          أقول:
          قولك أخي أن الله تعالى يعلم حقيقة بذاته لا بتوسط صفة العلم..مخالف-في ظاهره- لما هو مشهور من عقيدة السادة الأشاعرة من أن الله تعالى يعلم بعلم و يبصر ببصر و يسمع بسمع .
          ولكن قولك أن الذات تقوم بها العلم يعني أن الله تعالى يعلم بالعلم لا بالذات من دون صفة العلم القائمة به. والفرق بيننا الاشاعرة وبين الفلاسفة والمعتزلة أن الله تعالى عندهم يعلم و يقدر بالذات لا بعلم
          وقدرة تقوم به.

          قولك:
          (فالرهوني المالكي يعتبر هذا الحد للعلم رسميا لا حقيقيا ، فهل يكون الرهوني قد أخطأ أيضا وهو الماهر في الأصول؟ ، تدبر أخي).

          أقول:
          هل تنتظر مني أخي- أن أجيب بالنفي؟؟.. قد أخطأ من هو أعظم وأعلم منه في ما هو أوضح من ذلك و أبين،فلم لا يخطئ هو ؟؟

          قلت أخي:
          (أما اللازم أخي الكريم فهو ( ما لا يمكن أن يفارق الماهية بعد فهمها أو وجودها ) ، وهو نقيض العارض ، فلو قلت لك مثلا ( ثلاثة ) لسبق إلى ذهنك مفهوم ( الفردية ) فهنا أنت تفهم الثلاثة أولا بمنأى عن مفهوم ( الفردية ) غير أنه يقوم في ذهنك مباشرة ودون تراخ مفهوم ( الفردية ) تبعا لفهمك ( الثلاثة ) وهذا لازم للماهية ، أو إن قلت لك ( جسم ) فإنك تفهمه بمعزل عن أي مفهوم آخر .. فإن قلت لك ( ظل ) تجدد في ذهنك مفهوم آخر غير أنه يربطه مباشرة بالمفهوم السابق ( جسم ) فيتصور جسما له ظل يستتبع وجوده وهذا هو اللازم للوجود .).

          أقول:
          أخي..اللازم ضد العارض لا نقيضه..ثم التقسيم الذي أراه مناسبا هو أن العرضي ينقسم الى عرضي مفارق-و هو العارض عندك- و عرضي غير مفارق و هو اللازم.
          و قولك إن قلت لك ( جسم ) فإنك تفهمه بمعزل عن أي مفهوم آخر)..
          لا يصح.. اذ لو فهم "الجسم" من غير مفهوم آخر لكان مفهوما بسيطا و لم يكن له حد إلا لفظي و هذا ليس صحيحا و بالتالي لا يمكن فهم ''الجسم'' من دون مفهوم آخر. فليس مفهوم الجسم كمفهوم الوجود مثلا.
          أما تقسيمك أخي لللازم الى لازم للماهية و لازم للوجود فغير سليم، و لكن أظنك تقصد أن الشيء يمكن أن يكون لازما في الذهن دون الوجود أو العكس، أي أن من اللازم ما لا يقدر الواحد على فصله عن ملزومه في ذهنه و وهمه كالتلون للانسان -وهو ربما الذي أسميته أنت لازما للماهية-.و منه ما يمكن للذهن فصله أو تقدير عدمه في الذهن و ان كان لا يوجد دونه في الواقع كالمخلوقية للانسان.

          أخي قلت:
          ( فالحاصل أخي أنك إن قلت ( علم ) لأي شخص قام في ذهنه مباشرة معنى يفهم منه المقصود بهذه الكلمة ، فإن سألته ( ما يفعل هذا العلم ؟ ) لأجابك ( يكشف لنا المعلومات ) فالانكشاف تابع للعلم في الفهم أثر له في ربط الذهن أخي الكريم والعقل يفهم العلم منفصلا عن فهم الانكشاف).

          أقول:
          هذا اعتراف منك بأن حقيقة العلم مدركة لكل أحد بالبداهة . وذلك لقولك: " إن قلت ( علم ) لأي شخص قام في ذهنه مباشرة معنى يفهم منه المقصود بهذه الكلمة".
          أما أن العقل يفهم الانكشاف من دون العلم فذلك أمر آخر و أنا لا أوافق عليه أبدا.
          أخي فهذا الشخص الذي سألته عن العلم، قبل أن تسأله عما يفعل العلم ، لو سألته عن الذي فهمه مباشرة من كلمة العلم ماذا كان سيجيب.. غير أنه انكشاف للمعلوم على ماهو عليه ؟؟؟

          و قولك أخي: ( وإلا لو كان الإنكشاف ذاتيا للعلم كما تقول أخي لم يختلف القوم في حده كل هذا الاختلاف بل لم يقل مثل الإمام الرازي أن لا حد له !! فبان أن الانكشاف لازم للعلم يفهم العلم دونه وقبله ويفهم هو تابعا للعلم أثرا له فهو لازم لا ذاتي للعلم .).

          أقول: هذا غريب منك أخي الكريم..كيف يكون قول الامام الرازي بأن لا حد للعلم دليلا على أن الانكشاف ليس ذاتيا للعلم ؟؟
          قوله أن العلم لا يحد حدا حقيقيا يعني أنه لا يمكن الجزم بذاتيات العلم و عوارضه..فكيف الجزم بأن الانكشاف ليس ذاتيا له بل عرضيا لازما ؟؟
          و قولك أن الانكشاف لو كان ذاتيا لما اختلف العلماء في حد العلم، غريب أيضا..فإن الانكشاف يمكن أن يكون ذاتيا مقوما لماهية العلم وهو الواقع-
          و مع ذلك يختلف العلماء كما هو واقع- في حد العلم اذ الحد معبر عن الماهية و ربما كان التعبير عن الشيء تعبيرا سيئا عنه أو يعسر التعبير لشدة وضوح الماهية أو بساطتها أو لغير ذلك .فليس الاختلاف في الحد دليلا على أن المحدود غير مدرك بحقيقته من قبل الحادين بالضرورة .و قد مر كلام الامام الغزالي في عسر الحد مع ادراك الحقيقة و هو رأي الامامين الجويني و الرازي رحمهما الله تعالى.

          قلت أخي:
          ( غير أني أقول أنه على فرض معرفة صفة العلم وحقيقته وماهيته فإن ذلك إنما يكون في حقنا نحن لا في حق الله سبحانه وتعالى ويستحيل ولا يجوز بحال أن تكون حقيقة العلم في حقنا هي ذات حقيقة العلم في حق الله سبحانه لقوله سبحانه وتعالى : { ليس كمثله شيء } فإن تشابهت الحقائق مع اختلاف العوارض كما تقول أيها الفاضل فماذا بقي من نفي المماثلة والتشبيه ، بل ماذا بقي من عقيدة أهل السنة !!؟؟).

          أقول:
          أخي قد حاولت في مداخلاتي السابقة أن أبسط الأمر وأوضحه قدر المستطاع و لكن يبدو أن العبارة قد خانتني أو أن الفهم قد خانكم مع أن الأمر بيّن.
          فأقول و ما توفيقي الا بالله-:
          ان معرفتنا بحقيقة العلم تعني معرفتنا بمطلق العلم ، و لكن ذلك لا يعني بحال أننا نعلم حقيقة صفة العلم القائمة بالله تعالى و كنهها على ما هي عليه، كما لا نعلم حقيقة ذاته العلية سبحانه.
          و الالتباس جاء في جزء منه- بسبب الاشتراك الواقع في كلمة: "حقيقة"..
          فالحقيقة تطلق على المفهوم الذهني للشيء، كما تطلق على الشيء في ذاته و ما هو عليه في الواقع.
          فحين قلنا اننا نعرف حقيقة العلم ظننت أننا نعرف حقيقة صفة العلم عند الله تعالى..و نحن انما نقصد في الاولى حقيقة العلم أي مفهومه الذهني ،و في الثانية كنه صفة العلم-عند الله تعالى- و ما هي عليه في ذاتها أي مصداق العلم .
          و للتبسيط أقول: الكتاب لفظ له معنى وحقيقة ذهنية ، و له حقيقة بل حقائق أي مصاديق في الواقع .فالحقيقة الذهنية تصدق على الكتاب الصغير والكبير و على المخطوط و المطبوع و على كثيرين .فالحقيقة الذهنية له واحدة، والحقائق الخارجية أي المصاديق مختلفة غير متماثلة .
          فأنت مثلا تعرف حقيقة الكتاب الذهنية و لكنك لا تعرف حقيقة المخطوط
          الذي أملكه أي كنهه و مصداقه و ما هو عليه في الواقع.
          و هذا المثال أخي لا ينطبق تماما على بحثنا و لكن جئت به للتقريب فحسب.

          ..يتبع..


          يظن الناس بي خيرا و إني
          لشر الناس إن لم يعف عني

          أخوكم سليم

          تعليق

          • سليم بن حمودة الحداد
            طالب علم
            • Jun 2005
            • 89

            #20
            ...
            اذ لفظ الكتاب من المشترك المعنوي و لكنه من المتواطئ أي الذي يصدق على أفراده بالتساوي. كالانسان و الحيوان مثلا.
            و من المشترك المعنوي ما يصدق على أفراده بالتفاوت كالنور و البياض
            و الوجود مثلا .
            يقول شيخ الاسلام زكريا الأنصاري في شرحه على ايساغوجي:
            " ثم الكلي إن استوى معناه في أفراده فمتواطئ كالإنسان، وإن تفاوت فيها بالشدة أو بالتقدم، فمشكك كالبياض، فإن معناه في الثلج أشد منه في العاج، و كالوجود فإن معناه في الواجب قبله في الممكن وأشد منه فيه . أ.هـ
            و "الكتاب" من المتواطئ الذي يستوي معناه في أفراده، بخلاف الوجود و العلم و السمع والبصر وسائر الصفات فإنها من المشكّك أي الذي تتفاوت معانيها في مصاديقها بحسب ذوات تلك المصاديق و الأفراد.
            فالعلم أخي له معنى واحد يصدق على كل من يقال له عالم أي يحمل عليه العلم بنفس ذلك المعنى ولكن يتفاوت حسب الذوات التي يقوم بها .
            كالبياض له معنى واحد يصدق على كل ما يحمل عليه و لكن بتفاوت فليس بياض الثلج كبياض الورق كبياض الثياب .
            و هذا التفاوت بين المصاديق حاصل في المتواطئ أيضا ولكن لا من جنس المعنى المتواطئ بل من أشياء خارجة عنه ، بينما التفاوت بين مصاديق المشكك حاصل من جنس المعنى نفسه فما به الاشتراك هو عين ما به الاختلاف والتفاوت .
            قال شيخنا العلامة سيدي سعيد فودة حفظه الله ونصره في تعليقاته على ذلك الشرح:
            " وقد ناقش بعض العلماء في مفهوم التشكيك، فقال الإمام ابن التلمساني: لا حقيقة للمشكك، لأن ما به التفاوت إن دخل في التسمية فهو مشترك، وإن لم يدخل فيها فهو متواطئ.
            وأجاب عنه القرافي فقال: إن كلا من المتواطئ والمشكك موضوع للقدر المشترك، لكن التفاوت إن كان بأمور من جنس المسمى، فمشكك. وإن كان بأمور خارجة عنه كالذكورة والأنوثة والعلم والجهل فمتواطئ، وسمي مشككاً لأن الناظر فيه إن نظر لأصل المعنى عرف أنه متواطئ، وإن نظر إلى تفاوته ظن أنه مشترك فيشك في كونه متواطئاً أو مشتركاً. اهـ
            وهذا كلام لطيف منيف يحل كثيراً من الإشكالات، وهو يوافق ما ذكرناه سابقاً، فتأمله.".اهـ كلام شيخنا.

            فالعلم من أحد قسمي المشترك المعنوي و هو المشكك اذ يصدق بمعنى واحد على الانسان و على الله تعالى و لكنه يتفاوت و يختلف في الذاتين بحسب كل واحدة منهما .
            يقول حجة الاسلام سيد المتكلمين الامام الغزالي رضي الله عنه في الاقتصاد في الاعتقاد:
            "ارشاد الى مزلة قدم
            في الفرق بين المشتركة
            والمتواطئة و التباس احداهما بالاخرى"
            فإن المشتركة في الاسم هي: المختلفان في المعنى المتفقان في الاسم، حيث لا يكون بينهما اتفاق و تشابه في المعنى البتة.
            و تقابلها المتواطئة وهي المشتركان في الحد و الرسم المتساويان فيه بحيث لا يكون الاسم لأحدهما بمعنى الاّ وهو للآخر بذلك المعنى ، فلا يتفاوتان بالأولى و الأحرى و التقدم والتأخر و الشدة والضعف، كاسم الانسان لزيد وعمرو، واسم الحيوان للفرس والثور.
            و ربما يدل اسم واحد على شيئين بمعنى واحد في نفسه، ولكن يختلف ذلك المعنى بينهما من جهة أخرى، و لنسمه اسما مشككا.
            و قد لا يكون المعنى واحدا و لكن يكون بينهما مشابهة، ولنسمه متشابها.
            أما الأول[أي المشكك] فكالوجود للموجودات فإنه معنى واحد في الحقيقة و لكن يختلف بالاضافة الى المسميات، فإنه للجوهر قبل ما هو للعرض و لبعض الأعراض قبله لبعض آخر فهذا بالتقدم والتأخر. و أما المقول بالأولى والأحرى فكالوجود أيضا فإنه لبعض الأشياء من ذاته و لبعضها من غيره، و ما له الوجود من ذاته أولى وأحرى بالاسم، وأما المقول بالشدة والضعف فيتصور فيما يقبل الشدة و الضعف كالبياض للعاج و الثلج فإنه لا يقال عليهما بالتواطؤ المطلق المتساوي بل أحدهما أشد فيه من الآخر.[...] اهـ كلامه يرحمه الله.

            فالمعاني التي ننسبها الى الله تعالى كالوجود و العلم والقدرة و نحوها انما تطلق بالتشكيك أي بالاشتراك المعنوي لا اللفظي، و لكن ذلك لا يلزم عنه أن تلك المعاني هي في ذات الله تعالى كما هي في المخلوقات، اذ مفاهيمها صادقة على الله تعالى وعلى المخلوقات من دون المصاديق الواقعية .
            فقولنا مثلا: الانسان موجود ، و الله موجود ، هل يعني أن وجود الله تعالى هو عين وجود الانسان ؟؟ أو أن وجود الله تعالى كوجود الانسان؟؟؟
            بالقطع واليقين و البداهة لا و ألف لا ، رغم أن المحمول في القضيتين واحد و له نفس المعنى فيهما أي في القضيتين.
            و نقول: الله له ذات وصفات، والانسان له ذات وصفات .
            و المحمول بالقطع- واحد و بمعنى واحد و لكن هل يقول إلا غافل أن ذلك يعني أن ذات الله و صفاته كذات الانسان وصفاته؟؟؟
            فنحن نعلم حقيقة الوجود أي مفهومه الذهني بالبداهة لأنه أبسط المفاهيم على الاطلاق كما هو معلوم ومتفق عليه، و نثبت ذلك المفهوم المدرك بحقيقته- لله تعالى كما نثبته لغيره من الموجودات و المعنى واحد و لكن المصاديق ليست واحدة و ليس وجود الله الواجب الكامل كوجود الممكنات أبدا ، و فوق ذلك فليس مصداق وجود الله تعالى أي حقيقته و كنهه على ما هو عليه بمدرك على الاطلاق إلا بأوصاف له كالوجوب و كونه بالفعل دوما مثلا في حق الرب سبحانه ، وأنه -أي الوجود-ممكن متنقل بين القوة والفعل في حق الممكنات المخلوقة.
            فادراكنا لحقيقة الوجود لا يلزم عنه أبدا ادراكنا لحقيقة أيّ موجود معين فضلا عن حقيقة وجود الله تعالى أي ما هو عليه الرب في ذاته سبحانه.
            و أنا أتحدث عن مفهوم أو صفة الوجود لأنه بالاتفاق معلوم الحقيقة، بخلاف العلم أو غيره مما نثبته لله تعالى ، لتعلم أخي الكريم أن القول بادراك حقيقة أي معنى من تلك المعاني لا يعني ادراك حقيقة الذات أو الصفات العلية أي مصداقها و ما هي عليه قائمة بالله تعالى.
            و تلك المعاني المثبتة للرب سبحانه من المشترك المعنوي لا اللفظي ، اذ القول بأنها مشتركة لفظيا يعني أننا لا نعلم عن ربنا عز وجل شيئا أصلا و انما ننسب اليه ألفاظا جزافا اذ لا نعرف معانيها.كما سيأتي بيانه ان شاء الله.
            ان المشترك اللفظي يعني أن لفظا واحدا يكون موضوعا لعدة معاني وكل معنى مغاير للمعنى الآخر ، كلفظ العين فهو واحد موضوع لمختلفين كالباصرة و النابعة و الذهب والفضة و غيره. فالاشتراك هنا باللفظ فقط و المعنى متغاير.
            و المشترك المعنوي هو لفظ واحد موضوع لمعنى واحد، ولكنه معنى كلي عام و له مصاديق مختلفة كلفظ الكتاب و الانسان و الحيوان و نحوها.
            فلفظ الحيوان له معنى واحد يصدق على الفرس والانسان و الطير ..
            و لكن المشترك المعنوي ينقسم الى :
            المتواطئ ، و الى المشكك، و قد سبق تعريفهما.
            و المعاني التي نحن بصددها هي عندنا من المشكك من المشترك المعنوي.
            و لا يمكن أن تكون المعاني المطلقة على الله تعالى وعلى البشر من المشترك اللفظي بل من المعنوي بالضرورة.. لماذا؟
            1/ لأن مفهوم الوجود مثلا و لنأخذه مثالا على تلك المعاني لأنه أوضحها- يقع مقسّما في تقسيم حقيقي، وهذا ينسجم مع القول بالاشتراك المعنوي بخلاف الاشتراك اللفظي. فيمكن تقسيمه الى الواجب والممكن، ومعناه في الواجب نفس معناه في الممكن ، لأن الواجب موجود والممكن موجود.
            والتقسيم يعني ضمّ القيود الى مورد القسمة ، فحينما نقول: الوجود واجب و ممكن، فالواجب هو الوجود زائدا خصوصية معينة هي أنه مستغن عن غيره أو امتناع العدم، و الممكن هو الوجود زائدا خصوصية معينة هي أنه مفتقر لغيره أو جواز العدم . فالمقسم موجود في كل هذه الاقسام، والقسم هو مجموع مورد القسمة مع القيد .
            فقبول الوجود للقسمة الحقيقية ، ووجود المقسم أي الوجود- في جميع الاقسام يدل على أن الوجود مشترك معنوي، لأنه لو كان لفظيا لما صحت القسمة بهذه الكيفية.
            2/ إنّا ربما أثبتنا وجود شيء ثم ترددنا في خصوصية ذلك الشيء، فلو أثبتنا أن في هذا المكان و لنفرضه بيتا مغلقا- يوجد حيوان، و ترددنا فيه، أهو انسان أم لا ، فلو نفينا كونه ناطقا، كأن سمعنا صوتا يدل على أنه ليس انسانا،و كان معنى الوجود في الانسان غيره في الحيوان-أي من المشترك اللفظي- فنكون نفينا وجود الانسان و لم نثبت وجود غيره و لا نفيناه، بينما نحن نفينا وجود الانسان فقط و ما زلنا نعتقد وجود حيوان مّا في البيت و لكنه ليس انسانا. فعليه لو لم يكن للوجود معنى واحدا أي لو كان الوجود مشتركا لفظيا و معناه متعدد بتعدد موضوعاته، لتغير معناه بتغير موضوعاته ، فلم يمكن بقاء العلم بالوجود مع الشك في موضوعاته و لا العلم بالوجود مع التردد في الموضوع كما مر في المثال.
            3/ الوجود نقيض العدم، والعدم له معنى واحد، فعدم الأرض و عدم السماء و عدم المطر كله واحد أي معنى العدم فيها واحد، لأن العدم لا شيء، والتميز انما يكون بالوجود، اذ لا فرق بين الأعدام من حيث العدم ، فإذا كان معنى العدم واحدا فلا بد أن يكون معنى الوجود الذي هو نقيض العدم واحدا .و إلا لزم ارتفاع النقيضين؛ فإنه لو كان للوجود أكثر من معنى ، أي كان معنى الوجود في الانسان غير معناه في الكتاب ، فقولنا: الانسان موجود يعني ارتفاع العدم لأنه نقيضه، و في قولنا: الكتاب موجود، كذلك العدم مرتفع، و معنى موجود للكتاب غيره للانسان بناء على الاشتراك اللفظي، اذن: يكون في قولنا: الانسان موجود ، قد ارتفع العدم، و ارتفع الوجود المقيد بالكتاب أيضا، فيرتفع عن الشيء الواحد-الانسان- النقيضان الوجود والعدم و هو محال؛ اذ كل من مصاديق المفهومين-الانسان والكتاب- يسلب عنه المفهوم الآخر-أي الوجود- كما يسلب عنه العدم، والمفهوم الآخر أي الوجود الخاص بغيره- و العدم نقيضان، فيلزم ارتفاع النقيضين لا محالة.

            ..يتبع..

            يظن الناس بي خيرا و إني
            لشر الناس إن لم يعف عني

            أخوكم سليم

            تعليق

            • سليم بن حمودة الحداد
              طالب علم
              • Jun 2005
              • 89

              #21
              ...
              و بعبارة أخرى.. انه لمّا كان للعدم الذي هو نقيض الوجود معنى واحد، فلا بد أن يكون للوجود الذي هو نقيضه معنى واحدا، لأن نقيض الواحد واحد و الا ارتفع النقيضان.
              فلو كان للوجود معنيان لصدق على مصداق كل من المفهومين انه ليس بعدم و انه ليس بوجود بالمعنى الآخر، بينما العدم و المفهوم الآخر للوجود نقيضان، فيرتفع النقيضان عن كل مصداق من مصاديق المفهومين-الكتاب والانسان.
              ثم أخي يلزم من القول بالاشتراك اللفظي لوازم باطلة، اذ يلزم منه خاصة تعطيل العقول عن معرفة الله تعالى، لأنه اذا كان معنى الوجود في الواجب غير معناه في الممكن فذلك المعنى لا يخرج عن أحد ثلاثة:
              إمّا ان المفهوم من "موجود" في قولنا: الواجب موجود، نفس المفهوم منه في قولنا:الممكن موجود، و هو الاشتراك المعنوي.
              و اما ان المفهوم من ''موجود'' في قولنا: الممكن موجود، نقيض "موجود" في قولنا: الواجب موجود، ونقيض الوجود العدم، و هذا يعني نسبة العدم الى الواجب الله تعالى.
              و اما أننا لم نفهم من "موجود" في قولنا:"الواجب موجود" شيئا، بينما معنى قولنا: الممكن موجود، انه ثابت واقعي حقيقي، فيلزم من ذلك أننا ننسب الى ربنا كلاما لا ندرك معناه أي ننسبه اليه جزافا بغير علم عياذا بالله تعالى و هو سبحانه يقول: '' وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ''.
              فبان أن القول بالاشتراك اللفظي ليس سديدا و أن الاشتراك المعنوي في المعاني المشتركة الاضافة لله تعالى و للمخلوقات لا يلزم منه الا الاشتراك بالتشكيك- في معاني تلك الألفاظ لا في مصاديقها.
              و معنى قولنا: بالتشكيك هو أن تلك الالفاظ لها معان واحدة و لكنها تتفاوت في موضوعاتها بحسب ماهيات و ذوات تلك الموضوعات أو بالتناسب و الترتيب لا بالتواطئ .اذ الوجود حقيقة ذهنية واحدة تحمل بنفس المعنى على الله تعالى وعلى كل موجود من المخلوفات، و لكن الوجود الحقيقي أي الواقعي أو وجود ذات الله تعالى غير وجود المخلوقات، اذ وجوده واجب كامل و بالفعل دوما سبحانه، وجود المخلوقات ممكن فقير يتراوح بين القوة والفعل.
              و العلم كذلك يحمل بمعنى واحد لكن العلم الالاهي له من الصفات اللائقة بذات الله تعالى، كما للعلم الانساني صفات تليق بذات البشر المخلوقين، فلا نسبة بين العلمين في الحقيقة الواقعية و ما هو عليه الأمر في نفسه. و قس على ذلك باقي الصفات العلية.
              يقول الإمام الكبير العلامة صفي الدين محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرموي الهندي رحمه الله تعالى
              في الرَّسـَــــالةُ الـتـــّسْعِيــــنيّـــةُ في الأصُـــــولِ الدّينــــِيّــة:
              المسألة التاسعة في أن الباري تعالى موجود خلافاً للباطنية خذلهم الله تعالى، فإنهم قالوا: إنه ليس بموجود ولا معدوم.
              لنا: إنه ليس بمعدوم، أما أولاً فبالاتفاق، وأما ثانياً فلما بينا أنه واجب الوجود، وهو لا يكون معدوماً، وأما ثالثاً فلأنه موجد الممكنات، والمعدوم لا يكون موجداً، وأما رابعاً فلأنه لو كان معدوماً فإما أن يكون / ممتنعاً أو ممكناً، والأول باطل، لأنه أخس حالاً من المعدوم الممكن، والثاني كذلك لأنه حينئذ يفتقر إلى مرجح لما سبق، فيلزم التسلسل، وهو ممتنع، وإذا لم يكن معدوماً تعين أن يكون موجوداً ضرورة أنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم.
              واحتجوا بأنه لو كان موجوداً لكان مشاركاً لسائر الموجودات في كونه موجوداً، فإن لم يخالفه بعد في شيء من الأمور لزم أن يصح عليه كل ما صح على سائر الموجودات من الحدوث والعدم وامتناع العدم، وإن خالفه في شيء من ذلك لزمه تركب مما به الاشتراك ومما به الامتياز، وكل مركب ممكن، فيكون واجب الوجود ممكناً، هذا خلف !!
              وجوابه: يمنع أن وجوده-[الخاص] مشترك فيه، وهذا لأنه عين ماهيته.
              سلمنا أنه زائد على ماهيته لكن لا نسلم أنه يجوز عليه ما يجوز على سائر الموجودات، وهذا لأنه لا نـزاع في أنه مخالف لغيره من الموجودات في كونه واجب الوجود، فلعل ذلك شرط لصحة حمل ما يحمل عليه ومانع لصحة حمل ما يحمل على غيره
              .
              سلمناه / لكن لا نسلم لزوم التركيب على تقرير امتيازه عن غيره في شيء من الأمور، وهذا إنما يلزم ذلك أن لو كان جزء الماهية، أما إذا كان عارضاً للمشترك فلا.
              واعلم أن النـزاع في الملة لفظي، و إلا فنفي حقيقة الوجود عن واجب الوجود غير معقول، وكذا إثبات واسطة بين الموجود والمعدوم ممتنع. والقضيتان بديهيتان، لا يتصور فيهما النـزاع، بل ليس النـزاع إلا في اللفظ.''اهـ

              و هذا الرأي -أقصد ان الوجود يطلق بالاشتراك المعنوي، و بنفس المعنى على كل موجود-، هو رأي كثير من المتكلمين و على رأسهم الإمام الرازي رحمه الله تعالى الذي يقول في الأربعين في أصول الدين :
              ''...و القول الثالث: و هو أن وقوع لفظ الموجود على الواجب و على الممكن بحسب مفهوم واحد. و ذلك المفهوم صفة عارضة لماهية الحق سبحانه وتعالى وتقدس و لحقيقته المخصوصة. و هو المختار عندنا و عند طائفة عظيمة من علماء الأصول.''اهـ
              و قد مر كلام حجة الاسلام الغزالي رضي الله عنه في الاشتراك المعنوي في الاقتصاد في الاعتقاد.
              و يشرح العلامة امامنا في هذا العصر الشيخ سعيد فودة أسعده الله و أسعدنا الله و المسلمين بعلمه في كتاب''نقض التدمرية'' :
              ''والنظر الصحيح في هذا الباب أن يقال:
              إن الإنسان عندما ينظر في الأشياء الموجودة المحسوسة، فإنه لا يدرك حقيقة ذاتها، بل ما يدركه مجرد هو انطباعات وانفعالات عنها، وبواسطة هذه الانفعالات الحسية يدرك بعقلـه ضرورة وجود أصل لها، وهو الوجود الخارجي، فالمدرَك بالحسّ ليس عينَ الوجود الخارجي بل آثاره، وأما هو فمدرَك بالعقل بالضرورة. والإنسان في فعلـه التعقلي يختزن المعاني المدركة بالحسّ وهي المعاني الأولية، ولا يشترط فيها كونها مطابقة ومماثلة لما في الخارج، ولكنها دالة بوجه ما عليه، هذه المعاني هي التي يتحرك فيها الفكر ويلاحظ أموراً مشتركة بينها فيخترع معاني ثانية من ملاحظة وجوه اشتراك مع المعاني الأولى، وهذه المعاني الثانية عبارة عن مقولات عقلية، ولكنها دالة أيضاً على ما في الخارج لأنها منتزعة مما فيه، وحكم العقل بها صادق. ومن هذه المعاني: الوجود. فإننا فعلاً لم ندرك وجود اللـه تعالى بالحسّ حتى يقال إننا وجدنا تواطؤاً وتوافقاً بين وجوده ووجود غيره من المخلوقات، بل وجوده جل شأنه غير مدرَك إلا بالعقل، وعلى سبيل المعاني الثانية التي هي عبارة عن أحكام عقلية عارضة على المعاني الأولى المدركة بالحس وبالوجدان. والاتفاق بين الموجودات في هذه المعاني الثانية إنما هو اتفاق في الأحكام الثابتة التي لا تعبر عن حقيقة الأشياء، أي أن هذه المعاني وإن استعملناها في فكرنا، فإن استعمالنا لها لا يستلزم إدراكنا لحقيقة ما صدقت هي عليه، بل يتوقف على تعقلنا لـه فقط.
              ونحن إنما حكمنا بالوجود على اللـه تعالى بالعقل، ولم يلزمنا لنحكم عليه بالوجود إدراك عين حقيقته. بل إن العقل هو عينه يحكم باختلاف حقيقته الخاصة اختلافاً تاماً عن سائر الحقائق الموجودة المخلوقة، لأنه لو اشترك معها في شيء لماثلها، ولأخذ حكمها الحادث؛ وهذا باطل. فالحكم بالوجود على اللـه تعالى إنما هو من المشترك اللفظي بهذا المعنى، ولا يستلزم كما ترى مواطأة ولا توافقاً في الحقيقة الخارجية الخاصة، وهو أي لفظ الوجود دالٌّ على معنى ثانوي عارض للماهيات بالنظر إلى حكم العقل، فهو في حكم العقل أمرٌ كليٌّ معنوي، ولكن الوجود من حيث هو لا مصداق مطابقياً لـه في الخارج بل هو صادق فقط على ما في الخارج، لأنه منتزع من معانٍ أولى حصلت عند العقل. وهذا هو المراد بقول الإمام الرازي إن الوجود مشترك معنوي، فهو مشترك معنوي بهذا الوجه، لا كما يقولـه ابن تيمية، لأنه مع قول الرازي بالاشتراك المعنوي إلا أنه يحكم باستحالة كون حقيقة اللـه مثل حقائق المخلوقات. وهذا لا يتم إلا إذا نفى أصل التواطؤ الخارجي الذي أثبته ابن تيمية.''اهـ

              فالقول بالاشتراك المعنوي لا يلزم منه ان حقيقة الله تعالى مثل حقائق المخلوقات.
              و هذا صادق على كل ما نطلقه على الله و على المخلوقات مثل الذاتية-أي أن كون الله ذات- والصفاتية-أي كون لله صفات-و المعاني الأخرى ''المشتركة''.
              فإن قولنا مثلا: الله ذات قائمة بها صفات أو له ذات وصفات.
              وقولنا: الانسان ذات تقوم بها صفات، أو له ذات و صفات.
              لا يعني تماثل الذاتين و صفاتها، مع أن كلمتي ذات و صفات لها نفس المعنى في العبارتين .
              و هو رأي طائفة من المتكلمين كذلك، حكى ذلك الآمدي في أبكار الأفكار في المسألة الثانية ''في حقيقة واجب الوجود و أنها مشاركة لباقي الحقائق في مسمى الحقيقة أو مخالفة لها" من النوع الأول ''في اثبات واجب الوجود بذاته و بيان حقيقته و وجوده'' من الجزء الأول.
              و الأرموي في الرسالة التسعينية في المسألة الثانية والعشرين:.وقال فيها:'' زعم كثير من الأصوليين أن الذوات متساوية في الذاتية لصحة تقسيمها إلى: الواجب والممكن والجوهر والجسم، ومورد التقسيم مشترك.''اهـ ثم ذكر حجج الفريقين .
              فأنا أخي لم آت بشيء عجيب غريب لم أسبق اليه و لا أنا اخترعت أمرا جديدا ، بل ما قلته قاله غيري من سادة المتكلمين و الأصوليين وانتصروا له بأكثر مما انتصرت له.

              قلت أخي:
              ( اسمح لي أخي أن أقول لك : ماذا تركت إذن من مذهب المشبهة !!؟؟ هذا هو عين مذهب المشبه والتيمية ، فالقوم ينفون عن الله المماثلة في كل الوجوه ولكنهم لا ينفون عنه المشابهة لخلقه في بعض الوجوه بل يلزمونها ويلتزمونها ويقولون أنه لا يمكن تعقل وجود الله وصفاته إلا بوجود قدر وحد أدنى من المشابهة والإشتراك في الحقائق بينهما ولو بوجه واحد من الوجوه !!).

              أقول:
              أخي سألتني: ماذا تركت إذن من مذهب المشبهة !!؟؟
              فأجيبك: لقد سبق أن أوضحت أن لا نسبة البتة و لا مقارنة بين ما قلته
              و ما يقوله الحشوية من اتباع ابن تيمية..و لكن الامر يحتاج الى شيء من التأمل و الصبر .و سأعيد البيان لعل الأمر ينجلي هذه المرة بتوفيق الله تعالى.
              و قولك: (هذا هو عين مذهب المشبهة والتيمية) هو عندي من أعجب العجب!!
              بالاضافة للذي سأعيد ايضاحه لأبين الفرق و "الاختلاف العظيم بين التنزيه والتجسيم"[على حد تعبير امامنا الشيخ سعيد]، أقول الآن:
              يا أخي ان كون الله تعالى موجودا و المخلوقات موجودة، فهذا وجه تشابه بين الله و بين خلقه بالضرورة ، فكل عاقل سيقول: الله تعالى يشبه مخلوقاته في الوجود، بمعنى أن كليهما يصدق عليه مفهوم ومعنى وحقيقة الوجود و يرتفع عنه العدم. أي يصدق على الطرفين الثبوت الحقيقي الواقعي في الخارج و ينتفي عنهما العدم. و هل يشك عاقل في هذا؟؟؟
              و كل عاقل يدرك أن الله تعالى يشبه خلقه أو بعض خلقه في كونه ذاتا و له صفات.و كل عاقل يقول: الله تعالى ذات وصفات و بعض خلقه له ذات وصفات، فهي تشبه الرب تعالى في الذاتية والصفاتية بالضرورة.
              و هل يشك عاقل في هذا؟؟؟؟
              و لكن كل عاقل يعلم بيقين ان حقيقة وجود الله تعالى أي وجوده الواقعي-و ما أسميناه مصداق الوجود- لا يشبه ولا يماثل ولا نسبة بينه و بين وجود مخلوقاته أي وجودها الواقعي و ما هي عليه. و كذلك حال الذوات و الصفات و مصاديقها المختلفة .
              و هذا الاختلاف واقع في حقيقة الله تعالى وفي حقيقة صفاته لا في كيفياتها كما يقول أؤلئك الحمقى من المجسمة.
              أخي.. ان العبرة بالمعاني لا بالألفاظ ..و هو ما شدّد الامام الغزالي رحمه الله تعالى في التنبيه عليه في أكثر من كتاب له. فإن آخذ الحقائق من الألفاظ يزلّ قطعا .
              قال حجة الاسلام و زين المسلمين و سيد المتكلمين سيدي أبو حامد الغزالي رضي الله عنه في "الاقتصاد في الاعتقاد" في "مدارك العقول":
              (..واذا أنت أمعنت النظر و اهتديت السبيل عرفت قطعا أن أكثر الأغاليط نشأت من ضلال من طلب المعاني من الألفاظ، و لقد كان من حقه ان يقدّر المعاني أوّلا ثم ينظر في الألفاظ ثانيا ويعلم انها اصطلاحات لا تتغير بها المعقولات، و لكن من حُرم التوفيق استدبر الطريق و نكب عن التحقيق.)اهـ
              فإذا عرفت ذلك فاعلم أن انكار أهل السنة والجماعة على المجسمة والمشبهة تجسيمهم وتشبيههم لله تعالى بخلقه انما يقصدون به أنهم-أي المشبهة- قد نسبوا الى ربهم معنى أو أمرا لا يجوز الا على المخلوقات و لا تنفك هي عنها، كالجسمية و لوازمها من التحيز و الحركة و التفرق والتبعض و الانقسام و الحدوث وغير ذلك .
              فتشبيه الله بخلقه يعني تشبيهه بهم من حيث هم مخلوقات و حوادث و أجسام، لا من حيث هم موجودات. أي تشبيهه بالمخلوق بما هو مخلوق لا بما هو موجود ، و تشبيهه بالحادث باعتبار حدوثه لا باعتبار وجوده و هكذا.
              فإن التشبيه هو اثبات معاني المخلوق اللازمة له بما هو مخلوق و المعاني اللازمة للحادث بما هو حادث و المعاني اللازمة للجسم بما هو جسم، لله تعالى .
              أما المعاني اللازمة للموجود بما هو موجود فإنها تثبت كمالاتها القصوى لله تعالى، فيثبت له الوجوب دون الامكان، و الفعل دون القوة، والوحدة دون الكثرة و البساطة دون التركيب، و هكذا.
              و الصفات التي أثبتها أهل السنة لله تعالى كالعلم والقدرة والحياة و الارادة و نحوها انما هي معان تعبر عن كمالات للموجود، و هي ليست لازمة للمخلوقات بما هي مخلوقات، اذ لا يكون الموجود عالما لكونه مخلوقا و لا لكونه حادثا .فكان لائقا بالله نسبة تلك المعاني اليه، و ان كان في الخلق من تصدق عليه تلك المعاني أيضا، و لكن بحسب ماهيته و ذاته الحادثة المخلوقة.
              و هذه الوجوه من التشابه بين الله وخلقه لا يلزم عنها اشتراك الله تعالى مع خلقه في الكنه والحقيقة بالمعنى الذي يقصده ابن تيمية وأتباعه الحمقى، و قد مر كلام الشيخ سعيد حفظه الله
              في "نقض التدمرية" حول الفرق بين من يقول من علماء أهل السنة بالاشتراك المعنوي للوجود بين الله والخلق- كالامام الرازي- و بين رأي ابن تيمية الذي يثبت نوعا من التواطؤ و الاتفاق و الاشتراك بين الله تعالى وخلقه في حقيقة الوجود أي في مصداقه لا مفهومه.

              ..يتبع..

              يظن الناس بي خيرا و إني
              لشر الناس إن لم يعف عني

              أخوكم سليم

              تعليق

              • سليم بن حمودة الحداد
                طالب علم
                • Jun 2005
                • 89

                #22
                ...
                و قد قال الشيخ سعيد:
                "وهذا هو المراد بقول الإمام الرازي إن الوجود مشترك معنوي، فهو مشترك معنوي بهذا الوجه، لا كما يقولـه ابن تيمية، لأنه مع قول الرازي بالاشتراك المعنوي إلا أنه يحكم باستحالة كون حقيقة اللـه مثل حقائق المخلوقات. وهذا لا يتم إلا إذا نفى أصل التواطؤ الخارجي الذي أثبته ابن تيمية.''اهـ

                فابن تيمية مجسم يعتقد ان الله تعالى يشبه خلقه في حقيقة الجسمية و لكنه يتميز عنهم بالكيفيات أي بالحجم والقدر والطول والعرض و المادة التي يتركب منها جسمه-تعالى وتنزه عن هذا الهراء- وعدم الافتراق والانفصال ونحو ذلك .
                فهو يشبّه ربه بأخص خصائص مخلوقاته و هي الجسمية و لوازمها، فيلزمه من ذلك أن يثبت لله تعالى من اللوازم والأحكام نفس ما يلزم ويحكم به على الأجسام، من الحدوث و غيره.
                أما الذي نقوله فمخالف بل مناقض لذلك الهذيان بالمرة..فإن الله تعالى لا يشبه أيا من الموجودات في شيء هو من خصائصها و لوازمها التي لها بما هي مخلوقة و أجسام و حوادث،كما مر، فيلزم أن الرب لا يشبه في حقيقته و كنه ذاته العلية شيئا من مخلوقاته البتة.
                و ان شابهها في معاني و مفاهيم الوجود و الذاتية و العلم و القدرة ونحوها فإنه لا اشتراك بينه وبينها في مصاديق تلك المعاني وحقيقة ما هي عليه في ذات الرب سبحانه.و هي انما تطلق على الطرفين بالتشكيك لا بالتواطؤ كما سبق بيانه.
                و هذا النوع من التشابه- بخلاف التشبيه التيمي- لا ينتج عنه البتة أن تثبت لله تعالى اللوازم و الاحكام الثابتة للمخلوقات والأجسام الحوادث بما هي كذلك. فلا يلزم منه أيّ محذور في حق الله تعالى كأن يلزم نسبة حدوث أو حركة أو نقص للرب سبحانه.

                و قلتوحاصل قولك وطرده أنك تزعم معرفة حقيقة وكنه صفات الله سبحانه وتعالى ، غير أنك لا تعرف كيفها وما يلحقها من لوزام أو عوارض !! ).

                أقول:سبحان الله العظيم !!
                لم أقل و لم أزعم معرفة حقيقة وكنه صفات الله سبحانه..و الذي قلته أننا نعرف حقيقة مطلق العلم أي معنى العلم، لا مصداقه في حق الله تعالى. فإننا مع فرض أننا نعرف حقيقة العلم كما قال بعض العلماء- فإنه لا يلزم من ذلك أننا نعلم حقيقة العلم الالاهي أي كنهه و ما هو عليه في نفس الأمر. فنعرف مطلق العلم لا العلم الكامل المطلق القائم بذاته سبحانه.
                كما نعلم حقيقة الوجود بالبداهة و لا نعلم البتة حقيقة وكنه الوجود الالاهي أي كنه ذاته و ما هي عليه في الواقع.
                و لم أقل إني لا أعرف "كيفها وما يلحقها من لوزام أو عوارض !!".
                يا أخي ..ألم أقل ان الأمر يحتاج الى التأمل و التركيز ؟؟
                بالله أين قلت أنا ان صفات الله تعالى لها كيف و يلحقها لوازم وأعراض؟؟؟؟؟
                هذا متوقع لأنك خلطت بين حديثي عن مطلق العلم و بين صفة العلم القائمة بالله تعالى.
                فالذي قلت عنه أنه يعرض له أن يكون كاملا مطلقا محيطا بكل شيء لا يعزب عنه شيء، انما هو مطلق العلم أي حقيقة العلم و جوهره و ذاته، لا صفة العلم القائمة بالله تعالى، فإن الله ليس جوهرا و لا جسما و لا حادثا حتى تلحقه الأعراض و تتعاقب عليه ؟؟ هذا كلام أولئك الحمقى من التيميين لا كلام أهل السنة والجماعة..
                و كلامي كان واضحا لو تأملت أخي..فإن جوهر العلم و حقيقته واحدة اذ يستحيل ان تكون حقيقة و ماهية الشيء متعددة- و لكن ذلك الجوهر أو الماهية يطرؤ عليها و يعرض لها أن تكون على أقصى درجات الكمال و الشمول و الاحاطة و الاتساع، اذا كانت قائمة بذات الكامل الواجب المطلق الله رب العالمين سبحانه.
                و تلك الماهية ماهية العلم- اذا كانت قائمة بالانسان كانت ناقصة محدودة لنقص الذات الانسانية .و هذا واضح جدا.
                و لْنمثّل-للتقريب- بمفهوم الوجود، فإن الوجود حقيقته و جوهره معلوم
                و هي حقيقة واحدة، و لكن يعرض لها الوجوب اذا اتصفت بتلك الحقيقة ذات الله تعالى الخالق ، ويعرض لها الامكان اذا نسب الوجود الى المخلوقات و الحوادث .لذلك يسمّى الوجوب والامكان و الفعل والقوة و نحوها أعراضا ذاتية للوجود، تلحق أو تعرض له لذات الوجود لا لمعنى و أمر أعم منه أو أخص.
                فهل معنى هذا ان صفة الوجود لله تعرض لها و يلحقها الوجوب كما تلحق الأعراض الجواهر و الاجسام؟؟؟؟

                ثم قلت:
                ( بل الأدهى أنك أخي تجعل تلك الحقيقة واحدة متساوية في الله وفي خلقه ، ولا ثمة تفاوت إلا في الأعراض !!
                وهذا هو ما قالته المشبهة ، فالله عندهم مستو على العرش حقيقة وله يد حقيقة وفي جهة حسية حقيقة وينزل حقيقة ، فحقائق هذه الأمور كلها معلومة لهم وهي على حقائقها اللغوية المعلومة لنا المطابقة لحقائقها في حقنا !!
                غير أن ثمة تفاوت عندهم في القدر والمقدار واللوزام بين الله وخلقه في نسبة تلك الأمور لا في حقائقها ، فالله ينزل حقيقة لا كنزولنا ، ويستوي حقيقة ويستقر لا كاستقرارنا واستواءنا ، وهكذا !! ).

                أقول:
                قولك: '' بل الأدهى أنك أخي تجعل تلك الحقيقة واحدة متساوية في الله وفي خلقه ، ولا ثمة تفاوت إلا في الأعراض !!''.
                قد مر كلامنا فيه وبيان حقيقة رأينا و أن التساوي انما هو في المعاني لا في المصاديق و أن الأعراض لتلك المعاني لا لصفات الله تعالى كما أوضحنا.
                و قولك:'' وهذا هو ما قالته المشبهة...''..من أعجب العجاب والله..
                يا أخي هاني..خلافنا مع المشبهة المجسمة ليس في كلمة ''حقيقة''..
                و قد سبق ان نبهت على ان اتّباع الكلمات دون المعاني يسقط في مهاوي ..
                ما يقصدونه بكلمة''حقيقة'' غير الذي نقصده و يقصده أهل السنة بل
                و غيرهم من الفرق الاسلامية..
                فالحقيقة عندهم هي الحقيقة اللغوية المقابلة للمجاز .
                قال أبو الحسن الجزري الشهير بابن الأثير في ''المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر'':
                ''.. وأنا بصدد أن أبين أن في اللغة حقيقة ومجازاً والحقيقة اللغوية هي حقيقة الألفاظ في دلالتها على المعاني وليست بالحقيقة التي هي ذات الشيء أي نفسه وعينه. فالحقيقة اللفظية إذاً هي دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له في أصل اللغة والمجاز هو نقل المعنى عن اللفظ الموضوع له إلى لفظ آخر غيره‏.‏''اهـ
                فقولهم: استوى على العرش حقيقة و نزل حقيقة و يد حقيقة ، يقصدون به الحقيقة اللغوية و نفي المجاز ، والحقيقة اللغوية هي كما قال ابن الأثير و كل اللغويين: '' دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له في أصل اللغة''. و هذا المعنى موضوع للبشر و للمخلوقات لا لوصف الله تعالى كما هو معلوم. فالاستواء الحقيقي هو استواء البشر أي الجلوس و الاستقرار الجسمي و التمكن و التحيز ، و النزول الحقيقي نزول الانتقال من حيز الى حيز ، واليد الحقيقية عضو و ركن من جسم ، والعلم الحقيقي هو العلم الانساني الحادث الذي هو عرض قائم بجسم ،
                و القدرة الحقيقية هي القدرة الحادثة العارضة لجسم و هكذا ..
                فهذه المعاني ''الحقيقية" معان بشرية لا يجوز نسبتها الى الله تعالى بحال كما هو معلوم.
                و ذلك هو التشبيه و التجسيم بعينه، و لو مع ''تفويض الكيف'' و الكم و أيّ شيء كان..اذ الكيف مرفوع غير معقول في حق الله تعالى أصلا اذ ليس جسما حتى ننسب له كيفا مجهولا أو معلوما..
                أما أهل السنة والجماعة فكلمة''حقيقة'' عندهم يقصد بها جوهر الشيء و ماهيته .
                و قسموا الأشياء الى ما يجوز نسبته الى الله تعالى والى ما لا يجوز، بحسب لزوم ماهية الشيء للأجسام و الحوادث بما هي كذلك من عدمه؛ فإن كان الشيء لازما للمخلوقات و الأجسام و الحوادث بما هي مخلوقات وأجسام و حوادث، جزموا بتنزيه الله تعالى عنه، و وسموا مثبته لله تعالى بالمشبّه والمجسم ، و ان كان الشيء أو المعنى أو الأمر لا يلزم المخلوقات و الأجسام و الحوادث بما هي كذلك، بل لحقها بما هي موجودة أي لمجرد وجودها، فقد أثبتوا كمالاتها لله تعالى كما مر.
                و سيأتي مزيد بيان لذلك ان شاء الله تعالى.
                فكيف- بالله عليك- نكون نحن و هم سواء ؟؟؟؟؟؟!!!!!

                ثم قلت:
                ( ولكن ، أين أنت أخي الكريم من قوله سبحانه وتعالى : { ليس كمثله شيء } ، فأنى تتساوى الحقائق أو تتشابه أدنى تشابه مع هذا النفي الحاكم القاطع !! وأين أنت من قول الإمام الطحاوي في عقيدته :
                ( من وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر )'' .

                أقول:
                "ليس كمثله شيء" لا تعني أن الله لا يشبه شيئا من أي وجه..و إلا لزم أن يكون الله تعالى معدوما و لا ذات له ولا صفات لأن بعض الأشياء موجودة و لها ذات وصفات !!!
                ان الآية تتحدث عمّا أسميناه مصاديق تلك الألفاظ لا معانيها العامة.
                ثم الظاهر أن التكفير قد أطلّ برأسه فيما الاجتهاد فيه و الاختلاف قائم، و لا حول ولا قوة الا بالله..
                جاء في شرح الطحاوية للشيخ العلامة سعيد فودة :
                '' ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر([50])
                فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر.([51])
                الشرح:
                50- هذا نص صريح في تكفير المجسمة والمشبهة، والذين يشبهون الله تعالى بأحد من خلقه. وفيه ردّ مباشر على من قال من المجسمة بأن الله تعالى يتكلم بالصوت والحرف، وبأن كلامه عبارة عن حوادث متتالية يوجدها في ذاته، وهي عبارة عن أصوات وحروف، يوجدها الله تعالى بقدرته في نفسه، وكل منها حادث، لاحق لما قبله وسابق لما بعده، فهذا معنى من المعاني الثابتة للبشر، فمن أثبتها لله تعالى فإن الإمام الطحاوي ينص على كفره، هذا هو المفهوم من عبارته.
                51- فما بالك بعد ذلك بمن لم ينزجر بهذا، بل وصف الله تعالى بالمعاني الثابتة للخلق، ونسب إليه تعالى ما لا يجوز نسبته إلا إلى المخلوقات، وذلك كالمشبهة والمجسمة الذين نسبوا إليه تعالى الحرف والصوت الحادثين في ذاته بقدرته وإرادته.''اهـ من الشرح.

                فالمعاني الثابتة للبشر و التي يكفر مثبتها لله تعالى هي المعاني التي تلزم البشر و تلحقهم بما هم مخلوقون حادثون و أجسام كالصوت و الحرف، فهي ثابتة للبشر لأنهم أجسام، ولكن الكلام في حقيقته و جوهره ليس من لوازم البشر بما هم مخلوقون أو أجسام، فكان لائقا نسبة الكلام في حقيقته و جوهره-الى الله تعالى، مع تنزيهه عن الأمور التي عرضت له-أي جوهر الكلام- حين قام بالبشر وهي الصوت والحرف و التعاقب و الحدوث ونحوها- .
                فالتشبيه و التجسيم هو نسبة المعاني التي لا تجوز الا على البشر الى رب البشر سبحانه، و ليس نسبة أيّ معنى جائز على البشر، فتأمل .
                و كما مرّ مرارا، فإن الوجود من المعاني الثابتة للبشر، فهل يكفر من ينسب الوجود الى الله تعالى ؟؟؟؟؟
                يا أخي.. لا تتبع الألفاظ و لكن عليك بالمعاني فإنها المرادة بالأصالة لا الألفاظ.


                ..يتبع..

                يظن الناس بي خيرا و إني
                لشر الناس إن لم يعف عني

                أخوكم سليم

                تعليق

                • سليم بن حمودة الحداد
                  طالب علم
                  • Jun 2005
                  • 89

                  #23
                  ...
                  ثم تقول :
                  (أخي .. لعلك تراجع نفسك فيما تقول ..
                  فأولا وصف علم الله بأن له ( أعراض ) فيه ما فيه من المخاطرة ، والأولى استعمال ( لوازم ) أخي الكريم).

                  أقول:
                  بالله أين وصفت علم الله بأن له أعراضا؟؟؟؟؟؟؟
                  و قد قلت مرارا:
                  (( و لكن الأعراض اللاحقة بجوهر العلم الواحد هي المختلفة لا حقيقة العلم)).
                  فالأعراض انما تلحق جوهر العلم مطلق العلم- لا صفة العلم القائمة بالله تعالى عن ذلك علوا كبيرا...

                  ثم قلت:
                  (ثم أنت تتناقض ، فتارة تقول أنك تعرف حقيقة العلم القائم بذات الله المفارق لعلم المخلوق بـ ( الأعراض ) فقط ، وتارة تنفي حتى امكانية معرفة حقيقة صفات الله فتقول : [بل "بأعراض أخرى" تلحق جوهر العلم وحقيقته بما يناسب ذات الله تعالى وصفاته التي لا ندرك كنهها و جوهرها وحقيقتها أبدا. ]).

                  أقول:
                  قد سبق أن قلنا ان معرفة حقيقة العلم-مطلق العلم- أو غيره من المعاني لا يلزم عنه معرفة حقيقة صفة العلم القائمة بالله تعالى أي كنهها و ما هي عليه في نفسها، كما ان علمنا بوجود ذات الله تعالى
                  لا يعني علمنا بالذات في نفسها، كما سبق ان بينا . و قد التبس عليك الأمر لعدم التأمل و للاستعجال أخي الكريم.

                  و قلت أخي:
                  ( والذي أثار استغرابي أكثر أخي جعلك تلك ( الأعراض ) اللاحقة بحقيقة العلم مستفادة من الذات التي يقوم بها العلم ، فإن قام بذات بشري لحقته أعراض غير تلك التي تلحقه إن قام بذات واجب الوجود !!
                  والعلم أخي في نفسه عرض ومعنى لا تقوم به أعراض ولا يستفيد شيئا من المحل الذي قام ولا يتغير به ، وإنما تختلف حقيقته نفسها بين خالق ومخلوق وهذا سر اختلاف علم الله عن علمنا لاختلاف الحقيقة لا اللوازم فقط فتأمل بارك الله فيك ).

                  أقول:
                  أخي هذا التباس آخر وقعت فيه ..
                  العلم عرض فكيف نقول انه يعرض له كذا وكذا من العوارض؟
                  هذا موضع اللبس و الخلط و التعجب الذي ذكرته..
                  أوّلا.. العلم عرض بالنسبة للحوادث و الأجسام لا لكل موجود، فهو في ذات الله تعالى صفة قائمة به قديمة لا تزول و لا تتحول كما تزول الأعراض الحادثة.
                  و ثانيا..أنا لم أقل ان العلم جوهر يعرض له كذا و كذا ..و انما قلت ان له جوهرا و حقيقة وماهية يعرض لها كذا وكذا.. وهذا فرق كبير..
                  و الخلط و الاستغراب جاءاك-أخي- من أنك ربما سهوت عن أن الجوهر يطلق بالاشتراك على الموجود لا في موضوع- و هو المقابل للعرض-، و على ذات الشيء و حقيقته.
                  قال الامام الفخر الرازي في شرحه على الاشارات و التنبيهات لابن سينا، في النمط الأول من جزء الطبيعيات في تجوهر الأجسام:
                  ''](الجوهر) يطلق على الموجود لا في موضوع، وعلى حقيقة الشيء ذاته[/COLOR].''.
                  وقال حجة الإسلام الإمام الغزالي رضي الله عنه في معيار العلم في فن المنطق:
                  ''الجوهر اسم مشترك: يقال جوهر لكل ذات كالإنسان أو كالبياض فيقال جوهر البياض و ذاته، ويقال جوهر لكل موجود و ذاته لا تحتاج في الوجود إلى ذات أخرى تقارنها حتى يكون بالفعل، وهو معنى قولهم: الجوهر قائم بنفسه، و يقال جوهر لما كان بهذه الصفة و كان من شأنه أن يقبل الأضداد بتعاقبها عليه، ويقال جوهر لكل ذات وجودها ليس في موضوع وعليه اصطلاح الفلاسفة القدماء.[...] إلى أن قال: فكل موجود ان كان كالبياض و الحرارة و الحركة و العلم فهو جوهر بالمعنى الأول، و المبدأ الأول- الله تعالى- جوهر بالمعاني كلها إلا بالوجه الثالث و هو تعاقب الأضداد. نعم قد يتحاشى عن إطلاق لفظ الجوهر عليه تأدبا من حيث الشرع...''.اهـ

                  فيجوز أن نقول جوهر العلم بمعنى حقيقته و ماهيته لا بمعنى أنه جوهر مقابل للعرض. وقولنا أن جوهر العلم يعرض له الكمال و الاتساع والاحاطة حين يقوم بذات واجب الوجود الكامل المطلق، كما يعرض له المحدودية و الضعف و التناهي اذا قام بذات الانسان الممكنة-جائزة الوجود- المتناهية المحدودة المخلوقة، ليس في قولنا هذا تناقض و لا خطأ أبدا و لله الحمد .
                  و للتمثيل و التقريب نرجع الى مفهوم الوجود فنقول: الوجود عرض لا جوهر قائم بنفسه بل صفة تعرض للماهيات الممكنة التي تخرج من العدم. اذ ليس الوجود من الذاتيات المقوّمة لأي ماهية ممكنة أي ما سوى الله تعالى-، بل من العوارض التي تطرأ عليها-كما هو معلوم-.
                  و لكن للوجود- كما ندرس في كتب المنطق و الفلسفة - أعراض ذاتية
                  تلحقه بما هو وجود كالوجوب و الامكان و القوة والفعل و الوحدة والكثرة
                  و غيرها، و هذه أعراض للوجود .
                  فكيف جاز للعقلاء من متكلمينا و من الفلاسفة في مباحث ما بعد الطبيعة- أن يجعلوا للوجود- الذي هو عرض لا جوهر- أعراضا تلحقه ؟؟ الجواب انهم حين درسوا أعراضه الذاتية نظروا اليه من حيث حقيقته و ماهيته فعرفوا أن تلك الحقيقة يعرض لها و يطرؤ عليها لذاتها تلك المعاني السابقة ، وليس معنى ذلك أنهم جعلوا الوجود جوهرا تقوم به الأعراض كما تقوم الحرارة بالأجسام مثلا.فتأمل أخي.
                  و قولك: (والعلم أخي في نفسه عرض ومعنى لا تقوم به أعراض ولا يستفيد شيئا من المحل الذي قام ولا يتغير به ، وإنما تختلف حقيقته نفسها بين خالق ومخلوق).. غريب حقا..فإنه ان كان العلم لا يستفيد شيئا من المحل الذي قام به و لا يتغير به، فلماذا قلت ان حقيقته تختلف بين الخالق والمخلوق؟؟؟؟؟
                  لو كان العلم لا يتغير بحسب الذات التي يقوم بها لما اختلفت حقيقته بين الخالق والمخلوق يا أخي الكريم.

                  و قلت أخي:
                  (وهذا على ما ذهبت إليه غير قوي لأمور :
                  فالعلم مثلا يحصل في العقل والإنكشاف والإدراك لا يكون إلا به !
                  فحقيقة العلم هي : ( حصول الإدراك في العقل ) كما قال صاحب ( الكليات ) .
                  والعقل اختلف في حده ولكن حاصل الأمر يؤول إلى الجسمية ، فلا يطرد ما ذكرت من أن الجسمية غير لازمة لحقائق تلك الصفات المثبتة .).

                  أقول:
                  عجبا !! ألم تقل ان الانكشاف و الادراك يحصل بصفة لا ندركها تُحدث الانكشاف و التمييز و هي التي تسمّى العلم؟؟؟
                  فلعلك تراجعت أخي عن ذلك و عرفت ان العلم هو الانكشاف والادراك ذاته و يحدث بقوة العقل القائم بالنفس..
                  و أقول: حقيقة العلم أنه انكشاف الأشياء بصورها مع المطابقة للواقع و عدم احتمال النقيض. أما حصول ذلك بالعقل القائم بالنفس المرتبطة بالجسم الانساني، و أما حدوث ذلك بواسطة الاحساس و التخيل و التجريد و مع الدماغ ، فكل ذلك عارض للعلم غير ذاتي له و لا مقوّم لجوهره.
                  فحصول الادراك في العقل انما هو تعريف للعلم الانساني لا لمطلق العلم و حقيقته و جوهره.
                  أما استنتاجك بأن الأمر يؤول الى الجسمية في حال كان العقل لازما للعلم أو ذاتيا له، فهذا أغرب و أعجب من سابقه !!!
                  يا أخي هاني.. قد ذكر الامام الغزالي رحمه الله تعالى-في معيار العلم- المعاني التي تطلق على العقل عند المتكلمين والفلاسفة ، و لم يقل فيها أحد ان العقل شيء مادي أو يلزمه شيء مادي البتة..فكيف يؤول الأمر الى الجسمية ؟؟؟؟!!!
                  و قولك: (، فلا يطّرد ما ذكرت من أن الجسمية غير لازمة لحقائق تلك الصفات المثبتة .) .. عجيب والله..
                  تريد أن تقول ان حقائق الصفات المثبتة لله تعالى مستلزمة للجسمية على عكس ما أدّعيه؟؟؟ !!!! و أني مخطئ في أن تلك الحقائق كالعلم و القدرة والارادة و الكلام و نحوها لا يلزم عنها الجسمية؟؟؟؟
                  غريب..فمعنى ظاهر كلامك أخي ان أهل السنة والجماعة مجسّمة لأنهم أثبتوا بزعمك معاني و أمورا يلزم عنها التجسيم لا محالة ، فالعلم مثلا لا يكون الا بالعقل، والعقل جسم ،فالعلم لا يكون الا بجسم أو قائما في جسم، فإذا قام بالله تعالى لزمه سبحانه و تعالى وتنزه- الجسمية بالضرورة!!!!!
                  و هذا هو عين مذهب ابن تيمية بالحرف...فهل تنسبه الى أهل السنة أو إليّ؟؟؟؟!!!

                  ثم قلت:
                  (ثم إنه يصح للحشوي على طريقتك أخي أن يقول لك :
                  أنك إنما تتوهم نزولا يستلزم الجسمية لكونه انتقالا من أعلى إلى أسفل لأنك قام ببالك النزول المحسوس الصادر عن الأجسام المحسوسة فقط المتركبة من جواهر تتحرك ليتحرك الجسم !!
                  ثم يستطرد الحشوي قائلا : ولكنا لا نثبت مثل هذا النزول والحركة بل نقول نزولا لا كنزول الأجسام يقوم بجسم لا كباقي الأجسام !! ).

                  أقول:
                  بالله كيف يصح هذا التخريف والهراء على طريقتي يا أخي هاني عفا الله عني وعنك؟؟؟؟
                  طريقتنا ان النزول له حقيقة و ماهية-واحدة- وهي الانتقال من مكان عال الى آخر سافل و افراغ الحيز العالي و شغل السافل.
                  هذا المعنى يقطع عقل كل عاقل أنه لا يكون الا لجسم أو لحادث بما هو جسم و حادث أي بسبب الجسمية والحدوث التي لذلك الشيء المتصف به.
                  فكان لزاما و حتما القطعُ بنفي نسبة ذلك المعنى الى الله تعالى .
                  فإذا قال أحمق ان نزول الله تعالى عن هرائه نزول جسم لا كالأجسام، قلنا له:
                  ان كنت تعني ان نزوله ليس انتقالا من مكان عال الى آخر سافل ،فهذا كلام فارغ ،فليس للنزول ألف معنى بل واحد هو الذي يعرفه العقلاء لا المجانين.
                  و نزول جسم لا كنزول الأجسام أصلا كلام متهافت لا معنى له..اذ الأجسام متماثلة متشابهة في حقيقة الجسمية، فيلزم الواحد منها ما يلزم جميعها لأنها متساوية في الجسمية، ويستحيل لوازم مختلفة لمتساوين في الحقيقة أصلا.فالنزول الثابت لبعضها ثابت الحقيقة لجميعها و انما الاختلاف في الكيفية أي في أعراض النزول و الانتقال كالسرعة والبطء و الاستقامة والانحناء و نحو ذلك مع بقاء حقيقة النزول واحدة في تلك الكيفيات المختلفة و هي الانتقال الموصوف سابقا.
                  اذن فنسبة النزول الحقيقي الى الله تعالى تجسيم محض لا يغني عنه التلاعب بالألفاظ و التخريف السابق شيئا.
                  و من أجل ذلك أجمع أهل السنة ومعهم كل العقلاء من جميع الملل و النحل على نفي الحركة عن الله تعالى قولا واحدا قاطعا، حيث تيقنوا أنها لازمة للأجسام و الحوادث و ما يكون كذلك وجب القطع بعدم نسبته الى الرب سبحانه.
                  و سيأتي مزيد بيان لهذا البين بذاته..

                  و قلت أخي وفقك الله:
                  (هم يقولون أن الله ينزل نزولا حقيقيا لأن حقيقة النزول الواردة معلومة وهي ثابتة لله لورود النص بها، ولكن تحرك الله من أعلى إلى أسفل لا يستلزم حدوثه لما أن هذا قياس غائب على شاهد لا يلزم ولما أنه يصح أن يكون الله جسما لا كالأجسام فيكون نزوله وحركته لا كنزول الأجسام وحركتها ، كما أن الأعلى والأسفل في حقه غير تلك في حقنا ، فالأعراض إذا مختلفة مع اتحاد الحقائق وتشابهها !!
                  فإن قلت له: ولكن الجسم هو ما تركب من جوهرين فصاعدا وهذا بنفسه يستدعي النقص المنفي عن الله والحدوث لافتقاره إلى مخصص !!
                  أجابك مباشرة أنه لا يعتمد نظرية الجواهر المتركبة وأن الجسم عنده هيولى وصورة معتمدا مذهب الفلاسفة !!!
                  فما أسهل التفريع والتجسيم والتشبيه والسفسطة على القول بمعرفة الحقيقة واتحادها مع اختلاف اللوزام أو ( العوارض ) ، فتأمل أخي الكريم . ).

                  فأقول:
                  لا حول ولا قوة الا بالله..
                  يا أخي هل تعتقد أن هذا الذي نقلته ''عنهم'' يسمى حججا؟؟؟
                  هذا الكلام لا يلتفت اليه لشدة تهافته و تفاهته و سخافته...

                  ..يتبع..

                  يظن الناس بي خيرا و إني
                  لشر الناس إن لم يعف عني

                  أخوكم سليم

                  تعليق

                  • سليم بن حمودة الحداد
                    طالب علم
                    • Jun 2005
                    • 89

                    #24
                    ...
                    و استدلالهم بورود النزول و ثبوته في الشرع على ان النزول حقيقي لا مجازي، استدلال سخيف بارد، فإن نصوص الشرع تغصّ بالمجازات فمن أين لهم ان النزول ليس من باب الاسناد المجازي ؟؟ بل هو قطعا كذلك، لأن النزول الحقيقي يلزم عنه حدوث النازل لأنه متحرك و الحركة دليل الحدوث بالقطع.
                    و قولهم(ولكن تحرك الله من أعلى إلى أسفل لا يستلزم حدوثه لما أن هذا قياس غائب على شاهد لا يلزم) أسخف من الأول، و لا أظنه استدلالهم ، بل هو من تصورك -أخي هاني- لأنك ربما تظن أنهم يقولون بعدم صحة قياس الغائب على الشاهد..و أنت مخطئ لأن ابن تيمية مصرّح بصحة قياس الغائب على الشاهد و أن ذلك من أصوله كما بيّن ذلك سيدنا الامام سعيد في "الكاشف الصغير".
                    و كلام ابن تيمية واضح في التأسيس [1/136]:
                    (و من المعلوم ان العلم له طرف ومدارك، و قوى باطنة وظاهرة في الانسان،فإنه يحس الاشياء ويشهدها، ثم يتخيلها و يتوهمها، و يضبطها بعقله، ويقيس ما غاب على ما شهد...).اهـ
                    فكون الحركة تستلزم الحدوث يلزمهم لا محالة، خاصة مع قولهم بقياس الغائب على الشاهد، فهم ما كانوا مجسمة الا لأنهم قاسوا الغائب على ما شاهدوا- بلا ضوابط أهل الحق-، فقد شاهدوا العالم أجساما و أعراضا فطردوا ذلك على الغائب و ادّعوا ان الله تعالى لا يكون الا جسما أو عرضا، اذ لا موجود-في الشاهد- الا جسم أو عرض، و يستحيل أن يكون عرضا فيكون جسما لا كالأجسام المشاهدة.
                    و قولهم(ولما أنه يصح أن يكون الله جسما لا كالأجسام فيكون نزوله وحركته لا كنزول الأجسام وحركتها ، كما أن الأعلى والأسفل في حقه غير تلك في حقنا) أشد تهافتا.. فإن الأجسام متساوية في حقيقة الجسمية و تختلف بالأعراض و الكيفيات أي بالطول والعرض و العمق الأبعاد- و الخشونة والملاسة و القوة والضعف و المادة المكونة منها-لحم أو عظم أو ماء أو هواء أو حديد أو غيرها-، و هي لاتفاقها في حقيقة الجسمية متفقة في حقيقة النزول و هو الانتقال من مكان الى مكان و افراغ حيز وملء حيز ، وتختلف في أعراض الانتقال و كيفياته كالسرعة والبطء و الاستقامة والانحناء كما مر سابقا.
                    فان كان الله تعالى جسما فهو يساوي غيره من الأجسام في حقيقة الجسمية و في جميع أحكامها و لوازمها بالضرورة، و من تلك اللوازم أن يساوي و يماثل غيره من الأجسام في حقيقة الانتقال أي في الحركة من الأعلى الى الأسفل، و كذلك من لوازم ذلك أن يساوي و يماثل غيره من الأجسام في لوازم الحركة أي في الحدوث، اذ الحركة أكبر دليل على الحدوث و لم نعرف حدوث الأجسام في العالم و أنها ممكنة الوجود مستحقة مفتقرة لواجب وجود يحدثها ،الا من حركتها بالقوة وبالفعل.
                    فلو كان الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا جسما و متحركا ثم لم يكن حادثا لما كان لنا الحق في الاستدلال بحركة الأجسام في العالم على حدوثها و امكانها و بالتالي على احتياجها لمحدث واجب الوجود .
                    و كون الأعلى والاسفل في حقه غيرها في حقنا كلام من لا يدري ما يقول !!
                    فإن الجهات اعتبارية نسبية تختلف باختلاف أوضاع الأجسام بل الجسم الواحد ، فالأعلى و العلو لجسم في شمال الكرة الأرضية هو الأسفل لجسم في جنوب الأرض، وكذلك الاختلاف لمن في الشرق عمّن في الغرب.
                    فإذا كان الله تعالى جسما فسيختلف بالنسبة اليه العلو والسفل و جميع الجهات بحسب الوضع والمكان الذي هو فيه . و لكن ذلك لا دخل له في أن الله ان كان جسما فهو ينزل من مكان هو بالنسبة اليه عال الى مكان هو بالنسبة لوضع جسمه مكان سافل، فينتقل متحركا من نقطة العلو ثم يبدأ بافراغ حيزها و يشغل الأحياز التي بين العلو والسفل حتى يصل الى نقطة و مكان السفل فيشغل حيزه ، كما هو حال أي جسم له حقيقة الجسمية. و لكنه يختلف عنها في كيفية النزول في السرعة و الاستقامة و طريقة الحركة لا في حقائقها المشتركة بين جميع الأجسام .
                    و قد ردّ الامام فخر الدين الرازي رحمه الله على هؤلاء المغفّلين في "أساس التقديس" فقال:
                    ''أما الخليل ابراهيم فقد حكى الله تعالى عنه في كتابه بأنه استدل بحصول التغير في أحوال الكواكب على حدوثها . ثم قال عند تمام الاستدلال : " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً ".
                    واعلم : أن هذه الواقعة تدل على تنزيه الله تعالى وتقديسه عن التحيز والجهة .
                    أما دلالتها على تنزيه الله تعالى عن التحيز ، فمن وجوه :
                    أولها أنا سنبين إن شاء الله تعالى أن الأجسام متماثلة-[في حقيقة الجسمية]- وإذا ثبت ذلك فنقول : ما صح على أحد المثلين ، وجب على أن يصح على المثل الآخر . فلو كان تعالى جسماً أو جوهراً ، وجب أن يصح عليه كل ما صح على غيره . وأن يصح على غيره كل ما صح عليه . وذلك يقتضي جواز التغير عليه . ولمّا حكم الخليل عليه السلام بأن المتغير من حال إلى حال ، لا يصلح للإلهية ، وثبت أنه لو كان جسماً لصح عليه التغير ، لزم القطع بأنه تعالى ليس بمتحيز أصلاً .
                    الثاني : إنه عليه السلام قال عند تمام الاستدلال ، "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض" فلم يذكر من صفات الله تعالى إلا كونه خالقاً للعالم ، والله تعالى مدحه على هذا الكلام وعظمه. فقال : " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ، نرفع درجات من نشاء ". ولو كان إله العالم جسما موصوفاً بمقدار مخصوص ، لما كمل العلم به تعالى ، إلا بعد العلم بكونه جسماً متحيزاً . ولو كان كذلك لما كان مستحقاً للمدح والتعظيم ، بمجرد معرفة كونه خالقاً للعالم . ولما كان هذا القدر من المعرفة كافياً في كمال معرفة الله تعالى : دل ذلك على أنه تعالى ليس بمتحيز .
                    الثالث : إنه تعالى لو كان جسماً ، لكان كل جسم مشاركاً له في تمام الماهية . فالقول بكونه تعالى جسماً ، يقتضي إثبات الشريك لله تعالى . وذلك ينافي قوله : "وما أنا من المشركين" فثبت مما ذكرناه : أن العظماء من الأنبياء - صلوات الله عليهم - كانوا قاطعين بتنزيه الله تعالى وتقديسه عن الجسمية والجوهرية (والجهة وبالله التوفيق) .
                    الحجة الثانية من القرآن : قوله تعالى : "ليس كمثله شيء".
                    ولو كان جسماً ، لكان مثلاً لسائر الأجسام في تمام الماهية . لأنا سنبين (إن شاء الله تعالى بالدلائل الباهرة ) أن الأجسام كلها متماثلة . وذلك كالمناقض لهذا النص .
                    فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى ، وإن كان جسماً ، إلا أنه مخالف لغيره من الأجسام . كما أن الإنسان والفرس ، وإن اشتركا في الجسمية ، لكنهما مختلفان في الأحوال والصفات . ولم لا يجوز أن يقال : الفرس مثل الإنسان ، فكذا هنا ؟
                    والجواب من وجهين :
                    الأول : إنا سنقيم الدلالة (إن شاء الله تعالى ) على أن الأجسام كلها متماثلة في تمام الماهية-ماهية الجسمية- .و عليه فلو كان تعالى جسماً ، لكان ذاته مثلاً لسائر الأجسام . وذلك مخالف لهذا النص . والإنسان والفرس ، ذات كل منهما مماثلة لذات الآخر ، والاختلاف إنما وقع في الصفات والأعراض. والذاتان إذا كانتا متماثلتين كان اختصاص كل واحدة منهما بصفاتها المخصوصة يكون من الجائزات ، لا من الواجبات ، لأن الأشياء المتماثلة في تمام الذات والماهية ، لا يجوز اختلافها في اللوازم . فلو كان الباري تعالى جسماً ، لوجب أن يكون اختصاصه بصفاته المخصوصة من الجائزات . ولو كان كذلك لزم افتقاره إلى المدبر والمخصص . وذلك يبطل القول بكونه تعالى إله العالم .
                    الثاني : إن بتقدير أن يكون هو تعالى مشاركاً لسائر الأجسام في الجسمية، ومخالفاً لها في ما هيته المخصوصة (فهذا يوجب) وقوع الكثرة في ذات الله تعالى . لأن الجسمية مشترك فيها بين الله (تعالى) وبين غيره ، وخصوصية ذاته غير مشتركة فيما بين الله تعالى وبين غيره ، وما به المشاركة غير ما به الممايزة . وذلك يقتضي وقوع التركيب في ذاته المخصوصة . وكل مركب ممكن لا واجب . على ما بيناه فثبت أن هذا السؤال ساقط (والله أعلم) .
                    الحجة الثالثة : قوله تعالى : "والله الغني، وأنتم الفقراء" . دلت هذه الآية على كونه تعالى غنياً ، ولو كان جسماً لما دلت هذه الآية على كونه تعالى غنياً ، ولو كان جسماً لما كان غنياً . لأن كل جسم مركب . وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه وأيضاً : لو وجب اختصاصه بالجهة ، لكان محتاجاً إلى الجهة . وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق.
                    الحجة الرابعة : قوله تعالى : "لا إله إلا هو الحي القيوم" والقيوم (مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه . وكونه مقوماً لغيره عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه . فلو كان جسماً لكان هو مفتقراً إلى غيره ، وهو جزؤه . ولكان غيره غنياً عنه ، وهو جزؤه . وحينئذ لا يكون قيوماً . وأيضاً : لو وجب حصوله في شيء من الأحياز ، لكان مفتقراً محتاجاً إلى ذلك الحيز . فلم يكن قيوماً على الإطلاق .''اهـ كلام الامام رحمه الله تعالى.
                    و قولك:
                    (فإن قلت له: ولكن الجسم هو ما تركب من جوهرين فصاعدا وهذا بنفسه يستدعي النقص المنفي عن الله والحدوث لافتقاره إلى مخصص !!
                    أجابك مباشرة أنه لا يعتمد نظرية الجواهر المتركبة وأن الجسم عنده هيولى وصورة معتمدا مذهب الفلاسفة !!!).

                    أقول:
                    هذا والله يا أخي لا يليق بك أن تقوله !!!
                    تستدل نيابة عنهم و بأدلة غريبة عجيبة و كلام أربأ بك عنه أخي..
                    الجسم عند المتكلمين مركب لأنه يكون من جوهرين أو أكثر، و عند الفلاسفة ليس مركبا لأنه هيولى وصورة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!
                    هذا والله أعجب و أغرب من كل ما سبق !!!!
                    يا أخي هاني..الجسم عند جميع العقلاء من الأولين والآخرين مركب منقسم متجزّئ متبعّض محدود ذو أبعاد .
                    يقول الامام سيف الدين الآمدي رحمه الله في أبكار الأفكار في النوع الثالث(في الجسم و أحكامه) في تحقيق معنى الجسم:
                    ''الجسم في اللغة منبئ عن التركيب والتأليف، ويدل عليه ما ظهر واشتهر في العرف اللساني عندما اذا راموا تفضيل شخص على شخص في التأليف و كثرة الأجزاء قالوا: فلان أجسم من فلان اذا كان أكثر منه ضخامة و عبالة و تأليف أجزاء..[...] الى ان قال: و اتفقت الفلاسفة على أن الجسم هو الذي يمكن فيه فرض أبعاد ثلاثة متقاطعة على حد واحد تقاطعا قائما، والمراد من التقاطع القائم أن يحدث من تقاطع كل بعدين منهما زاوية قائمة. و الزاوية القائمة هي التي تحدث من قيام بعد على بعد ليس ميله الى احدى الجهتين أكثر من الاخرى.
                    قالوا: اذا كان معنى الجسم هذا، فهو لا محالة قابل للانقسام و الانفصال.
                    [...] قالوا: و ذلك القابل هو المادة، وذلك البعد الذي لا يفارق الجسم و لا تختلف فيه الأجسام فيما بينها هو الصورة الجسمية، فالجسم مركب من المادة و الصورة الجسمية
                    ،...
                    ''اهـ
                    و قال الامام الغزالي رحمه الله في معيار العلم:
                    ''الجسم اسم مشترك قد يطلق على المسمى به من حيث انه متصل محدود ممسوح في ابعاد ثلاثة بالقوة، أعني انه ممسوح بالقوة و ان لم يكن بالفعل. وقد يقال جسم لصورة يمكن ان يعرض فيها أبعاد كيف نسبت طولا وعرضا وعمقا، ذات حدود متعينة، وهذا يفارق الأول في انه لو لم يشترط كون الجملة محدودا ممسوحا بالقوة أو بالفعل، أو اعتقد ان أجسام العالم لا نهاية لها، لكان كل جزء منها يسمى جسما بهذا الاعتبار. ويقال جسم لجوهر مؤلف من هيولى وصورة ، وهو بالصفة التي ذكرناها [أي الحد والاتصال و الأبعاد] فتسمى جسما بهذا الاعتبار...''.اهـ
                    فكون الجسم من هيولى وصورة لا يعني انه غير مركب أو بسيط ، ولو كان كذلك لما نفى الفلاسفة الجسمية والتركب من الهيولى والصورة أو غيرهما عن الله تعالى كما هو معلوم.

                    ..يتبع..
                    يظن الناس بي خيرا و إني
                    لشر الناس إن لم يعف عني

                    أخوكم سليم

                    تعليق

                    • سليم بن حمودة الحداد
                      طالب علم
                      • Jun 2005
                      • 89

                      #25
                      ...
                      و لو كان القول بالصورة والهيولى ملجأ للهروب من لزوم التركيب على الله تعالى لمن قال عنه انه جسم سبحانه ، لكانت للمجسمة الحجة على الامام الرازي رحمه الله الذي ألزمهم في أساس التقديس- بحدوث الله تعالى على قولهم انه جسم، لان كل جسم فهو مركب منقسم محدود فهو مفتقر الى مخصص فهو حادث بالضرورة.
                      بل الامام الفخر قد قطعهم بحججه الدامغة حين قال طيب الله ثراه:
                      '' وإنما قلنا : إنه يمتنع أن تكون ذات الله تعالى مساوية لذوات الأجسام في تمام الماهية لوجوه :
                      الأول : إن من حكم المتماثلين : الاستواء في جميع اللوازم . فيلزم من قدم ذات الله تعالى ، قدم سائر الأجسام، أو من حدوث سائر الأجسام ، حدوث ذات الله تعالى . وذلك محال .
                      الثاني : أن المثلين يجب استواؤهما في جميع اللوازم . وكما صح على سائر الأجسام خلوها عن صفة العلم والقدرة والحياة ، وجب أن يصح على ذاته الخلو عن هذه الصفات . وحينئذ يكون اتصاف ذاته بحياته وعلمه وقدرته ، من الجائزات . وإذا كان الأمر كذلك ، امتنع كون تلك الذات موصوفاً بالحياة والعلم والقدرة ، إلا بإيجاد موجد ، وتخصيص مخصص . وذلك يقتضي احتياجه إلى الإله . وحينئذ كل ما كان جسماً ، كان محتاجاً إلى الإله . وهذا يقتضي أن الإله يمتنع أن يكون جسماً .

                      الثالث : إنه لما كان ذاته تعالى مساوية لذوات سائر المتحيزات، وصح في سائر المتحيزات كونها متحركة تارة وساكنة أخرى ، وجب أن تكون ذاته أيضاً كذلك . وعلى هذا التقدير يلزم أن تكون ذاته تعالى قابلة للحركة والسكون . وكل ما كان كذلك ، وجب القول بكونه محدثاً ، لما ثبت في تقرير هذه الدلائل في مسألة حدوث الأجسام . ولما كان محدثاً وحدوثه محال فكونه جسماً محال .
                      الرابع : إنه لو كان جسماً لكان مؤتلف الأجزاء . وتلك الأجزاء تكون متماثلة بأعيانها ، وهي أيضاً مماثلة لأجزاء سائر الأجسام . وعلى هذا التقدير ، كما صح الاجتماع والافتراق على سائر الأجسام ، وجب أن يصح على تلك الأجزاء . وعلى هذا التقدير لا بد له من مركب و مؤلف . وذلك على إله العالم محال .
                      البرهان الثاني في بيان أنه يمتنع أن يكون متحيزاً :
                      هو أنه لو كان متحيزاً ، لكان متناهياً . وكل متناه ممكن . وكل ممكن محدث . فلو كان متحيزاً لكان محدثاً . وهذا محال . فذاك محال .
                      أما المقدمة الأولى : وهي بيان أنه تعالى لو كان متحيز ، لكان متناهياً :
                      فالدليل عليه : أن كل مقدار ، فإنه يقبل الزيادة والنقصان . وكل ما كان كذلك ، فهو متناه . وهذا يدل على أن كل متحيز ، فهو متناه
                      . وشرح هذا الدليل قد قررناه في سائر كتبنا .
                      وأما المقدمة الثانية : وهي بيان أن كل متناه ، فهو ممكن : فذلك لأن كل ما كان متناهياً ، فإن فرض كونه أزيد قدراً أو أنقص قدراً : أمر ممكن . والعلم بثبوت هذا الإمكان ضروري. فثبت أن كل متحيز ، فهو متناه . وشرح هذا الدليل قد قررناه في سائر كتبنا .
                      وأما المقدمة الثالثة : وهي بيان أن كل ممكن محدث : فهو أنه لما كان الزائد والناقص والمساوي متساوون في الإمكان ، امتنع رجحان بعضهم على بعض ، إلا لمرجح . والافتقار إلى المرجح إما أن يكون حال وجوده أو حال عدمه. فإن كان حال وجوده (فإنه يكون إما) حال بقائه ، أو حال حدوثه . ويمتنع أن يفتقر إلى المؤثر حال بقائه ، لأن المؤثر ، تأثيره: (في التكوين والتأثير) فلو افتقر حال بقائه إلى المؤثر ، لزم تكوين الكائن ، وتحصيل الحاصل ، وذلك محال . فلم يبق إلا أن يحصل الافتقار . إما حال حدوثه أو حال عدمه . وعلى التقديرين فإنه يلزم أن يكون كل ممكن محدثاً. فثبت : أن كل جسم متناه ، وكل ممكن محدث (فثبت : أن كل جسم محدث) والإله يمتنع أن يكون محدثاً (وبالله التوفيق) .
                      البرهان الثالث : لو كان إله العالم متحيزاً ، لكان محتاجا إلى الغير . وهذا محال ، فكونه متحيزاً محال . بيان الملازمة : إنه لو كان متحيزاً ، لكان مساوياً لغيره في المتحيزات ، في مفهوم كونه متحيزاً ، ولكان مخالفاً لها في تعينه وتشخصه . ثم نقول : إن بعد حصول الامتياز بالتعين : إما أن يحصل الامتياز في الحقيقة وعلى هذا التقدير ، يكون المتحيز جنساً ، تحته أنواع . أحدها : واجب الوجود وإما أن لا يحصل الامتياز في الحقيقة وعلى هذا التقدير ، يكون المتحيز نوعاً ، تحته أشخاص . أحدهما : واجب الوجود
                      فنقول : الأول باطل . لأن على هذا التقدير تكون ذاته مركبة من الجنس والفصل . وكل مركب فهو مفتقر إلى جزئه ، وجزؤه غيره . وكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، فلو كان واجب الوجود متحيزاً لكان مفتقراً إلى غيره . والثاني (أيضاً باطل ) لأن هذا التقدير يكون تعينه زائداً على ماهية النوعية ، وذلك التعين لا بد له من مقتضى ، وليس هو تلك الماهية ، وإلا لكان نوعه (منحصراً ) في شخصه . وقد فرضنا أنه ليس كذلك ، فلا بد وأن يكون المقتضى لذلك التعين : شيئاً غير تلـك
                      الماهية ، وغير لوازم تلك الماهية ، فيكون محتاجاً إلى غيره . فثبت : أنه لو كان متحيزاً ، لكان محتاجاً إلى غيره ، وذلك محال . لأنه واجب الوجود لذاته . وواجب الوجود لذاته ، لا يكون واجب الوجود لغيره . فثبت : أن كونه متحيزاً : محال .
                      البرهان الرابع : لو كان إله العالم متحيزاً ، لكان مركباً . وهذا محال فكونه متحيزاً محال . بيان الملازمة من وجهين :
                      أحدهما : - وهو على قول من ينكر الجوهر الفرد إن كل متحيز فلا بد وأن يتميز أحد جانبيه عن الثاني ، وكل ما كان كذلك فهو منقسم : فثبت : أن كل متحيز فهو منقسم ومركب .
                      الثاني : إن كل متحيز فإما أن يكون قابلاً للقسمة ، أو لا يكون. فإن كان قابلاً للقسمة ، كان مركباً مؤلفاً ، وإن كان غير قابل للقسمة ، فهو الجوهر الفرد وهو في غاية الصغر والحقارة وليس في العقلاء أحد يقول هذا القول . فثبت أنه تعالى لو كان متحيزاً ، لكان (منقسماً مؤلفاً ) وذلك محال ، لأن كل ما كان كذلك ، فهو مفتقر في حقيقته إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره . فكل مركب فهو مفتقر في الحقيقة إلى غيره . وكل ما كان كذلك ، فهو ممكن لذاته، فكل مركب ممكن لذاته . فيلزم أن يكوم الممكن لذاته واجباً لذاته وذلك محال . فيمتنع أن يكون متحيزاً.
                      البرهان الخامس : إنه لو كان متحيزاً ، لكان مركباً من الأجزاء . إذ ليس في العقلاء من يقول إنه في حجم الجوهر الفرد . ولو كان مركباً من الأجزاء ، فإما أن يكون الموصوف بالعلم والقدرة والحياة جزءا واحداً من ذلك المجموع ، أو أن يكون الموصوف بهذه الصفات مجموع تلك الأجزاء ، فإن كان الأول كان إله العالم هو ذلك الجزء الواحد. فيكون إله العالم في غاية الصغر والحقارة . وقد بينا : أنه ليس في العقلاء من يقول بذلك .
                      البرهان السادس : إنه تعالى لو كان جسماً ، لكانت الحركة (عليه) إما أن تكون جائزةُ أو لا تكون جائزة .
                      والقسم الأول باطل . لأنه لمّا لم يمتنع أن يكون الجسم الذي تكون الحركة عليه جائزة إلهاً ، فلم لا يجوز أن يكون إله العالم هو الشمس أو القمر أو الفلك ؟ وذلك لأن هذه الأجسام ليس فيها عيب (يمنع) من إلهيتها إلا أمور ثلاثة . وهي كونها مركبة من الأجزاء ، وكونها محدودة متناهية ، وكونها موصوفة بالحركة والسكون . فإذا لم تكن هذه الأشياء مانعة من الإلهية ، فكيف يمكن الطعن في إلهيتها ؟ وذلك عين الكفر والإلحاد ، وإنكار الصانع تعالى .
                      والقسم الثاني : وهو أن يقال : إنه (تعالى) جسم ،ولكن الانتقال والحركة عليه محال . فنقول : هذا باطل من وجوه :
                      الأول : إن هذا يكون كالزمن المقعد ، الذي لا يقدر على الحركة . وهذه صفة نقص ، وهو على الله تعالى : محال .
                      الثاني : إنه تعالى لما كان جسماً ، كان مثلاً لسائر الأجسام . فكانت الحركة جائزة عليه .
                      الثالث : إن القائلين بكونه جسماً مؤلفاً من الأجزاء والأبعاض لا يمنعون من جواز الحركة عليه . فإنهم يصفونه بالذهاب والمجيء . فتارة يقولون : إنه جالس على العرش ، وقدماه على الكرسي - وهذا هو السكون - وتارة يقولون : إنه ينزل إلى السماء الدنيا - وهذا هو الحركة -.
                      فهذا مجموع الدلائل على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر . وبالجملة فليس بمتحيز .''اهـ كلامه النفيس رحمه الله تعالى.

                      و قد أطلت النقل ليعلم كل قارئ مدى تهافت و سقوط كلام أولئك الحمقى، و أنهم لا يعون ما يخرج من رؤوسهم أصلا..

                      أما قولك أخي : (فما أسهل التفريع والتجسيم والتشبيه والسفسطة على القول بمعرفة الحقيقة واتحادها مع اختلاف اللوزام أو ( العوارض )).

                      فأقول:
                      يا أخي هاني ليست مشكلة أهل السنة و معهم كل المنزهين لله تعالى- مع المجسمة والمشبهة في كونهم يعلمون حقيقة الذات أو الصفات أو يجهلونها..ليس التجسيم أن تعرف حقيقة و كنه ذات الله تعالى أو حقيقة وكنه صفاته سبحانه - و تلك المعرفة مختلف بين المتكلمين في حصولها و جوازه من عدمه في الدنيا أو في الآخرة [انظر الرسالة التسعينية للأرموي ،المسألة 34 // و أبكار الأفكار للآمدي، المسألة الاولى من النوع الثالث من القسم الأول.// و الأربعين للامام الرازي، المسألة العشرون] - و ليس التنزيه الجهل بذات الله تعالى و الجهل بصفاته و لا العلم بها، انما التجسيم نسبة معان و أمور لازمة للأجسام بما هي أجسام الى الرب سبحانه، والتنزيه نفي تلك المعاني عنه تعالى، و نسبة كمالات المعاني التي للموجودات بما هي موجودات لله سبحانه كما بينا سابقا.فالتجسيم والتشبيه و السفسطة لم تأت أولئك المغفّلين من معرفة حقيقة النزول و الاستواء و اليد و غيرها-و هم انما يقصدون الحقيقة اللغوية- بل من نسبة تلك الحقائق اللازمة للأجسام و التي يلزم عنها الجسمية والحدوث لله تعالى . و هم لشدة حمقهم و غباءهم تراهم ينسبون تلك الحقائق و المعاني الجسمية الى ربهم، ثم يظنون أنهم ينزهونه عن مشابهة المخلوقين اذا قالوا ان الكيفية والأعراض مجهولة لنا فنفوّضها !!!!!!!
                      و لم يدر هؤلاء المعاتيه أن نسبة تلك الحقائق و الأمور الى الله تعالى هو عين التشبيه لأنه عين التجسيم ، اذ تلك الأمور خاصة بالأجسام ، فإذا ثبتت لله تعالى كان جسما لا محالة ، لاستحالة انفكاك اللازم عن ملزومه، فإذا كان جسما وجب مساواته لسائر الأجسام في حقيقة الجسمية، و ثبتت له جميع الأحكام و اللوازم الثابتة لها، ضرورة أن المتساوين في الحقيقة والماهية متساوون في الأحكام واللوازم قطعا. فيلزمهم اثبات الحدوث لربهم كما ثبت للأجسام المخلوقة ، و لا مخرج لهم من هذه أبدا..
                      و لا يغني عنهم ''تفويضهم للكيف'' أو للكم أو غيره بعد اثباتهم للوازم الجسمية كالنزول-الانتقال- والاستواء-الجلوس- واليد-صفة عين أي جزء- و نحوها للرب تعالى عن ذلك علوا كبيرا..

                      ..يتبع..
                      يظن الناس بي خيرا و إني
                      لشر الناس إن لم يعف عني

                      أخوكم سليم

                      تعليق

                      • سليم بن حمودة الحداد
                        طالب علم
                        • Jun 2005
                        • 89

                        #26
                        ...
                        فليست المصيبة في معرفة الحقيقة أو جهلها بل في اثبات أو نفي الحقائق المختصة بالحوادث أو الحقائق العامة التي للموجود بما هو موجود و كمالاتها لله تعالى ، فتدبر .

                        ثم قلت:
                        (ولو أن المشبهة الحشوية قالوا في النزول مثلا فقط : ينزل لا كنزولنا !! دون ادراج لفظ ( حقيقة ) لقبلناه منهم ولانتهى الخلاف بيننا وبينهم لما أنا هذا هو عين التفويض ، ولكن المشكلة بيننا وبينهم كلها تنحصر في لفظة ( حقيقة ) هذه التي يصرون على إدراجها وإقحامها في كل وصف يصفون به الله تعالى فتأمل أخي !! ).

                        أقول:
                        يا أخي قد تأملت فرأيتك لم تتأمل فيما تقول و ما يقولون و ما أقول !!
                        قد أعلمتك سابقا ان كلمة ''حقيقة'' مشتركة بين الحقيقة اللغوية و الحقيقة الذاتية الوجودية والحقيقة الذهنية .
                        وكلامهم عن حقيقة النزول مثلا انما يقصدون به الحقيقة اللغوية المقابلة للمجاز، فهم ينكرون قول علمائنا ان النزول المنسوب لله تعالى انما هو من باب الاسناد المجازي والنزول للملك أو الكناية عن نزول الرحمة
                        و القرب المعنوي بسرعة الاستجابة. و يقولون ان النزول نزول حقيقي لا مجازي أي على حقيقته المتعارفة عند الناس و هي الانتقال من المكان العالي الى السافل أي الحركة المتعارفة.
                        و هذا مرفوض عند أهل السنة و غيرهم لأنه يفضي الى التجسيم و التشبيه كما مر.
                        و لو قالوا ''نزول لا كنزولنا'' فانهم لن يسْلموا من الطعن عليهم حتى يصرّحوا بأن الحقيقة اللغوية غير مرادة لهم و انها منفية لينفوا الحركة عن الله تعالى و إلا كانوا مجسمة مخادعين كالذين يقولون لحمقهم: هو جسم لا كالأجسام، زاعمين التنزيه، وقد مر رد الامام عليهم.
                        نعم مشكلتنا معهم انهم يثبتون النزول مع كلمة ''حقيقة'' و هي الحقيقة اللغوية التي وضعت لوصف البشر و المخلوقات لا لوصف الله تعالى.
                        و لكن لو أنهم سئلوا عن العلم مثلا فقالوا: لله تعالى علم حقيقة ، فهل نوافقهم على نسبة حقيقة العلم الى الله تعالى ؟
                        بالطبع لا ، لأن أهل السنة وكل المنزهين انما يقصدون حقيقة العلم الذاتية لا حقيقته اللغوية التي يريدها الحشوية ولا يعرفون غيرها.
                        فالحشوية لا يعرفون العلم الا عرضا قائما بجسم ، يحدث بعد المعلوم
                        و هو المعنى اللغوي المتعارف بين الناس للعلم أي العلم الانساني الحادث- فينسبونه الى الله تعالى كما فعل ابن تيمية حين جعل العلم
                        و سائر الصفات الالاهية صفات حادثة في ذات الله تعالى قديمة النوع بزعمه.
                        و أهل الحق نفوا ذلك المعنى عن ربهم لأنه حقيقة لغوية تصف العلم الانساني الحادث ، فلم ينسبوه الى الله و انما حققوا معنى العلم مطلق العلم- و نسبوا جوهره (منزها عن الأعراض الانسانية) الى الله تعالى.
                        فهم ينسبون حقيقة العلم الذاتية لله لا الحقيقة اللغوية، اذ هي لائقة بالله لأنها منزهة عن الجسمية ولواحقها و لوازمها بخلاف الحقيقة اللغوية.
                        و قد سبق أن أوضحنا مرارا أن العلم بحقيقة مطلق العلم و جوهره لا يعني العلم يكنه صفة العلم القائمة بالله تعالى ، كما أننا نعلم حقيقة مطلق الوجود و ننسبه الى الله تعالى-كما ننسبه لكل موجود- ولا نعلم كنه وجود الله تعالى و مصداق الوجود فيه سبحانه .و أن هذه المعاني تطلق بالتشكيك و التناسب ،فالوجود بحسب ذات الموجود، و العلم بحسب ذات العالم و هكذا ...
                        فليس اختلاف أهل الحق مع الحشوية مجرد كلمة ''الحقيقة'' بل معنى تلك الكلمة و مرادهم منها، و الأهم هو ان كان الشيء أو الأمر الذي ينسبون حقيقته الى الله تعالى ممّا هو مختص بالحوادث لازم لها أم هو عام لكل موجود بحسب ماهيته وذاته.

                        و قلت:
                        (لا يوجد أدنى نسبة بين الله سبحانه وخلقه ولا مثقال ذرة خردل ، وكل ما قام ببالك أو توهمت معرفته فالله سبحانه وتعالى بخلافه قطعا !!
                        وغاية ما يوجد بين الله وخلقه من اشتراك إنما هو اشتراك لفظي مجرد فقط لا أكثر !!).

                        أقول:
                        عبارة ''كل ما قام ببالك فالله بخلاف ذلك'' عبارة صادقة ..و لكنها تقال للمجسمة المشبهة و خاصة لابن تيمية و عصابته الذين لا ينزهون الله تعالى عن أحكام الخيال والحس و الوهم، ويساوون بينها و بين أحكام العقل في الله تعالى، كما بيّن العلامة الامام سعيد في الكاشف الصغير، حين تحدث عن نظرية المعرفة عند ابن تيمية .
                        فتلك العبارة تعني أن كل ما خطر بوهمك و خيالك في حق الله تعالى فهو منفي عنه متنزه و متعال عليه، ذلك بأن الخيال و الوهم انما هما قوة موازية للحس ،فمادتهما هي المحسوسات،و عملهما هو التركيب و التأليف و الجمع بين صور المحسوسات بطرق مختلفة و لا تتعديان المحسوس بحال، بخلاف العقل فإنه صادق الحكم على الموجودات و منها الله تعالى.
                        و استمع معي الى أنفس الكلام في هذا المقام، الى كلام سيدي و مولاي أبي حامد جعلني الله خادمه في الجنان في معيار العلم-و حق هذا الكلام أن يكتب بماء الذهب-:
                        (.. ولتتحقق قبل كل شيء أن فيك حاكما حسيا و حاكما وهميا و حاكما عقليا، و المصيب من هؤلاء الحكام هو الحاكم العقلي ، و النفس في أول الفطرة أشد إذعانا و انقيادا للقبول من الحاكم الحسي و الوهمي، لانهما سبقا في أول الفطرة إلى النفس و فاتحاها بالاحتكام عليها، فألفت احتكامهما و أنست بهما قبل أن يدركها الحاكم العقلي، فاشتد عليها الفطام عن مألوفها و الانقياد لما هو كالغريب من مناسبة جبلتها، فلا تزال تخالف حاكم العقل و تكذبه و توافق حاكم الحس و الوهم و تصدقهما الى أن تظبط بالحيلة التي سنشرحها في الكتاب.[...] و أما الحاكم الوهمي فلا تغفل عن تكذيبه بموجود لا إشارة إلى جهته ، و إنكاره شيئا لا يناسب أجسام العالم بانفصال واتصال و لا يوصف بأنه داخل العالم و لا خارجه. و لولا كفاية العقل شر الوهم في تضليله هذا لرسخ في نفوس العلماء من الاعتقادات الفاسدة في خالق الأرض و السماء، ما رسخ في قلوب العوام و الأغبياء. ولا نفتقر إلى الإبعاد في تمثيل تضليله و تخييله، فانه يكذب فيما هو أقرب إلى المحسوسات مما ذكرناه، لأنك إن عرضت عليه جسما واحدا، فيه حركة و طعم و لون ورائحة، و اقترحت عليه أن يصدق بوجود ذلك في محل واحد على سبيل الاجتماع، كاع عن قبوله و تخيل أن بعض ذلك مضام للبعض و مجاور له، و قدر التصاق كل واحد بالآخر في مثال ستر رقيق ينطبق على ستر آخر، و لم يمكن في جبلته أن يفهم تعدده إلا بتقدير تعدد المكان، فإن الوهم إنما يأخذ من الحس، والحس في غاية الأمر يدرك التعدد و التباين بتباين المكان والزمان، فإذا رفعا جميعا عسر عليه التصديق بأعداد[لعلها بأشياء] متغايرة بالصفة والحقيقة، حالة فيما هو في حيز واحد.
                        فهذا وأمثاله من أغاليط الوهم يخرج عن حد الإحصاء و الحصر، و الله تعالى هو المشكور على ما وهب من العقل الهادي من الضلالة المنجي عن ظلمات الجهالة..
                        الى ان قال رحمه الله: فإن قلت: فما الحيلة في الاحتياط مع ما وصفتموه من شدة الرباط بهذه المغويات؟ ؛ فتأمل لطف حيل العقل فيه، فإنه استدرج الحس و الوهم إلى أمور يساعدانه على دركها من المشاهدات الموافقة للموهوم و المعقول، و أخذ منها مقدمات يساعده الوهم عليها، و رتبها ترتيبا لا ينازع فيه، و استنتج منها بالضرورة نتيجة لا يسع الوهم التكذيب بها، اذ كانت مأخوذة من الأمور التي لا يتخلف الوهم و العقل عن القضاء بها، و هي العلوم [أي المعلومات] التي لم يختلف فيها الناس من الضروريات و الحسيات، و استسلمها من الحس و الوهم و ارتهنها منهما، فصدقا بأن النتيجة اللازمة منها صادقة حقيقية ، ثم نقلها العقل بعينها على ترتيبها الى ما ينازع الوهم فيه و أخرج منها نتائج. فلما كذب الوهم بها و امتنع عن قبولها هان على العقل مؤونته ، فإن المقدمات التي وضعها كان الوهم يصدق بها على الترتيب الذي رتبه لانتاج النتيجة فكأن الوهم قد لزوم النتيجة منها فتحقق الناظر ان إباء الوهم عن قبول النتيجة بعد تصديقه بالمقدمات والتصديق بصحة الترتيب المنتج، لقصور في طباعه و جبلته عن درك هذه النتيجة لا لكون النتيجة كاذبة، لأن ترتيب المقدمات منقول من موضع ساعد الوهم على التصديق بها. فإذن غرضنا في هذا الكتاب ان نأخذ من المحسوسات و الضروريات الجبلية معيارا للنظر، حتى اذا نقلناه الى الغوامض لم نشك في صدق ما يلزم منها..).اهـ كلامه رحمه الله تعالى.
                        و انظر ان شئت بتفصيل أكبر كلامه في الفن الثاني من كتاب مقدمات القياس "في مفردات المعاني الموجودة و نسبة بعضها الى بعض" من معيار العلم، فإنه في غاية التحقيق.

                        فليس اذن- كل ما خطر بذهنك عن الله تعالى فهو بخلافه ، و إلا كان الله معدوما لخطور وجوده بذهنك، وجاهلا لخطور علمه ببالك، و هكذا يسقط كل علم لنا بالله تعالى أصلا و يرتفع العقل و بالتالي الدين معه لأنه قام عليه.
                        و انما الذي هو بخلافه انما حكم الخيال والوهم و الحس على الله تعالى لا العقل. فكل ما خطر بوهمك و خيالك فالله تعالى بخلاف ذلك..هذه هي حقيقة العبارة المشهورة عن أهل الحق الذين قالوها معارضين بها الحشوية أهل التجسيم و التشبيه ممن حكم الحس والوهم في ذات الله تعالى و صفاته كما هو حال ابن تيمية زعيمهم .و قد بين شيخنا سعيد أسعده الله كلامه و قول أهل الحق فيه و ارجع الى الكاشف الصغير ان شئت.

                        أما قولك أن الاشتراك انما هو لفظي لا معنوي فقد سبق الرد عليه ، وأنه يعني الجهل بالله تعالى لا أكثر.

                        ..يتبع..
                        يظن الناس بي خيرا و إني
                        لشر الناس إن لم يعف عني

                        أخوكم سليم

                        تعليق

                        • سليم بن حمودة الحداد
                          طالب علم
                          • Jun 2005
                          • 89

                          #27
                          ...
                          وقولك:
                          (وحتى صفات المعاني السبع عند السادة الأشاعرة لا يعلمون معانيها وحقاقها وغاية تعريفاتهم لها حدود رسمية للتمييز وتقريب الفهم لا أكثر ، فالله أعلى وأجل أن يعلم معنى ذاته وصفاته أحد !!).

                          أقول:
                          قد سبق الرد عليه، و لكن أضيف انه حتى تلك الحدود الرسمية في حد ذاتها هي معان مشتركة لا ألفاظ جوفاء..فما نعرفه عن العلم مطلق العلم- مشترك بين الله والانسان اشتراكا معنويا بالتشكيك و التناسب بحسب ذات كل منهما ، فلو فرضنا أننا لا نعرف حقيقة مطلق العلم، فإن ما نعرفه عنه- كاللوازم- صادق على الله تعالى وعلى البشر بمعنى واحد لكن مصاديقه مختلفة لأنه يطلق بالتشكيك و التناسب كما مر مرارا.
                          فلا يعني الحد الرسمي عدم الاشتراك المعنوي و صحة الاشتراك اللفظي بل العكس تماما.
                          و أقول أيضا: قد مر أن علم حقيقة و كنه الذات والصفات الالاهية مما اختلف فيه نظر السادة المتكلمين، و مع أني لا أقول بعلمنا بحقائقها أي مصاديق الذات والصفات على ما هي عليه في ذاتها ، إلا أن القول بالعلم بالذات والصفات على حقيقتها و كنهها ليس أغرب و لا أبعد و لا أعسر عند العقل من الرؤية ، وقد أجمع أهل الحق على جوازها عقلا بعد ثبوتها سمعا. فالرؤية أصعب على العقول تصديقها من العلم بالذات والصفات
                          و هي ثابتة لذات الله سبحانه في الآخرة. فليس القول بالعلم بالذات أبعد و أصعب منها حتى تنزه الله تعالى عنه ، اذ ليس نقصا أن نعلم بذاته وصفاته سبحانه كما لم يكن نقصا أن نرى ذاته، و الرؤية أبعد في العقل حتى أن طوائف من العقلاء أحالوا الرؤية لقربها من الاحساس جدا، وصعب عليهم ادراك رؤية للذات دون أن تكون في جهة ولا مكان و لا أن تكون جسما محدودا و من غير نور و لا انعكاس ضوء منها على الحدقة، و أهل الحق من الأشاعرة معترفون بصعوبة ادراك ذلك إلا بشدة تحقيق و تدقيق، ولم يكن عندهم انتقاصا لله تعالى أن نراه.
                          فكيف يكون العلم بالذات نقصا يتنزه الله عنه و العلم ليس فيه شبهة التجسيم أصلا؟؟، فليس يبعد أن يخلق الله تعالى فينا علما بذاته و صفاته- في الدنيا أو في الآخرة- كما سيخلق فينا رؤية لذاته يوم القيامة .و العلم أقرب الى التصديق من الرؤية .فتأمل بارك الله فيك.

                          ثم قلت:
                          (واثباتنا وليكن هذا واضحا للجميع لهذه الصفات السبع ليس هو نفس اثبات الحشوية المشبهة لها ، فليس ثمة تشابه بين مذهبنا ومذهبهم ولو بأدنى اشتراك ، لا في الذات والصفات ولا في الأفعال والأسباب ولا في القدر ولا في أي شيء يتعلق بالإلهيات !!).

                          أقول:
                          ما هو الفرق بين الاثباتين على طريقتك؟؟؟
                          هل الفرق بين اثبات أهل السنة و بين اثبات الحشوية لها هو أن الأولين لا يعلمون حقيقة الصفات و الثواني يدّعون معرفة حقيقتها ؟؟؟؟
                          و قولك: (فكيف إذن الجمع بين توهم المتأخرين المعاصرين من الأشاعرة أننا نعرف معاني صفات الله المثبتة ، مع قول أئمة الأشاعرة المتقدمين والمنقول عن أكثر من واحد منهم في أكثر من متن وكتاب أنه سبحانه ( لا يدرك كنه ذاته وصفته الواصفون ) !!! ههنا تناقض كبير ، ولكن للأسف قلة من ينتبهون إليه ويدققون فيه !!).

                          أقول:
                          قد بينا أنه لا تناقض أصلا و دققنا قدر المستطاع بفضل الله تعالى ، و أن العلم انما يقع على مطلق معاني الصفات لا على خصوص اتصاف الله تعالى بها أي مصاديقها في ذاته سبحانه كما مر باطناب. اذ قد بينا أن الجهل بمعاني ألفاظ العلم والقدرة والوجود و الارادة و الكلام و غيرها، ثم نسبتها الى الله تعالى يعني الجهل بالله و القول على الله بغير علم،
                          و يلزم منه نسبة أيّ لفظ اليه تعالى و لو كان معناه لا يجوز على الرب سبحانه . و ذلك أعظم الضلال و هو الذي أوصل المجسمة الى ما وصلوا اليه.

                          ثم قلت:
                          (والناظر في مراجع الأشاعرة يجد أنهم يستدلون بعقولهم على أن الله قادر بخلقه الخلق ، فلزمهم من ذلك اثبات معنى لله استفادوه من اللغة دون أن يتصوروا حقيقته وكنهه بل فقط لازمه الذي هو الايجاد والإعدام ، وغاية ما أثبتوه من اللغة اشتراك لغوي بحت لا حقيقي !!
                          وتبسيطه أن الخلق فعل ، والفعل لا بد له من فاعل يقدر على القيام به ، فعلمنا وأثبتت عقولنا أن ثمة فاعل دون أن نعرف شيئا عن حقيقة هذا الفاعل أو حقيقة قدرته لما أنه خارج نطاق الحس والفكر .
                          فالعلم بحقيقة قدرته ومعناها لا يعلمه إلا هو سبحانه وغاية ما ثبت بعقولنا وجوبها واستحقاقه لها وفق لفظ مشترك يقوم في الشاهد عندنا على مثل فعلها وأثرها وهو ما أثبتناه لها فقط وهو لازم لا أكثر ولا أقل !!).

                          أقول:
                          هذا كلامٌ أقلّ ما يقال فيه أنه غير دقيق و لا سليم ..
                          أولا..تقول: (فلزمهم من ذلك اثبات معنى لله استفادوه من اللغة دون أن يتصوروا حقيقته وكنهه بل فقط لازمه الذي هو الايجاد والإعدام ، وغاية ما أثبتوه من اللغة اشتراك لغوي بحت لا حقيقي)..
                          أنت تقول-أول الفقرة- بأن السادة الأشاعرة أثبتوا معنى لله تعالى، و في آخرها أن ما أثبتوه لفظ مشترك اشتراكا لفظيا لا معنويا !!!!!!
                          ألا ترى تناقضا صارخا يا أخي هاني؟؟؟؟
                          علماؤنا استدلوا على ثبوت معنى القدرة لله تعالى بخلقه للخلق، ضرورة أن الفاعل يستحيل انتفاء القدرة عنه ، حيث نرى من أنفسنا أن الفعل يلزمه قدرة لاتمامه لا محالة ، فإذا كان الله تعالى فاعلا للخلق فهو اذن قادر بالضرورة . فأثبتوا معنى القدرة للرب سبحانه لثبوت ذلك المعنى لكل فاعل مختار بالضرورة . و لو كانت القدرة من المشترك اللفظي لما صح ذلك الاستدلال أصلا اذ لا يصح أن يكون أحد حدود القياس لفظا مشتركا اشتراكا لفظيا بما أنه يحتمل معان مختلفة متباينة ، وهذه احدى المغالطات السفسطائية كما هو معلوم في المنطق.
                          و لنضرب مثلا يقرب الأمر مع قربه للعارف :
                          لفظ ''عين'' من المشترك اللفظي اذ لمصاديقه معان مختلفة متباينة فيطلق على الذهب والعين الجارية و العين الجارحة والشمس و غير ذلك.
                          فلو وضع هذا اللفظ في قياس مّا أو استدلال مركب من أقيسة متعددة،
                          فإن ذلك القياس و الاستدلال سيكونان سفسطائيين ، فلنضع هذا القياس مثلا: كل عين جارحة // و زمزم عين // فزمزم جارحة.
                          هذه النتيجة الغريبة انما جاءت من أن الحدود في هذا القياس ليست ثلاثة كما هو مشروط بل أربعة ، اذ لفظ العين أطلق بمعنيين في المقدمتين، في الأولى بمعنى العين العضو المعروف من الجسم، وفي الثانية بمعنى مصدر الماء النابع. فالقياس غير منتج.
                          و الاستدلال الذي أثبت به أهل السنة القدرة لله تعالى هو هكذا- عند الامام الغزالي في الاقتصاد:
                          كل فعل محكم فهو صادر من فاعل قادر [أي ذي قدرة]
                          و العالم فعل محكم
                          فالعالم صادر عن فاعل قادر[ ذي قدرة].
                          فلو كان لفظ القدرة من المشترك اللفظي لكان هذا القياس مغالطيا لا برهانيا كما هو حقا، اذ سيكون مؤلفا من أكثر من ثلاثة حدود بسبب أن لفظ القدرة له أكثر من معنى واحد فليس حدا واحدا.
                          يقول الإمام الشريف التِّلِمْسَاني في بَيَانُ مَثـــَارَاتِ الغَـلــَطِ في الأدِلــــَّة :
                          '' الغلطُ في البرهان وغيره من سائر الأدلة والحجاج إما أن يكون من جهة اللفظ ، وإما أن يكون من جهة المعنى .
                          أما الذي من جهة اللفظ : فاعلم - وفقك الله - أن اللفظ إذا طابق المعنى مطابقةً تامة ، بحيث لا يحتمل اللفظ في الدلالة غير المعنى المقصود ، لم يقع غلطٌ بسبب اللفظ البتة . وإذا ثبت أنه لا بد من احتمال في اللفظ ، فذلك الاحتمال: إما أن يكون في اللفظ بعد تحقق كونه مفرداً ، أو بعد تحقق كونه مركباً ، أو يكون لدورانه وتردده بين الإفراد والتركيب . أما إن كان بعد تحقق كونه مفرداً فذلك إما أن يكون الاشتراك في جوهر اللفظ ومادته ، بأي نوع من أنواع الاشتراك ، أعني في الوضع / أو بكونه حقيقة في أحد المعنيين مجازاً في الآخر أو منقولاً أو نحو ذلك ، أو يكون في هيئة اللفظ وصورته دون مادته ، أو يكون لأمر خارج عن اللفظ عارض له ولاحق من لواحقه .
                          أما الاشتراك في جوهر اللفظ[أي معناه] فذلك مثار الغلط .
                          ومثاله في العقليات: قول السفسطائي: واجب الوجود إما أن يكون ممكناً أن يكون ، أو ليس ممكناً أن يكون .
                          فإن لم يكن ممكناً أن يكون فهو ممتنع أن يكون ، فواجب الوجود ممتنع أن يكون !! هذا خُــلْفٌ .
                          وإن كان ممكناً أن يكون ، وكلُّ ممكنٍ أن يكون ممكنٌ أن لا يكون ، فواجب الوجود ممكن أن لا يكون !! هذا خُــلْفٌ .
                          ومثار الغلط فيه أن لفظ ( الممكن ) مشترك بين الممكن العام وهو الذي معناه لا يمتنع ، وبين الممكن الخاص وهو الذي معناه جواز الوجود والعدم .
                          فالممكن الذي أُخِذَ وسطاً في القياس المذكور، إن كان معناه الممكن العام مَنَعْنَا قولَه: ( فكل ممكن أن يكون ممكن ألا يكون ) ، وإن كان معناه الممكن الخاص مَنَعْنَا قولَه: ( إن لم يكن ممكناً أن يكون فهو ممتنع أن يكون ) ، فلا ينفك عن أحد المعنيين إلا أن يختلف المراد بلفظ الممكن ، وحينئذ لا يتحد الوسط .
                          ومثاله في الفقهيات: قولُ من يرى أن الزنى يوجب حرمة المصاهرة في مَنْ وطأها الأب بزنى : إنها تحرم على الابن لقوله تعالى: (( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء )) ، فيقول في المزني بها: إنها منكوحة الأب ، وكل منكوحة الأب تحرم على الابن ، فهذه تحرم على الابن .فيقول مَنْ يبيحُ ذلك: لفظ النكاح مشترك بين الوطء والعقد ، فإن كان المراد بالمنكوحة في الحد الوسط المعقود عليها كذبت الصغرى ، وإن كان المراد الموطوءة كذبت الكبرى ، لأن لفظ النكاح في القرآن محمول على العقد ، وإن اختلف المراد فيهما لم يتحد الوسط .
                          ومثل ذلك: القرء في قوله تعالى : (( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء )) فإن لفظ القرء مشترك بين الطهر والحيض .
                          وكذلك الشفق في الحديث أن رسول صلى الله عليه وسلم صلَّى العشاء بعد الشفق ، فإنه مشترك بين البياض والحُمرة .
                          وكذلك الإغلاق في قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا طلاق في إغلاق )) فإنه مشترك بين الإكراه والجنون .
                          ويمكنك بسط الأمثلة الخلافية في هذه الألفاظ الثلاثة . ''.اهـ

                          ..يتبع..
                          يظن الناس بي خيرا و إني
                          لشر الناس إن لم يعف عني

                          أخوكم سليم

                          تعليق

                          • سليم بن حمودة الحداد
                            طالب علم
                            • Jun 2005
                            • 89

                            #28
                            ...
                            و قال في السلم المنورق :
                            وَخَطَأُ الْـبُرْهَانِ حَيْثُ وُجِدَا
                            فِيْ مَادَّةٍ أَوْ صُورَةٍ فَالمُبْـتَـدَا

                            فِيْ اللَّفْظِ كَاشْتِرَاكٍ أَوْ كَجَعْلِ ذَا
                            تَبَايُنٍ مِثْلَ الرَّدِيْفِ مَأْخَذَا

                            وَفِيْ المَعَانِيْ كَالْتِبَاسِ الكَاذِبَةْ
                            بِذَاتِ صِدْقٍ فَافْهَمِ المُخَاطَبَةْ


                            و قولك: (فالعلم بحقيقة قدرته ومعناها لا يعلمه إلا هو سبحانه وغاية ما ثبت بعقولنا وجوبها واستحقاقه لها وفق لفظ مشترك يقوم في الشاهد عندنا على مثل فعلها وأثرها وهو ما أثبتناه لها فقط وهو لازم لا أكثر ولا أقل !!).

                            أقول: ما ثبت في عقولنا هو وجوب اتصاف الله تعالى بمطلق القدرة ، أي أن معناها صادق على الله تعالى كما صدق على كل فاعل مشاهد ، و لا يعني ذلك ادراكنا لحقيقة وكنه و مصداق القدرة في ذات الله تعالى ، كما أن علمنا بحقيقة مطلق معنى الوجود و صدقه على كل موجود بما فيها الله تعالى لا يعني أن وجوده الذاتي أي مصداق الوجود في ذاته سبحانه صادق على غيره من الموجودات بل لا نسبة بينه وبينها، فالمشترك-اشتراك تشكيك وتناسب- هو مطلق الوجود لا الوجود المخصوص الثابت لله تعالى .
                            و قولك (فالعلم بحقيقة قدرته ومعناها لا يعلمه إلا هو سبحانه وغاية ما ثبت بعقولنا وجوبها واستحقاقه لها وفق لفظ مشترك) ..غريب..
                            إن كنا لا نعرف معنى القدرة فكيف ثبت في عقولنا وجوبها لله تعالى واستحقاقه لها، و اللفظ المنسوب اليه من المشترك اللفظي ؟؟؟؟؟
                            ان الذي أوجبته عقولنا لله تعالى انما هو معنى ثبت لكل فاعل مختار في الشاهد و لمّا علم العقل أن ارتباط الفعل بالقدرة في الشاهد مما ليس مختصا بالأجسام و الحوادث، و لم يكن ذلك الارتباط حاصلا لها باعتبار جسميتها و لا حدوثها بل لمعنى وجودي عام، أوجب العقل تعميم ذلك الارتباط ليشمل كل فاعل مختار باطلاق لا بقيد الشاهد، فحكمنا بوجوب ثبوته لله تعالى وبالتالي وجوب صدق معنى القدرة و ثبوتها للرب لثبوت كونه فاعلا مختارا للعالم .
                            و لكن العقل الذي حكم بثبوت نفس معنى القدرة و الفعل على كل من رآى آثارهما عنه في الشاهد و في الغائب- يعلم أن مصاديق تلك المعاني مختلفة تمام الاختلاف في الشاهد والغائب، فحكم أنها تطلق بالتشكيك و التناسب بحسب الذات التي صدقت عليها.

                            ثم قلت-أخي- بعد سرد تعريفات للصفات:
                            (وهذه كلها كما يلاحظ أوصاف تدور حول لوزام وآثار دون أن تلج لب الحقائق !!).

                            أقول:
                            لنفْرض أنها لوازم و خواصّ لا ذاتيات مقوّمة..فإن رأيي لا يتأثر بذلك
                            لأن سبب كتابتي و مقالتي الأولى أن أبين أن اختلاف أهل السنة عن الحشوية المجسمة ليس في معرفة معاني الصفات أو الجهل بها، فلسنا منزهّين للرب سبحانه لأننا نجهل معاني صفاته ، وليسوا مجسمة لأنهم يعلمونها أو يدّعون علمها، كما يظهر من كلامك !!!!
                            و قد قلتَ في مقالتك الأولى: (وفعلا لا فرق البتة إن نحن اعتقدنا أننا نعرف معاني هذه الصفات حقيقة مع قيام الفرق بين الخالق والمخلوق، فكذلك هم يدعون أنهم يعرفون معاني النزول والاستواء واليد حقيقة ولكنهم يثبتونها بما يليق بالله الخالق !! غير أن الفرق واضح وكبير عندما نقول أننا لا نعرف البتة حقيقة معنى أي صفة من صفات الله فضلا عن كيفها وأن غاية ما نفعلها في الصفات المثبتة هو حدها بلوازمها حدا رسميا !!).
                            و قلتَ قبل ذلك: (فإن نحن قلنا أننا نعلم معنى حياة الله سبحانه وتعالى ونثبتها ولكننا لا نكيفها ونقطع بأنها غير حياتنا وحياة المخلوقات كما يقوله الكثير ممن ينتمي إلى أهل السنة !! لجاز عندها للحشوي أن يقول : وكذلك نحن نعلم معنى اليدين والإستواء والأصابع ونثبتها ولا نكيفها ونقطع بأنها بما يليق بجلاله وعظمته مخالفة للمخلوقات !!
                            فإن قال له الأشعري : ولكن في ادعاء معرفة معاني هذه الأوصاف وتفويض الكيف تجسيم وتشبيه فلا يجوز !!
                            لقال له الحشوي مباشرة : وكذلك في اثبات معنى الحياة مع عدم التكييف تشبيه ، وإلا فما الفرق ولمَ التحكم ولماذا تعرف معاني هذه وتنفي وتفوض أو تتأول معاني تلك !!!!!؟؟).

                            فأقول:
                            كلامك العجيب هذا هو الذي دفعني الى الرد لا غيره..فإنك ترى أن الحجة لهم علينا اذا قلنا اننا نعرف معانى الصفات، لأنهم يدّعون معرفتها مع عدم التكييف والتشبيه، فنكون سواء !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!؟؟؟؟؟؟؟؟؟
                            تقول-أخي- اننا اذا قلنا أننا نعرف معنى الحياة مثلا و أنها غير حياتنا، جاز للحشوي أن يردّ بأنه هو أيضا يعلم معاني اليد والاستواء والأصابع و أنها غير أيدينا و استوائنا و أصابعنا..
                            فيجيبه السني جوابا غريبا عجيبا- بأن ادعاء معرفتها و تفويض الكيف تشبيه و تجسيم ، فيردّ الحشوي بأنه لا فرق بين الصفات التي أثبتناها و بين التي أثبتوها فلم تنكرون علينا؟؟؟؟؟؟؟

                            فالحل عند الأخ هاني ما هو اذن لنفحم الحشوية ؟؟
                            هو أن نقول لهم اننا لا نعلم معاني الصفات أصلا ، و أنتم تزعمون معرفتها ، اذن فأنتم مجسمة ونحن منزهة للرب سبحانه !!!!!!!!!!
                            يا أخي هل هذا حل ؟؟؟ أن نقول اننا لا نعلم معنى الألفاظ التي ننسبها الى الله و أنتم تعلمون معاني ما تنسبون اليه ..اذن أنتم مجسمة؟؟؟؟؟

                            أوّلا يا أخي أسألك: قلت أن الأشعري سيقول لمن ادّعى من الحشوية معرفة معاني اليد والاصبع والاستواء: (ولكن في ادعاء معرفة معاني هذه الأوصاف وتفويض الكيف تجسيم وتشبيه فلا يجوز)..
                            أسألك: لماذا يكون في ادعاء معرفة معاني تلك الصفات تجسيم و تشبيه؟؟؟
                            و مَن من علماء الأشاعرة ردّ على القائلين باليد والاصبع و الاستواء و نحوها بأن قولكم هذا تجسيم لأن ادعاء معرفة معانيها تجسيم ؟؟؟؟؟؟
                            و هل هذا رد يليق بأحد أصلا ؟؟؟؟!!!
                            كل مبتدئ في علم الكلام و الفلسفة يعلم سبب انكار السادة الأشاعرة و كل العقلاء على الحشوية المجسمة ، و هو أنهم يثبتون لله تعالى معاني و أمورا لا تجوز عليه لأنها خاصة بالحوادث و الأجسام لازمة لها لا تكون الا للجسم و الحادث . فهم لا يفقهون ما يجوز على الله فننسبه له و ما لا يجوز من المعاني فلا ننسبه له سبحانه.
                            فالأشعري و كل عاقل من جميع الملل والنحل- سيردّ على المجسم اذا نسب اليد والاصبع و الاستواء- بمعانيها اللغوية أي يد و اصبع هي صفات عين أي أجزاء لله تعالى و استواء هو جلوس و استقرار- سيردون عليه لا بأن معرفة تلك المعاني تجسيم-فهذا لا يقوله عاقل-، بل بأن نسبة واثبات تلك المعاني اللازمة للحوادث و الأجسام بما هي كذلك الى الله تعالى القديم هو التجسيم و التشبيه بعينه .
                            فيلزم من اثباتها له اثبات لوازمها و هي الحدوث و الامكان و الافتقار لا محالة ، و لا يغني تفويضهم للكيف شيئا بعد اثبات تلك المعاني لله تعالى.
                            فإذا قال المجسم المشبه: انكم أثبتم لله تعالى معاني ثابتة للمخلوقات و الأجسام والحوادث مثل العلم والحياة والوجود والكلام و نحوها- و قلتم أنها في الله غيرها فينا،كما فعلنا نحن اذ أثبتنا اليد والاصبع و الجلوس والنزول و الحركة و العلو المكاني، وقلنا انها في الله غيرها فينا، فلماذا حرّمتم علينا ما أبحتموه لأنفسكم ؟؟
                            قال له الأشعري- و معه جميع العقلاء من الملل والنحل-: ان المعاني التي أثبتناها لربنا سبحانه ليست كالمعاني التي أثبتموها بل الفرق بينها عظيم جدا عظم الفرق بين التنزيه والتجسيم !!
                            ان المعاني التي أثبتناها معان ثابتة للمخلوقات لا بما هي مخلوقات و لا بما هي حوادث، بل بما هي موجودات لها بعض كمالات الوجود ، فالعلم مثلا ثابت للانسان لا بسبب صفة المخلوقية فيه ولا صفة الحدوث له، و انما بسبب صفة الوجود .
                            فالعلم اذن لا يلزم الجسمية والحدوث و لا يلزم عنهما، فإذا نسبناه الى الله تعالى لم ينتج عنه جسمية الله ولا حدوثه البتة ،بل هو معنى لازم اثباته له لكمال الوجود الذي له .
                            و قس على ذلك سائر المعاني المثبتة له سبحانه.
                            أما الحشوية فإنهم انما أثبتوا لله تعالى معاني ثابتة للأجسام بما هي أجسام كالنزول والحركة واليد الجزء و العلو المكاني ، فهي معان ثبتت للمخلوقات بسبب صفة الجسمية التي لها ، فإذا نسبناها الى أيّ موجود فقد لزمه الاتصاف بالجسمية لا محالة و بالتالي الحدوث و الامكان كما بيّّن الامام الرازي رحمه الله بحجج دامغة في ''أساس التقديس'' قدس الله سرّه و رضي عنه.
                            فظهر تلبيس ابن تيمية و عصابته على الخلق حين قال في شرح حديث النزول : "فمن نفى النزول والاستواء أو الرضا والغضب يقصد الأشاعرة فرارا بزعمه من التشبيه والتركيب والتجسيم فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما ألزمه لغيره فيما نفاه وأثبته المثبت ، فكل ما يستدل به على نفي النزول والاستواء والرضا والغضب يمكن لمنازعه أن يستدل بنظيره على نفي الإرادة والسمع والبصر والقدرة والعلم ، ومثال ذلك أنه إذا قال: النزول والاستواء ونحو ذلك من صفات الأجسام فإنه لا يعقل نزول واستواء إلا لجسم مركب ، والله سبحانه منزه عن هذه اللوازم ، فيلزم تنزيهه عن الملزوم، فإنه يقال له : وكذلك الإرادة والسمع والبصر والعلم والقدرة من صفات الأجسام ، فإنا كما لا نعقل ما ينزل ويستوي ويغضب ويرضى إلا جسماً لم نعقل ما يسمع ويبصر ويريد ويعلم ويقدر إلا جسماً ، فإن قال: سمعه ليس كسمعنا ، وبصره ليس كبصرنا ، وكذا إرادته وعلمه وقدرته ، قلنا له: وكذلك نزوله واستواؤه ليس كنزولنا واستوائنا ، ورضاه وغضبه ليس كرضانا وغضبنا."اهـ.
                            و غفل الأحمق عن أنه اذا كان عقله الضعيف المعطوب لا '' يعقل ما يسمع ويبصر ويريد ويعلم ويقدر إلا جسماً''، فإن أئمة النظر و العقل الذين لا يساوي أضفارهم في العقليات- قد حكمت عقولهم الراجحة السليمة بأن السمع والبصر والعلم و الحياة والارادة و نحوها ليست لازمة للأجسام و لا الجسمية لازمة لها ، فإن الله تعالى ليس جسما الا عند هذا الأحمق- و هو يعلم و يريد ويقدر و يسمع ويبصر ، و لأنه سبحانه ليس جسما فلا يجوز اثبات النزول والحركة والعلو المكاني و الغضب و الحب و الغيرة والملال لله تعالى لأنها معان لازمة للأجسام بما هي أجسام ، فإذا ثبتت للرب ثبتت له بالتالي لوازمها و هي الحدوث و الامكان لا محالة كما مر مرارا و تكرارا.
                            فظهر الفرق العظيم بين أهل الحق و بين أولئك الأغبياء من المجسمة و أنه لا حجة لهم اذ لا يعرفون أصول الاستدلال والحجاج أصلا و انما اللجاج فحسب.
                            فلا تعد يا أخي هاني كلامهم دون وعي فإنه لا يليق بك أبدا..
                            يا أخي..ثانيا لو سألك أحدنا: لماذا أثبت أهل السنة تلك المعاني لله تعالى و نفوا المعاني التي أثبتها المجسمة الحشوية ؟ فماذا تجيبه على طريقتك؟؟
                            أخي لن تستطيع الجواب، لأن الفرق عندك بين التجسيم والتنزيه هو في معرفة معاني الصفات و الجهل بها، لا في المعاني التي أثبتها فريق و نفاها الآخر.. فليس المجسم هو الذي نسب الى الله تعالى معاني لا تجوز عليه لأنها تفضي الى تجسيمه، بل المجسم من ادعى معرفة معاني الصفات التي ينسبها الى الله تعالى ..و المنزه نقيضه في ذلك، كما قلت: (غير أن الفرق واضح وكبير عندما نقول أننا لا نعرف البتة حقيقة معنى أي صفة من صفات الله فضلا عن كيفها وأن غاية ما نفعلها في الصفات المثبتة هو حدها بلوازمها حدا رسميا !!).
                            و لْنرجع الى مسألة اللوازم و الحد الرسمي..
                            يا أخي لنفرض أننا لا نعرف الا الخواص من معاني الصفات ، فنعرف خاصّة العلم مثلا و هي الانكشاف للشيء على ماهو عليه-كما تقول- .
                            فهذه المعرفة صادقة على الانسان وعلى الله تعالى بالاشتراك المعنوي الذي لكلمة الانكشاف أو الادراك المطابق للواقع. فهي-كما قلنا- تطلق بالتشكيك و التناسب بحسب ذات كل موجود.
                            و لولا أننا نعرف تلك الخاصة و نعلم أنها غير لازمة للأجسام بما هي أجسام و لا للحوادث، لما أثبتها أهل السنة لله تعالى كما أثبتوها للبشر .
                            فلسنا منزهين لله تعالى لمجرد أننا أثبتنا له خاصّة الصفة لا ماهيتها اذ لم نعرفها ، و انما كان أهل الحق منزهين لأنهم أثبتوا لربهم معنى لا يلزم عنه تجسيم الله تعالى ولا تشبيهه بخلقه فيما هو لازم لهم بما هم مخلوقون حوادث و أجسام.
                            و بالمقابل كان الحشوية التيميون مجسمة لأنهم أثبتوا لربهم معاني خاصة بالأجسام والحوادث يلزم عنها جسمية الرب سبحانه، لا لأنهم يعرفون حقيقة معاني اليد و الاصبع و الجلوس و العلو المكاني و الجهة
                            والحركة وغيرها..فتأمل .
                            فلولا أننا نعلم معاني تلك التي أسميتها لوازم و خواص، لما جاز لنا اثباتها لربنا فيلزمنا القول عليه بغير علم ..و لولا أننا نعلم أن تلك ''اللوازم'' ليست لازمة للحوادث و لا الحدوث لازم لها، لما أثبتناها لربنا سبحانه .

                            و قولك: (وهذا هو ما ظللت أردده من أن جل هذه التعريفات تصلح للحادث كما تصلح لله القديم لذا فهي لا تدل على المعنى الحقيقي لهذه الصفات في حق الله إلا إذا قلنا باتحاد الحقائق كما يقول الأخ الكريم ( سليم بن حمودة ) أعلاه).
                            أقول:
                            قد رجعت أخي الى ما بيناه سابقا من أن مطلق معاني تلك الصفات صادق على الله تعالى و على البشر، و لكن مصاديق تلك المعاني أي حقائق صفات الله على ما هي عليه في نفسها ليست مطابقة لمطلق تلك المعاني، اذ تطلق بالتشكيك و التناسب لا بالتواطئ كما مر مرارا.
                            فقولك: (فهي لا تدل على المعنى الحقيقي لهذه الصفات في حق الله إلا إذا قلنا باتحاد الحقائق كما يقول الأخ)..غير دقيق..اذ اني لا أقول باتحاد و تماثل الحقائق بين صفات الخلق و صفات الخالق ، و انما الاتحاد و الاشتراك المعنوي في مطلق معانيها لا في مصاديقها الخاصة بالله تعالى و الخاصة بالمخلوقات ، كما سبق بيانه.

                            هذا الذي أقدرني الله تعالى عليه و هدى عقلي إليه ..
                            و ما كنت لأطيل كل هذه الاطالة لولا أهمية الموضوع و دقته ..
                            و الله أعلم و أحكم ..و صلى الله و سلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمي و على آله و أصحابه أعلم الناس بربهم و أخشاهم له ..
                            و الحمد لله رب العالمين ..

                            ..يتبع..
                            التعديل الأخير تم بواسطة سليم بن حمودة الحداد; الساعة 07-09-2005, 17:15.
                            يظن الناس بي خيرا و إني
                            لشر الناس إن لم يعف عني

                            أخوكم سليم

                            تعليق

                            • هاني علي الرضا
                              طالب علم
                              • Sep 2004
                              • 1190

                              #29
                              [ALIGN=JUSTIFY]هل انتهيت أخي الفاضل " سليم " ؟؟

                              إن كنت قد انتهيت فأعدك أن أقرأ كل كلمة كتبتها - على طول مقالك - وأن انظر إليها بحيادية كاملة وتجرد مطلق !!
                              هذا بالرغم من أني على يقين قطعي تام وثقة بالغة مما قلت وصحته لما أني فيه مقلد - بعد النظر والبحث - لأئمة أهل السنة والجماعة في ( الكلام ) في هذه النقطة كالبيجوري الذي نقلت لك كلامه آنفا ، وأيضا من لم أنقل لك كلامهم حول معاني الصفات عند أهل السنة وأن غاية ما حد به أهل السنة صفات الله السبع إنما هو حد رسم لا حقيقة وذلك كالإمام ( الرازي ) وكفى به حجة في الكلام والمذهب ، وتجد كلامه هذا في كتابه البديع ( شرح أسماء الله الحسنى ) في شرحه لاسم السميع وصفة السمع تحديدا على ما أذكر من طبعة الكليات الازهرية ، ولعلي أنقل لك كلامه لاحقا بحرفه إن شاء الله ..

                              إلا أن كل ذلك لن يؤثر إن شاء الله في الطريقة التي أقرأك بها وأعدك أن ألتزم الحيادية المطلقة والتجرد التام بغض النظر عما أعتقده صوابا في هذه المسألة مع التنبيه أن ما قرأته إلى الآن من كلامك فيه تشخيص خاطئ وفهم بعيد لكثير من كلامي ..

                              عموما ننتظر ونرى إن شاء الله

                              هذا إن كنت أكملت

                              وإن لم تكن أكملت بعد كما توحي به نهاية مقالك الأخير (( يتبع )) فإني بانتظار إكمال المقال أخي لأبدأ القراءة والنظر ..

                              وحبذا لو أتحفنا شيخنا الفاضل سعيد فودة برأيه حول ما يدور هنا وحول هذا الكلام فإني أراك قد أكثرت النقل عنه وهذا يعني أنك ترتضيه حكما .. وكذلك أنا ، ولعلك تفاجأ إن علمت أني ما انتبهت إلى هذه النقطة الدقيقة إلا على يدي سيدي الشيخ سعيد وتلميذه الشيخ ( بلال النجار ) من تتبعي لبعض ما كتباه حولها هنا في هذا المنتدى وفي غيره وقد حل ما كتباه الكثير من الإشكالات التي كنت أواجهها قبل.

                              أنتظرك أخي

                              مع خالص التحايا .

                              أخوك[/ALIGN]
                              صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

                              تعليق

                              • هاني علي الرضا
                                طالب علم
                                • Sep 2004
                                • 1190

                                #30
                                [ALIGN=JUSTIFY]شيخنا وأستاذنا الفاضل الشيخ الأزهري حفظه الله

                                ننتظر سيدي انجاز ما وعدتم به حول تعليقكم عن الإمام الجويني رحمه الله !!

                                ونعلم سيدي مدى انشغالكم ، ولكن للمحبين عليك حق سيدي وما عهدناك تعد وتنسى وعودك شيخي الفاضل .


                                محبكم وخادمكم [/ALIGN]
                                صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

                                تعليق

                                يعمل...