[ALIGN=CENTER]مسائل كلامية
بين شيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء الكلام
د. مصعب الخير إدريس السيد مصطفى الإدريسي
قسم العقيدة والفلسفة ـ كلية أصول الدين
الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد.[/ALIGN]
توطئة:
الحمد لله المتوحد بجلال ذاته وكمال صفاته، المتقدس في نعوت الجبروت عن النقص وسماته. والصلاة والسلام على نبيه سيدنا محمد المؤيد بساطع حججه وواضح بيناته، وعلى آله عترة النبي وذرياته، والرضا على أصحابه هداة طريق الحق وحماته.
وبعد؛ فلا شك في أن شيخ الإسلام أبا العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (تـ728هـ) قد شغل بفكره وتنوع علومه ودقة بيانه سمع العالم وأنظار العلماء في عصره، وفيما تلاه من أيام الناس وأعمار أهل العلم؛ فمنهم موافق متابع، ومنهم ناقد معجب، ومنهم مخالف مُجَرِّح. ولئن جعله موافقوه في مصافِّ الأئمة الكبار، وغلا مخالفوه في الطعن عليه؛ فقد أجمع متابعوه ومجرحوه معا على حدة ذكائه وسعة اطلاعه.
ولقد وضع شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه في طرف مقابل ومناهض لعلم الكلام، وقلَّدَه متابعوه وأكثر المعجبين به تاجَ عداء المتكلمين؛ لكن الرجل مع ذلك كُلِّه مُتكلِّمٌ محترف يخوض في دقيق الكلام وجليله خوض أئمة المتكلمين، وإن سلك في كلامه مسلكا خاصا، وانتقد معظم المدارس أو المذاهب الكلامية السنية والشيعية. وهذه الدعوى من أظهر ما أسعى إلى إثباته في هذه الدراسة المتواضعة التي أرجو أن أوفق فيها مع ذلك إلى بيان وجه الحق في كثير من المسائل التي يُرَجِّعُ فيها كثير من دارسي علم الكلام والفلسفة الإسلامية المعاصرين أقوال شيخ الإسلام في نقد آراء المتكلمين على وجه التسليم بأن أقواله هي أقوال السلف من أئمة الفقهاء والمحدثين، وهي لا تعدو أن تكون آراء كلامية تحتمل الخطأ والصواب، وقد يكون في بعضها من التفلسف أو التأثر بالفلسفة، ومن البعد عن أقوال أئمة الفقهاء والمحدثين ما لم يكن في آراء بعض المتكلمين الذين عرف عنهم مزج الكلام بالفلسفة. وهذا ما دفعني في كثير من الأحيان إلى مناقشة كلام التيميين المعاصرين من الشيوخ والأتراب على نحو قد يربو على مناقشة كلام شيخ الإسلام نفسه.
ولقد تتابعت جهود شيوخ الأشعرية والماتريدية والاثنا عشرية المتأخرين والمعاصرين على الطعن فيما انفرد به شيخ الإسلام، وعلى دفع ما أخذه عليهم واتهمهم فيه بتجاوز ما كان عليه سلف الأمة، أو صرح بمخالفتهم فيه لإجماع السابقين الأخيار. وإني لا أحسب أن ابن تيمية قد تجنى على المتكلمين في كل نقوده، ولا هؤلاء تجنوا عليه أيضا في كل طعونهم؛ بل لعلهم قد أصابوا منه بقدر ما أصاب منهم في سجال الكلام.
ولقد اخترت عددا من المسائل الكلامية التي انتقد شيخ الإسلام في أكثرها جملة آراء المتكلمين؛ لأناقشها في سلسلة تضم كُلُّ حلقة منها بعض المسائل التي تنتمي إلى أبوابٍ متقاربةٍ في علم الكلام. ومن هذه المسائل ما سبق أن درسته متفرقا في مطاوي البحثين اللذين نلت بهما درجتي الماجستير والدكتوراه في الفلسفة الإسلامية في كلية دار العلوم بالقاهرة؛ فآثرت أن أُرَجِّعَ النظر فيها، وأن أضم إليها عددا من المسائل الكلامية التي لم أتناولها بالدرس المفصل من قبل لدى شيخ الإسلام على وجه الخصوص، وسأحرص على عرض تلك المسائل التي لم تزل موضع دراسة وجدل أو حوار بين المذاهب الإسلامية المعاصرة.
وما أزعم لجهدي عصمة ولا حفظا من الزلل؛ غير أني وددت أن أشارك في بحث هذه المسائل بحظي من الفهم بعد أن طالعت طرفا من الجدل الدائر حولها، وقد قرأت أكثر ما بقي بين أيدينا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض ومنهاج السنة، وفي المجموع من فتاواه ودقائق تفسيره، وفي عدد من كتبه المتفرقات وعايشت التراث الكلامي السني والشيعي في الدرس والتدريس نحو خمسة عشر عاما من الزمان.
ولقد اخترت لهذه الحلقة الأولى المسألتين التاليتين:
1ـ مسألة حدوث العالم.
2ـ الكلام في التوحيد وإثبات الوحدانية.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
[ALIGN=CENTER]1ـ مسألة حدوث العالم:[/ALIGN]
درج أكثر المتكلمين في استفتاح الكلام عن إثبات وجود الصانع على بيان حدوث العالم، ودفع شبه الدهرية القائلين بقدمه ونفي وجود خالق له باعتبار أنه غير مستفتح الوجود. والمتكلمون يقصرون كلامهم على جملة العالم الذي وجدت أعيانه؛ فيفصلون بين الحوادث الماضية في الوجود بالفعل، والحوادث الممكنة الوجود في المستقبل؛ فالموجود بالفعل محصور بالعدد من طرفيه، والذي لم يدخله الوجود مما يمكن أن يوجد في المستقبل لا نهاية له ولا يحصره العدد، ولا يتصور فيه زيادة ولا نقص. وعندهم أن حكم جملة ما وجد هو حكم الأعيان والأفراد في الحدوث؛ حتى يبلغوا في النظر والاستدلال وجود حادث غير مسبوق بحادث؛ فهم ينفون تسلسل الحوادث بلا أول في مجال الآثار، كما ينفون تسلسل الفاعلين في مجال المؤثرين حتى يبلغوا في النظر والاستدلال وجود فاعل غير مسبوق بفاعل سواه، هو الله ـ عز وجل.
ولقد كان المسلك المختار عند أكثر المتكلمين المشتغلين بدرء الشبه، ودفع ما يظهر في أطوار الزمان من اعتراضات المخالفين من غير المسلمين، هو إثبات حدوث العالم بالدلائل العقلية، ثم بيان أن كل حادث لا بد له من مُحدِثٍ؛ لكن الكلام عن حدوث العالم ـ لدى المتكلمين ـ ليس محصورا في دلالة الجواهر والأعراض، على نحو ما يظنه بعض الباحثين الذين يحلو لهم جمع أقوال من عارضها من الفقهاء والمحدثين؛ ليجعلوها سند اتهام يلصقون عاره بكل من تكلم في مسألة حدوث العالم، كما فعل الدكتور أحمد بن عطية الغامدي في بحثه «البيهقي وموقفه من الإلهيات»[1].
وإنما استدل المتكلمون في إثبات حدوث العالم بطرق كثيرة؛ منها الكلام عما يجري فيه من الزيادة والنقصان الدالين على تغيير لا يصح في القديم، وهذا ما أخذ به الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (تـ458هـ)، وهو أشعري المذهب في الكلام، وحكاه عن الإمام أبي سليمان الخطابي حمد بن محمد بن إبراهيم (تـ388هـ) الذي استدل بدلالة التغيرات الحادثة في موجودات ملكوت السموات والأرض على أنها حادثة ليست بقديمة، والحادث لا يستغني عن صانع يصنعه[2]. ومنها الكلام عن تناهي جرم العالم وزمانه وهذا مما اعتمد عليه الإمام ابن حزم في براهينه الخمسة التي ذكرها في أول كتاب الفصل[3]. ومنها الكلام المعتمد على تقسيم العالم إلى جواهر وأعراض والاستدلال بحدوثهما على حدوث العالم، وهو ما أخذ به جمهور المتكلمين من الأشعرية والماتريدية والمعتزلة والشيعة، وتكلموا مع ذلك عن حدوث المفتقر إلى مُحدِثٍ يهبه الوجود، وعن الممكن المفتقر إلى مرجح للوجود على العدم، أو إلى مخصص من حيث يصح في كل جوهر أو جسم أن يقبل غير ما قام به من الأعراض[4]. لكن هذه الدلائل المستوحاة من معارف المتكلمين بالعالم لا تتم على المعارض إلا ببيان استحالة وجود حوادث لا أول لها، ومن ثم اشتمل كلام الفقيه الشافعي الأشعري أبي سعيد عبد الرحمن بن مأمون المتولي النيسابوري (تـ478هـ) عن حدوث العالم على وجهين: أولهما: إثبات حدوث الجواهر والأجسام بحدوث ما لا تخلو منه ولا تسبقه من الأعراض. والثاني: إثبات استحالة وجود حوادث لا أول لها. وعلى هذا كان كلام معاصره إمام الحرمين أبي المعالي الجويني (تـ478هـ) في دفع ما يعترض به الدهرية[5].
ولئن اعتدنا في بحوثنا دراسة أقوال متكلمي أهل السنة؛ فقد يكون من الطريف أن أقدم هنا نموذجا لجهد كلامي شيعي اثنا عشري، ولا أحسب أنه يوجد كبير فرق في هذه المسألة التي نحن بصددها بين متكلمي أهل السنة ومتكلمي الشيعة.
وأبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي (تـ449هـ) تكلم في إثبات حدوث العالم من طريق دلالة حدوث الأعراض المتعاقبة على حدوث الأجسام التي لا تخلو منها، كالاجتماع والافتراق، والحركة والسكون، والألوان والروائح والطعوم، ونحو ذلك من صفات الأجسام التي يدل على أنها أشياء غير الجسم ما نراه من تعاقبها عليه؛ لأن الضدين المتعاقبين لا يجوز في العقل أن يكونا مجتمعين في الجسم، وإنما وجد أحدهما وعدم الآخر، وهما بذلك مُحدَثان؛ لأن الذي طرأ ووجد مُحدَث، والذي انعدم مُحدَث أيضا؛ لأنه لو لم يكن مُحدَثا لما جاز أن ينعدم.
ولا يتصور العقل أن الأجسام تخلو من هذه الأمور؛ لأن هذا من بدائه العقول وأوائل العلوم، وهذا كاف في توضيح أن الأجسام محدثة مثلها؛ لشهادة العقل بأن ما لم يوجد عاريا من المُحدَثِ يجب أن يكون مثله مُحدَثًا لوجوده أوَّل[6].
وقد فَصَّل الكراجكي أيضا كلامَ شيخه المفيد محمد بن محمد بن النعمان (تـ413هـ) عن الزيادة والنقصان في الدلالة على حدوث العالم وعلى أن جميع الحوادث الماضية لا بد لها من أوَّل، في الرد على الدَّهرية القائلين بقدم الصنعة والصانع؛ فقال: «إننا في كل وقت من أوقات زماننا بين آخر ما فيها وأول مستقبلها، فقد علمنا لا محالة آخر ما مضى وهو أحد طرفيه، ثم نحن نعلم علما لا نشك فيه أن ما يأتي من مستقبل الحوادث إلى مائة سنة يكثر عدد الماضي ويزيد فيه؛ فمعلوم أنه قبل الزيادة أقل عددا منه إذا انضمت الزيادة إليه. وهذا يدل على تناهي عدد ما مضى وحصر طرفيه؛ لأنه لو كان لا نهاية له لم تتصور العقول دخول التكثر فيه».
فإذا قال له معارض: «إن جميع ما ذكرتموه في الماضي عائد عليكم في المستقبل؛ لأنكم تقولون: إن أفعال الله ـ تعالى ـ المستقبلة لا آخر لها. ومع هذا فقد علمتم أولها وهو أحد طرفيها؛ فيجب أن يكون ما يوجد إلى مائة سنة ينقص منها. وإذا دخل النقصان فيها دل على تناهيها وانحصار طرفيها». فجواب الكراجكي: أنَّ بين الماضي والمستقبل في ذلك فرقا، وهو أن الحوادث الماضية ليس منها إلا ما كان موجودا قبل مُضِيِّه، فقد شَملَ جَميعَها حُكمُ الوجود؛ فوجب أن يزيد فيها كُلُّ ما يَخرُجُ إلى الوجود. وليس المستقبل كذلك لأن حوادثه لم توجد، وإنما هي في إمكان الفاعل؛ فلا يصح فيها النقص، ولا سبيل إلى القول فيها بالتناهي[7].
وكرَّر الكراجكي صورة دلالة التناهي على حدوث العالم في عدد ما مضى من الأيام والليالي، فقال: «لا يخلو أن تكون الأيام أكثر عددا من الليالي، أو تكون الليالي أكثر من الأيام، أو يكونا في العدد سواءً.
فإن كانت الأيام أكثر من الليالي تناهت الليالي؛ لأنها أقل منها، واقتضى ذلك تناهي الأيام أيضا لبطلان اتصالها قبل الليالي بغير ليال بينها؛ فوجب على هذا الوجه تناهيهما معا.
وإن كانت الليالي أكثر من الأيام؛ كان الحكم فيها نظير ما قدمنا من تناهي الأول ...
وإن كانت الأيام والليالي في العدد سواءً؛ كانا بمجموعهما أكثر عددا من أحدهما بانفراده، وهذا يشهد بتناهيهما؛ إذ لو كان كل واحد منهما في نفسه غير متناه ما تصورت العقول عددا أكثر منه. وقد علمنا أن الليالي مع الأيام جميعا أكثر عددا من أحدهما وهذا مُوضِحٌ عن تناهيهما. وبهذا الدليل نعلم أيضا تناهيَ جميعِ ما مضى من الحركات والسكنات، ومن الاجتماعات والافتراقات، ومن الطيور والبيض والشجر والحَبِّ، وما يجري مجرى ذلك»[8].
وإذا تمسك المعترض بعودة هذا الكلام على قائله لاعتقاده استمرار نعيم المؤمنين في الجنة، وعذاب الكافرين في النار؛ فجواب الكراجكي: أن الأعداد يضم بعضها إلى بعض بعد وجودها وحصرها، وأعداد الليل والنهار الماضيات قد وجدت وانحصرت بالفراغ منهما والوقوف عند آخرهما؛ فصح ضم بعضها إلى بعض وأمكن ما ذكرنا فيها.
وأما المستقبلات من نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار؛ فأمور متوقعة لم توجد وليس لها آخر؛ لأنها تكون دائمة بغير انقضاء، وما لم يوجد من العدد فلا يصح فيه ضم بعض إلى بعض، وما يتوقع حدوثه أبدا بغير نهاية لا يكون مثلَ ما قد حدث وكان وتناهى بإدراك آخره في كل حال[9].
ثم بَنَى على ذلك عددًا من الأدلة المتشابهة، مما يمكن أن يعترض عليه باستمرار تتابع المحدثات، ودَفَعَ الاعتراض ببيان الفرق بين الحوادث الماضية والمستقبلة بوجود الماضيات وانحصارها. ومِنْ أظهر كلامه المُعتمِد على شهادة الحس في الدلالة على أن للأفعال الماضية أولا قوله: «لو قيل: لرجل لا تَدخُلَنَّ دارًا حتى تدخل قبلها غيرها. لمْ يَصِحَّ منه دخولُ شيء من الدور أبدًا، ولم يمكن ذلك إلا بأن يَبتدِئَ بواحدة منها»[10]. على حين أنه لو قيل له: لا تَدخُلَنَّ دارًا حتى تَدخُلَ بعدها دارًا غيرها. فهذا حُكْمُه حُكْمُ العَادِّ الذي يصِحُّ أن يعُدَّ ما دام حيًّا. فإذا كان ليس لوجوده آخر؛ صَحَّ أن ليس لعَدِّه آخر، ومع ذلك فلا بُدَّ من أن يكون لعدِّه أول؛ لأن العدد لا يصح أن يتوالى إلا أن يكون له أول إما واحدا، أو جملة يُبْتدَأ بها تقوم مقام الواحد. وهكذا كل مُحدَثٍ ظهر في الوجود وتَمَّ الفراغُ منه[11]. وهذا ما سبق القاضي عبد الجبار إلى صياغته في صورة قاعدة كلامية: «ما وقف وجوده على وجود ما لا انقطاع له ولا تناهي لم يصح وجوده»[12].
وقد مثل إمام الحرمين الجويني أيضا لقول من يثبت حوادث لا أول لها بقول القائل: لا أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله دينارا، ولا أعطيك دينارا إلا وأعطيك قبله درهما. وقال: «فلا يتصور أن يعطي على حكم شرطه درهما ولا دينارا». وذلك لأن القائل هنا علق فعل إعطاء الدرهم أو الدينار الأخير عند خبره على ما سبقه، وما سبقه فرد في سلسلة لا أول لها، وما دام هذا الأول لا يكون أبدا؛ فالدرهم أو الدينار الأخير لن يوجد أبدا. ومثل الجويني أيضا لقول من يثبت تسلسل الحوادث بلا نهاية في المستقبل بمسألة الدينار والدرهم هذه: لا أعطيك دينارا إلا وأعطيك بعده درهما، ولا أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده دينارا. وقال: «فيتصور منه أن يجري على حكم الشرط». وذلك لأن هذا القائل يبدأ إعطاء الدراهم أو الدنانير بالأول الموجود بالفعل في يده، ثم يكون الثاني بعده، ثم الثالث، وهكذا يتصور منه دوام العطاء ما دام موجودا وله خزائن عامرة، يعطي درهما بعد درهم، ودينارا بعد دينار؛ ويدخل دارا بعد دار في مثال أبي الفتح الكراجكي.
وقد نقل القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي (تـ792هـ) في «شرح الطحاوية» مثالي الجويني من الإرشاد، ثم علق عليه قائلا: «وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة؛ بل الموازنة الصحيحة أن نقول: ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما. فتجعل ماضيا قبل ماض، كما جعلت هناك مستقبلا بعد مستقبل. وأما قول القائل: لا أعطيك حتى أعطيك قبله. فهو نفي للمستقبل حتى يحصل في المستقبل ويكون قبله، فقد نفى المستقبل حتى يوجد المستقبل. أما نفي الماضي حتى يكون قبله ماض؛ فإن هذا ممكن. والعطاء المستقبل إيتاؤه من المعطي. والمستقبل الذي له ابتداء وانتهاء لا يكون قبله ما لا نهاية له؛ فإن ما لا نهاية له فيما يتناهى ممتنع»[13].
وهذا فهم عجيب!! ولقد تركتُ صيغة الجويني، وقبلتُ صيغة ابنِ أبي العز أو مَنْ نقَلَ عنه، وبغض النظر عن مناقشة ما شغب به بعد ذلك؛ فمن قال لي: ما أعطيتُك درهما إلا وأعطيتُك قبله درهما. كاذبٌ في خبره، ومُفتَرٍ في قوله، ما أعطاني شيئا من الدراهم التي زعم قط؛ ما دام إعطاؤه الدرهم اللاحق من هذه الدراهم المزعومة متعلقا بماضيات لا أوَّل لها؛ حتى يكون ذلك الدرهم الأوَّل الذي نبدأ به عَدَّ ما بعدَه من عطاء. وأما من يقول لي: لا أعطيكَ درهما إلا وأعطيكَ بعده درهما. فأمده الله ـ تعالى ـ ووفقه إلى الصدق فيما قال!!
وآخر دلائل الكراجكي فيه اعتماد على الاستقراء والانتقال من حكم الأجزاء إلى حكم الكل؛ إذ يقول عن أفراد الموجودات المحدثة التي يكون «العالمُ» عبارةً عن مجموعِها: «قد ثبت أنَّ كُلَّ واحدٍ منها مُحدَثٌ كائنٌ بعد أن لم يكن، ولها مُحدِثٌ مُتَقدِّمٌ عليها؛ فوجب أن تكون جميعُها مُحدَثةً كائنةً بعد أن لم تكن، ولها مُحدِثٌ مُتَقدِّمٌ عليها؛ لأنَّ جميعها هو مجتمع آحادها ولا يصحُّ أن يَختلِفَ في الجَمْعِ والتفريقِ هذا الحُكمُ فيها، كما أنَّ كل واحدٍ من الزَّنْجِ بانفراده أسود؛ والجميع باجتماعهم سود، والحُكْمُ في ذلك واحد في الجَمْعِ والتفريقِ. وقد اجتمع معنا على أن جميعها أفعال الفاعل وصنعة الصانع، والعقول تشهد بوجوب تقدم الفاعل على أفعاله، وسبقِ الصانع لصنعته، وليس يخالف في ذلك إلا مكابر لعقله»[14].
وقد وجَّه الكراجكي بعض الأسئلة على الدَّهرية في إطار المعارف الفلكية، وقد كان من رجالات علم الفلك في زمانه؛ قاصدا تأكيد دلائله الأولى في إثبات أن للحوادث أولا، فسأل عن حركات الشمس: ألم تتحرك بحركة حتى تحركت قبلها بحركات لا نهاية لها؟
فإن قالوا: بلى. قيل لهم: فإذا جاز أن تفرغ الحركات التي لا نهاية لها، وتحركت الشمس بها كلها حتى تنتهي إلى آخرها؛ فكذلك يجوز أن تتحرك بالحركات المستقبلة كلها حتى تفرغ منها، وتقف عند آخرها ولا يبقى مستقبل بعدها؟
قال الكراجكي: «فإن قالوا: إن المستقبلات لا كُلَّ في الحقيقة لها. أجابوا بمثل قولنا، ثم لم ينفعهم ذلك فيما سألنا؛ لأن الفراغ مما لا نهاية له قد صح عندهم، وهو غير صحيح عندنا؛ إذ يلزمهم تقضي المستقبلات حتى توقف عند آخرها.
فإن قالوا: إن الشمس تتحرك بحركة واحدة باقية دائمة. قيل لهم: إنه ليس يلزمنا قبول ما لا طريق إلى فهمه ولا سبيل لمدعيه إلى إثبات علمه، وهذا الذي زعمتموه دعوى عارية من برهان». وليس لهم في دعواهم انفكاك مما يلزمهم من القول بأن ما لا نهاية له قد انقضى وفرغ منه ماضيا ومستقبلا.
وسأل الكراجكي أيضا عن دورات الشمس في الفلك: أيجوز أن تدور في المستقبل دورات بعد الدورات الماضية أم لا يجوز ذلك؟
وقال: «فإن قالوا: غير جائز. قيل لهم. لم زعمتم ذلك وعندكم أنها تدور في المستقبل دورات لا نهاية لعددها؟ أفليس في ذلك ما يفي بما قد مضى؟
فإن قالوا: لا يفي به جعلوا الماضي أكثر من المستقبل وأوجبوا تناهي المستقبل. وإن قالوا: إن الشمس ستدور دورات يفي عددها بما مضى أوجبوا تناهي ما مضى.
وقيل لهم: أفيبقى من المستقبل بعد ذلك بقية؟
فإن قالوا: لا. أقروا بوجود الأول والآخر، وأوجبوا تناهي الزمان من طرفيه، وجعلوا لدورات الشمس بداية ونهاية، وهو خلاف ما ذهبوا إليه.
وإن قالوا: إنها ستدور دورات يفي عددها بما مضى، ويبقى من المستقبل ما لا نهاية له أيضا. لم يبق شبهة في تناهي الماضي، وصح أوله وبطل مذهبهم في قدمه. والحمد لله»[15].
وعرض الكراجكي بعد ذلك شبهة لبعض الدهرية أوردها عليه في اجتماع لهما بالرملة، ولم يقنع الكراجكي بما قاله في ردها عليه في ذلك المجلس ولم يحكه، وإنما ذكر الكلام الذي أفاده في دفعها من الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي البغدادي (تـ436هـ) في جوابه الذي أرسله إليه، ثم عقب عليه بكلام لبعض المتكلمين موافق لرأي أبي القاسم البلخي المعتزلي البغدادي.
أما الشبهة؛ فمبنية على دلالة السبر والتقسيم .. قال الملحد مستدلا على أن الصانع لم يتقدم الصنعة: إني وجدت ظاهرهما لا يخلو من ثلاث خصال: إما أن تتقدم الصنعة عليه، أو أن تتأخر عنه، أو أن يكونا في الوجود سواء.
وقد فسد باتفاق تقدم الصنعة على الصانع.
أما تأخرها عنه فيزعم الملحد فساده بأنه بين أمرين: أولهما أن يكون تأخرها عنه بمدة محصورة وتقدير أوقات متناهية، والثاني أن يكون بمدة غير محدودة وتقدير أوقات غير متناهية.
والأول باطل؛ لأن المدة المحصورة والأوقات المتناهية لها أول وآخر، وإذا كان آخرها حدوث الصنعة؛ فأولها حدوث الصانع.
والثاني باطل أيضا؛ لأن القول بمدة لا تحد وتقدير أوقات لا تتناهى ولا تحصر، ينافي حدوث الصنعة؛ فحدوثها يعني نهاية المدة التي هي في أصل الفرض غير متناهية.
قال الملحد: وإن نفيتم الأوقات والأزمان التي يصح هذا فيها؛ فإنه لا يمكنكم إنكار تقديرها، وفي التقدير يلزم هذا هنا. وهذا دليل على أن الصنعة والصانع قديمان لم يزالا[16].
وجواب الشريف المرتضى أن الصانع متقدم على صنعته من حيث كان صانعا، سواء كان قديما أو محدثا؛ لأن تقدم الفاعل على فعله حكم يجب له من حيث كان فاعلا. ويستوي في هذا الحكم الفاعل القديم والفاعل المحدث. والأصل في ذلك أن الصانع لو لم يكن متقدما على صنعته؛ لم تكن فعلا له ولا حادثة به؛ فمن شأن الفاعل أن يكون قادرا، ولا يقدر على الموجود؛ لأن وجوده يغني عن تعلق القدرة به، وهذا يدل على استحالة أن يكون الصانع والصنعة سواء في الوجود. ويستوي في هذا الحكمِ الفاعلُ القديمُ والفاعلُ المُحدَث؛ غيرَ أنَّ الصانع القديم يجب أن يَتقدَّم صنعته بما إذا قدرناه أوقاتا وأزمانا كانت غيرَ مُتناهية ولا محصورة، و لا يجب هذا في الصانع المحدث؛ فالصانع من المحدثين يتقدم صنعته بالزمان الواحد والأزمان المتناهية المحصورة. وإنما وجب ذلك في الصانع القديم؛ لأنه لو كان بين القديم والمحدَث أوقات متناهية لخرج من كونه قديما، ودخل في حد المحدث الذي يكون لوجوده أول وابتداء.
ثم اعترض على اعتماد الملحد على الاتفاق في إفساد تقدم الصنعة على الصانع؛ فمثل هذا لا يعول فيه على الاتفاق، وإنما يلزم بيان طريق العلم من الضرورة أو الاستدلال. وكأن المرتضى يشير إلى أن دلالة نفي تقدم الصنعة على الصانع هي نفسها دلالة نفي كونهما سواء في الوجود.
ثم تكلم على الفرق بين نفي الأول عن أفعال القديم ونفي الآخر بما يوافق كلام الكراجكي السابق، وذكر أن نفي الأول والتناهي عن الأفعال من جهة الابتداء يخرجها عن كونها أفعالا، وليس كذلك نفي التناهي عنها من قبل آخرها.
ثم ختم نقضه لكلام الملحد بأنه صرح بأن الصنعة والصانع قديمان، ووَصْفُ القديم بأنه مصنوع ينقض كونه قديما، وفي هذا تصريح منه بأن المحدث قديم، والقديم محدث[17].
وقد عَلَّق الكراجكي على هذا الجواب بأن جميع ما فيه من إطلاق القول بأن بين القديم وأول المحدثات أوقاتا لا أول لها، إنما يراد به تقدير أوقات دون أن يكون القصد أوقاتا في الحقيقة؛ لأن الأوقات أفعال، وقد ثبت أن للأفعال أولا .. قال: «فلو قلنا إن بين القديم وأول الأفعال أوقاتا في الحقيقة؛ لناقضناه ودخلنا في مذهب خصمنا ـ نعوذ بالله من القول بهذا». ثم أضاف نقلا عن بعض أهل العلم بالكلام أنه قال: «إنه لا ينبغي أن نقول: بين القديم وبين المحدث. لأن هذه اللفظة إنما تقع بين شيئين محدودين، والقديم لا أول له. والواجب أن نقول: إن وجود القديم لم يكن عن عدم ...، ولسنا نريد بذلك أنه كان قبل أن فعل مدة يزيد امتدادها؛ لأن هذا هو الحدوث والتجدد، وهو معنى الزمان والحركة».
وذكر ذلك المتكلم الاعتراض على قوله بأنه لا يثبت في الأوهام للمتقدم على المتأخر إلا الزيادة في امتداد الزمن. وأجاب بأنه ليس يجب إذا ثبت في الوهم أن يكون صحيحا ثابتا في واقع الأمر. ثم ساءل المعترض: أيثبت في الوهم ذلك مع فرض نفي الحركات والتغييرات، أم مع فرض إثبات ذلك؟ فإنه لو قال قائل: ليس يثبت في ذهني موجود ليس في جهة؛ فيجب أن يكون الباري ـ عز وجل ـ في جهة. فمن الممكن أن يقال له: إنما يثبت ذلك في الوهم متى فرضتموه جسما، وأما متى فرضتموه غير جسم ولا متحيز؛ فإنه لا يثبت ذلك في الوهم. فهكذا يكون جوابنا لكم.
وإن قال المعترض: إذا لم تثبتوا مدة مديدة قبل الفعل؛ فقد قلتم إن الباري سبحانه لم يتقدم فعله. فالجواب: بل نقول إنه يتقدم على معنى أن وجوده قارن عدمَ فعله، ثم قارن وجودَ فعله. وقولنا «ثم» يترتب على عدم الفعل لا غير.
قال: ونقول: إذا فعل الله سبحانه شيئا إنه يجوز أن يتقدم على معنى أنه يفعله فيكون بينه وبين يومنا من الحوادث أكثر مما هو الآن وليس الكثرة والتقدم والتأخر راجعا إلا إلى الحوادث دون مدة يقع فيها.
وقد ذكر الكراجكي أنَّ ما حكاه من طريقة هذا المتكلم الموافقة لاختيار أبي القاسم البلخي الذي نفَى أيضا إطلاق القول بأنَّ بين القديم وأول المحدثات مدة ـ قاطع لمادة شبهة ذلك الملحد[18].
بين شيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء الكلام
د. مصعب الخير إدريس السيد مصطفى الإدريسي
قسم العقيدة والفلسفة ـ كلية أصول الدين
الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد.[/ALIGN]
توطئة:
الحمد لله المتوحد بجلال ذاته وكمال صفاته، المتقدس في نعوت الجبروت عن النقص وسماته. والصلاة والسلام على نبيه سيدنا محمد المؤيد بساطع حججه وواضح بيناته، وعلى آله عترة النبي وذرياته، والرضا على أصحابه هداة طريق الحق وحماته.
وبعد؛ فلا شك في أن شيخ الإسلام أبا العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (تـ728هـ) قد شغل بفكره وتنوع علومه ودقة بيانه سمع العالم وأنظار العلماء في عصره، وفيما تلاه من أيام الناس وأعمار أهل العلم؛ فمنهم موافق متابع، ومنهم ناقد معجب، ومنهم مخالف مُجَرِّح. ولئن جعله موافقوه في مصافِّ الأئمة الكبار، وغلا مخالفوه في الطعن عليه؛ فقد أجمع متابعوه ومجرحوه معا على حدة ذكائه وسعة اطلاعه.
ولقد وضع شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه في طرف مقابل ومناهض لعلم الكلام، وقلَّدَه متابعوه وأكثر المعجبين به تاجَ عداء المتكلمين؛ لكن الرجل مع ذلك كُلِّه مُتكلِّمٌ محترف يخوض في دقيق الكلام وجليله خوض أئمة المتكلمين، وإن سلك في كلامه مسلكا خاصا، وانتقد معظم المدارس أو المذاهب الكلامية السنية والشيعية. وهذه الدعوى من أظهر ما أسعى إلى إثباته في هذه الدراسة المتواضعة التي أرجو أن أوفق فيها مع ذلك إلى بيان وجه الحق في كثير من المسائل التي يُرَجِّعُ فيها كثير من دارسي علم الكلام والفلسفة الإسلامية المعاصرين أقوال شيخ الإسلام في نقد آراء المتكلمين على وجه التسليم بأن أقواله هي أقوال السلف من أئمة الفقهاء والمحدثين، وهي لا تعدو أن تكون آراء كلامية تحتمل الخطأ والصواب، وقد يكون في بعضها من التفلسف أو التأثر بالفلسفة، ومن البعد عن أقوال أئمة الفقهاء والمحدثين ما لم يكن في آراء بعض المتكلمين الذين عرف عنهم مزج الكلام بالفلسفة. وهذا ما دفعني في كثير من الأحيان إلى مناقشة كلام التيميين المعاصرين من الشيوخ والأتراب على نحو قد يربو على مناقشة كلام شيخ الإسلام نفسه.
ولقد تتابعت جهود شيوخ الأشعرية والماتريدية والاثنا عشرية المتأخرين والمعاصرين على الطعن فيما انفرد به شيخ الإسلام، وعلى دفع ما أخذه عليهم واتهمهم فيه بتجاوز ما كان عليه سلف الأمة، أو صرح بمخالفتهم فيه لإجماع السابقين الأخيار. وإني لا أحسب أن ابن تيمية قد تجنى على المتكلمين في كل نقوده، ولا هؤلاء تجنوا عليه أيضا في كل طعونهم؛ بل لعلهم قد أصابوا منه بقدر ما أصاب منهم في سجال الكلام.
ولقد اخترت عددا من المسائل الكلامية التي انتقد شيخ الإسلام في أكثرها جملة آراء المتكلمين؛ لأناقشها في سلسلة تضم كُلُّ حلقة منها بعض المسائل التي تنتمي إلى أبوابٍ متقاربةٍ في علم الكلام. ومن هذه المسائل ما سبق أن درسته متفرقا في مطاوي البحثين اللذين نلت بهما درجتي الماجستير والدكتوراه في الفلسفة الإسلامية في كلية دار العلوم بالقاهرة؛ فآثرت أن أُرَجِّعَ النظر فيها، وأن أضم إليها عددا من المسائل الكلامية التي لم أتناولها بالدرس المفصل من قبل لدى شيخ الإسلام على وجه الخصوص، وسأحرص على عرض تلك المسائل التي لم تزل موضع دراسة وجدل أو حوار بين المذاهب الإسلامية المعاصرة.
وما أزعم لجهدي عصمة ولا حفظا من الزلل؛ غير أني وددت أن أشارك في بحث هذه المسائل بحظي من الفهم بعد أن طالعت طرفا من الجدل الدائر حولها، وقد قرأت أكثر ما بقي بين أيدينا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض ومنهاج السنة، وفي المجموع من فتاواه ودقائق تفسيره، وفي عدد من كتبه المتفرقات وعايشت التراث الكلامي السني والشيعي في الدرس والتدريس نحو خمسة عشر عاما من الزمان.
ولقد اخترت لهذه الحلقة الأولى المسألتين التاليتين:
1ـ مسألة حدوث العالم.
2ـ الكلام في التوحيد وإثبات الوحدانية.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
[ALIGN=CENTER]1ـ مسألة حدوث العالم:[/ALIGN]
درج أكثر المتكلمين في استفتاح الكلام عن إثبات وجود الصانع على بيان حدوث العالم، ودفع شبه الدهرية القائلين بقدمه ونفي وجود خالق له باعتبار أنه غير مستفتح الوجود. والمتكلمون يقصرون كلامهم على جملة العالم الذي وجدت أعيانه؛ فيفصلون بين الحوادث الماضية في الوجود بالفعل، والحوادث الممكنة الوجود في المستقبل؛ فالموجود بالفعل محصور بالعدد من طرفيه، والذي لم يدخله الوجود مما يمكن أن يوجد في المستقبل لا نهاية له ولا يحصره العدد، ولا يتصور فيه زيادة ولا نقص. وعندهم أن حكم جملة ما وجد هو حكم الأعيان والأفراد في الحدوث؛ حتى يبلغوا في النظر والاستدلال وجود حادث غير مسبوق بحادث؛ فهم ينفون تسلسل الحوادث بلا أول في مجال الآثار، كما ينفون تسلسل الفاعلين في مجال المؤثرين حتى يبلغوا في النظر والاستدلال وجود فاعل غير مسبوق بفاعل سواه، هو الله ـ عز وجل.
ولقد كان المسلك المختار عند أكثر المتكلمين المشتغلين بدرء الشبه، ودفع ما يظهر في أطوار الزمان من اعتراضات المخالفين من غير المسلمين، هو إثبات حدوث العالم بالدلائل العقلية، ثم بيان أن كل حادث لا بد له من مُحدِثٍ؛ لكن الكلام عن حدوث العالم ـ لدى المتكلمين ـ ليس محصورا في دلالة الجواهر والأعراض، على نحو ما يظنه بعض الباحثين الذين يحلو لهم جمع أقوال من عارضها من الفقهاء والمحدثين؛ ليجعلوها سند اتهام يلصقون عاره بكل من تكلم في مسألة حدوث العالم، كما فعل الدكتور أحمد بن عطية الغامدي في بحثه «البيهقي وموقفه من الإلهيات»[1].
وإنما استدل المتكلمون في إثبات حدوث العالم بطرق كثيرة؛ منها الكلام عما يجري فيه من الزيادة والنقصان الدالين على تغيير لا يصح في القديم، وهذا ما أخذ به الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (تـ458هـ)، وهو أشعري المذهب في الكلام، وحكاه عن الإمام أبي سليمان الخطابي حمد بن محمد بن إبراهيم (تـ388هـ) الذي استدل بدلالة التغيرات الحادثة في موجودات ملكوت السموات والأرض على أنها حادثة ليست بقديمة، والحادث لا يستغني عن صانع يصنعه[2]. ومنها الكلام عن تناهي جرم العالم وزمانه وهذا مما اعتمد عليه الإمام ابن حزم في براهينه الخمسة التي ذكرها في أول كتاب الفصل[3]. ومنها الكلام المعتمد على تقسيم العالم إلى جواهر وأعراض والاستدلال بحدوثهما على حدوث العالم، وهو ما أخذ به جمهور المتكلمين من الأشعرية والماتريدية والمعتزلة والشيعة، وتكلموا مع ذلك عن حدوث المفتقر إلى مُحدِثٍ يهبه الوجود، وعن الممكن المفتقر إلى مرجح للوجود على العدم، أو إلى مخصص من حيث يصح في كل جوهر أو جسم أن يقبل غير ما قام به من الأعراض[4]. لكن هذه الدلائل المستوحاة من معارف المتكلمين بالعالم لا تتم على المعارض إلا ببيان استحالة وجود حوادث لا أول لها، ومن ثم اشتمل كلام الفقيه الشافعي الأشعري أبي سعيد عبد الرحمن بن مأمون المتولي النيسابوري (تـ478هـ) عن حدوث العالم على وجهين: أولهما: إثبات حدوث الجواهر والأجسام بحدوث ما لا تخلو منه ولا تسبقه من الأعراض. والثاني: إثبات استحالة وجود حوادث لا أول لها. وعلى هذا كان كلام معاصره إمام الحرمين أبي المعالي الجويني (تـ478هـ) في دفع ما يعترض به الدهرية[5].
ولئن اعتدنا في بحوثنا دراسة أقوال متكلمي أهل السنة؛ فقد يكون من الطريف أن أقدم هنا نموذجا لجهد كلامي شيعي اثنا عشري، ولا أحسب أنه يوجد كبير فرق في هذه المسألة التي نحن بصددها بين متكلمي أهل السنة ومتكلمي الشيعة.
وأبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي (تـ449هـ) تكلم في إثبات حدوث العالم من طريق دلالة حدوث الأعراض المتعاقبة على حدوث الأجسام التي لا تخلو منها، كالاجتماع والافتراق، والحركة والسكون، والألوان والروائح والطعوم، ونحو ذلك من صفات الأجسام التي يدل على أنها أشياء غير الجسم ما نراه من تعاقبها عليه؛ لأن الضدين المتعاقبين لا يجوز في العقل أن يكونا مجتمعين في الجسم، وإنما وجد أحدهما وعدم الآخر، وهما بذلك مُحدَثان؛ لأن الذي طرأ ووجد مُحدَث، والذي انعدم مُحدَث أيضا؛ لأنه لو لم يكن مُحدَثا لما جاز أن ينعدم.
ولا يتصور العقل أن الأجسام تخلو من هذه الأمور؛ لأن هذا من بدائه العقول وأوائل العلوم، وهذا كاف في توضيح أن الأجسام محدثة مثلها؛ لشهادة العقل بأن ما لم يوجد عاريا من المُحدَثِ يجب أن يكون مثله مُحدَثًا لوجوده أوَّل[6].
وقد فَصَّل الكراجكي أيضا كلامَ شيخه المفيد محمد بن محمد بن النعمان (تـ413هـ) عن الزيادة والنقصان في الدلالة على حدوث العالم وعلى أن جميع الحوادث الماضية لا بد لها من أوَّل، في الرد على الدَّهرية القائلين بقدم الصنعة والصانع؛ فقال: «إننا في كل وقت من أوقات زماننا بين آخر ما فيها وأول مستقبلها، فقد علمنا لا محالة آخر ما مضى وهو أحد طرفيه، ثم نحن نعلم علما لا نشك فيه أن ما يأتي من مستقبل الحوادث إلى مائة سنة يكثر عدد الماضي ويزيد فيه؛ فمعلوم أنه قبل الزيادة أقل عددا منه إذا انضمت الزيادة إليه. وهذا يدل على تناهي عدد ما مضى وحصر طرفيه؛ لأنه لو كان لا نهاية له لم تتصور العقول دخول التكثر فيه».
فإذا قال له معارض: «إن جميع ما ذكرتموه في الماضي عائد عليكم في المستقبل؛ لأنكم تقولون: إن أفعال الله ـ تعالى ـ المستقبلة لا آخر لها. ومع هذا فقد علمتم أولها وهو أحد طرفيها؛ فيجب أن يكون ما يوجد إلى مائة سنة ينقص منها. وإذا دخل النقصان فيها دل على تناهيها وانحصار طرفيها». فجواب الكراجكي: أنَّ بين الماضي والمستقبل في ذلك فرقا، وهو أن الحوادث الماضية ليس منها إلا ما كان موجودا قبل مُضِيِّه، فقد شَملَ جَميعَها حُكمُ الوجود؛ فوجب أن يزيد فيها كُلُّ ما يَخرُجُ إلى الوجود. وليس المستقبل كذلك لأن حوادثه لم توجد، وإنما هي في إمكان الفاعل؛ فلا يصح فيها النقص، ولا سبيل إلى القول فيها بالتناهي[7].
وكرَّر الكراجكي صورة دلالة التناهي على حدوث العالم في عدد ما مضى من الأيام والليالي، فقال: «لا يخلو أن تكون الأيام أكثر عددا من الليالي، أو تكون الليالي أكثر من الأيام، أو يكونا في العدد سواءً.
فإن كانت الأيام أكثر من الليالي تناهت الليالي؛ لأنها أقل منها، واقتضى ذلك تناهي الأيام أيضا لبطلان اتصالها قبل الليالي بغير ليال بينها؛ فوجب على هذا الوجه تناهيهما معا.
وإن كانت الليالي أكثر من الأيام؛ كان الحكم فيها نظير ما قدمنا من تناهي الأول ...
وإن كانت الأيام والليالي في العدد سواءً؛ كانا بمجموعهما أكثر عددا من أحدهما بانفراده، وهذا يشهد بتناهيهما؛ إذ لو كان كل واحد منهما في نفسه غير متناه ما تصورت العقول عددا أكثر منه. وقد علمنا أن الليالي مع الأيام جميعا أكثر عددا من أحدهما وهذا مُوضِحٌ عن تناهيهما. وبهذا الدليل نعلم أيضا تناهيَ جميعِ ما مضى من الحركات والسكنات، ومن الاجتماعات والافتراقات، ومن الطيور والبيض والشجر والحَبِّ، وما يجري مجرى ذلك»[8].
وإذا تمسك المعترض بعودة هذا الكلام على قائله لاعتقاده استمرار نعيم المؤمنين في الجنة، وعذاب الكافرين في النار؛ فجواب الكراجكي: أن الأعداد يضم بعضها إلى بعض بعد وجودها وحصرها، وأعداد الليل والنهار الماضيات قد وجدت وانحصرت بالفراغ منهما والوقوف عند آخرهما؛ فصح ضم بعضها إلى بعض وأمكن ما ذكرنا فيها.
وأما المستقبلات من نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار؛ فأمور متوقعة لم توجد وليس لها آخر؛ لأنها تكون دائمة بغير انقضاء، وما لم يوجد من العدد فلا يصح فيه ضم بعض إلى بعض، وما يتوقع حدوثه أبدا بغير نهاية لا يكون مثلَ ما قد حدث وكان وتناهى بإدراك آخره في كل حال[9].
ثم بَنَى على ذلك عددًا من الأدلة المتشابهة، مما يمكن أن يعترض عليه باستمرار تتابع المحدثات، ودَفَعَ الاعتراض ببيان الفرق بين الحوادث الماضية والمستقبلة بوجود الماضيات وانحصارها. ومِنْ أظهر كلامه المُعتمِد على شهادة الحس في الدلالة على أن للأفعال الماضية أولا قوله: «لو قيل: لرجل لا تَدخُلَنَّ دارًا حتى تدخل قبلها غيرها. لمْ يَصِحَّ منه دخولُ شيء من الدور أبدًا، ولم يمكن ذلك إلا بأن يَبتدِئَ بواحدة منها»[10]. على حين أنه لو قيل له: لا تَدخُلَنَّ دارًا حتى تَدخُلَ بعدها دارًا غيرها. فهذا حُكْمُه حُكْمُ العَادِّ الذي يصِحُّ أن يعُدَّ ما دام حيًّا. فإذا كان ليس لوجوده آخر؛ صَحَّ أن ليس لعَدِّه آخر، ومع ذلك فلا بُدَّ من أن يكون لعدِّه أول؛ لأن العدد لا يصح أن يتوالى إلا أن يكون له أول إما واحدا، أو جملة يُبْتدَأ بها تقوم مقام الواحد. وهكذا كل مُحدَثٍ ظهر في الوجود وتَمَّ الفراغُ منه[11]. وهذا ما سبق القاضي عبد الجبار إلى صياغته في صورة قاعدة كلامية: «ما وقف وجوده على وجود ما لا انقطاع له ولا تناهي لم يصح وجوده»[12].
وقد مثل إمام الحرمين الجويني أيضا لقول من يثبت حوادث لا أول لها بقول القائل: لا أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله دينارا، ولا أعطيك دينارا إلا وأعطيك قبله درهما. وقال: «فلا يتصور أن يعطي على حكم شرطه درهما ولا دينارا». وذلك لأن القائل هنا علق فعل إعطاء الدرهم أو الدينار الأخير عند خبره على ما سبقه، وما سبقه فرد في سلسلة لا أول لها، وما دام هذا الأول لا يكون أبدا؛ فالدرهم أو الدينار الأخير لن يوجد أبدا. ومثل الجويني أيضا لقول من يثبت تسلسل الحوادث بلا نهاية في المستقبل بمسألة الدينار والدرهم هذه: لا أعطيك دينارا إلا وأعطيك بعده درهما، ولا أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده دينارا. وقال: «فيتصور منه أن يجري على حكم الشرط». وذلك لأن هذا القائل يبدأ إعطاء الدراهم أو الدنانير بالأول الموجود بالفعل في يده، ثم يكون الثاني بعده، ثم الثالث، وهكذا يتصور منه دوام العطاء ما دام موجودا وله خزائن عامرة، يعطي درهما بعد درهم، ودينارا بعد دينار؛ ويدخل دارا بعد دار في مثال أبي الفتح الكراجكي.
وقد نقل القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي (تـ792هـ) في «شرح الطحاوية» مثالي الجويني من الإرشاد، ثم علق عليه قائلا: «وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة؛ بل الموازنة الصحيحة أن نقول: ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما. فتجعل ماضيا قبل ماض، كما جعلت هناك مستقبلا بعد مستقبل. وأما قول القائل: لا أعطيك حتى أعطيك قبله. فهو نفي للمستقبل حتى يحصل في المستقبل ويكون قبله، فقد نفى المستقبل حتى يوجد المستقبل. أما نفي الماضي حتى يكون قبله ماض؛ فإن هذا ممكن. والعطاء المستقبل إيتاؤه من المعطي. والمستقبل الذي له ابتداء وانتهاء لا يكون قبله ما لا نهاية له؛ فإن ما لا نهاية له فيما يتناهى ممتنع»[13].
وهذا فهم عجيب!! ولقد تركتُ صيغة الجويني، وقبلتُ صيغة ابنِ أبي العز أو مَنْ نقَلَ عنه، وبغض النظر عن مناقشة ما شغب به بعد ذلك؛ فمن قال لي: ما أعطيتُك درهما إلا وأعطيتُك قبله درهما. كاذبٌ في خبره، ومُفتَرٍ في قوله، ما أعطاني شيئا من الدراهم التي زعم قط؛ ما دام إعطاؤه الدرهم اللاحق من هذه الدراهم المزعومة متعلقا بماضيات لا أوَّل لها؛ حتى يكون ذلك الدرهم الأوَّل الذي نبدأ به عَدَّ ما بعدَه من عطاء. وأما من يقول لي: لا أعطيكَ درهما إلا وأعطيكَ بعده درهما. فأمده الله ـ تعالى ـ ووفقه إلى الصدق فيما قال!!
وآخر دلائل الكراجكي فيه اعتماد على الاستقراء والانتقال من حكم الأجزاء إلى حكم الكل؛ إذ يقول عن أفراد الموجودات المحدثة التي يكون «العالمُ» عبارةً عن مجموعِها: «قد ثبت أنَّ كُلَّ واحدٍ منها مُحدَثٌ كائنٌ بعد أن لم يكن، ولها مُحدِثٌ مُتَقدِّمٌ عليها؛ فوجب أن تكون جميعُها مُحدَثةً كائنةً بعد أن لم تكن، ولها مُحدِثٌ مُتَقدِّمٌ عليها؛ لأنَّ جميعها هو مجتمع آحادها ولا يصحُّ أن يَختلِفَ في الجَمْعِ والتفريقِ هذا الحُكمُ فيها، كما أنَّ كل واحدٍ من الزَّنْجِ بانفراده أسود؛ والجميع باجتماعهم سود، والحُكْمُ في ذلك واحد في الجَمْعِ والتفريقِ. وقد اجتمع معنا على أن جميعها أفعال الفاعل وصنعة الصانع، والعقول تشهد بوجوب تقدم الفاعل على أفعاله، وسبقِ الصانع لصنعته، وليس يخالف في ذلك إلا مكابر لعقله»[14].
وقد وجَّه الكراجكي بعض الأسئلة على الدَّهرية في إطار المعارف الفلكية، وقد كان من رجالات علم الفلك في زمانه؛ قاصدا تأكيد دلائله الأولى في إثبات أن للحوادث أولا، فسأل عن حركات الشمس: ألم تتحرك بحركة حتى تحركت قبلها بحركات لا نهاية لها؟
فإن قالوا: بلى. قيل لهم: فإذا جاز أن تفرغ الحركات التي لا نهاية لها، وتحركت الشمس بها كلها حتى تنتهي إلى آخرها؛ فكذلك يجوز أن تتحرك بالحركات المستقبلة كلها حتى تفرغ منها، وتقف عند آخرها ولا يبقى مستقبل بعدها؟
قال الكراجكي: «فإن قالوا: إن المستقبلات لا كُلَّ في الحقيقة لها. أجابوا بمثل قولنا، ثم لم ينفعهم ذلك فيما سألنا؛ لأن الفراغ مما لا نهاية له قد صح عندهم، وهو غير صحيح عندنا؛ إذ يلزمهم تقضي المستقبلات حتى توقف عند آخرها.
فإن قالوا: إن الشمس تتحرك بحركة واحدة باقية دائمة. قيل لهم: إنه ليس يلزمنا قبول ما لا طريق إلى فهمه ولا سبيل لمدعيه إلى إثبات علمه، وهذا الذي زعمتموه دعوى عارية من برهان». وليس لهم في دعواهم انفكاك مما يلزمهم من القول بأن ما لا نهاية له قد انقضى وفرغ منه ماضيا ومستقبلا.
وسأل الكراجكي أيضا عن دورات الشمس في الفلك: أيجوز أن تدور في المستقبل دورات بعد الدورات الماضية أم لا يجوز ذلك؟
وقال: «فإن قالوا: غير جائز. قيل لهم. لم زعمتم ذلك وعندكم أنها تدور في المستقبل دورات لا نهاية لعددها؟ أفليس في ذلك ما يفي بما قد مضى؟
فإن قالوا: لا يفي به جعلوا الماضي أكثر من المستقبل وأوجبوا تناهي المستقبل. وإن قالوا: إن الشمس ستدور دورات يفي عددها بما مضى أوجبوا تناهي ما مضى.
وقيل لهم: أفيبقى من المستقبل بعد ذلك بقية؟
فإن قالوا: لا. أقروا بوجود الأول والآخر، وأوجبوا تناهي الزمان من طرفيه، وجعلوا لدورات الشمس بداية ونهاية، وهو خلاف ما ذهبوا إليه.
وإن قالوا: إنها ستدور دورات يفي عددها بما مضى، ويبقى من المستقبل ما لا نهاية له أيضا. لم يبق شبهة في تناهي الماضي، وصح أوله وبطل مذهبهم في قدمه. والحمد لله»[15].
وعرض الكراجكي بعد ذلك شبهة لبعض الدهرية أوردها عليه في اجتماع لهما بالرملة، ولم يقنع الكراجكي بما قاله في ردها عليه في ذلك المجلس ولم يحكه، وإنما ذكر الكلام الذي أفاده في دفعها من الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي البغدادي (تـ436هـ) في جوابه الذي أرسله إليه، ثم عقب عليه بكلام لبعض المتكلمين موافق لرأي أبي القاسم البلخي المعتزلي البغدادي.
أما الشبهة؛ فمبنية على دلالة السبر والتقسيم .. قال الملحد مستدلا على أن الصانع لم يتقدم الصنعة: إني وجدت ظاهرهما لا يخلو من ثلاث خصال: إما أن تتقدم الصنعة عليه، أو أن تتأخر عنه، أو أن يكونا في الوجود سواء.
وقد فسد باتفاق تقدم الصنعة على الصانع.
أما تأخرها عنه فيزعم الملحد فساده بأنه بين أمرين: أولهما أن يكون تأخرها عنه بمدة محصورة وتقدير أوقات متناهية، والثاني أن يكون بمدة غير محدودة وتقدير أوقات غير متناهية.
والأول باطل؛ لأن المدة المحصورة والأوقات المتناهية لها أول وآخر، وإذا كان آخرها حدوث الصنعة؛ فأولها حدوث الصانع.
والثاني باطل أيضا؛ لأن القول بمدة لا تحد وتقدير أوقات لا تتناهى ولا تحصر، ينافي حدوث الصنعة؛ فحدوثها يعني نهاية المدة التي هي في أصل الفرض غير متناهية.
قال الملحد: وإن نفيتم الأوقات والأزمان التي يصح هذا فيها؛ فإنه لا يمكنكم إنكار تقديرها، وفي التقدير يلزم هذا هنا. وهذا دليل على أن الصنعة والصانع قديمان لم يزالا[16].
وجواب الشريف المرتضى أن الصانع متقدم على صنعته من حيث كان صانعا، سواء كان قديما أو محدثا؛ لأن تقدم الفاعل على فعله حكم يجب له من حيث كان فاعلا. ويستوي في هذا الحكم الفاعل القديم والفاعل المحدث. والأصل في ذلك أن الصانع لو لم يكن متقدما على صنعته؛ لم تكن فعلا له ولا حادثة به؛ فمن شأن الفاعل أن يكون قادرا، ولا يقدر على الموجود؛ لأن وجوده يغني عن تعلق القدرة به، وهذا يدل على استحالة أن يكون الصانع والصنعة سواء في الوجود. ويستوي في هذا الحكمِ الفاعلُ القديمُ والفاعلُ المُحدَث؛ غيرَ أنَّ الصانع القديم يجب أن يَتقدَّم صنعته بما إذا قدرناه أوقاتا وأزمانا كانت غيرَ مُتناهية ولا محصورة، و لا يجب هذا في الصانع المحدث؛ فالصانع من المحدثين يتقدم صنعته بالزمان الواحد والأزمان المتناهية المحصورة. وإنما وجب ذلك في الصانع القديم؛ لأنه لو كان بين القديم والمحدَث أوقات متناهية لخرج من كونه قديما، ودخل في حد المحدث الذي يكون لوجوده أول وابتداء.
ثم اعترض على اعتماد الملحد على الاتفاق في إفساد تقدم الصنعة على الصانع؛ فمثل هذا لا يعول فيه على الاتفاق، وإنما يلزم بيان طريق العلم من الضرورة أو الاستدلال. وكأن المرتضى يشير إلى أن دلالة نفي تقدم الصنعة على الصانع هي نفسها دلالة نفي كونهما سواء في الوجود.
ثم تكلم على الفرق بين نفي الأول عن أفعال القديم ونفي الآخر بما يوافق كلام الكراجكي السابق، وذكر أن نفي الأول والتناهي عن الأفعال من جهة الابتداء يخرجها عن كونها أفعالا، وليس كذلك نفي التناهي عنها من قبل آخرها.
ثم ختم نقضه لكلام الملحد بأنه صرح بأن الصنعة والصانع قديمان، ووَصْفُ القديم بأنه مصنوع ينقض كونه قديما، وفي هذا تصريح منه بأن المحدث قديم، والقديم محدث[17].
وقد عَلَّق الكراجكي على هذا الجواب بأن جميع ما فيه من إطلاق القول بأن بين القديم وأول المحدثات أوقاتا لا أول لها، إنما يراد به تقدير أوقات دون أن يكون القصد أوقاتا في الحقيقة؛ لأن الأوقات أفعال، وقد ثبت أن للأفعال أولا .. قال: «فلو قلنا إن بين القديم وأول الأفعال أوقاتا في الحقيقة؛ لناقضناه ودخلنا في مذهب خصمنا ـ نعوذ بالله من القول بهذا». ثم أضاف نقلا عن بعض أهل العلم بالكلام أنه قال: «إنه لا ينبغي أن نقول: بين القديم وبين المحدث. لأن هذه اللفظة إنما تقع بين شيئين محدودين، والقديم لا أول له. والواجب أن نقول: إن وجود القديم لم يكن عن عدم ...، ولسنا نريد بذلك أنه كان قبل أن فعل مدة يزيد امتدادها؛ لأن هذا هو الحدوث والتجدد، وهو معنى الزمان والحركة».
وذكر ذلك المتكلم الاعتراض على قوله بأنه لا يثبت في الأوهام للمتقدم على المتأخر إلا الزيادة في امتداد الزمن. وأجاب بأنه ليس يجب إذا ثبت في الوهم أن يكون صحيحا ثابتا في واقع الأمر. ثم ساءل المعترض: أيثبت في الوهم ذلك مع فرض نفي الحركات والتغييرات، أم مع فرض إثبات ذلك؟ فإنه لو قال قائل: ليس يثبت في ذهني موجود ليس في جهة؛ فيجب أن يكون الباري ـ عز وجل ـ في جهة. فمن الممكن أن يقال له: إنما يثبت ذلك في الوهم متى فرضتموه جسما، وأما متى فرضتموه غير جسم ولا متحيز؛ فإنه لا يثبت ذلك في الوهم. فهكذا يكون جوابنا لكم.
وإن قال المعترض: إذا لم تثبتوا مدة مديدة قبل الفعل؛ فقد قلتم إن الباري سبحانه لم يتقدم فعله. فالجواب: بل نقول إنه يتقدم على معنى أن وجوده قارن عدمَ فعله، ثم قارن وجودَ فعله. وقولنا «ثم» يترتب على عدم الفعل لا غير.
قال: ونقول: إذا فعل الله سبحانه شيئا إنه يجوز أن يتقدم على معنى أنه يفعله فيكون بينه وبين يومنا من الحوادث أكثر مما هو الآن وليس الكثرة والتقدم والتأخر راجعا إلا إلى الحوادث دون مدة يقع فيها.
وقد ذكر الكراجكي أنَّ ما حكاه من طريقة هذا المتكلم الموافقة لاختيار أبي القاسم البلخي الذي نفَى أيضا إطلاق القول بأنَّ بين القديم وأول المحدثات مدة ـ قاطع لمادة شبهة ذلك الملحد[18].
تعليق