مسائل كلامية بين ابن تيمية وعلماء الكلام

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. مصعب الخير الإدريسي
    طالب علم
    • Dec 2005
    • 143

    #1

    مسائل كلامية بين ابن تيمية وعلماء الكلام

    [ALIGN=CENTER]مسائل كلامية

    بين شيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء الكلام

    د. مصعب الخير إدريس السيد مصطفى الإدريسي

    قسم العقيدة والفلسفة ـ كلية أصول الدين

    الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد.
    [/ALIGN]




    توطئة:

    الحمد لله المتوحد بجلال ذاته وكمال صفاته، المتقدس في نعوت الجبروت عن النقص وسماته. والصلاة والسلام على نبيه سيدنا محمد المؤيد بساطع حججه وواضح بيناته، وعلى آله عترة النبي وذرياته، والرضا على أصحابه هداة طريق الحق وحماته.

    وبعد؛ فلا شك في أن شيخ الإسلام أبا العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (تـ728هـ) قد شغل بفكره وتنوع علومه ودقة بيانه سمع العالم وأنظار العلماء في عصره، وفيما تلاه من أيام الناس وأعمار أهل العلم؛ فمنهم موافق متابع، ومنهم ناقد معجب، ومنهم مخالف مُجَرِّح. ولئن جعله موافقوه في مصافِّ الأئمة الكبار، وغلا مخالفوه في الطعن عليه؛ فقد أجمع متابعوه ومجرحوه معا على حدة ذكائه وسعة اطلاعه.

    ولقد وضع شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه في طرف مقابل ومناهض لعلم الكلام، وقلَّدَه متابعوه وأكثر المعجبين به تاجَ عداء المتكلمين؛ لكن الرجل مع ذلك كُلِّه مُتكلِّمٌ محترف يخوض في دقيق الكلام وجليله خوض أئمة المتكلمين، وإن سلك في كلامه مسلكا خاصا، وانتقد معظم المدارس أو المذاهب الكلامية السنية والشيعية. وهذه الدعوى من أظهر ما أسعى إلى إثباته في هذه الدراسة المتواضعة التي أرجو أن أوفق فيها مع ذلك إلى بيان وجه الحق في كثير من المسائل التي يُرَجِّعُ فيها كثير من دارسي علم الكلام والفلسفة الإسلامية المعاصرين أقوال شيخ الإسلام في نقد آراء المتكلمين على وجه التسليم بأن أقواله هي أقوال السلف من أئمة الفقهاء والمحدثين، وهي لا تعدو أن تكون آراء كلامية تحتمل الخطأ والصواب، وقد يكون في بعضها من التفلسف أو التأثر بالفلسفة، ومن البعد عن أقوال أئمة الفقهاء والمحدثين ما لم يكن في آراء بعض المتكلمين الذين عرف عنهم مزج الكلام بالفلسفة. وهذا ما دفعني في كثير من الأحيان إلى مناقشة كلام التيميين المعاصرين من الشيوخ والأتراب على نحو قد يربو على مناقشة كلام شيخ الإسلام نفسه.

    ولقد تتابعت جهود شيوخ الأشعرية والماتريدية والاثنا عشرية المتأخرين والمعاصرين على الطعن فيما انفرد به شيخ الإسلام، وعلى دفع ما أخذه عليهم واتهمهم فيه بتجاوز ما كان عليه سلف الأمة، أو صرح بمخالفتهم فيه لإجماع السابقين الأخيار. وإني لا أحسب أن ابن تيمية قد تجنى على المتكلمين في كل نقوده، ولا هؤلاء تجنوا عليه أيضا في كل طعونهم؛ بل لعلهم قد أصابوا منه بقدر ما أصاب منهم في سجال الكلام.

    ولقد اخترت عددا من المسائل الكلامية التي انتقد شيخ الإسلام في أكثرها جملة آراء المتكلمين؛ لأناقشها في سلسلة تضم كُلُّ حلقة منها بعض المسائل التي تنتمي إلى أبوابٍ متقاربةٍ في علم الكلام. ومن هذه المسائل ما سبق أن درسته متفرقا في مطاوي البحثين اللذين نلت بهما درجتي الماجستير والدكتوراه في الفلسفة الإسلامية في كلية دار العلوم بالقاهرة؛ فآثرت أن أُرَجِّعَ النظر فيها، وأن أضم إليها عددا من المسائل الكلامية التي لم أتناولها بالدرس المفصل من قبل لدى شيخ الإسلام على وجه الخصوص، وسأحرص على عرض تلك المسائل التي لم تزل موضع دراسة وجدل أو حوار بين المذاهب الإسلامية المعاصرة.

    وما أزعم لجهدي عصمة ولا حفظا من الزلل؛ غير أني وددت أن أشارك في بحث هذه المسائل بحظي من الفهم بعد أن طالعت طرفا من الجدل الدائر حولها، وقد قرأت أكثر ما بقي بين أيدينا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض ومنهاج السنة، وفي المجموع من فتاواه ودقائق تفسيره، وفي عدد من كتبه المتفرقات وعايشت التراث الكلامي السني والشيعي في الدرس والتدريس نحو خمسة عشر عاما من الزمان.

    ولقد اخترت لهذه الحلقة الأولى المسألتين التاليتين:

    1ـ مسألة حدوث العالم.

    2ـ الكلام في التوحيد وإثبات الوحدانية.

    وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.





    [ALIGN=CENTER]1ـ مسألة حدوث العالم:[/ALIGN]

    درج أكثر المتكلمين في استفتاح الكلام عن إثبات وجود الصانع على بيان حدوث العالم، ودفع شبه الدهرية القائلين بقدمه ونفي وجود خالق له باعتبار أنه غير مستفتح الوجود. والمتكلمون يقصرون كلامهم على جملة العالم الذي وجدت أعيانه؛ فيفصلون بين الحوادث الماضية في الوجود بالفعل، والحوادث الممكنة الوجود في المستقبل؛ فالموجود بالفعل محصور بالعدد من طرفيه، والذي لم يدخله الوجود مما يمكن أن يوجد في المستقبل لا نهاية له ولا يحصره العدد، ولا يتصور فيه زيادة ولا نقص. وعندهم أن حكم جملة ما وجد هو حكم الأعيان والأفراد في الحدوث؛ حتى يبلغوا في النظر والاستدلال وجود حادث غير مسبوق بحادث؛ فهم ينفون تسلسل الحوادث بلا أول في مجال الآثار، كما ينفون تسلسل الفاعلين في مجال المؤثرين حتى يبلغوا في النظر والاستدلال وجود فاعل غير مسبوق بفاعل سواه، هو الله ـ عز وجل.

    ولقد كان المسلك المختار عند أكثر المتكلمين المشتغلين بدرء الشبه، ودفع ما يظهر في أطوار الزمان من اعتراضات المخالفين من غير المسلمين، هو إثبات حدوث العالم بالدلائل العقلية، ثم بيان أن كل حادث لا بد له من مُحدِثٍ؛ لكن الكلام عن حدوث العالم ـ لدى المتكلمين ـ ليس محصورا في دلالة الجواهر والأعراض، على نحو ما يظنه بعض الباحثين الذين يحلو لهم جمع أقوال من عارضها من الفقهاء والمحدثين؛ ليجعلوها سند اتهام يلصقون عاره بكل من تكلم في مسألة حدوث العالم، كما فعل الدكتور أحمد بن عطية الغامدي في بحثه «البيهقي وموقفه من الإلهيات»[1].

    وإنما استدل المتكلمون في إثبات حدوث العالم بطرق كثيرة؛ منها الكلام عما يجري فيه من الزيادة والنقصان الدالين على تغيير لا يصح في القديم، وهذا ما أخذ به الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (تـ458هـ)، وهو أشعري المذهب في الكلام، وحكاه عن الإمام أبي سليمان الخطابي حمد بن محمد بن إبراهيم (تـ388هـ) الذي استدل بدلالة التغيرات الحادثة في موجودات ملكوت السموات والأرض على أنها حادثة ليست بقديمة، والحادث لا يستغني عن صانع يصنعه[2]. ومنها الكلام عن تناهي جرم العالم وزمانه وهذا مما اعتمد عليه الإمام ابن حزم في براهينه الخمسة التي ذكرها في أول كتاب الفصل[3]. ومنها الكلام المعتمد على تقسيم العالم إلى جواهر وأعراض والاستدلال بحدوثهما على حدوث العالم، وهو ما أخذ به جمهور المتكلمين من الأشعرية والماتريدية والمعتزلة والشيعة، وتكلموا مع ذلك عن حدوث المفتقر إلى مُحدِثٍ يهبه الوجود، وعن الممكن المفتقر إلى مرجح للوجود على العدم، أو إلى مخصص من حيث يصح في كل جوهر أو جسم أن يقبل غير ما قام به من الأعراض[4]. لكن هذه الدلائل المستوحاة من معارف المتكلمين بالعالم لا تتم على المعارض إلا ببيان استحالة وجود حوادث لا أول لها، ومن ثم اشتمل كلام الفقيه الشافعي الأشعري أبي سعيد عبد الرحمن بن مأمون المتولي النيسابوري (تـ478هـ) عن حدوث العالم على وجهين: أولهما: إثبات حدوث الجواهر والأجسام بحدوث ما لا تخلو منه ولا تسبقه من الأعراض. والثاني: إثبات استحالة وجود حوادث لا أول لها. وعلى هذا كان كلام معاصره إمام الحرمين أبي المعالي الجويني (تـ478هـ) في دفع ما يعترض به الدهرية[5].

    ولئن اعتدنا في بحوثنا دراسة أقوال متكلمي أهل السنة؛ فقد يكون من الطريف أن أقدم هنا نموذجا لجهد كلامي شيعي اثنا عشري، ولا أحسب أنه يوجد كبير فرق في هذه المسألة التي نحن بصددها بين متكلمي أهل السنة ومتكلمي الشيعة.

    وأبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي (تـ449هـ) تكلم في إثبات حدوث العالم من طريق دلالة حدوث الأعراض المتعاقبة على حدوث الأجسام التي لا تخلو منها، كالاجتماع والافتراق، والحركة والسكون، والألوان والروائح والطعوم، ونحو ذلك من صفات الأجسام التي يدل على أنها أشياء غير الجسم ما نراه من تعاقبها عليه؛ لأن الضدين المتعاقبين لا يجوز في العقل أن يكونا مجتمعين في الجسم، وإنما وجد أحدهما وعدم الآخر، وهما بذلك مُحدَثان؛ لأن الذي طرأ ووجد مُحدَث، والذي انعدم مُحدَث أيضا؛ لأنه لو لم يكن مُحدَثا لما جاز أن ينعدم.

    ولا يتصور العقل أن الأجسام تخلو من هذه الأمور؛ لأن هذا من بدائه العقول وأوائل العلوم، وهذا كاف في توضيح أن الأجسام محدثة مثلها؛ لشهادة العقل بأن ما لم يوجد عاريا من المُحدَثِ يجب أن يكون مثله مُحدَثًا لوجوده أوَّل[6].

    وقد فَصَّل الكراجكي أيضا كلامَ شيخه المفيد محمد بن محمد بن النعمان (تـ413هـ) عن الزيادة والنقصان في الدلالة على حدوث العالم وعلى أن جميع الحوادث الماضية لا بد لها من أوَّل، في الرد على الدَّهرية القائلين بقدم الصنعة والصانع؛ فقال: «إننا في كل وقت من أوقات زماننا بين آخر ما فيها وأول مستقبلها، فقد علمنا لا محالة آخر ما مضى وهو أحد طرفيه، ثم نحن نعلم علما لا نشك فيه أن ما يأتي من مستقبل الحوادث إلى مائة سنة يكثر عدد الماضي ويزيد فيه؛ فمعلوم أنه قبل الزيادة أقل عددا منه إذا انضمت الزيادة إليه. وهذا يدل على تناهي عدد ما مضى وحصر طرفيه؛ لأنه لو كان لا نهاية له لم تتصور العقول دخول التكثر فيه».

    فإذا قال له معارض: «إن جميع ما ذكرتموه في الماضي عائد عليكم في المستقبل؛ لأنكم تقولون: إن أفعال الله ـ تعالى ـ المستقبلة لا آخر لها. ومع هذا فقد علمتم أولها وهو أحد طرفيها؛ فيجب أن يكون ما يوجد إلى مائة سنة ينقص منها. وإذا دخل النقصان فيها دل على تناهيها وانحصار طرفيها». فجواب الكراجكي: أنَّ بين الماضي والمستقبل في ذلك فرقا، وهو أن الحوادث الماضية ليس منها إلا ما كان موجودا قبل مُضِيِّه، فقد شَملَ جَميعَها حُكمُ الوجود؛ فوجب أن يزيد فيها كُلُّ ما يَخرُجُ إلى الوجود. وليس المستقبل كذلك لأن حوادثه لم توجد، وإنما هي في إمكان الفاعل؛ فلا يصح فيها النقص، ولا سبيل إلى القول فيها بالتناهي[7].

    وكرَّر الكراجكي صورة دلالة التناهي على حدوث العالم في عدد ما مضى من الأيام والليالي، فقال: «لا يخلو أن تكون الأيام أكثر عددا من الليالي، أو تكون الليالي أكثر من الأيام، أو يكونا في العدد سواءً.

    فإن كانت الأيام أكثر من الليالي تناهت الليالي؛ لأنها أقل منها، واقتضى ذلك تناهي الأيام أيضا لبطلان اتصالها قبل الليالي بغير ليال بينها؛ فوجب على هذا الوجه تناهيهما معا.

    وإن كانت الليالي أكثر من الأيام؛ كان الحكم فيها نظير ما قدمنا من تناهي الأول ...

    وإن كانت الأيام والليالي في العدد سواءً؛ كانا بمجموعهما أكثر عددا من أحدهما بانفراده، وهذا يشهد بتناهيهما؛ إذ لو كان كل واحد منهما في نفسه غير متناه ما تصورت العقول عددا أكثر منه. وقد علمنا أن الليالي مع الأيام جميعا أكثر عددا من أحدهما وهذا مُوضِحٌ عن تناهيهما. وبهذا الدليل نعلم أيضا تناهيَ جميعِ ما مضى من الحركات والسكنات، ومن الاجتماعات والافتراقات، ومن الطيور والبيض والشجر والحَبِّ، وما يجري مجرى ذلك»[8].

    وإذا تمسك المعترض بعودة هذا الكلام على قائله لاعتقاده استمرار نعيم المؤمنين في الجنة، وعذاب الكافرين في النار؛ فجواب الكراجكي: أن الأعداد يضم بعضها إلى بعض بعد وجودها وحصرها، وأعداد الليل والنهار الماضيات قد وجدت وانحصرت بالفراغ منهما والوقوف عند آخرهما؛ فصح ضم بعضها إلى بعض وأمكن ما ذكرنا فيها.

    وأما المستقبلات من نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار؛ فأمور متوقعة لم توجد وليس لها آخر؛ لأنها تكون دائمة بغير انقضاء، وما لم يوجد من العدد فلا يصح فيه ضم بعض إلى بعض، وما يتوقع حدوثه أبدا بغير نهاية لا يكون مثلَ ما قد حدث وكان وتناهى بإدراك آخره في كل حال[9].

    ثم بَنَى على ذلك عددًا من الأدلة المتشابهة، مما يمكن أن يعترض عليه باستمرار تتابع المحدثات، ودَفَعَ الاعتراض ببيان الفرق بين الحوادث الماضية والمستقبلة بوجود الماضيات وانحصارها. ومِنْ أظهر كلامه المُعتمِد على شهادة الحس في الدلالة على أن للأفعال الماضية أولا قوله: «لو قيل: لرجل لا تَدخُلَنَّ دارًا حتى تدخل قبلها غيرها. لمْ يَصِحَّ منه دخولُ شي‏ء من الدور أبدًا، ولم يمكن ذلك إلا بأن يَبتدِئَ بواحدة منها»[10]. على حين أنه لو قيل له: لا تَدخُلَنَّ دارًا حتى تَدخُلَ بعدها دارًا غيرها. فهذا حُكْمُه حُكْمُ العَادِّ الذي يصِحُّ أن يعُدَّ ما دام حيًّا. فإذا كان ليس لوجوده آخر؛ صَحَّ أن ليس لعَدِّه آخر، ومع ذلك فلا بُدَّ من أن يكون لعدِّه أول؛ لأن العدد لا يصح أن يتوالى إلا أن يكون له أول إما واحدا، أو جملة يُبْتدَأ بها تقوم مقام الواحد. وهكذا كل مُحدَثٍ ظهر في الوجود وتَمَّ الفراغُ منه[11]. وهذا ما سبق القاضي عبد الجبار إلى صياغته في صورة قاعدة كلامية: «ما وقف وجوده على وجود ما لا انقطاع له ولا تناهي لم يصح وجوده»[12].

    وقد مثل إمام الحرمين الجويني أيضا لقول من يثبت حوادث لا أول لها بقول القائل: لا أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله دينارا، ولا أعطيك دينارا إلا وأعطيك قبله درهما. وقال: «فلا يتصور أن يعطي على حكم شرطه درهما ولا دينارا». وذلك لأن القائل هنا علق فعل إعطاء الدرهم أو الدينار الأخير عند خبره على ما سبقه، وما سبقه فرد في سلسلة لا أول لها، وما دام هذا الأول لا يكون أبدا؛ فالدرهم أو الدينار الأخير لن يوجد أبدا. ومثل الجويني أيضا لقول من يثبت تسلسل الحوادث بلا نهاية في المستقبل بمسألة الدينار والدرهم هذه: لا أعطيك دينارا إلا وأعطيك بعده درهما، ولا أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده دينارا. وقال: «فيتصور منه أن يجري على حكم الشرط». وذلك لأن هذا القائل يبدأ إعطاء الدراهم أو الدنانير بالأول الموجود بالفعل في يده، ثم يكون الثاني بعده، ثم الثالث، وهكذا يتصور منه دوام العطاء ما دام موجودا وله خزائن عامرة، يعطي درهما بعد درهم، ودينارا بعد دينار؛ ويدخل دارا بعد دار في مثال أبي الفتح الكراجكي.

    وقد نقل القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي (تـ792هـ) في «شرح الطحاوية» مثالي الجويني من الإرشاد، ثم علق عليه قائلا: «وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة؛ بل الموازنة الصحيحة أن نقول: ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما. فتجعل ماضيا قبل ماض، كما جعلت هناك مستقبلا بعد مستقبل. وأما قول القائل: لا أعطيك حتى أعطيك قبله. فهو نفي للمستقبل حتى يحصل في المستقبل ويكون قبله، فقد نفى المستقبل حتى يوجد المستقبل. أما نفي الماضي حتى يكون قبله ماض؛ فإن هذا ممكن. والعطاء المستقبل إيتاؤه من المعطي. والمستقبل الذي له ابتداء وانتهاء لا يكون قبله ما لا نهاية له؛ فإن ما لا نهاية له فيما يتناهى ممتنع»[13].

    وهذا فهم عجيب!! ولقد تركتُ صيغة الجويني، وقبلتُ صيغة ابنِ أبي العز أو مَنْ نقَلَ عنه، وبغض النظر عن مناقشة ما شغب به بعد ذلك؛ فمن قال لي: ما أعطيتُك درهما إلا وأعطيتُك قبله درهما. كاذبٌ في خبره، ومُفتَرٍ في قوله، ما أعطاني شيئا من الدراهم التي زعم قط؛ ما دام إعطاؤه الدرهم اللاحق من هذه الدراهم المزعومة متعلقا بماضيات لا أوَّل لها؛ حتى يكون ذلك الدرهم الأوَّل الذي نبدأ به عَدَّ ما بعدَه من عطاء. وأما من يقول لي: لا أعطيكَ درهما إلا وأعطيكَ بعده درهما. فأمده الله ـ تعالى ـ ووفقه إلى الصدق فيما قال!!

    وآخر دلائل الكراجكي فيه اعتماد على الاستقراء والانتقال من حكم الأجزاء إلى حكم الكل؛ إذ يقول عن أفراد الموجودات المحدثة التي يكون «العالمُ» عبارةً عن مجموعِها: «قد ثبت أنَّ كُلَّ واحدٍ منها مُحدَثٌ كائنٌ بعد أن لم يكن، ولها مُحدِثٌ مُتَقدِّمٌ عليها؛ فوجب أن تكون جميعُها مُحدَثةً كائنةً بعد أن لم تكن، ولها مُحدِثٌ مُتَقدِّمٌ عليها؛ لأنَّ جميعها هو مجتمع آحادها ولا يصحُّ أن يَختلِفَ في الجَمْعِ والتفريقِ هذا الحُكمُ فيها، كما أنَّ كل واحدٍ من الزَّنْجِ بانفراده أسود؛ والجميع باجتماعهم سود، والحُكْمُ في ذلك واحد في الجَمْعِ والتفريقِ. وقد اجتمع معنا على أن جميعها أفعال الفاعل وصنعة الصانع، والعقول تشهد بوجوب تقدم الفاعل على أفعاله، وسبقِ الصانع لصنعته، وليس يخالف في ذلك إلا مكابر لعقله»[14].

    وقد وجَّه الكراجكي بعض الأسئلة على الدَّهرية في إطار المعارف الفلكية، وقد كان من رجالات علم الفلك في زمانه؛ قاصدا تأكيد دلائله الأولى في إثبات أن للحوادث أولا، فسأل عن حركات الشمس: ألم تتحرك بحركة حتى تحركت قبلها بحركات لا نهاية لها؟

    فإن قالوا: بلى. قيل لهم: فإذا جاز أن تفرغ الحركات التي لا نهاية لها، وتحركت الشمس بها كلها حتى تنتهي إلى آخرها؛ فكذلك يجوز أن تتحرك بالحركات المستقبلة كلها حتى تفرغ منها، وتقف عند آخرها ولا يبقى مستقبل بعدها؟

    قال الكراجكي: «فإن قالوا: إن المستقبلات لا كُلَّ في الحقيقة لها. أجابوا بمثل قولنا، ثم لم ينفعهم ذلك فيما سألنا؛ لأن الفراغ مما لا نهاية له قد صح عندهم، وهو غير صحيح عندنا؛ إذ يلزمهم تقضي المستقبلات حتى توقف عند آخرها.

    فإن قالوا: إن الشمس تتحرك بحركة واحدة باقية دائمة. قيل لهم: إنه ليس يلزمنا قبول ما لا طريق إلى فهمه ولا سبيل لمدعيه إلى إثبات علمه، وهذا الذي زعمتموه دعوى عارية من برهان». وليس لهم في دعواهم انفكاك مما يلزمهم من القول بأن ما لا نهاية له قد انقضى وفرغ منه ماضيا ومستقبلا.

    وسأل الكراجكي أيضا عن دورات الشمس في الفلك: أيجوز أن تدور في المستقبل دورات بعد الدورات الماضية أم لا يجوز ذلك؟

    وقال: «فإن قالوا: غير جائز. قيل لهم. لم زعمتم ذلك وعندكم أنها تدور في المستقبل دورات لا نهاية لعددها؟ أفليس في ذلك ما يفي بما قد مضى؟

    فإن قالوا: لا يفي به جعلوا الماضي أكثر من المستقبل وأوجبوا تناهي المستقبل. وإن قالوا: إن الشمس ستدور دورات يفي عددها بما مضى أوجبوا تناهي ما مضى.

    وقيل لهم: أفيبقى من المستقبل بعد ذلك بقية؟

    فإن قالوا: لا. أقروا بوجود الأول والآخر، وأوجبوا تناهي الزمان من طرفيه، وجعلوا لدورات الشمس بداية ونهاية، وهو خلاف ما ذهبوا إليه.

    وإن قالوا: إنها ستدور دورات يفي عددها بما مضى، ويبقى من المستقبل ما لا نهاية له أيضا. لم يبق شبهة في تناهي الماضي، وصح أوله وبطل مذهبهم في قدمه. والحمد لله»[15].

    وعرض الكراجكي بعد ذلك شبهة لبعض الدهرية أوردها عليه في اجتماع لهما بالرملة، ولم يقنع الكراجكي بما قاله في ردها عليه في ذلك المجلس ولم يحكه، وإنما ذكر الكلام الذي أفاده في دفعها من الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي البغدادي (تـ436هـ) في جوابه الذي أرسله إليه، ثم عقب عليه بكلام لبعض المتكلمين موافق لرأي أبي القاسم البلخي المعتزلي البغدادي.

    أما الشبهة؛ فمبنية على دلالة السبر والتقسيم .. قال الملحد مستدلا على أن الصانع لم يتقدم الصنعة: إني وجدت ظاهرهما لا يخلو من ثلاث خصال: إما أن تتقدم الصنعة عليه، أو أن تتأخر عنه، أو أن يكونا في الوجود سواء.

    وقد فسد باتفاق تقدم الصنعة على الصانع.

    أما تأخرها عنه فيزعم الملحد فساده بأنه بين أمرين: أولهما أن يكون تأخرها عنه بمدة محصورة وتقدير أوقات متناهية، والثاني أن يكون بمدة غير محدودة وتقدير أوقات غير متناهية.

    والأول باطل؛ لأن المدة المحصورة والأوقات المتناهية لها أول وآخر، وإذا كان آخرها حدوث الصنعة؛ فأولها حدوث الصانع.

    والثاني باطل أيضا؛ لأن القول بمدة لا تحد وتقدير أوقات لا تتناهى ولا تحصر، ينافي حدوث الصنعة؛ فحدوثها يعني نهاية المدة التي هي في أصل الفرض غير متناهية.

    قال الملحد: وإن نفيتم الأوقات والأزمان التي يصح هذا فيها؛ فإنه لا يمكنكم إنكار تقديرها، وفي التقدير يلزم هذا هنا. وهذا دليل على أن الصنعة والصانع قديمان لم يزالا[16].

    وجواب الشريف المرتضى أن الصانع متقدم على صنعته من حيث كان صانعا، سواء كان قديما أو محدثا؛ لأن تقدم الفاعل على فعله حكم يجب له من حيث كان فاعلا. ويستوي في هذا الحكم الفاعل القديم والفاعل المحدث. والأصل في ذلك أن الصانع لو لم يكن متقدما على صنعته؛ لم تكن فعلا له ولا حادثة به؛ فمن شأن الفاعل أن يكون قادرا، ولا يقدر على الموجود؛ لأن وجوده يغني عن تعلق القدرة به، وهذا يدل على استحالة أن يكون الصانع والصنعة سواء في الوجود. ويستوي في هذا الحكمِ الفاعلُ القديمُ والفاعلُ المُحدَث؛ غيرَ أنَّ الصانع القديم يجب أن يَتقدَّم صنعته بما إذا قدرناه أوقاتا وأزمانا كانت غيرَ مُتناهية ولا محصورة، و لا يجب هذا في الصانع المحدث؛ فالصانع من المحدثين يتقدم صنعته بالزمان الواحد والأزمان المتناهية المحصورة. وإنما وجب ذلك في الصانع القديم؛ لأنه لو كان بين القديم والمحدَث أوقات متناهية لخرج من كونه قديما، ودخل في حد المحدث الذي يكون لوجوده أول وابتداء.

    ثم اعترض على اعتماد الملحد على الاتفاق في إفساد تقدم الصنعة على الصانع؛ فمثل هذا لا يعول فيه على الاتفاق، وإنما يلزم بيان طريق العلم من الضرورة أو الاستدلال. وكأن المرتضى يشير إلى أن دلالة نفي تقدم الصنعة على الصانع هي نفسها دلالة نفي كونهما سواء في الوجود.

    ثم تكلم على الفرق بين نفي الأول عن أفعال القديم ونفي الآخر بما يوافق كلام الكراجكي السابق، وذكر أن نفي الأول والتناهي عن الأفعال من جهة الابتداء يخرجها عن كونها أفعالا، وليس كذلك نفي التناهي عنها من قبل آخرها.

    ثم ختم نقضه لكلام الملحد بأنه صرح بأن الصنعة والصانع قديمان، ووَصْفُ القديم بأنه مصنوع ينقض كونه قديما، وفي هذا تصريح منه بأن المحدث قديم، والقديم محدث[17].

    وقد عَلَّق الكراجكي على هذا الجواب بأن جميع ما فيه من إطلاق القول بأن بين القديم وأول المحدثات أوقاتا لا أول لها، إنما يراد به تقدير أوقات دون أن يكون القصد أوقاتا في الحقيقة؛ لأن الأوقات أفعال، وقد ثبت أن للأفعال أولا .. قال: «فلو قلنا إن بين القديم وأول الأفعال أوقاتا في الحقيقة؛ لناقضناه ودخلنا في مذهب خصمنا ـ نعوذ بالله من القول بهذا». ثم أضاف نقلا عن بعض أهل العلم بالكلام أنه قال: «إنه لا ينبغي أن نقول: بين القديم وبين المحدث. لأن هذه اللفظة إنما تقع بين شيئين محدودين، والقديم لا أول له. والواجب أن نقول: إن وجود القديم لم يكن عن عدم ...، ولسنا نريد بذلك أنه كان قبل أن فعل مدة يزيد امتدادها؛ لأن هذا هو الحدوث والتجدد، وهو معنى الزمان والحركة».

    وذكر ذلك المتكلم الاعتراض على قوله بأنه لا يثبت في الأوهام للمتقدم على المتأخر إلا الزيادة في امتداد الزمن. وأجاب بأنه ليس يجب إذا ثبت في الوهم أن يكون صحيحا ثابتا في واقع الأمر. ثم ساءل المعترض: أيثبت في الوهم ذلك مع فرض نفي الحركات والتغييرات، أم مع فرض إثبات ذلك؟ فإنه لو قال قائل: ليس يثبت في ذهني موجود ليس في جهة؛ فيجب أن يكون الباري ـ عز وجل ـ في جهة. فمن الممكن أن يقال له: إنما يثبت ذلك في الوهم متى فرضتموه جسما، وأما متى فرضتموه غير جسم ولا متحيز؛ فإنه لا يثبت ذلك في الوهم. فهكذا يكون جوابنا لكم.

    وإن قال المعترض: إذا لم تثبتوا مدة مديدة قبل الفعل؛ فقد قلتم إن الباري سبحانه لم يتقدم فعله. فالجواب: بل نقول إنه يتقدم على معنى أن وجوده قارن عدمَ فعله، ثم قارن وجودَ فعله. وقولنا «ثم» يترتب على عدم الفعل لا غير.

    قال: ونقول: إذا فعل الله سبحانه شيئا إنه يجوز أن يتقدم على معنى أنه يفعله فيكون بينه وبين يومنا من الحوادث أكثر مما هو الآن وليس الكثرة والتقدم والتأخر راجعا إلا إلى الحوادث دون مدة يقع فيها.

    وقد ذكر الكراجكي أنَّ ما حكاه من طريقة هذا المتكلم الموافقة لاختيار أبي القاسم البلخي الذي نفَى أيضا إطلاق القول بأنَّ بين القديم وأول المحدثات مدة ـ قاطع لمادة شبهة ذلك الملحد[18].
    الحياء خير كله ولا يأتي الحياء إلا بخير
  • د. مصعب الخير الإدريسي
    طالب علم
    • Dec 2005
    • 143

    #2
    متابعة

    * ولئن كان شيخ الإسلام ابن تيمية لا يعارض في حدوث أعيان ما ظهر في الوجود من الأجسام؛ فقد كان ـ غفر الله لنا وله ـ ينسبُ إلى السلف من أئمة المحدثين والفقهاء من أهل السنة اعتقاد ما فَهِمَهُ هو نَفسُه، واعتقد صِحَّتَه من القول بأن أنواع الحوادث لا أوَّل لهـا، وأن كل مُعَيَّنٍ منهـا محـدث على حين أن نوعه قديم؛ بزعم دفع القـول بالتعطيل عن اللـه ـ تعالى ـ من حيث لم يمض عليه ـ عز وجل ـ زمان بلا فعل؛ فهو يرى أنه ما من فعل لله ـ تعالى ـ إلا وهو مسبوق بفعل له لا إلى نهاية؛ فالله ـ تعالى ـ فعال لما يريد أزلا وأبدا. وليس معه في ذلك نص ولا رواية لقول أحد من أئمة السلف؛ غير أنه قاس ذلك على نعيم أهل الجنة الذي يدوم نوعه ويفنى كُلُّ واحدٍ واحدٍ من أعيانه، ثم وجه في ضوء ذلك نظرته لوجود العالم المخلوقة أعيانه جميعا لله ـ تعالى[19].

    والشبهة هنا قريبة من شبهة الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم؛ فإنهم عارضوا المتكلمين بأنه إذا كان الله بصفاته اللازمة لخلق العالم قديما؛ فما الذي يمنع من كون العالَم قديما مقارنا في الوجود لفاعله كمقارنة المعلول للعلة؟ وثمَّة شبهة أخرى تتعلق بما يلوح للمعترض من امتناع حدوث العالم دون أن تتجدَّدَ صفةٌ لمحدثه، وهذه جرَّت ابن تيمية إلى تسليم قيام الحوادث بالله ـ تعالى ـ فيما أسماه الصفات الاختيارية المحدثة في أفرادها والقديمة في أنواعها أيضا، وتلك مسألة سيأتي بحثها مع مسائل الصفات الإلهية ـ بإذن الله تعالى.

    أما الشبهة الأولى؛ فجوابها أن المانع من كون العالم قديما لا يرجع إلى وجود الله ـ تعالى ـ وصفاته القديمة؛ ليقال بأن امتناع تسلسل الحوادث بلا أول يفيد كونه ـ تعالى ـ معطلا عن صفاته المؤثرة أو عن الفعل في الأزل، وإنما يرجع إلى حقيقة الفعل؛ أعني المفعول الذي لم يكن موجودا ثم وجد مسبوقا بالعدم.

    وفي بيان ما يحتاج إليه الفعل أو المفعول الحادث من الصفات المؤثرة في إيجاده من الفاعل نجد الأشعرية المتقدمين ـ على سبيل المثال ـ يكتفون بثبوت الإرادة والقدرة، أو فلنقل: العلم والإرادة والقدرة؛ لأن القصد إلى التخصيص إنما يتعلق بالمعلوم. وتكون القدرة متعلقة بصحة صدور الفعل، أو بصلاحية إحداثه، وتتعلق الإرادة بتخصيصه بما يكون عليه وفق العلم، وعندئذ لا يلزم من حدوث الأفعال (وهو لازم حقيقتها) تَجدُّدُ صفةٍ للفاعل لم تكن له مع عدمها، ولا يلزم أيضا عن عدم الأفعال أو عدم وجود المفاعيل تعطيل صفات الفاعل أو نفيها، ولا تكون هناك علاقة أصلا بين حدوث الفعل وكون فاعله قديما أو محدثا. وإن الذي يلزم مع هذا التصور، هو أن يكون الفاعل موجودا مع عدم الفعل. وابن تيمية يسلم هذا كله في أفراد ما يحدثه الله ـ تعالى ـ من العالم دون أنواعه!!

    ولما كان الأشعرية على وفاق المعتزلة في عدم الفصل بين الفعل والمفعول؛ فقد أشكل عليهم وصف الله ـ تعالى ـ نفسه بأنه خالق وفعال لما يريد في كلامه القديم الذي لم يزل قائما بذاته في قول الأشعرية جميعا، ومن ثم حاول أبو حامد الغزالي أن يرفع الإشكال بالكلام عن الثبوت بالقُوَّة والثبوت بالفعل، والكلام عن السيف القاطع في غمده أو حينما يقطع[20].

    وأما الفكر الكلامي الماتريدي؛ فله مسلك آخر في تعيين الصفات التي يحتاج إليها المفعول المُحدَث في صدوره عن الفاعل أو حدوثه من جهته، مع الفصل بين الفعل والمفعول؛ حيث يضيف إلى ما ذكره الأشعرية صفةَ التكوين التي تتعلق بإخراج المعدوم إلى الوجود أو إيجاده وإحداثه بالفعل ـ على حد تعبير أبي المعين النسفي[21].

    وأحسب أن محاولة الجمع بين المسلكين هي التي جرت المتأخرين من الأشعرية إلى الكلام عن التعلق الصلوحي والتعلق التنجيزي للقدرة، وهي في نظري محاولة فاشلة نتاجها ما هو بالأشعري الخالص؛ لأنه في حقيقته يثبت تعلقا أو وجها حادثا للقدرة القديمة، ولا هو بالماتريدي الصريح؛ لأنه ينفي أزلية التكوين بل لا يثبته معنى أصلا. على أن القول بحدوث هذا التعلق لا يحل الإشكال؛ بل ينقله برمته من الكلام في أثر حدوث العالم إلى أثر حدوث ذلك التعلق التنجيزي نفسه، وإني لا أحسب أن أحدا من الأشعرية يمكن أن يتجرَّأ على التزام ما التزمه البصريون من المعتزلة في حدوث الإرادة الإلهية لا في محل غيرَ مُرادة.

    والحق أن مذهب الماتريدية أتم في تصور العقل، وأظهر في موافقة دلائل السمع من مذهب شيوخنا الأشعرية المتقدمين والمتأخرين في هذه المسألة؛ لكن مع إضافة ما سبق إلى تقريره الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه «خلق أفعال العباد» من تسمية كل فعل مسند لله ـ تعالى ـ بما سماه الله ـ تعالى ـ به في كتابه أو في صحيح سنة نبيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم. والمقرر في كلام الأشعرية والماتريدية جميعا أن دلائل السمع الراجعة إلى الكتاب والسنة والإجماع هي أساس الإطلاق وإسناد الصفات إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ وأن دلائل العقل هي أساس الفهم والبيان لما يعتقد ثبوته من المعاني[22].

    وعلى هذا فلا حرج ولا حاجة إلى تقدير اعتبار ذهني في القول بأن الله ـ تعالى ـ لم يزل خالقا ورازقا، ومحسنا ومنعما، ومحييا ومميتا وفعالا لما يريد ...، مع اعتقاد أن الفعـل الذي يوصف الله ـ عز وجل ـ به من ذلك كله غيرُ المفعـولِ المُحدَثِ؛ رجوعا إلى تصور العقـل لما قال به الماتريديـة في تصور صفات الفاعل؛ فالفاعل أو الخالق هو الموصوف بالعلم والإرادة والقدرة والتكوين أو الإحداث أو الإيجاد أو الخلق أو الرزق ...؛ أي الذي تقوم به هذه الصفات والأفعال، بغض النظر عن وجود المفعول المُكوَّن المخلوق أو عدمه، والله ـ عز وجل ـ لم تحصل له بوجود المخلوق صفة لم تكن له فيما لم يزل؛ فهو لم يزل خالقا وإن لم يكن ثمة مخلوق، كما أنه لم يزل مريدا وإن لم يكن ثمة مراد، وقادرا وإن لم يكن ثمة مقدور ...؛ فهذا هو الفاعل الخالق الذي لا يتصور في حقه التعطيل عن صفاته ولا عن أفعاله مع إثبات تناهي مخلوقاته الحادثة إلى أول ليس قبله مخلوق حادث.

    ويبدو لي أن شيخ الإسلام مع طول انتقاده لكلام الاثنا عشرية متأثر على نحو ما بكلامهم في بيان مفهوم الفاعل بأنه «من وجد مقدوره»[23]؛ فسلم مع خضوعه للشبهتين السالفتي الذكر بأن الله ـ سبحانه ـ لا يكون فعالا لما يريد في الأزل إلا وله مقدور. ولما كان كل مقدور حادث العين؛ قال الشيخ بالقدم النوعي للحوادث ونفى أن يكون لها أول، ثم نسب فهمه وتصوره لجملة سلف الأمة من أئمة الفقهاء والمحدثين الذين لم يخوضوا في شيء من هذا الكلام!!

    وقد كان أكثر علماء الدعوة السلفية المعاصرين يتحاشون الخوض في الكلام عن نفي تسلسل الحوادث بلا أول؛ حتى نبغت فيهم من قريب باحثةٌ تُسَمَّى كاملة الكواري، حملت على عاتقها مسئولية الدفاع عن رأي ابن تيمية، وبيان أنه مخالف لقول الفلاسفة؛ ثم زعمت أنه هو قول أئمة السلف؛ مثل: أحمد بن حنبل، والدارمي، والبخاري[24]، ومن جاء بعدهم؛ فكتبت بحثها بعنوان: «قدم العالم وتسلسل الحوادث بين شيخ الإسلام ابن تيمية والفلاسفة». وقد قدَّم للبحث الشيخُ سفر بن عبد الرحمن الحوالي، الذي قال في ختام تقديمه بعد دفاع مجيد عن تسلسل الحوادث بلا أول، وعن القدم النوعي لمفردات العالم:

    «وقد كان من دواعي دهشتي وإعجابي أن تتصدَّى الباحثة الفاضلة لهذا الموضوع، الذي قَصَّرت عنه هِمَمُ كثير من المتخصصين، وتُقدِمَ عليه حين أحجموا، وتَفهَمَ ما عجز عن فهمه كثيرٌ من أهل السنة والبدعة على السواء، وتَطلُعَ بهذا المؤلَّفِ الذي يدُلُّ على عُمقٍ في التفكير، وجَلَدٍ على البحث العسير ...».

    ولست أوقظ بهذا الكلام فتنة نائمة؛ فإنما أيقظها من نشر هذا البحث العقيم، وتقديمه السقيم على شبكة الإنترنت، وأتاحه للناظرين والمتحاورين في عدد من المواقع الحاملة لشعار السلفية، التي يرى القائمون عليها أنهم دون غيرهم أصحاب الحق في الكلام عن الإسلام[25].

    ولقد كان في شيوخنا من يسارع إلى تكفير القائل بثبوت حوادث لا أول لها؛ حملا لقوله على قول الدهرية الذي دعا المتكلمين في أول الأمر إلى الكلام عن حدوث العالم جملة واحدة باعتباره مخلوقا مصنوعا لله ـ عز وجل ـ بكل مفرداته. وهذا التكفير بعيد حكمه ـ عندي ـ في هذه المسألة خاصة عمن يعتقد أن كل ما سوى الله ـ تعالى ـ مخلوق ومصنوع له، ويُصرِّح بأنَّ كُلَّ ما يَتَعَيَّنُ وجودُه من هذه المصنوعات مُحتاجٌ في وجوده واستمراره إلى الله ـ عز وجل ـ وإن أخطأ سبيل المعقول والحق في هذه المسألة بشُبْهَةٍ وقعت له في فهم حقيقة الزمان، ومعرفة حكم تقديره مع الجواز لا مع الاستحالة، وإن كان من الغفلة تقدير زمان بغير مخلوق ينتقل من مكان إلى مكان؛ ليقال مع عدم العالم: مضى على الله ـ تعالى ـ زمان فعل فيه أو لم يكن فيه فاعلا. وإنني لا أدري كيف انتظم في عقول هؤلاء أن يحكموا باشتمال الزمان على أفعال الله ـ تعالى ـ التي يصرحون بأنها قائمة به وغير منفصلة في الوجود عنه، والزمان من جملة مخلوقاته؟!

    وهنا يلزم بيان مفهوم الزمان الذي يتعالى عن حكومته ذات الله ـ سبحانه ـ وصفاته وأفعاله. وسأقدم المفهوم عند متكلم شيعي اثنا عشري أيضا ـ بحكم اشتغالي بدراسة الفكر الكلامي لهذه الطائفة زمانا غير قصير ـ ثم أشير إلى المفهوم العلمي الحديث الذي أكد حقيقة أصل ذلك المفهوم الكلامي عند متكلمي السنة والشيعة على حد سواء[26].

    إن مفهوم الزمان عند الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان العكبري (تـ413هـ) متعلق بالمكان وحركة الجواهر والأجسام، وهو عنده ليس بحادث مخصوص، ويمكننا أن نقول: إننا لو فرضنا عدم الجواهر والأجسام أو سكونها أبدا؛ فلن يكون للزمان وجود ولا مفهوم.

    والشيخ المفيد يقدم لنا في جوابه عن المسألة السابعة عشرة من «المسائل العكبرية» ما يُبَين فائدة هذه المعارف من دقيق الكلام، وضرورة إحاطة المتكلِّم بها، حينما يرد اعتراضا فلسفيا يتعلق بكون الله ـ تعالى ـ وحده فيما لم يزل دون أن يكون شيء معه .. هل أحدث العالم دفعة واحدة أو في زمان بعد زمان؟ وإن كان أحدثه في زمان بعد زمان على ما هو مشاهد؛ فقد كان معه شريك هو الزمان.

    قال الشيخ المفيد: «إن الله لم يزل واحدا لا شيء معه ولا ثاني له، وإنه ابتدأ ما أحدثه في غير زمان. وليس يجب إذا أحدث بعد الأول حوادث أن يحدثها في زمان، ولو فعل لها زمانا لما وجب بذلك قِدَمُ الزمان؛ إذ الزمان حركات الفلك، أو ما يقوم مقامها مما هو بقدرها في التوقيت. فمن أين يجب عند هذا الفيلسوف أن يكون الزمان قديما إذا لم توجد الأشياء ضربة واحدة، لولا أنه لا يعقل معنى الزمان؟ ...

    على أنه يقال لمن ظن أن الأفعال لا تكون إلا في زمان: خبرونا عما بين الزمانين المتصلين: أهو زمان أم غير زمان؟ فإن قالوا زمان. أحالوا بجعلهم بينهما فصلا، والمسألة عن غير هذا. وإن قالوا: لا زمان بينهما. اعترفوا بتقدير فعل لا في زمان. وإن زعموا أن الزمان شيء واحد لا يتقدم بعضه بعضا؛ أوجبوا أن يكون الموجود في سنة أربعمائة من الهجرة هو الموجود في أول سنة من الهجرة، والموجود في عهد آدم على الابتداء مُبْتَدَأٌ في عهد النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وأن زمان آدم هو زمان محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ وهذا تجاهل لا خفاء به»[27].

    إنه ليمكننا بعد ذلك أن نقول: إن الزمان ـ عند المفيد ـ عبارة عن وحدات مستقلة ومتتابعة، كل وحدة منها هي مقدار الانتقال من محيط جزء أو جوهر فرد إلى آخر، ولعل هذا هو المعنى الذي أراده المستشرق الأمريكي «مكدرموت» ونقله «علي هاشم» إلى العربية على النحو التالي: «سيظهر لنا بأن لهذه الوحدات المنفصلة من البقاء والدوام شَكْلا ذَرِّيًا»[28].

    ويلاحظ هنا في معطيات العلم الحديث أن «ثانية الفيمتو ـ Femto second » أصغر وحدة زمنية مدركة علميا في عصرنا الآن، وقد تم اكتشافها بواسطة الدكتور أحمد زويل عام 1998م ومجموعته العلمية في معامل جامعة كالتك بولاية كاليفورنيا الأمريكية، هي عبارة عن مقدار عبور الضوء لسمك شعرة واحدة (واحد على مليون من بليون من الثانية، أي أن النسبة بين هذه الوحدة الزمنية وبين الثانية تساوي النسبة بين الثانية و32 مليون سنة)[29]. وهذا يؤكد أن الزمان في مفهومه الأخير هو مقدار الحركة .. مقدار انتقال متحرك في مكان.
    الحياء خير كله ولا يأتي الحياء إلا بخير

    تعليق

    • د. مصعب الخير الإدريسي
      طالب علم
      • Dec 2005
      • 143

      #3
      متابعة

      وأما المكان؛ فقد ذكر الإمام الفخر الرازي محمد بن عمر بن الحسين الخطيب (تـ606هـ) في «المطالب العالية» مذاهب الناس في بيان حقيقة مفهومه فقال: «والجملة فمكان الشيء هو الذي يكون فيه الشيء ويفارقه بالحركة، ولا يسع معه غيره، وتتوارد المتحركات عليه على سبيل البدل. فهذا القدر أمر معلوم بالضرورة، ثم نقول: إن هذا الشيء إما أن يكون أمرا ينفذ فيه ذات الجسم ويسري فيه، وإما أن لا يكون كذلك؛ بل يكون هو السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي. والأول هو القول بأن المكان هو البعد والفضاء، وهو مذهب أفلاطون وأكثر العقلاء. والثاني هو القول بأن المكان هو السطح الحاوي. فالمذهب المحصل المعقول في المكان والحيز ليس إلا هذان القولان»[30].

      وهذا ما اعترض عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة» في تعليقه على كلام نصير الدين الطوسي في «تلخيص المُحَصَّل». وقد ذكر ابن تيمية أن هذين القولين محل نزاع المتفلسفة أصحاب أفلاطون وأصحاب أرسطو؛ فأصحاب الأول يقولون بأنه جوهر قائم بنفسه تحل به الأجسام، وليس هذا قول كثير من المتكلمين. وأن أرسطو وأصحابه يقولون بأن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من الجسم المحوي، وهو عَرَضٌ عند هؤلاء. وأن نصير الدين الطوسي ذكر أن هذا خفي الحقيقة. ثم قال ابن تيمية: «وأما علماء المسلمين؛ فليس عندهم ـ ولله الحمد ـ من ذلك ما هو خفي؛ بل لفظ «المكان» قد يراد به ما يكون الشيء فوقه محتاجا إليه، كما يكون الإنسان فوق السطح. ويراد به ما يكون الشيء فوقه من غير احتياج إليه؛ مثل: كون السماء فوق الجو، وكون الملائكة فوق الأرض والهواء، وكون الطير فوق الأرض، ومن هذا قول حسان بن ثابت:

      تعالَى عُلُوًّا فَوْقَ عَرشٍ إلهُنا *** وكانَ مكانُ اللهِ أعلى وأعظما

      مع علم حسان وغيره من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الله غني عن كل ما سواه، وما سواه من عرش وغيره محتاج إليه ...، كما أنشده عبد الله بن رواحة ـ رضي الله عنه ـ:

      شَـهِدتُ بأنَّ وعدَ اللهِ حَـقٌّ *** وأنَّ النَّارَ مثوى الكافرينا

      وأنَّ العرشَ فوقَ الماءِ طافٍ *** وَفوقَ العرش رَبُّ العالمينا

      وتحمِلُــه ملائكةٌ شِــدادٌ *** ملائكــةُ الإلهِ مُسَـوَّمِينا

      ... وقد يراد بالمكان ما يكون محيطا بالشيء من جميع جوانبه. فأما أن يراد بالمكان مجرد السطح الباطن، أو يراد به جوهر لا يُحَسُّ بحال؛ فهذا قول هؤلاء المتفلسفة، ولا أعلم أحدا من الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة المسلمين يريد ذلك بلفظ «المكان»، وذلك المعنى الذي أراده أرسطو بلفظ «المكان» عَرَضٌ ثابت؛ لكن ليس هذا هو المراد بلفظ «المكان» في كلام علماء المسلمين وعامتهم، ولا في كلام جماهير الأمم علمائهم وعامتهم. وأما ما أراده أفلاطون؛ فجمهور العقلاء ينكرون وجوده في الخارج»[31].

      وأما ما قاله ابن تيمية عن إطلاق كلمة «المكان» على ما يكون الشيء فوقه من غير احتياج إليه، ككون السماء فوق الجو، والملائكة والطير فوق الأرض؛ فمما لا أعقله، ولا أجد له حجة فيما ذكره، وهذا كلام يُسوِّغ به إضافة حقيقة المكان إلى الله ــ تعالى ــ بلا مجاز؛ لأن اسم «المكان» دال بأصل اشتقاقه في اللغة على ما يوجد فيه كائن. وهو من المادة الثلاثية (ك. و. ن)، ولكثرة استعماله توهمت الميم في أوله أصلية؛ فقيل: «متمكن» للدلالة على الكائن المستقر في المكان.

      والمعقول من «المكان» حقا ما قاله الرازي في صدر كلامه، وهو الذي يكون فيه الشيء ويفارقه بالحركة، ولا يسع معه غيره، وتتوارد المتحركات عليه على سبيل البدل. وأهل اللسان يطلقونه على وجه الحقيقة على المعنى الأول مما ذكره ابن تيمية، ككون الإنسان على السطح؛ فما يقوم عليه من ذلك السطح مكانه. وهذا ما أخذ به المعتزلة حينما ذكروا أن المكان ما يمنع المتمكن من الهوي. والله ــ عز وجل ــ منزه عن ذلك المعنى.

      ويطلق أيضا على ما يحيط بالشيء من جميع جوانبه؛ حيث يمتنع وجود غيره حيث هو؛ فمكان الجسم ما يتناهى إليه ذلك الجسم ويحده من كل الجهات. وهذا ما ذكره ابن تيمية آخر كلامه، وهو ما أخذ به الأشعرية والماتريدية، وهو أعم في الإطلاق نعرف به مكان المستقر على الأرض وأمثالها، ومكان ما يطير في أجوائها. والله ـ عز وجل ـ منزه عن هذا المعنى أيضا. ولا يتصور التمكن الحقيقي بغير هذين المعنيين.

      ويطلقه أهل اللسان بعد ذلك مجازا على المنزلة والرتبة، أي المكانة، ولا أفهم مما ذكره ابن تيمية من شعر حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ غير هذا.

      أما الاستواء على العرش؛ فقضية أخرى مستقلة عن إثبات المكان، وقد كان القاضي الباقلاني ينزه الله ـ تعالى ـ عن المكان، ويثبت أنه ـ تعالى ـ مستوٍ على عرشه كما أخبر، ويقول: «وليس هو ممن يجوز أن يحويه مكان، ولا تحيط به أقطار؛ غير أنا نقول: إنه على عرشه، لا على معنى كون الجسم بالملاصقة والمجاورة ـ تعالى عن ذلك علوا كبيرا»[32]. وسيأتي تفصيل الكلام عن ذلك في مسائل الصفات ـ بإذن الله تعالى.

      وأعود فأقول: إنَّ تصور الزمان الحادثة أجزاؤه أو وحداته بلا أول، هو عين ما أدخل الشُّبْهَةَ على الفلاسفة وكُلِّ من قال بقدم العالم، ونفي صنعه، ومنعِ كونه مسبوقا بالعدم؛ فما أسقطهم في هذه الوهدة سوى ذلك، فأحسبهم لم يمنعوا أن يكون لحركات الأفلاك أجزاء، وإن كان من قول أرسطو المعروف أن الحركة الدائرية مستمرة؛ فالمتحرك لا بد أن يقطع أجزاء في حركته .. لقد كانوا يقولون: إنه ما من حركة إلا وقبلها حركة بلا سكون يتخلل الحركات الدائرية للأفلاك. وهذا هو القدم النوعي الذي قال به ابن تيمية، ونسب فهمه بغير حق إلى جملة أئمة الفقهاء والمحدثين الذين لم يخوضوا في شيء من هذا القول، ولا يلزمهم في عقائدهم من لوازمه الفاسدة شيء ..

      ولقد أعجبني قـول سـمعته من قريب يلزم عنه نفيُ التكفير في هذه المسـألة أصلا؛ لأن هذا الحكم فرع العقل الصحيح، ومثبت تسـلسـل الحوادث بلا أوَّل عارٍ من العقـل الذي يدرك أن كل ما دخل الوجـود بعد أن لم يكن ـ محصـورٌ بالعدد، وإن زاد عَدُّه عن إمكانات إحصائنا؛ فالله ـ تعالى ـ يُحصيه ويَعُدُّ أفرادَه عَدًّا.

      وسواء أحصينا أو كان العدُّ والإحصاء من الله ـ تعالى ـ وحده؛ فلا بُدَّ من أوَّل، وإلا كان اللازم عن قدم الأنواع إبطال المحاسبة في يوم القيامة أيضا؛ متى لم يكن لأنواع المخلوقات من المحاسبين أوَّل، أم أنَّ عقول هؤلاء تُجَوِّزُ البدء والفراغ مما لا نهاية له!! وإني أتكلم هنا عن المحاسبين المخلوقين لله ـ عز وجل.

      والسؤال: كيف يثبت بدء حساب ما لا أول له منهم، وكيف يثبت الفراغ من حساب هؤلاء؛ ليذهب أهل النار إلى النار، وأهل الجنة إلى الجنة في يوم القيامة، وهو يومٌ واحدٌ كائنا ما كان طول زمانه؛ فليس منه ما قبله ولا ما بعده من الأزمنة الجارية على أهل التعذيب في النار والتنعيم في الجنة؟!

      وإن الذي يُثبتُ المعاد ويثبت الحساب في يوم القيامة، يلزمه أن يُثبتَ بدايةً ونهايةً لأنواع المحاسبين من الجن والإنس وما يعلمه الله ـ تعالى ـ من مخلوقاته التي لا يُحصي أنواعَها وأفرادَها غيرُه. وإذا لم يجدوا في العقل ولا في السمع القاطع ما يمنع هذا الإلزام، وقالوا: إن أهل الحساب لهم بداية ونهاية دون غيرهم من الخلائق. فإنا نسألهم بماذا يفصلون بين أنواع المحاسبين وغيرهم من المخلوقات التي يقولون بأنها قديمة النوع، وما من مخلوق من أفرادها إلا وقبله مخلوق؟

      وإن عرَفَ هؤلاء بدلالة السمع المقطوع بثبوته أن للمكلفين من البشر بداية، وكانت هذه الدلالة مخصصة لهم من عموم الحوادث التي لا أول لها؛ فأين لهم في السمع المقطوع به مثل ذلك في سائر المحاسبين يوم القيامة؟ وإن لم يكن عندهم قاطع بأن إبليس أو غيره في الجن بمنزلة آدم ـ عليه السلام ـ في البشر؛ فكيف يكون حالهم فيما سوى ذلك من مخلوقات الله ـ تعالى ـ التي تفرد بإحصائها؟!

      فإن قالوا على قياس ابن تيمية: المحاسبون لهم بداية ونهاية، وما سواهم من المخلوقات قديم النوع لا أول له، كما أن نعيم أهل الجنة باقي النوع لا آخر له وليس فيه مخلوق محاسب[33].

      قلنا لهم: بئس القياس قياسكم الذي لا يجمع بين طرفيه جامع معقول؛ فإن الله ـ تعالى ـ يوجد أصناف النعيم في الجنة مما لم يكن داخلا في الوجود أصلا، ولا نهاية لما يمكن أن يوجد في المستقبل في خزائن من إذا شاء قال كن فيكون؛ على أن مفردات هذا النعيم إذ تدخل في الوجود بالفعل لها أول، ولم يكن قبل وجود الجنة منها شيء؛ إلا إذا كان هؤلاء يعتقدون أيضا قدم الجنة بزعم أن المسلمين جميعا يعتقدون بقاءها، أو أنهم يردون ما أجمعت عليه الأمة من أنه ليس في نعيم الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، وليس لهذا حكم يخالف كونه مفتتح الوجود في الجنة فقط.

      ثم إن أصناف النعيم التي تكون في الجنة إنما يوجدها الله ـ تعالى ـ لتنعيم من أدام وجودهم من أهلها؛ فما الذي يقوله هؤلاء الذين يفهمون ما قَصَّرَ عن فهمِه غيرُهم من أهل السنة والبدعة في أنواع هذه المخلوقات التي لا أول لأفرادها عندهم؟!

      وليت شعري كيف يخلص لهؤلاء احتجاج على بعض ملحدي عصرنا القائلين بتطور الخلائق، والمعتقدين أن البشر متحولون عن كائنات حية سابقة من الحيوان في سلسلة لا أول لها؟ وبماذا يجيبون القائل بإنه لا شيء يوجد من لا شيء، وينكر خلق المسبوق بالعدم المحض، ويجحد إحداث ما لم يكن له أصل موجود ألبتة؟ لقد صدق الإمام ابن حزم حينما قال: «أصناف الحمق أكثر من أصناف التمر»[34].

      ونعم إننا نستطيع إثبات وجود الصانع، وأن نعرف صفاتِه وأسماءه، وما كلفنا به من الشرائع، عن طريق إثبات النبوة، وتصديق النبي فيما يبلغنا عن ربه. ونستطيع أن نثبت المعرفة بالمعاد والحساب من ذلك الطريق أيضا؛ على ما كان من أصحاب سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقال به أئمة الفقهاء والمحدثين. وهذه المعرفة لا يشوبها ما يزعزع اليقينَ بصحتها، ما لم تظهر الشبه المتعلقة بقدم العالم وتسلسل الحوادث؛ للتشويش على هذه العقائد وزعزعة اليقين بها في عقول المسلمين، وهنا يجب في حق من عاصر إعلانَ هذه الشبه من علماء المسلمين أن يجرد سلاح فكره، وصحيح فهمه لعقائد الكتاب والسنة؛ ليدفع الباطل ويدرأ الشبهة.

      ولقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يلقون الدهرية من مشركي العرب النافين للبعث والنشور، من الذين بين الله ـ تعالى ـ اعتقادهم في قوله ـ عز وجل ـ: ]وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. وَلَلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ[ الجاثية/ 24: 27. وعرفنا كيف أجرى الله ـ تعالى ـ الحجة لهم على هؤلاء الدهرية بما هو ثابت ومُسَلَّمٌ عندهم من أن الله خلق كل واحد منهم ابتداء، والإعادة أهون من الابتداء، كما هو مفصل في آخر سورة يس، وفي غيرها من سور القرآن الكريم.

      والذين جاءوا بعد ذلك من المسلمين نبغ في زمانهم من يعارض عقائدهم في ثبوت الصانع، وثبوت المعاد بغير الاعتماد على أنهم لم يروا أحدا ممن ذهب من آبائهم يعود، وإنما كانوا يقولون مثل الدهري الملحد الذي لقي المتكلم الشيعي أبا الفتح محمد بن عثمان الكراجكي، فقال له مستدلا على أن الصانع لم يتقدم الصنعة: إني وجدت ظاهرهما لا يخلو من ثلاث خصال: إما أن تتقدم الصنعة عليه، أو أن تتأخر عنه، أو أن يكونا في الوجود سواء.

      فمن ثم وجب الكلام على علماء هذا الزمان في دفع هذه الشبه الجديدة؛ لتسلم لهم عقائدهم، دون أن يكون في ذلك خروج ولا معارضة للكتاب والسنة اللذين جاء فيهما حكاية كثير من أقوال المذاهب الفاسدة، وبيان أصول ما يُدفَعُ به عن عقائد الإسلام.

      وكما يجب علينا أن نجدد في أسلحة الدفاع عن أرض الإسلام وحرمات أهله ونشر دعوته بالحق؛ وفق المتغيرات في الأزمنة المتعاقبة، وما ندافع عنه شيء ثابت لا يتجدد ولا يتغير ـ كذلك يجب علينا أن نجدد في وسائل الدفاع الفكري عن عقائدنا، وهي عين ما ثبت في الكتاب والسنة، لا نبدلها ولا نضيف إليها من عند أنفسنا شيئا. ولكل وسيلة مختصون بالتجديد فيها من أهل العلم والخبرة بها ..

      ولا شك في أن المتكلم الذي يحصر طرق معرفة الله ـ تعالى ـ في الكلام المبني على إثبات حدوث العالم فقط، أو المحصور في معرفة حدوث العالم من طريق حدوث الجواهر والأعراض .. لا شك في أن الشطط قد بلغ به مبلغا عظيما؛ فحصول هذه المعرفة من غير هذا الطريق ثابت بلا ريب، وقد لا يخطر ببال المسلم المؤمن الكلام في حدوث جملة العالم بكل ما فيه إثباتا ولا نفيا قط، وهو مسلم مؤمن عارف ربه بما يتجلى من آثار حكمته في كل ما يدركه، متبع لنبي الإسلام، يُرجَى له النجاةُ بما اعتقده من الحق، ويُخشَى عليه العذابُ فيما قصَّرَ فيه وراء ذلك.

      لكن إذا كان المقصد من وراء هذه الكلمة أن الدلالة على معرفة الله ـ تعالى ـ لا تتم لمن ظهرت في حضرته شبهة القول بقدم العالم، إلا بعد معرفة الدلالة على حدوثه ونفي وجود حوادث لا أول لها، ونفي وجود حوادث لا فاعل لها؛ فإن لها وجها معقولا لا ينكر، خاصة في الكلام المحصور في مسألة معينة مع من لا يصدق ثبوت النبوة. وإن قيل: يُدفَعُ هذا بمطالبة المتكلم بالبدء ببيان ثبوت النبوة، وعصمة خبر النبي عن ربه. فقد يسلم هذا الآن في المتواترات التي لا تحتمل ألفاظها أكثر من معنى، وهذا شأن الأصول المحضة؛ لكن ما تفرع بعد ذلك من المسائل، وتعلقت به الشبه المفصلة في طول ما مر من تاريخ الإسلام، ولا نستطيع أن نغمض أعيننا عنه، ولا أن نتجاهل وجوده ـ كل ذلك لا يصلح له الاكتفاء بهذا الوجه من الدلالة.

      والمثال القريب لذلك هو هذا القول بثبوت حوادث لا أوَّل لها، وما يلزم عنه من بطلان الحساب في أصل المعاد، وإفساد دلائل عقيدة التوحيد في معرفة الله ـ تعالى ـ وصفاته .. أين مورد إثباته القاطع من الكتاب والسنة؟ إن القائل من جملة المسلمين بثبوت حوادث لا أوَّل لها، لا يعتقده إلا بشبهة عقلية عرضت له. وأين مورد نفيه القاطع من الكتاب والسنة؟ إن القائل بنفيه معتمد في أصل استدلاله على أدلة العقل الناصرة للمُصرَّحِ به في الكتاب والسنة، لا على دلالة نصية قطعية مباشرة. ومن يزعم غير هذا؛ فليأت ببرهانه إن كان من الصادقين.
      الحياء خير كله ولا يأتي الحياء إلا بخير

      تعليق

      • د. مصعب الخير الإدريسي
        طالب علم
        • Dec 2005
        • 143

        #4
        الإحالات والتعليقات

        --------------------------------------------------------------------------------

        [1]- وهو البحث الذي نال به درجة الدكتوراه من جامعة الملك عبد العزيز، وطبعته للمرة الرابعة مكتبة العلوم والحكم ـ المدينة المنورة، السعودية 2001م. وقد فصلت الكلام عما اتهم به الحافظ البيهقي في هذه المسألة في بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية بين المتكلمين والصوفية حتى نهاية القرن الخامس الهجري ـ ص 81: 83. رسالة ماجستير بكلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة 1997م.

        [2]- راجع البيهقي: الاعتقاد على مذهب السلف ـ ص 7. تصحيح الشيخ أحمد محمد مرسي. ط حديث أكادمي ـ فيصل آباد، باكستان (ب ـ ت). والأسماء والصفات ـ ص 281. نشرة الشيخ محمد زاهد الكوثري. ط دار إحياء التراث الإسلامي ـ بيروت، لبنان (ب ـ ت).

        [3]- راجع ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل ـ 1/ 19: 22. ط مكتبة السلام العالمية ـ القاهرة، مصر (ب ـ ت).

        [4]- راجع بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية ـ ص 87: 89، 93، 94.

        [5]- راجع أبا سعيد النيسابوري: الغنية في أصول الدين ـ 56: 64. تحقيق عماد الدين حيدر. ط1، مؤسسة الخدمات والأبحاث الثقافية ـ بيروت، لبنان 1987م. والجويني: الإرشاد ـ ص 25: 27. تحقيق الدكتور محمد يوسف موسى، والشيخ علي عبد المنعم عبد الحميد. مكتبة الخانجي ـ القاهرة، مصر 1950م.

        [6]- انظر الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 177، 178. تحقيق الشيخ عبد الله نعمة. نشر دار الذخائر. ط1، مطبعة أمير ـ قم، إيران 1410هـ.

        [7]- انظر السابق ـ ص 35. وذلك لأن الكلام فيما يكون في المستقبل من الحوداث كلام في معدوم لم يوجد؛ فلا يتصور فيه نقص ولا زيادة، بخلاف الماضي الذي وجد بالفعل؛ فيلزم حصره وعده كما يتم حصر وعد كل ما نراه موجودا ..

        [8]- انظر الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 36.

        [9]- انظر السابق ـ ص 36، 37.

        [10]- وهذه الدلالة سبق إلى تقريرها شيوخ المعتزلة وغيرهم من العدلية، كما نقل الكراجكي نفسه عن الشريف المرتضى في موضع لاحق من كنز الفوائد ـ ص 45.

        [11]- انظر الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 37: 39. ولقد غيرت في ترتيب كلامه، وأدخلت بعض أدلته في بعض؛ بغرض الاختصار دون إخلال بأصل فكرته.

        [12]- القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ـ ص 181. تعليق الإمام أحمد بن الحسين بن أبي هاشم (مانكديم). تحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان. ط2، مكتبة وهبة ـ القاهرة، مصر 1988م.

        [13]- القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي (تـ792هـ): شرح الطحاوية ـ 69، 70. تحقيق الأستاذ أحمد محمد شاكر. ط مكتبة دار التراث ـ القاهرة، مصر (ب ـ ت).

        [14]- الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 40، 41. وها هو ذا الكراجكي في زمانه خلال القرن الخامس الهجري يدلل على نفي التفريق في حكم الحدوث بين أفراد الحوادث وأنواعها، أو بين أعيان العالم وجملته!!

        [15]- الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 39، 40.

        [16]- انظر الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 42، 43. وما أثبته هنا من صياغة الشبهة هو الصحيح الذي يعقل معه ألا يلتفت مثل الكراجكي إلى موطن دفعها لأول وهلة في مجلس إعلانها، ويحتاج في دفعها بما يقنع به إلى طول تأمل ومراجعة مع مراسلة الشيوخ، وقد أثبتها محقق الكتاب بصياغة لا تكاد تحقق من معناها شيئا.

        والأصل في هذه الشبهة التسوية في إجراء مفهوم الزمان على الصانع والصنعة، والحق أن الزمان الذي هو قياس الحركات (أو ما به تقدير الحركات كما يقول الآمدي في المبين ـ ص 96) عبارة عن نسبة بين طرفين محدثين؛ فهو ممتنع الوجود فيما بين الله ـ تعالى ـ والعالم المحدث، وممتنع الوجود لا يقدر في إجراء المسائل، وإنما يقدر الجائز. وسيأتي ما يمكن أن نعده تصريحا بذلك في كلام لاحق للكراجكي نقله عن بعض علماء الكلام.

        أما تقدم الصانع على الصنعة؛ فهو المعقول من كونها فعلا له وحادثة به، كما سيأتي في كلام الشريف المرتضى. ووجود العالم مسبوق بالعدم، والعدم لا زماني؛ إذ لا يتصور معه حركة ولا متحرك أصلا.

        [17]- انظر الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 43: 45.

        [18]- انظر الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 45: 48. وهذا لا يقال في تقدم وجوده ـ تعالى ـ على وجود مصنوعاته فقط؛ بل يقال في تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض؛ إذ لو كان تقدم بعضها على بعض بالزمان بحيث يكون ما مضى من الزمان على وجود المتقدم أكثر مما مضى على وجود المتأخر، كتقدم موسى على عيسى ـ عليهما السلام ـ لوجب أن يكون للزمان زمان، وهذا يفضي إلى التسلسل المحال، أو إلى وجود ما لا نهاية له من الأزمنة دفعة واحدة. ولا يصح أن يكون التقدم بالعلة كتقدم المضيء على الضوء الفائض عنه، وتقدم حركة الإصبع على تقدم حركة الخاتم، ولا بالذات كتقدم الواحد على الاثنين المُسمَّى بالتقدم الطبيعي أيضا؛ لاقتران المتقدم والمتأخر هنا وعدم الاقتران بين أجزاء الزمان. ولا يجوز أن يكون التقدم فيها بالشرف كتقدم العالم على الجاهل؛ لأنه لا فضل لجزء منها على آخر. ولا بالرتبة كتقدم الأقرب إلى مبدأ معين على ما سواه، وهو المسمى أيضا بالتقدم الوضعي؛ لعدم وجود ترتب عقلي ولا وضعي بين أجزاء الزمان؛ فكان القول في تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض بمعنى أن المتقدم منها كان موجودا مع عدم المتأخر، لا أنه يسبقه بوقت أو زمان متناه أو غير متناهٍ .. راجع شرح المواقف للشريف الجرجاني ـ 6/ 269: 271.

        [19]- انظر ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل ـ 2/ 148. تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم. ط1، جامعة الإمام محمد بن سعود ـ الرياض، السعودية 1401هـ ـ 1981م. وقد توسع الأستاذ سعيد عبد اللطيف فودة في تتبع كلام ابن تيمة الدال على قوله بالقدم النوعي لأعيان الحوادث في كتابه: الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية ـ ص89: 113. ط1، دار الرازي للطباعة والنشر والتوزيع ـ عمان، الأردن 1420هـ ـ 2000م.

        وراجع نقد هذا الرأي وكلامي عن أنه مُعَارَضٌ بالنقل الصحيح أيضا في بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية ـ ص 258. وكنت ذكرت يومئذ أنه معارض بما رواه البخاري في صحيحه من قول رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في جواب سؤال لأهل اليمن: «كان الله ولم يكن شيء غيره» اعتمادا على ما سمعته قديما من الشيوخ في أن هذا أولى ألفاظ روايات الحديث من حيث تضمنه لما سواه. وكنتُ قد أخطأتُ في عزو هذا اللفظ إلى كتاب التوحيد من صحيح البخاري. والصواب أن البخاري أخرجه في صحيحه: كتاب بدء الخلق ـ باب ما جاء في قوله تعالى: ]وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ[ الروم/ 27. والذي في كتاب التوحيد ـ باب ]وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء [هود/ 7، إنما هو لفظ: «كان الله ولم يكن شيء قبله». أخرجه البخاري بطريق آخر غير الذي سبق في كتاب بدء الخلق. وهذا اللفظ الأخير هو الذي يرجحه ابن تيمية، ويزعم أنه موافق لقوله في القدم النوعي وتسلسل الحوادث بلا أول ..

        وقد نقلت مؤخرا من كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني ـ رحمه الله تعالى ـ في فتح الباري ـ 13/ 410 (تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب. ط دار المعرفة ـ بيروت، لبنان 1379هـ) في شرحه لرواية كتاب التوحيد من صحيح البخاري: «قوله: «كان الله ولم يكن شيء قبله». تقدم في بدء الخلق بلفظ «ولم يكن شيء غيره». وفي رواية أبي معاوية «كان الله قبل كل شيء» وهو بمعنى «كان الله ولا شيء معه» وهي أصرح في الرد على من أثبت حوادث لا أول لها من رواية الباب، وهي (أي مسألة إثبات تسلسل الحوادث بلا أول) من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية، ووقفت في كلام له على هذا الحديث يرجح الرواية التي في هذا الباب على غيرها، مع أن قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه على التي في بدء الخلق لا العكس، والجمع يُقَدَّمُ على الترجيح بالاتفاق». ومعنى كلام الحافظ أن معنى الرواية الأولى لا يلزم معه رد الثانية، فهما بمعنى «كان الله ولا شيء معه». أما ترجيح الرواية الثانية «كان الله ولم يكن شيء قبله» على ما ذكره ابن تيمية؛ فإنه يقضي برد الرواية الأولى من الصحيح ورد ما سواها مما جاء في كتب السنن مما أورده الحافظ في كلامه. وقد قال ابن تيمية ما قاله مع أن الرواية التي رجحها متضمنة سؤال أهل اليمن عن أول أمر الخلق .. قالوا: «جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر، ما كان؟». على حين أن الرواية الأولى جاء فيها فقط قولهم: «جئنا نسألك عن هذا الأمر».

        [20]- راجع الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد ـ ص 78، 79. ط شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ـ القاهرة، مصر (ب ـ ت). وراجع أيضا الدكتور عبد الفضيل القوصي: هوامش على الاقتصاد في الاعتقاد ـ ص 17: 23. ط2، دار الطباعة المحمدية ـ القاهرة، مصر 1418هـ ـ 1997م.

        [21]- كما في كتابه: التمهيد لقواعد التوحيد ـ ص 188. تحقيق جيب الله حسن أحمد. ط1، دار الطباعة المحمدية ـ القاهرة، مصر 1406هـ ـ 1986م. وفي تبصرة الأدلة ـ 1/ 306. تحقيق كلود سلامة. نشر المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق. ط1، الجفاني والجابي للطباعة والنشر ـ ليماسول، قبرص 1990م.

        [22]- راجع تفصيل ذلك في بحثي: الفكر الكلامي الاثنا عشري خلال القرن الخامس الهجري .. دراسة مقارنة بآراء أهل السنة ـ ص 443: 448. رسالة دكتوراه بكلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة 2005م.

        [23]- انظر بحثي: الفكر الكلامي الاثنا عشري خلال القرن الخامس الهجري ـ ص 586.

        [24]- ينسبون هذا القول إلى البخاري، وكأنه لم يترجم في صحيحه لكتاب كامل بعنوان «بدء الخلق». وكأنه لم يقل كلمته صريحة ظاهرة في كتابه «خلق أفعال العباد» ـ ص 37 (تحقيق الشيخ بدر البدر. ط1، الدار السلفية ـ الكويت 1405هـ ـ 1985م) فيما أورده من كلام أبي عبيد القاسم بن سلام (تـ224هـ)؛ محتجا به على أن كلام الله ـ تعالى ـ ليس من جملة الخلق، فذكر قوله ـ تعالى ـ: ]إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ[ النحل/ 40. ثم قال: «فأخبر أن أوَّلَ خلقٍ خلقه بقوله، وأول خلق هو من الشيء الذي قال: ]وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ[ الفرقان/ 2. فأخبر أن كلامه قبل الخلق». فهذا هو الإمام البخاري يقرر أن مخلوقات الله ـ تعالى ـ لها أول مسبوق بأمره وكلامه، وهو لا يقرر هذا الفهم فقط؛ بل يتخذه أصلا في بناء الحجة التي اعتمد عليها كثير من أئمة السلف كابن عيينه وغيره في إثبات أن كلام الله ـ تعالى ـ غير مخلوق. وهؤلاء في سفه الحمق أو حمق السفه يصرون على أنه كان يعتقد ويقول بأن مخلوقات الله ـ تعالى ـ التي وجدت، وحصرها الوجود لا أول لها ..

        [25]- من هذه المواقع:

        http://www.khayma.com, http://www.alsalafyoon.com

        ولا أعرف بالتحديد متى فرغت تلك الباحثة من عملها؛ لكنها رجعت فيه إلى كتاب أستاذنا الدكتور حسن الشافعي: «الآمدي وآراؤه الكلامية» المطبوع في عام 1998م.

        [26]- راجع بحثي: الفكر الكلامي الاثنا عشري ـ ص 138: 140، 169، 170، 206، 207.

        [27]- المفيد: المسائل العكبرية ـ ص 65، 66. تحقيق علي أكبر إلهي الخرساني ضمن. سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد. ط دار المفيد ـ بيروت، لبنان 1414هـ.



        [28]- مكدرموت: نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد ـ ص 272. ترجمة علي هاشم. مراجعة الدكتور محمود البستاني. نشر مجمع البحوث الإسلامية ـ مشهد. ط1، مؤسسة الطبع والنشر التابعة للآستانة الرضوية ـ مشهد، إيران 1413هـ.

        [29]- راجع على شبكة الإنترنت موقع كيمياء العرب:



        وراجع ملف «الدكتور زويل» في الأهرام المصرية:

        http://www.ahram.org.eg/Zewail/arnobel.htm

        [30]- الرازي: المطالب العالية ـ 5/ 111. تحقيق الدكتور أحمد حجازي السقا. ط1، دار الكتاب العربي ـ بيروت، لبنان 1407هـ ـ 1987م.

        [31]- ابن تيمية: منهاج السنة ـ 2/ 355: 358. تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم. ط1، جامعة الإمام محمد بن سعود ـ الرياض، السعودية 1406هـ ـ 1986م.

        [32]- الباقلاني: التمهيد ـ ص 264. نشرة مكارثي اليسوعي. ط المكتبة الشرقية ـ بيروت، لبنان 1957م. وهذا الموضع من الجزء الساقط من نشرة الدكتور محمود محمد الخضيري والدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة. ط دار الفكر العـربي بمصر (ب ـ ت).

        [33]- وهذا القياس في الحقيقة أقدم من ابن تيمية بكثير، وقد نسبه ابن حزم في الفصل ـ 1/ 23 إلى أحد الملحدين ـ على حد عبارة ابن حزم ـ في زمانه، وسماه عبد الله بن شنيف، ذكر أنه كان يعترض نفي تسلسل الحوادث بخلود الجنة والنار وأهلهما. وهذا تحدث عن خلود الجنة والنار وما فيهما؛ على حين أن ابن تيمية تكلم فقط عن بقاء أنواع النعيم في الجنة دون أنواع العذاب في النار، وذلك لأنه يذكر أن القول بفناء النار أحد قولي السلف والخلف، كما حكاه عنه تلميذه ابن قيم الجوزية، وحاول أن ينتصر له في جدل طويل أوَّلَ فيه ظاهرَ القرآن الحاكم بتأبيد العذاب لأهل الخلود في النار بأن ذلك إنما يكون ما دامت النار باقية قبل فنائها، وعارض إحدى روايتي حديثِ صحيحِ البخاري في أن الله ـ تعالى ـ «ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها ...» بزعم أن متنه انقلب على الرواة، وأن ذلك في الجنة دون النار .. راجع أبا عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي: «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» ـ ص 248، 249، وما بعدهما من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت. وحديث البخاري الذي وصمه بانقلاب متنه أخرجه في الصحيح: كتاب التوحيد ـ باب ما جاء في قوله الله تعالى: ]إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ[ الأعراف/ 56. والرواية الصحيحة عنده ما أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير (سورة ق) ـ باب قوله: ]وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ[ ق/ 30. وراجع شرح الروايتين عند الحافظ ابن حجر: فتح الباري ـ 8/ 595: 597، 13/ 435: 437.

        والقـول بفنـاء النـار بمن فيهـا طامـة أخرى فيها تحقيـق أمنية الكفـار حين يقول الواحـد منهـم، كمـا قـال اللَّـهُ ـ تعالى ـ: ]إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًـا[ النبـأ/ 40. وما أحسـب أن ابن قيم الجوزية يتجرأ على نصرة هذا القول دون علمه بتطامن شيخه إليه أو توقفه فيه، وقد صرح بأن شيخ الإسلام رواه عن بعض السلف، وإن كنت لم أجد فيما بين يدي من مؤلفات ابن تيمية ما يدل على اعتقـاده لما نصره تلميذه؛ لكن ابن قيم الجوزية ذكر في «شفاء العليل» ـ ص 525، 526 (تحرير الحساني حسن عبد الله. ط مكتبة دار التراث ـ القاهرة، مصر، بدون تاريخ) أنه سأل شيخ الإسلام عن هذه المسألة، فقال له: إنها مسألة عظيمة كبيرة. ولم يجب فيها بشيء. ثم إن ابن قيم الجوزية ذكر أنه أرسل إليه في مجلسه الأخير بتفسير عَبْد بن حميد، وعَـلَّمَ فيه على مواضع الروايات الناصرة للقول بفناء النار؛ فصنف شيخ الإسلام في ذلك مصنفا، لم يظهر في الكلام عنوانه ولا تفصيل ما كان فيه؛ لكن ابن قيم الجوزية أنهى الكلام بأن نصوص القرآن دلت على دوام الجنة، وأن الله أخبرنا بما شاءه فيها، وذكر أن القول بدوام النار ودوام عذابها بدوام الله ـ خبرٌ عن الله بما يفعله، فإن لم يكن مطابقا لخبره عن نفسه بذلك؛ فهو خبر عليه بغير علم .. قال: «والنصوص لا تفهم ذلك». وإني لا أدري: أهذا كلام ابن تيمية في مصنفه المذكور، أم كلام تلميذه؟

        ولقد كتب محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني رسالة بعنوان «رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار»، فذكر أن الرازي تعرض للمسألة في تفسيره ولم يورد فيها دليل نفي ولا إثبات، ولا نسبها إلى قائل معين. وقد تعقب الصنعاني فيها كلام ابن قيم الجوزية في «حادي الأرواح»، وذكر في مطلعها أنَّ كلام ابن القيم في مسألة فناء النار نقلٌ وتقريرٌ لكلام شيخه ابن تيمية .. قال: «فهو حامل لوائها، ومشيد بنائها، وحاشد خيل الأدلة ورجلها، ودقها وجلها، وكثيرها وقليلها. وأقر كلامه تلميذه ابن القيم وقال في آخرها: إنها مسألة أكبر من الدنيا وما فيها بأضعاف مضاعفة» .. راجع الصنعاني: رفع الأستار ـ ص 62، 63. تحقيق محمد ناصر الدين الألباني. ط1، المكتب الإسلامي ـ بيروت، لبنان 1405هـ. على أن هذا القول الذي نصره ابن قيم الجوزية في هذه المسألة مع فساده، لا يعارض تمام أدلة إثبات المعاد، ولا يمنع وجوبه في الشرع، ولا يحول دون جوازه في العقل، وإن كان من جملـة آراء قديمـة ضرب أهل العلـم عن ذكرهـا صفحًـا؛ فلا أدري لمـاذا كان هذا الشـغف بجمـع شـاذ الأقـوال وشـارد الآراء؟!

        [34]- ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام ـ 4/ 538. ط1، دار الحديث ـ القاهرة، مصر 1404هـ.
        الحياء خير كله ولا يأتي الحياء إلا بخير

        تعليق

        • د. مصعب الخير الإدريسي
          طالب علم
          • Dec 2005
          • 143

          #5
          المسألة الثانية

          2ـ الكلام فـي التوحيد وإثبات الوحدانية:

          إن المطالع لجهود المتكلمين أشعرية وماتريدية ومعتزلة وشيعة فيما يتعلق بجملة كلامهم في مسائل الإلهيات، يجدهم يستفتحون الكلام بإثبات الصانع، ثم الكلام عن صفاته الذاتية والدلالة على وحدانيته، وذلك موضوع أصل التوحيد، ثم الكلام عن أفعاله ـ تعالى ـ التي هي موضوع أصل العدل عند المعتزلة والشيعة. وهذه الجهود ليست معصومة؛ ففيها الصحيح وفيها الباطل الظاهر الفساد، وأنا هنا لن أتكلم عن تفصيل هذه الآراء؛ بل سأتكلم عن تلك الطريقة في عرض مسائل التوحيد، وقد أسس بها المتكلمون في جملتهم للكلام عن صحة التكليف ووجوب عبادة الله وحده، والخضوع لشرعه وأمره ونهيه بلا شريك. فإن هذا المنهج يُضرَبُ بمنهج شيخ الإسلام ابن تيمية في ترتيب الكلام في التوحيد، وهو يفرق بين نوعين من التوحيد: أحدهما: توحيد الربوبية الذي يُعنَى فيه ببيان أن صانع العالم واحد لا شريك له. والثاني: توحيد الألوهية، والمقصود فيه أن لا يُعبد مع الله غيره، وأن يُقام الدين كله لله. وقد يُسَمَّى هذا النوع الثاني «توحيد المطلب والمقصد» .. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولما كان علم النفوس بحاجتهم وفقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم وفقرهم إلى الإله المعبود، وقصدهم إياه لدفع حاجاتهم العاجلة قبل الآجلة؛ كان إقرارهم بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته، وكان الدعاء له والاستعانة به والتوكل عليه فيهم أكثر من العبادة له والإنابة إليه. ولهذا إنما بعث الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، الذي هو المقصود المستلزم للإقرار بالربوبية. وقد أخبر عنهم أنهم ]وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[ الزخرف/ 87، وأنهم إذا مسهم الضر ضل من يدعون إلا إياه[35]، وقال: ]وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ[ لقمان/ 32؛ فأخبر أنهم مقرون بربوبيته، وأنهم مخلصون له الدين إذا مسهم الضر في دعائهم واستعانتهم، ثم يعرضون عن عبادته في حال حصول أغراضهم.

          وكثير من المتكلمين إنما يقررون الوحدانية من جهة الربوبية، وأما الرسل فهم دعوا إليها من جهة الألوهية»[36].

          وعلى الرغم من أن ابن تيمية قال: «وكثير من المتكلمين»؛ فإن أستاذنا الدكتور الجليند قال عن توحيد الألوهية: «ولم يتعرض المتكلمون لهذا النوع من التوحيد، ولم يتنبه أحد منهم إليه، مع أنه قطب رحى القرآن؛ لأنه يتضمن التوحيد في العلم والقول، والتوحيد في الإرادة والعمل ...»[37].

          والقاضي أبو بكر الباقلاني الأشعري، وهو من جملة المتكلمين بلا ريب يقول في بيان ما يجب اعتقاده على المكلف: «ويجب أن يعلم أن صانع العالم ـ جلَّت قدرته ـ واحد أحد، ومعنى ذلك أنه ليس معه إله سواه، ولا من يستحق العبادة إلا إياه. ولا نريد بذلك أنه واحد من جهة العدد، وكذلك قولنا: أحد، وفرد. [وجهه] ذلك. إنما نريد أنه لا شبيه له ولا نظير، ونريد بذلك أن ليس معه من يستحق الإلهية سواه. وقد قال ـ تعالى ـ: ]إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ[ النساء/ 171. ومعناه: لا إله إلا الله. والدليل على أن صانع العالم على ما قررناه قوله ـ تعالى ـ: ]لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا[ الأنبياء/ 22. والدليل المعقول مستنبط من هذا النص المنقول؛ فإنا نرى الأمور تجري على نمط واحد في السموات والأرض وما فيهما من شمس وقمر وغير ذلك، ولو كانا اثنين أو أكثر؛ فلا بد أن يجري خلاف أو تغير من أحدهما على الآخر، وقد بَيَّنَهُ ـ سبحانه وتعالى ـ فقال: ]قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا[ الإسراء/ 42، 43. وأيضا فلو جاز أن يكونا اثنين أو أكثر، فيريد أحدهما شيئا، ويريد الآخر ضده ...»[38]. فذكر «دلالة التمانع» المعروفة.

          والحق أن المتكلمين أو علماء أصول الدين في جملتهم لم يهملوا الكلام عما أسماه ابن تيمية «توحيد الألوهية»، وأسماه تلميذه ابن القيم «توحيد المطلب والمقصد»؛ لأن الكلام في إثبات الصانع والكلام في صفاته وأفعاله لا يفضي إلا إلى عبادته وحده، وهذا لب الكلام في التكليف الذي لا يتم من العبد إلا إذا عَرَفَ المُكلِّف، وعَرَفَ من صفاته، ومن إنعامه عليه وإحسانه إليه ما يُوجبُ قَبُولَ التكليف منه دون غيره، والعبادة الكاملة ليست إلا طاعة الله ـ تعالى ـ من طريق محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومن ثم كانت كلمة التوحيد هي «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وهي كلمة واحدة لا يكون المرء منا مسلما محفوظ الحقوق، ومؤمنا ناجيا يوم الحساب؛ إلا إذا قالها واعتقدها وعمل بحقها.

          وجريا على اصطلاح شيخ الإسلام ابن تيمية يمكننا أن نقول إن ما اشتغل به المتكلمون من «توحيد الربوبية» لا يتم بغيره التوصل إلى ما أسماه «توحيد الألوهية»، وهنا لا يقال: إن «توحيد الألوهية» يتضمن «توحيد الربوبية» بحيث يكون كل توحيد للألوهية توحيدا للربوبية ولا عكس[39]. إلا إذا كان المراد من ذلك أنه لا يعتقد في الله أنه إلهٌ آمرٌ ناهٍ معبودٌ وحدَه، إلا من عرفه ربا خالقا رازقا مالكا للنفع والضر والثواب والعقاب، كما نقول: كل من صحَّت صلاته فقد صحَّت طهارته أو ما يقوم مقامها، ولا عكس؛ لأن الصلاة قد تفسد من غير جهة الطهارة؛ لكن إذا فسدت الطهارة أو ما يقوم مقامها؛ فلن نتوصل إلى الحكم بصحة الصلاة.

          وأنا أسَلِّم أن كون معرفة الله ـ تعالى ـ خالقًا ثابتةٌ في أصل ما فطر الله عليه الخلق، على ما تصرح به آيات القرآن الكريم التي يتعلق بها ابن تيمية؛ لكن هذه الفِطْرةَ لا تبقى دائما على نقائها الأول؛ فالشياطين تَجتالُ العبادَ عن طريق الهدى الفطري؛ بل عن طريق الهدى الذي عَبَّدته الرسلُ أيضا، وينشأ كثير من بني آدم على ميراث دين الكفر من أبوين مُشركَيْنِ، أو كِتابيَّيْنِ، أو مَجُوسِيَّينِ. ولكن أين شيخ الإسلام ممن يخالفون الفطرة الصحيحة، ويزعمون أن لا خالق، وأن العالم قديم، أو أنه وجد بطريق الصدفة بلا قصدٍ من فاعل مختار؟ وأين هو من فرعون الذي أضلَّ قومه فزعم فيهم أنه إلههم وحده، وأنه ربهم الأعلى؟ وقد قال الله ـ تعالى ـ في محكم التنزيل: ]وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ[ القصص/ 38. وقال ـ تبارك اسمه ـ: ]فَكَذَّبَ وَعَصَى. ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى. فَحَشَرَ فَنَادَى. فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى[ النازعات/ 21: 24. وقد استخف فرعون قومه فأطاعوه فيما زعم؛ فقادهم إلى دار البوار.

          وإذا كان الملحدون الذين ذكرتهم آنفا لا يثبتون ربا ولا إلها؛ فما كان عبَّادُ فرعون يتخذونه شفيعا لهم عند الله، وقد أطاعوه في زعمه أنه ربهم الأعلى وإلههم وحده ..

          وإن مما يبعد عن الصواب القولَ بأن كل المشركين، أو كل العرب الذين بعث فيهم سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانوا مقرين بالربوبية دون الألوهية؛ لقوله ـ تعالى ـ: ]وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[ يونس/ 18. ففي ذلك عزل للآية الكريمة عن سياقها، وبتر لها عن مقام تلاوتها من القرآن الكريم. وقد قال الطبري في تفسيرها: «يقول ـ تعالى ذكره ـ: ويعبد هؤلاء المشركون الذين وصفت لك يا محمد صفتهم من دون الله ـ الذي لا يضرهم شيئا ولا ينفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة والأصنام التي كانوا يعبدونها. ]وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ[ يعني أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله»[40].

          فالآية الكريمة لا تقرر عقائد كل المشركين، ولا عقائد كل العرب، وإنما تقرر عقائد صنف منهم كانوا يجادلون الرسول فيما أنزل عليه من ربه .. قال الله ـ تعالى ـ فيهم: ]وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ[ يونس/ 15: 17. وقال ـ عز شأنه ـ: ]وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ[ يونس/ 19، 20.

          وقد كان العرب قبل بعثة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على مذاهب: منهم من يدين الله ـ تعالى ـ ذكره ويعبده وحده، ويتمسك بإرث من ملة إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ ويحج ويتأله ويعظم الحرم والأشهر الحرم. ومنهم طائفة تعبد الأصنام، وتزعم أنها تقربها إلى الله ـ عز وجل. ومنهم طائفة تعبد الأصنام، وتُقْسِمُ بها، ويزعمون أنها الضارة والنافعة[41].

          ولو نظرنا في ملل المشركين من غير العرب؛ لوجدنا عند الإغريق والآريين في الهند من يعبدون الظواهر الطبيعية التي يرمزون لها بآلهة من الذكور والإناث، ومنهم من يعبدون بعض الحيوانات، وأعضاء التلقيح والعواطف الجنسية[42] .. أفنقول: إنهم عبدوا ما عبدوه من ذلك كله؛ ليقولوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وهل نسلم لأحد كائنا ما كان أن هؤلاء جميعا كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، وأن شركهم الذي بعث الأنبياء والرسل لنفيه وبيان فساده كان في توحيد الألوهية فقط؟!!

          على أن شيخ الإسلام الذي يرى «توحيد الألوهية» أصلا في إخلاص الدين لله، والخضوع له وحده، والاستعانة به دون سواه ـ يقر بما صرح به القرآن الكريم أيضا من أن العباد حينما تحوط بهم أسباب الموت من كل جانب، يتوجهون إلى الله وحده، ويضل عنهم ويغيب عن قلوبهم كلُّ ما كانوا يدعون من دونه. وفرعون حينما أدركه الغرق وأيقن أنه هالك قال فيما ذكره الله ـ عز وجل ـ: ]آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ[ يونس/ 90. ولم يقل آمنت أنه لا رب إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل.

          ولو تدبرنا آيتي الميثاق من سورة الأعراف، وهي قوله ـ تعالى ـ: ]وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ[ الأعراف/ 172، 173. وساءلنا أنفسنا عن هذا التوحيد الذي يقابل الشرك هنا: أهو توحيد الألوهية، أو توحيد الربوبية، أو هو التوحيد الكامل لله خالقا وحده ومعبودا وحده بلا شريك؟ ولو قال قائل بأن الآية في توحيد الألوهية المنافي للشرك الذي يسأل الله العباد عنه، ويحاسبهم عليه، ويرسل الرسل لبيان فساده؛ لعارضه من يقول بأنها في توحيد الربوبية، وهذه هي الفطرة التي فطر الله عليها الناس، والذي جمع الذريات وأشهد العباد على أنفسهم هو الرب، وأشهدهم على أنه ربهم، ولم يشهدهم على أنه إلههم.

          والحق أن الناس مفطورون على معرفة التوحيد الكامل بلا فصل بين ربوبية وألوهية. وعلى هذا فلا وجه لما ذهب إليه شيخ الإسلام من أن الأنبياء لم يبعثوا لدعوة الناس إلى ما هم مقرون به من معرفة الربوبية، وإنما بعثوا يدعونهم إلى الألوهية وعبادة الله وحده بلا شريك؛ لأن الفطرة الصحيحة تتضمن هذا وذاك. ولو أن الأنبياء ـ عليهم السلام ـ لم يبعثوا لدعوة الناس إلى ما هم مقرون به في أصل الفطرة؛ فاللازم أنهم لم يبعثوا للدعوة إلى التوحيد أصلا، وإنما بعثوا لتفصيل ما لا يدركه الناس من جملة العبادات، ومحال أن يكون هذا من دين الله ـ عز وجل ـ فما أدى إليه محال كذلك.

          ولا أريد أن أتجاوز في الإلزام هذا الحد؛ فليس من مقصدي التجريح، وإنما أناقش رأيا ليس معصوما ولا مُلزما إلا بما فيه من الحجة إن سَلِمَتْ.

          وإنه لا يلزم على أن لاسم الرب معنى في اللغة مستقلا أو مختلفا عن معنى اسم الله أو الإله، أن يوجد بالضرورة فصل بين نوعين من التوحيد؛ فإنما هو توحيد واحد لرب وإله واحد، وما أحسب أن في القرآن فصلا بين ربوبية وألوهية على هذا النحو الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، وإنما فيه الإلزام بعبادة الخالق، أي أن كونه خالقا لكل شيء وحده يستلزم كونه معبودا وحده؛ لأنه ليس في عقول المخاطبين من بني آدم طريق إلى تسليم العبودية له ـ تعالى ـ سوى هذا الطريق؛ فالمُكلَّف يَعبُدُ من خَلَقَهُ وَرَزَقَهُ وأنعمَ عليه بصنوفِ الإنعام التي لا تُحصَى. ومن ثمَّ يُعاب على المشرك أنه عبد مع الله ما ليس له عليه قدرة، ولا له في وجوده إنعام وإحسان.

          ولهذا قال الله ـ عز وجل ـ في محكم التنزيل: ]قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[ الرعد/ 16. وقال ـ عز وجل ـ:]أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ. إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ[ النحل/ 17: 22. وقال ـ جل شأنه ـ: ]مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ. عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[ المؤمنون/ 91، 92. وقال ـ تبارك وتعالى ـ: ]خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ. هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ[ لقمان/ 10، 11.

          إذا ليس الأمر كما قيل: إن توحيد الألوهية هو المستلزم للإقرار بالربوبية؛ بل إن توحيد الخالقية والرازقية والإنعام والإحسان ـ إذا جارينا اصطلاح شيخ الإسلام ـ هو الذي يستلزم «توحيد الألوهية»أو «توحيد المطلب والمقصد». وقد قال ـ تعالى ـ: ]ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ[ الأنعام/ 102. وقال ـ عز وجل ـ: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ[ فاطر/ 3. وقال ـ عز وجل ـ: ]ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[ غافر/ 62: 66.

          وفي القرآن الجمع في المقام الواحد بين ما يَنسُبُهُ ابن تيمية للربوبية وما يَنسُبُهُ للألوهية مع ذكر اسم الله واسم الرب، ويُسنَدُ فيه إلى اسم الرب ما عدَّه ابن تيمية من توحيد الألوهية، ويُسنَدُ فيه إلى اسم الله ما عدَّه ابن تيمية من توحيد الربوبية .. قال ـ تعالى ـ: ]إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ[ الأعراف/ 54: 56.

          فأين نجد في ذلك كله وفي غيره من القرآن الكريم التمييز بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية على النحو الذي قطع به ابن تيمية، وجعل دعوة الرسل لاعتقاد التوحيد محصورة في ثانيهما دون الأول؟!

          ولقد كان بعض العرب يُقْسِمُ في جاهليته برب الأرباب؛ فلا يفصل بين الرب والإله، وكان شاعرهم إذ تبصر وتدبر أمر صنمه يقول في صنمه:

          أرب يبول الثعلبان برأسه *** لقد خاب من بالت عليه الثعالب

          وهذا على ظاهره شرك في الربوبية. ومع هذا فأنا لا أرفض هذه القسمة التيمية، باعتبارها اجتهاد عالم من علماء المسلمين في دراسة التوحيد من موضوعات علم الكلام؛ ما دام البدء في الدرس وفي الدعوة يترقى من معرفة الربوبية في إثبات الصانع الخالق، إلى معرفة صفاته وأسمائه، إلى بيان أنه المعبود وحده؛ لكن الذي أرفضه ولا أقبله قط هو أن تُنسَبَ هذه القسمة إلى القرآن، ثم تُفَسَّرَ آيُ القرآن الكريم في ضوئها، وتُحمل عليها في معناها، وكأنها بعض الوحي الذي غفل عنه المسلمون جميعا نحو ثمانية قرون من الزمان؛ ليكون هذا المنهج التيمي هو الحق، ويكون ما سواه باطلا ومحضَ ضلالٍ.. ما هكذا تورد الإبل، والاجتهاد اجتهاد فحسب، والرأي رأي فقط، والكلام هنا عن منهج درس وأسلوب عرض ودعوة، لا عن عقيدة ظهر ثبوتها في القرآن الكريم، وقررتها السنة المطهرة، ودعا إليها الصحابة ـ رضوان الله عليهم.
          الحياء خير كله ولا يأتي الحياء إلا بخير

          تعليق

          • د. مصعب الخير الإدريسي
            طالب علم
            • Dec 2005
            • 143

            #6
            متابعة

            قلت: إنني أرفض أن تُفسر آي القرآن الكريم في ضوء هذه القسمة وأن تحمل عليها في معانيها. ومن ذلك القطع على أن قوله ـ تعالى ـ: ]لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا[ إنما نزل في إثبات «توحيد الألوهية»، دون «توحيد الربوبية».

            ولقد استدل المتكلمون في إثبات وحدانية الله ـ تعالى ـ بما تشير إليه هذه الآية من فساد السموات والأرض مع فرض وجود آلهة مع الله ـ تعالى. ولأن المتكلمين استفتحوا كلامهم في العقائد بدلالة الفعل على الفاعل، والخلق (أي المخلوق) على الخالق، كان الأقرب لهم في طرد الكلام أن ينظروا إلى صدر سياق الآية من سورة الأنبياء، وهو قوله ـ تعالى ـ: ]وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ. وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ. أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ. لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ. لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ [الأنبياء/ 16: 24.

            وأنت ترى أن صدر سياق الآية في استفتاح خلق السماء والأرض، وأن الآية السابقة لها بلا فصل في الإعادة ونشر الموتى وبعث من في القبور، وقد أسند هذا الفعل إلى اسم الآلهة لا إلى اسم الأرباب، ولا علينا من هذا الآن فقد فرغنا من بيانه فيما سبق.

            وغاية القول أن المتكلمين وجدوا أن الأقرب لدلالة جملة الآيات في هذا السياق وذلك المقام، وهو الأنسب للمنهج الكلامي الذي اعتمدوه وأجمعوا عليه في درس المسائل وعرض العقائد، إنما هو إجراء «دلالة التمانع» على فرض الكلام في أنه لو كان هناك إلهان، وأراد أحدهما شروق الشمس على جانب من الأرض، وأراد الآخر غروبها عنه. أو أراد أحدهما تحريك جسم وأراد الآخر تسكينه. أو أراد أحدهما إماتة زيد وأراد الآخر إحياءه ... إلى غير ذلك من الوجوه؛ فإما أن يوقع كل منهما ما أراد، أو لا يقدر كل منهما على إيقاع ما أراد. وهذان الاحتمالان باطلان بحكم البديهة القاضية بأن المتناقضين لا يجتمعان معا ولا يرتفعان، وفي فرضهما يفسد أصل وجود العالم؛ فلا يبقى إلا الاحتمال الثالث في دلالة السبر والتقسيم، وهو أن يوقع أحدهما ما أراد؛ فهو الإله، والآخر عاجز ليس بإله. وإذا بطل وجود إله ثان؛ فقد بطل وجود ما زاد على ذلك في العدد، وثبت أن الله إله واحد.

            وإطلاق اسم «التمانع» على هذه الدلالة أو الدليل كما اشتهر في كلام المتأخرين، وإجراؤها على هذا النحو أيضا لا يَبْعُدُ عن نظر المتكلمين في قوله ـ تعالى ـ: ]قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً[ الإسراء/ 42. وقوله ـ جل شأنه ـ: ]وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ[ المؤمنون/ 91، كما ظهر في كلام القاضي الباقلاني الذي نقلته آنفا من كتابه «الإنصاف».

            وقد قال أستاذنا الدكتور الجليند معلقا على ما أورده من كلام إمام الحرمين الجويني في «دلالة التمانع»: «ولا شك أن هذا الدليل المذكور دليل عقلي، وبرهان تام على امتناع صدور العالم عن فاعلين قادرين صانعين له؛ ولكنه ليس هو الدليل المذكور في الآية، وليست الآية مسوقة لتقرير ما يسمى بدليل التمانع، وإنما جاءت لتقرير وحدة الألوهية، ومطلوبها هو نفي الكثرة في الألوهية، ونفي أن يكون هناك شريك يعبد مع الله. وهذا المطلوب هو الذي سيقت لأجله الآية، ليس مما يستدل عليه بدليل التمانع الذي ذكره المتكلمون، ودليل التمانع إنما يستدل به على نفي التعدد في الربوبية، وفرق كبير بين مطلوب الآية وبين مطلوب المتكلمين؛ فمطلوب الآية هو الاستدلال على وحدة الألوهية بفساد العالم لو وجد من يستحق العبادة مع الله. ومطلوب المتكلمين هو نفي أن يكون هناك رب آخر صانع للعالم.

            ومن الإنصاف أن نشير إلى أن «ابن رشد» قد تعرض لنقد هذا الدليل في «مناهج الأدلة»، وبين أن الدليل الذي تؤدي إليه الآية غير الدليل الذي استنتجه المتكلمون منها، وبين أن الآية لا تشتمل على دليل التمانع؛ ولكن «ابن رشد» لم يتنبه إلى الفرق بين مطلوب الآية ومطلوب دليل التمانع، وقال: إن العالم ليس بفاسد؛ إذا هناك إله واحد. ولم يفرق بين توحيد الربوبية الذي يستدل عليه بديل التمانع، وتوحيد الألوهية الذي سيقت لأجله الآية الكريمة، وهذه التفرقة نجدها واضحة وحاسمة في مذهب «ابن تيمية»؛ فهو يفرق بين نوعين من التوحيد ...»[43].

            ومن المعلوم أن الصـورة المنطقية الفلسـفية لدلالـة السـبر والتقسـيم الكلامية هي القيـاس الاستثنائي المنفصـل، وقد رأى ابن رشد في كتـابه «منـاهـج الأدلة في عقـائد الملة»[44] أن صورة الدلالة في الآية الكريمة ]لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا[ من القياس الاستثنائي المتصل، الذي يعتمد هنا على حقيقة بدهية تشهد الملاحظة بصدقها، وهي أن وجود ملكين في مدينة واحدة يفسدها؛ إلا أن يعمل أحدهما ويبقى الآخر دون عمل، وهذا المتعطل العاجز لا يصلح أن يوصف بالملك على الحقيقة، ولا أن يوصف في هذه المسألة بالألوهية.

            وصورة هذا القياس كما يلي:

            لو كان للعالم أكثر من إله واحد؛ لفسد.

            لكن العالم لم يفسد.

            ــــــــــــــــــــ

            فليس للعالم أكثر من إله واحد.

            وهذه الصورة من الدلالة لم تكن مهملة عند المتكلمين؛ فقد سبقت في كلام الباقلاني، وكانت أول دلائله، وقد صرح بأنها مستنبطة من الآية، ثم ذكر بعدها دلالة التمانع المعروفة. وهي قوله: «فإنا نرى الأمور تجري على نمط واحد في السموات والأرض وما فيهما من شمس وقمر وغير ذلك، ولو كانا اثنين أو أكثر؛ فلا بد أن يجري خلاف أو تغير من أحدهما على الآخر»[45]. وهذا الخلاف أو التغير هو المؤدي إلى الفساد؛ ولكن العالم ليس بفاسد؛ فليس له إلا إله واحد. وهذا هو القياس الاستثنائي المتصل المشار إليه في كلام ابن رشد.

            والذي أريد أن أقوله هنا فيما يتعلق بكلام ابن رشدٍ أولا: إن قوله ليس نقدا صحيحا قاطعا للاستدلال بصورة الدلالة الكلامية المشهورة في إثبات الوحدانية لله ـ تعالى ـ ولو فرضنا أن المتكلمين لم يعرفوا الصورة التي أشار إليها في فهمه لوجه الدلالة في الآية الكريمة. وذلك أنه أجرى الاستدلال على صورة من صور القياس الاستثنائي، وأجراه أكثر المتكلمين على صورة أخرى من القياس هي أنسب بالجدل وتفريع الكلام في المناظرة، وإنني ـ وإن لم أكن أزهريا ـ كنت أرى في حداثة سني أبي ـ رحمة الله عليه ـ وبعض رفاقه من الشيوخ الأزاهرة في أسمارهم يديرون النتيجة أو الفائدة فيما بينهم؛ لينظمها كل واحد منهم في أحد أشكال القياس؛ فيقال ـ على سبيل المثال ـ: العالم حادث ليس بقديم. فيقول أحدهم: العالم متغير، وكل متغير حادث؛ فالعالم حادث. ويقول الآخر: كل العالم متغير، ولا شيء من القديم بمتغير؛ فلا شيء من العالم بقديم. ويقول ثالث: إن كان العالم متغيرا فهو حادث؛ لكن العالم متغير يقينا؛ فهو حادث. ويقول غيره: العالم إما حادث أو قديم؛ لكن العالم ليس بقديم؛ فهو حادث. وإذا غلب الضيق على أحدهم أسندوا إليه ما يتفق لهم من الصفات كإسناد الحدوث إلى العالم، وأداروا الكلام بينهم حتى يشاركهم فيه صاحب الهم وقد سُرِّيَ عنه.

            وإذا كان الكلام عن أن صانع العالم واحد لا شريك له، لفساد وجود العالم أو تدبيره مع وجود الاثنين أو ما زاد؛ فما الذي يحجر على المتكلمين أن يصوغوا الدلالة على الصورة التي يرونها أنسب لكلامهم، وأظهر في إقامة الحجة على خصومهم، وليس لنا أن نحكم على صورة من هذه الصور بأنها مخالفة لنص القرآن أو موافقة له دون غيرها ما دامت تفي بتحقيق النتيجة، والنص القرآني عين لنا مادة الاستدلال ونبه عليه، وعقل المُخاطَبِ المُكَلَّفِ يصوغُ الاستدلال على ما يقرب له من الصور، دون أن يحمل هذه الصور وتلك الصياغات البشرية على نص القرآن.

            والقرآن الكريم هو معجزة النبوة الباقية بعد ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ حجَّةً ودليلا لكل داع إلى دينه الحق، ونصه هو الأصل الأول الذي يرجع إليه كل مسلم يطلب معرفة أصول الدين وما أمر الله ـ تعالى ـ به ونهى عنه بلا ريب؛ لكن دعوى أن القرآن الكريم نص على صور الأدلة في كل ما دعا إليه من العقائد، يلزم عنها غلق باب النظر والتفكر في كتاب العالم المنظور. وإنني بعد ذلك لا أستريح أبدا إلى قول من يقول: هذه الآية فيها قياس اقتراني من الشكل الأول أو الثاني، وهذه الآية فيها قياس استثنائي متصل أو منفصل؛ فهذه الأقيسة صور أفهامنا التي نتلقاها بمعارفنا البشرية من دلالات النص القرآني الذي يبقى دائما فوق ذلك كله ..

            هذا عن كلام ابن رشد، وإذا رجعنا إلى كلام أستاذنا الدكتور الجليند الذي قرر أن الآية من سورة الأنبياء جاءت للدلالة على وحدة الألوهية، ونفي الكثرة فيها، ونفي أن يكون مع الله شريك يعبد، وأن هذا ليس مما يستدل عليه بدليل التمانع الذي يدل على وحدة الربوبية، وذكر أن مطلوب الآية هو الاستدلال على وحدة الألوهية بفساد العالم لو وجد من يستحق العبادة مع الله.

            والسؤال هنا: الإله الذي يستحق العبادة وحده بماذا يستحقها دون غيره؛ لنعرف وجه الفساد في العالم لو وجد معه إله ثان؟ فالفساد في السماء والأرض، لا يتعلق بوجود عبادة غير الله ـ تعالى ـ بالفعل؛ فنحن نعرف أن أتباع الأنبياء أقل ممن كفروا بهم، وردُّوا دعوتَهم في أكثر الأزمنة الماضية بشهادة القرآن الكريم، والذي يدرس خريطة الأديان في زماننا الآن يجد أن المشركين ومن لا دين لهم أكثر عددا من أهل الإسلام بانفرادهم، وأكثر عددا من أهل الكتاب من النصارى واليهود بانفرادهم؛ فجملة المسلمين نحو مليار وثلاثمائة ألف مليون. وجملة أهل الكتاب نحو مليارين من النصارى وستة عشر مليونا من اليهود. وجملة سكان الأرض من بني آدم تزيد على ستة مليارات[46]. وكل هذا الشرك قائم على الأرض التي ما زالت مستقرة تدور حول نفسها دورة كاملة كل يوم، وتدور حول الشمس كل عام دون خلل ولا اضطراب في هذا النظام. وهذا يعني أن فساد العالم لا يتعلق بالشرك، ولا بتعدد من يُعبَدُون بالباطل مع الله ـ تعالى ـ أو من دونه، وإنما يتعلق فساد العالم بتعدد ربه وخالقه الذي يستحق العبادة وحده؛ فبأي شيء بعد ذلك يكون استحقاق العبادة بالحق الذي لا مين فيه ولا شك؟ وإذا بعث الأنبياء يدعون الناس إلى عبادة الله وحده؛ فبأي شيء تكون الدلالة على أنه ـ تعالى ـ واحد يستحق العبادة وحده؟؟

            وأنا لا أعرف جوابا لهذا السؤال إلا ما سبق أن أوردته من آيات القرآن الكريم الدالة على أن الذي خلق وحده يستحق العبادة وحده. وشيخ الإسلام ابن تيمية نفسه ذكر قوله ـ تعالى ـ: ]إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ[ المؤمنون/ 91، ثم قال: «وهذا اللازم منتف (أي ذهاب كل إله بما خلق)؛ فانتفى الملزوم وهو ثبوت إله مع الله، وبيان التلازم أنه إذا كان معه إله امتنع أن يكون مستقلا بخلق العالم، مع أن الله ـ تعالى ـ مستقل بخلق العالم، كما تقدم أن فساد هذا معلوم بالضرورة لكل عاقل، وأن هذا جمع بين النقيضين.

            وامتنع أيضا أن يكون مشاركا للآخر معاونا له؛ لأن ذلك يستلزم عجز كل منهما، والعاجز لا يفعل شيئا؛ فلا يكون لا ربا ولا إلها؛ لأن أحدهما إذا لم يكن قادرا إلا بإعانة الآخر؛ لزم عجزه حال الانفراد، وامتنع أن يكون قادرا حال الاجتماع؛ لأن ذلك دور قبلي؛ فإن هذا لا يكون قادرا حتى يجعله الآخر قادرا، أو حتى يعينه الآخر، وذاك لا يجعله قادرا ولايعينه حتى يكون هو قادرا، وهو لا يكون قادرا حتى يجعله ذاك أو يعينه؛ فامتنع إذا كان كل منهما محتاجا إلى إعانة الآخر في الفعل أن يكون أحدهما قادرا؛ فامتنع أن يكون لكل واحد منهما فعل حال الانفراد وحال الاجتماع ...

            فلا بد إذا فرض معه إله أن يكون كل منهما قادرا عند انفراده، وإذا كان كذلك ففعل أحدهما إن كان مستلزما لفعل الآخر، بحيث لا يفعل شيئا حتى يفعل الآخر فيه شيئا؛ لزم أن لا يكون أحدهما قادرا علىالانفراد، وعاد احتياجهما في أصل الفعل إلى التعاون، وذلك ممتنع بالضرورة؛ فلا بد أن يتمكن أحدهما أن يفعل فعلا لا يشاركه الآخر فيه، وحينئذ يكون مفعول هذا متميزا عن مفعول هذا، ومفعول هذا متميزا عن مفعول هذا؛ فيذهب كل إله بما خلق هذا بمخلوقاته وهذا بمخلوقاته؛ فتبين أنه لو كان معه إله لذهب كل إله بمخلوقاته، وهذا غير واقع؛ فإنه ليس في العالم شيء إلا وهو مرتبط بغيره من أجزاء العالم»[47].

            وهذا كلام مُتَـكَلِّمٍ مُحْتَرِف يورده ابن تيمية عن نفسه، ولا يحكيه عن غيره في بيان البرهان الذي استنبطه من قوله ـ تعالى ـ: ]إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ[. وهو في حقيقته ليس أكثر من «دلالة التمانع» المعروفة بين المتكلمين أجراها ابن تيمية هنا في الخلق على فرض الاختلاف غير مفصلة، ثم أجراها على فرض الوفاق مفصلة. وأصل صورته في القياس:

            العالم إما خلقه إله واحد، وإما خلقه إلهان مختلفان، وإما خلقه إلهان متفقان.

            لكن لم يخلقه إلهان مختلفان ولا متفقان.

            ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

            فالعالم خلقه إله واحد.

            وأما البرهان الثاني الذي أخذه ابن تيمية من قوله ـ تعالى ـ: ]وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ[؛ فهو أيضا من صور «دلالة التمانع» ، وقد أجراها شيخ الإسلام في القدرة؛ حيث يقول: «فإنه يمتنع أن يكونا متساويين في القدرة؛ لأنهما إذا كانا متساويين في القدرة؛ كان مفعول كل منهما [غير متميز][48] عن مفعول الآخر وهو باطل كما تقدم، ولأنهما إذا كانا متكافئين في القدرة؛ لم يفعلا شيئا لا حال الاتفاق ولا حال الاختلاف، سواء كان الاتفاق لازما لهما، أو كان الاختلاف هو اللازم، أو جاز الاتفاق وجاز الاختلاف»[49].

            وبعد أن يبسط هذا في كلام له مطول يقول: «فتبين أنه لو قُدِّرَ إلهان متكافئان في القدرة؛ لم يفعلا شيئا، لا حال الاتفاق ولا حال الاختلاف؛ فلا بد حينئذ إذا قُدِّرَ إلهان أن يكون أحدهما أقدر من الآخر، والأقدر عالٍ على من دونه في القدرة بالضرورة، فلو كان ثم آلهة؛ لوجب علو بعضهم على بعض، ولو علا بعضهم على بعض؛ لم يكن المستقل بالفعل إلا العالي وحده؛ فإن المقهور إن كان محتاجا في فعله إلى إعانة الأول؛ كان عاجزا بدون الإعانة، وكانت قدرته من غيره، وما كان هكذا لم يكن إلها بنفسه، والله ـ تعالى ـ لم يجعل من مخلوقاته إلها؛ فامتنع أن يكون المقهور إلها. وإن كان المقهور يستقل بفعل بدون الإعانة من العالي؛ لم يمكن العالي إذًا أن يمنعه مما هو مستقل به؛ فيكون العالي عاجزا عن منع المقهور؛ فلا يكون عاليا، وقد فرض أنه عالٍ. هذا خلف وهو جمع بين النقيضين ...

            فتبين أنه لو كان معه إله لعلا بعضهم على بعض، كما تبين أنه كان يذهب كل إله بما خلق. وهذا بعض تقرير البرهانين اللذين في القرآن. ومما يوضح ذلك أنك لا تجد في الوجود شريكين متكافئين إن لم يكن فوقهما ثالث يرجعان إليه، فإذا قُدِّرَ مَلِكانِ متكافئان في المُلْكِ لم يرجع أحدهما إلى الآخر، ولا ثالث لهما يرجعان إليه؛ كان ذلك ممتنعا»[50].

            وينبغي أن نلاحظ هنا أن ابن رشد وجه الدلالة في آية سورة المؤمنون هذه على أنها قياس استثنائي متصل أيضا، كما فعل مع آية سورة الأنبياء[51].

            ومن العجيب أن ابن تيمية قبل ذلك بسط الكلام في «دلالة التمانع» على ما اشتهر بين المتكلمين من إجرائها في الإرادة، ففصلها على فرض الاختلاف وعلى فرض الاتفاق بأمانة يشهد له بها كل من يراجع المصادر الكلامية[52]، ثم قال: «فهذه الطرق وأمثالها مما يُبيِّنُ به أئمة النظار توحيد الربوبية، وهي طرق صحيحة عقلية لم يهتد هؤلاء المتأخرون إلى معرفة توجيهها وتقريرها، ثم إن أولئك المتقدمين من المتكلمين ظنوا أنها هي طرق القرآن، وليس الأمر كذلك؛ بل القرآن قرر فيه توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية، وقرره أكمل من ذلك»[53].

            وذكر ابن تيمية بعد ذلك بُرهانَيْهِ فأجرى في أولهما«دلالة التمانع» في الخلق لا في إرادة الفعل، وأجراها في ثانيهما في القدرة على الفعل، وكرر في تفصيل الصورتين أكثر الكلام الذي نقله في شرح دلالة المتكلمين الجارية في إرادة الفعل ..

            وإذا لم أقل في هذه الدلالة المفصلة على ما سبق في كلام ابن تيمية بأنها ترجع إلى الإفادة من التراث الكلامي السابقِ له؛ بل سلَّمْتُ أنها ترجع إلى استنباط نفسه وفهمه للنص القرآني؛ فهل هذا حلال له وحرام على غيره؟ والذي أبتغيه من إيراد كلام ابن تيمية هنا أنه هو نفسَه إذا كان قد استدل بدلالة التمانع الكلامية؛ فعلام استدل؟ إن كان قد استدل على وحدة الربوبية؛ فهو والمتكلمون في ذلك سواء، ليس لأحد أن يعترض بكلامه على كلامهم. وإن كان قد استدل بها على وحدة الألوهية؛ فليست دلالته بالتي تدلُّ على ذلك دون دلالتهم.

            ويبقى بعد ذلك كله أنه لا سبيل للدلالة على كون مستحق العبادة مستحقا لها وحده، إلا بالدلالة على أنه الخالق لكل ما هو سواه وحده بلا شريك.

            ولقد ختم أستاذنا الدكتور الجليند كلامه عن توحيد الألوهية الذي تابع شيخ الإسلام ابن تيمية في أنه المطلوب الذي سيقت آية سورة الأنبياء لإثباته، بقوله: «أما الاعتراف برب خالق للعالم؛ فهذا قد أقر به المشركون، ولم تأت الآية لتقرير هذا النوع. ولو كان الإقرار بالربوبية وحدها كافيا في الإيمان؛ لما كان المشركون مع إقرارهم بها مشركين، ولخرجوا بإقرارهم بالربوبية عن مُسَمَّى الشرك. وهم لم ينكروا على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعوته إلى رب واحد خالق للعالم، وإنما أنكروا عليه أن جعل لهم الآلهة واحدا. وكان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله». ولم يقل: أمرت أن أقاتلهم حتى يقروا برب واحد»[54].

            وأقول: إن كلمة التوحيد ]لا إله إلا الله[ النافية للشرك، ليست مقتصرة في معناها على مفهوم «توحيد الألوهية» كما حرره شيخ الإسلام ابن تيمية في اصطلاحه، دون الربوبية، ودون الحاكمية، ودون تنزيه الله ـ تعالى ـ عما يجب تنزيهه عنه في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، وإثبات ما يجب له ـ تعالى ـ من ذلك كله، ولو على سبيل الجملة، ولأهل العلم معرفة التفصيل، وعليهم البيان عند الحاجة ..

            وأختم الكلام هنا بذكر قول الله ـ عز وجل ـ في محكم التنزيل: ]وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ[ غافر/ 28.





            ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



            * فيما يتعلق بقائمة المصادر والمراجع اكتفيت هنا بذكر البيانات كاملة عند الإحالة على المصدر أو المرجع لأول مرة، وسأورد القائمة تامة ـ بإذن الله تعالى ـ في نهاية الحلقة الأخيرة من سلسلة المسائل الكلامية.
            الحياء خير كله ولا يأتي الحياء إلا بخير

            تعليق

            • د. مصعب الخير الإدريسي
              طالب علم
              • Dec 2005
              • 143

              #7
              الإحالات والتعليقات

              [35]- قال ـ تعالى ـ: ]وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء/ 67.

              [36]- ابن تيمية: التوحيد ـ ص 176، 177. تحقيق أستاذنا الدكتور محمد السيد الجليند آخر كتابه: قضية التوحيد بين الدين والفلسفة. ط4، مكتبة الشباب ـ القاهرة، مصر 1406هـ ـ 1986هـ.

              [37]- الدكتور محمد السيد الجليند: قضية التوحيد بين الدين والفلسفة ـ ص 143.

              [38]- الباقلاني: الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ـ ص 33، 34. تحقيق الشيخ محمد زاهد الكوثري. ط المكتبة الأزهرية للتراث ـ القاهرة، مصر 1413هـ ـ 1993م. وأصل ما بين المعقوفتين في المطبوع «وجود». وهو تحريف لا معنى له.

              [39]- انظر الدكتور محمد السيد الجليند: قضية التوحيد ـ ص 142. ولاحظ أن في النصارى من ألَّه عيسى ـ عليه السلام ـ دون أن يعتقد ربوبيته؛ أي كونه خالقا للعباد.

              [40]- الإمام محمد بن جرير: تفسير الطبري ـ 11/ 98. ط دار الفكر ـ بيروت، لبنان 1405هـ.

              [41]- راجع أبا إسحاق بن عبد الله النيجرمي (من علماء القرن الرابع الهجري): أيمـان العرب في الجاهـلية ـ ص12، 13. تحقيق محب الدين الخطيب. ط2، المطبعة السلفية ـ القاهرة، مصر 1382هـ. وليس بالغريب عن القرآن الكريم في بيان عقائد غير المسلمين، أن يذكر عقيدة فئة منهم دون سائرهم؛ فمن ذلك قوله ـ تعالى ـ: ]يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ[ المائدة/ 116. فشغب على ذلك بعض قسس الأقباط عندنا بمصر في منتصف القرن الماضي، وقالوا: لم يكن في النصارى وليس فيهم أحد عبد مريم من دون الله. واتهموا الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ باختلاق الأكاذيب عليهم وافتراء غير الحق؛ فأكذبهم الله ـ تعالى ـ بما ظهر بعد ذلك في لفائف البحر الميت من خبر فئة من النصارى كانوا يعبدونها. ومن قريب في عام 2002م نوقشت رسالة ماجستير في قسم مقارنة الأديان بكلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية العالمية، بإسلام آباد، كتبها بالإنجليزية الباحث فاروق ترزيتش البوسنوي تحت عنوان «القرآن وتأليه مريم .. دراسة نقدية وتقويمية لموقف النصارى». وقد انتهى فيها من خلال تتبع أخبار الفرق المسيحية في كتابات يوحنا الدمشقي وغيره، إلى وجود فرقة مسيحية تُسمَّى «كوليدريانس»، كان المنتسبون إليها يعبدون مريم، ثم تكلم عن علاقة عبادة مريم بالآلهة الإناث اللاتي كن يعبدن عند الإغريق والرومان من قبل، وتكلم عن أسباب انفصال البروتوستانت عن الكاثوليك، ومن بينها تصريحهم بأن الكاثوليك يعبدون مريم. وغاية القول أن القرآن لم يكن يقرر بهذا الموضع من سورة المائدة عقيدة كل النصارى؛ بل قرر عقيدة فئة منهم، وذكر ظاهرة لم تكن بالخافية في تاريخهم ..

              [42]- راجع محمد تقي الأميني: الإسلام تشكيل جديد للحضارة ـ ص 16. من ترجمة الدكتور مقتدي حسن ياسين، ومراجعة الدكتور عبد الحليم عويس. ط دار العلوم للطباعة والنشر ـ الرياض، السعودية 1402هـ ـ 1982م. وراجع بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية ـ ص 24، 25.

              [43]- الدكتور محمد السيد الجليند: قضية التوحيد ـ ص 141، 142.

              [44]- حققه الأستاذ الدكتور محمود قاسم، وقدم له بمقدمة ضافية في نقد مدارس علم الكلام. ط3، مكتبة الأنجلو المصرية ـ القاهرة، مصر 1969م.

              [45]- الباقلاني: الإنصاف ـ ص 34.

              [46]- راجع الدكتور دين محمد: المسلمون والخريطة الدينية العالمية المعاصرة ـ ص 145، 151، 164. ط1، مطبعة مجمع البحوث الإسلامية بالجامعة الإسلامية العالمية ـ إسلام آباد، باكستان، ونشر دار الهاني للطباعة بمصر 1424هـ ـ 2004م.

              [47]- ابن تيمية: منهاج السنة ـ 3/ 315: 317.

              [48]- أصل ما بين المعقوفتين في المطبوع «متميزا». وهذا تحريف يفسد به وجه الدلالة.

              [49]- ابن تيمية: منهاج السنة ـ 3/ 318.

              [50]- ابن تيمية: منهاج السنة ـ 3/ 323: 326.

              [51]- راجع الدكتور محمود قاسم: مقدمة في نقد مدارس علم الكلام ـ ص 34.

              [52]- راجع ابن تيمية: منهاج السنة ـ 3/ 304: 312.

              [53]- السابق ـ ص 312، 313.

              [54]- الدكتور محمد السيد الجليند: قضية التوحيد بين الدين والفلسفة ـ ص 144.
              الحياء خير كله ولا يأتي الحياء إلا بخير

              تعليق

              • ماهر محمد بركات
                طالب علم
                • Dec 2003
                • 2736

                #8
                جزاك الله خيراً على هذا البحث القيم ..

                عندي ملاحظة صغيرة ..
                قلتم :
                (وهذا على ظاهره شرك في الربوبية. ومع هذا فأنا لا أرفض هذه القسمة التيمية، باعتبارها اجتهاد عالم من علماء المسلمين في دراسة التوحيد من موضوعات علم الكلام؛ ما دام البدء في الدرس وفي الدعوة يترقى من معرفة الربوبية في إثبات الصانع الخالق، إلى معرفة صفاته وأسمائه، إلى بيان أنه المعبود وحده؛ لكن الذي أرفضه ولا أقبله قط هو أن تُنسَبَ هذه القسمة إلى القرآن، ثم تُفَسَّرَ آيُ القرآن الكريم في ضوئها، وتُحمل عليها في معناها، وكأنها بعض الوحي الذي غفل عنه المسلمون جميعا ...)

                أقول : ليست المشكلة الحقيقية قائمة في ابتداع قسمة أو تفسير أو فهم خاطئ للقرآن والزام الناس بهذا الفهم الخاطئ ..
                فهذه مشكلة بسيطة فيما أرى والمجتهدون والمفسرون عبر العصور اجتهدوا ونسبوا للقرآن أشياء وأشياء منها صحيح ومنها خاطئ وكل رد على الآخر ولم يكن من وراء ذلك كثير ضرر يذكر..

                انما المشكلة الكبرى هي اتخاذ هذا الفهم للتوحيد طريقاً لتكفير المسلمين بمجرد توسلهم بالأنبياء أو الصالحين واعتبار ذلك من الشرك الأكبر لأنه اشراك بالألوهية بحسب مفهومهم ..
                فكل من توسل بأحد الأنبياء أو الصالحين عندهم يكون قد اتخذ شفيعاً الى الله وهو مشابه لفعل المشركين المذكورين بأنهم أشركوا بالألوهية فقط .
                فاذ قلنا أن المتوسل لايعتقد غير الله نافعاً وضاراً وانما نستشفع ونتوسل بهم الى الله فقط قالوا : وكذلك كفار قريش والمشركون ....الخ .

                وهكذا فجل المسلمين من عوام وعلماء مشركون عندهم بل هم أسوأ بكثير من مشركي قريش كما صرح بذلك أكثر من واحد من علمائهم ..

                فالمسألة برأيي المتواضع ليست مجرد فهم أخطأ بتفسير آيات في القرآن بل هو منهج لتكفير الملمين .
                وبرأي الفقير هذه الفكرة هي أخطر فكرة جاء بها ابن تيمية وأتباعه لأنها معتمدهم في منهجهم التكفيري .

                والله أعلم .
                ومبلغ العلم فيه أنه بشر ** وأنه خير خلق الله كلهم

                تعليق

                • جمال حسني الشرباتي
                  طالب علم
                  • Mar 2004
                  • 4620

                  #9
                  أعترف لك أنني لا أقرأ بعمق إلّا ما كان على الورق---ومع ذلك أرغب بمناقشة عبارة لك في المقدمة وهي

                  (ولقد تتابعت جهود شيوخ الأشعرية والماتريدية والاثنا عشرية المتأخرين والمعاصرين على الطعن فيما انفرد به شيخ الإسلام، وعلى دفع ما أخذه عليهم واتهمهم فيه بتجاوز ما كان عليه سلف الأمة، أو صرح بمخالفتهم فيه لإجماع السابقين الأخيار. وإني لا أحسب أن ابن تيمية قد تجنى على المتكلمين في كل نقوده، ولا هؤلاء تجنوا عليه أيضا في كل طعونهم؛ بل لعلهم قد أصابوا منه بقدر ما أصاب منهم في سجال الكلام. )

                  فأود أن أعرف منك ما أصاب ابن تيمية من شيوخ الأشعرية والماتريدية إن صح قولك
                  للتواصل على الفيس بوك

                  https://www.facebook.com/jsharabati1

                  تعليق

                  • د. مصعب الخير الإدريسي
                    طالب علم
                    • Dec 2005
                    • 143

                    #10
                    [ALIGN=JUSTIFY]وعليكم السلام ورحمة الله
                    أخي الكريم جمال ما زلنا في الحلقة الأولى من العمل، وستأتي ـ بإذن الله تعالى ـ لذلك أمثلة في تحديد مفهوم الصفة الإلهية والفصل بينها وبين الوصف، وفي الكلام عن تقسيم الصفات وبيان أحكامها وتعلقاتها، وفي بيان علاقتها بالذات، وفي الكلام عن طريق إثبات النبوة ... إلى غير ذلك، وقد يكون لنا في بعض هذه المسائل توجيه لكلام شيوخنا الأشعرية، وقد يترجح على كلامهم عندي في بعضها كلام ابن تيمية الذي قد يكون من عند نفسه أو سبقه إليه بعض المتكلمين من الأشعرية والماتريدية أنفسهم؛ فتابع معي العمل واقرأ كلامي كله بروية، وأنا في النهاية مجرد باحث في علم الكلام، ولا أزعم لقولي شيئا من العصمة، وأسأل الله لي ولجميع إخواني الحفظ من الزلل، ومن التعصب بغير حق؛ فما كل رأي ذهب إليه ابن تيمية باطل، وما كل مسألة في علم الكلام يلزم فيها تضليل المخالف وتبديعه ...[/ALIGN]

                    [ALIGN=JUSTIFY]أخي الكريم ماهر حياك الله، وأنا لا أخالفك القول فيما ذهبت إليه من إمكان استعمال هذه الفكرة في تقسيم التوحيد في تكفير طوائف من المسلمين بغير وجه حق، وفي متشددي الحركة الوهابية المعاصرين من يمكن أن تتخذهم أمثلة ظاهرة لذلك بلا شك؛ لكن كلامي عن أصل الفكرة في موضوع درس مسائل التوحيد فحسب. وقد يقبلها ويقول بها من لا يذهب مذهب هؤلاء المتشددين في تكفير المخالف. وقد سمعت شيخي الأستاذ الدكتور حسن محمود عبد اللطيف الشافعي ــ حفظه الله ــ يذكر في جلسة مناقشتي في الدكتوراه أن هذه الفكرة صرح بها من شيوخ الماتريدية الكمال بن الهمام (تـ861هـ) صاحب المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة. [/ALIGN]

                    أما مسألة التوسل؛ فالأولى أن تدرس في مجال علم الفقه لمعرفة ما يحل منه وما يحرم، والزج بهذه المسألة إلى علم التوحيد ومسائل علم الكلام من قلة عقل أولئك المكفرين للمسلمين بغير وجه حق، ولو كان التوسل ضارا بالتوحيد؛ فلماذا يفصلون بين الحي والميت وحقيقة الشرك واحدة لو كان له مدخل في المسألة. يقولون إن الحي يدعو ربه والميت لا يدعو!! وفاتهم أن المشركين عبدوا من دون الله ما عبدوه ليقربهم من الله زلفى .. إنهم عبدوا مع الله بعض خلقه .. عبدوا ولم يتوسلوا؛ فلماذا يجمعون بين العبادة والتوسل؟!
                    ومنهم من ينكر على ابن تيمية نفسه الفصل بين الحي والميت، ولقد حدثني بعض شيوخي أن أحد الأساتذة بالجامعة الإسلامية بالمدينة أبى أن يتم مناقشة رسالة علمية حتى يحذف الباحث منها حديث عثمان بن حنيف ((أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك. قال: فادعه. قال فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة. إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي. اللهم فشفعه في)). أخرجه الترمذي في جامعه وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد ذكر الباحث ذلك ثم استطرد قائلا: وقال الحافظ ابن حجر. فأسكته الأستاذ العلامة قائلا في حق الحافظ: ما لنا ولهذا السفيه!!
                    ولقد فاته أنه بهذا لا يسفه ابن حجر وحده وإنما يسفه معه الترمذي؛ بل يسفه ابن تيمية الذي يعمل بهذا الحديث ويفصل بين الحي والميت، مع أن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يدع للرجل ضرير البصر، وإنما علمه ما ينفعه وينفع من يقتدي به إلى يوم الدين .. لقد علمه التوسل والاستشفاع ولم يعلمه الشرك!!
                    لكن هذا ليس موضوعنا يا شيخ ماهر؛ فلنعد إلى مسائل علم الكلام، وسأنتظر ملاحظاتك وملاحظات الإخوة الكرام .. وفقنا الله وإياكم لما فيه رضاه
                    الحياء خير كله ولا يأتي الحياء إلا بخير

                    تعليق

                    • جمال حسني الشرباتي
                      طالب علم
                      • Mar 2004
                      • 4620

                      #11
                      دكتور مصعب

                      أتابعكم بشغف مع رجاء التجزئة لتسهيل المتابعة
                      للتواصل على الفيس بوك

                      https://www.facebook.com/jsharabati1

                      تعليق

                      • محمد موسى البيطار
                        طالب علم
                        • Feb 2004
                        • 138

                        #12
                        ارجو من الدكتور الفاضل أن يتمهل قليلا ويجزء الموضوع حتى نستطيع قراءة بحثه بروية
                        والحمد لله رب العالمين

                        تعليق

                        • د. مصعب الخير الإدريسي
                          طالب علم
                          • Dec 2005
                          • 143

                          #13
                          [ALIGN=JUSTIFY]حياك الله أخي الكريم جمال
                          ولكني عانيت كثيرا من تجزئة الكلام في المسألة الواحدة حينما عرضت بحوثي عن نشأة التشيع، وكتاب سليم بن قيس الهلالي (أبجد الشيعة)، وحديث (خلق الله آدم على صورته). ولما قمت بالعرض الكامل ترك المحاورون مناقشتي.
                          ولكي نأخذ من الأمرين أحسن ما فيهما أترك لك أن تجزئ هذه الحلقة الأولى من المسائل الكلامية في قرائتك، ثم توافيني بملاحظاتك وما تود أن تناقشه معي فيها ..
                          فالغرض هو تبادل وجهات النظر لنصل إلى ما نطمئن أنه الحق أو الأقرب إليه.

                          وسأشتغل خلال الأيام القادمة ـ إن شاء الله تعالى ـ بمراجعة صف نص كلامي اثنا عشري عربي تطبعه الجامعة الإسلامية بباكستان في دراسة بالإنجليزية لشيخي الدكتور حسن الشافعي عن نصير الدين الطوسي وكتابه تجريد الاعتقاد، ولدينا مشكلة في الحفاظ على سطور النص المحقق؛ لأن الشيخ سجل مقارناته بين النسخ الخطية على أرقام سطور كل صفحة ووضع مع ذلك أرقاما مستقلة لتعليقاته على النص، ونحن نسعى لأخراج ذلك كله في الصفحة الواحدة؛ حفاظا على الإحالات إليه في كل الدراسة التي تجاوزت 550 صفحة؛ لأن أي تغيير سيلزمنا النظر في إعادة تحرير هوامش الدراسة، وهذا ما دونه خرط القتاد وتضييع جهود سنوات قضاها عدد من زملائنا الباكستانيين في تحريير القسم الإنجليزي.

                          وفور التخلص من هذه المشكلة التقنية في أظهر جوانبها أتابع تسجيل الحلقة الثانية وأول مسائلها: مفهوم الصفات وأثره في دعوى النفي والإثبات.
                          وخلال ذلك أرجو أن أسعد مساء كل يوم بمناقشاتكم ومناقشات الأخوة الكرام لجزئيات الحلقة الأولى في مسألتيها معا ..
                          وفقنا الله وإياكم لما فيه رضاه[/ALIGN]
                          الحياء خير كله ولا يأتي الحياء إلا بخير

                          تعليق

                          • د. مصعب الخير الإدريسي
                            طالب علم
                            • Dec 2005
                            • 143

                            #14
                            حياك الله أخانا محمد موسى البيطار
                            لقد تزامنت رسالتك تقريبا مع كتابتي جواب الأخ جمال؛ فخذ حظك من الروية غير منقوص، والله المستعان في الأمور كلها، واذكرونا في صالح الدعاء ..
                            الحياء خير كله ولا يأتي الحياء إلا بخير

                            تعليق

                            • جمال حسني الشرباتي
                              طالب علم
                              • Mar 2004
                              • 4620

                              #15
                              قرأت كتاب الكواري أكثر من مرة فلم أجد فيه إلّا نسخا ولصقا لكلام ابن تيميّة فقول باحثنا الإدريسي حول كتابها قول وجيه
                              (وقد كان أكثر علماء الدعوة السلفية المعاصرين يتحاشون الخوض في الكلام عن نفي تسلسل الحوادث بلا أول؛ حتى نبغت فيهم من قريب باحثةٌ تُسَمَّى كاملة الكواري، حملت على عاتقها مسئولية الدفاع عن رأي ابن تيمية، وبيان أنه مخالف لقول الفلاسفة؛ ثم زعمت أنه هو قول أئمة السلف؛ مثل: أحمد بن حنبل، والدارمي، والبخاري[24]، ومن جاء بعدهم؛ فكتبت بحثها بعنوان: «قدم العالم وتسلسل الحوادث بين شيخ الإسلام ابن تيمية والفلاسفة». وقد قدَّم للبحث الشيخُ سفر بن عبد الرحمن الحوالي، الذي قال في ختام تقديمه بعد دفاع مجيد عن تسلسل الحوادث بلا أول، وعن القدم النوعي لمفردات العالم:

                              «وقد كان من دواعي دهشتي وإعجابي أن تتصدَّى الباحثة الفاضلة لهذا الموضوع، الذي قَصَّرت عنه هِمَمُ كثير من المتخصصين، وتُقدِمَ عليه حين أحجموا، وتَفهَمَ ما عجز عن فهمه كثيرٌ من أهل السنة والبدعة على السواء، وتَطلُعَ بهذا المؤلَّفِ الذي يدُلُّ على عُمقٍ في التفكير، وجَلَدٍ على البحث العسير ...».

                              ولست أوقظ بهذا الكلام فتنة نائمة؛ فإنما أيقظها من نشر هذا البحث العقيم، وتقديمه السقيم على شبكة الإنترنت، وأتاحه للناظرين والمتحاورين في عدد من المواقع الحاملة لشعار السلفية، التي يرى القائمون عليها أنهم دون غيرهم أصحاب الحق في الكلام عن الإسلام
                              [25].
                              للتواصل على الفيس بوك

                              https://www.facebook.com/jsharabati1

                              تعليق

                              يعمل...