قراءة في إعجاز القرآن
المقدمة
هدف هذه القراءة
تهدف هذه القراءة إلى إعادة بناء الفكر الإسلامي في موضوع خطير جدا ، هو موضوع إعجاز القرآن ، ذلك أن الإعجاز يتعرض الآن لقراءات جديدة ؛ بحجة تطور المعرفة ؛ وتطور العلم من جهة أخرى ، وبدعوى عدم توقف المعرفة عند الماضين من جهة ثانية ، ويستشهد دعاة عدم التوقف عند الماضين بالآيات المنددة بالتوقف عند ما ورثوه عن الآباء ، وهذه هي الآيات : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (البقرة:170) وقوله : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ }(المائدة:104) وقوله : { قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } (يونس:78) ) وقال تعالى : { قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } (الأنبياء:53) وقوله { قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } (الشعراء:74) وقال أيضا { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } (لقمان:21) ومثلها قوله تعالى : { بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ } (الزخرف:22) وفي آية قال : { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } (الزخرف:23) .
ويعلم القارئ للقرآن وجود آيات متعددة في هذا الموضوع غير هذه الآيات ، والغريب كل الغرابة أنـهم في حالة إصرار على التمحور حول موروث الفرقة والمذهب ، في كثير من قضايا الفكر الإسلامي ، ومواضيع الإيمان ، وكيفية أخذ الأحكام ، ولـهذا يمتنعون وبرفض فيه من الشدة والحدة والنظر بازدراء لمن يدعو لإعادة النظر في قضية خلق القرآن مثلا ؛ فيرفضون إعادة النظر بالقول الموروث [ بأن القرآن غير مخلوق ] مع أنَّ قبول البحث بأنَّ القرآن معجزٌ دليلٌ واضحٌ بيِّنٌ على كون القرآن مخلوقا ، فكل معجزة له تعالى مخلوقة ، وكونه غير مخلوق ليس منطوقا به من الوحي ، وليس مفهوما من دلالات أخرى غير دلالة المنطوق ، بل هو مجرد مضاهاة لقول اليهود والنصارى في قدم الكلمة ، فإن هؤلاء دعاة التجديد والإبداع والحداثة يقيمون الدنيا ولا يقعدونـها ، على فتح مثل هذه المواضيع ، فلماذا تباينت مواقفهم ؟ فهم مع جديد القول وليسوا مع إعادة النظر في مثل هذه المواضيع ؟ ووقفوا لاهثين عند تقليد من لا يجوز تقليده ! من منظومة الأئمة المعروفين .
من الضروري التفريق بين المعرفة النامية باستمرار ـ وهذا النمو مطلوب وضروري ، وهو شرط من شروط تقدم المعرفة ـ وبين القطيعة المعرفية الملغية للماضي المعرفي ؛ وبناء مدلولات تأسيسية جديدة للمعرفة ـ وهذه تصلح جزئيا لبعض نظريات العلم ـ ولكنها لا تصلح للمعرفة في قضايا الأنسنة ، أو مجموعة القيم ، أو المدركات المبنية على عالم الشهادة ، أي [مواضيع الإيمان الأساسية والضرورية] ولا يجوز أي محاولة للتجديد المعرفي تمحلا وبـهتانا ومنكرا وزورا ، { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً } ولا يصح التوقف المعرفي عند الماضي ، أو التحريف للمعرفة باسم هيمنة الكهنوت .
اعتماداً على ما سبق ، فإنَّ المطلوب هو نمو المعرفة ؛ وليس غير ذلك ؛ أي بقاء خيط متصل بين الماضي والحاضر ، وغير ذلك هو ضياع الهوية ؛ وعدم الإمساك بشرط التقدم .
يجمع الباحثون على أنَّ جميع الدراسات الموجودة في التراث عند المسلمين ؛ بدأت مقترنة بالقرآن الكريم ، واقتصرت هذه الدراسات بادئ الأمر على اللسان العربي ، إذ تنـزل به القرآن الكريم ، وهو كتاب غير حياة العرب تغييرا أساسيا شاملا ، فانتقل العرب من دور القيم الفردية والحياة القبلية إلى حياة الرحمة والهداية للبشرية جمعاء ؛ تصديقا لقوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) .
أثارَ القرآنُ الكريمُ حركةً فكريةً كبيرةً في سائر أنواع المعرفة ؛ فلم تقتصرْ على نص القرآن وما يتصل به ، بل شملت علوم اللغة في مدلولـها الواسع ، وكانوا بحق مبدعين بـهـا ، فأبدعوا الـمعاجم كمعجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي ، وقد أبدع الخليل بن أحمد نفسه كما هو مشهور علم العروض ؛ لمعرفة الشعر فكان فتحا أي فتح ، وجاء تلميذه سيبويه ليؤلف الكتاب في قواعد اللسان العربي ، وسار السابقون مسيرتـهم المعرفية عقدا أثر عقد ، شملت الكثير من حقول المعرفة المتعلقة بالإسلام : كعلم التوحيد ، منتجين منهجا خاصاً بعلم التوحيد ، هو علم الكلام والتفسير ، وأصول الفقه ، وعلم مصطلح الحديث ، وعلوم اللسان العربي ، بحيث وصفت علوم اللسان بأنـها مفتاح العلوم ، أو المتعلقة بالحياة ، كالتاريخ سيراً ومغازي ، والجغرافيا ، والفلك ، وعلوم الحيوان ، والطب ، وعلم الطبيعة ، والكيمياء ، والنبات ، والهندسة ، والرياضيات ، فلم يبق حقل من حقول المعرفة إلاَّ ولهم باع فيه .
ظلَّ القرآن الكريم نبعا لا ينضب لحركة فكرية مباركة ، يتقدم الفكر سنة بعد سنة ، ويمسك المسلمون معرفيا بشروط التقدم ـ رغم تركيز الملك الجبري العضوض ـ منذ تولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة ، بالقيام على الإمام الحق ، بالسفهاء من العرب ، الذين لم يتمكن الإسلام في نفوسهم تمكنا قويا ، ومع تباشير القرن الخامس الهجري حدث متغيران الأول : سيطرة السلاجقة الترك ( أي العجم ) الداخلين في الإسلام حديثا على الدولة ، ففي هذه السيطرة تم فصل الطاقة العربية ـ وهي طاقة اجتهاد وأداء ـ عن الطاقة الإسلامية وهي طاقة معاني ( طاقة العربية هي اللسان بما فيه من قدرة على تأدية معاني الإسلام ) والمتغير الثاني : هو صدور الوثيقة القادرية سنة 408هـ ، وهي وثيقة منعت الاجتهاد في الفكر ( أي في قضايا الإيمان وقضايا المعرفة العلمية والإنسانية ) وظهرت الدعوة للتقليد المذهبي ، وقام السلاجقة أهل القوة العسكرية بقتل مفكري المعتـزلة بالدرجة الأولى وساندهم العلماء الـمتنفذون من أهل الفتوى جماعة الأشاعرة وأهل الحديث بالتصفية الجسدية للعامة لكل من هو من أهل التوحيد والعدل ( المعتـزلة ) تلك هي الحقائق التي قلبت وضع المعرفة رأسا على عقب .
إعجاز القرآن
القرآن الكريم هو كلام الله ، نزل به الروح الأمين ، بلسان عربي مبين ، على نبي الهدى محمد بن عبد الله ـ صلوات الله عليه ـ لهداية الثقلين ، يتضمن لفت نظر للكون المنظور للتفكر فيه للوصول إلى معرفة الله ، وبهذا النظر يصل المكلف إلى الإيمان ، وفي القرآن أيضا أمرٌ ونـهيا وعليهما مدار الشريعة ، ويحوي الوعدَ بالثواب والوعيد بالعقاب ، أي يوم الجزاء ، وقصصاً عن أحداث وأمم ماضية ، وأخباراً عن عوالم غائبة كالجن والملائكة ، وأموراً آتية ، مثل البعث والحشر والحساب وقيام الساعة ، كل ذلك في سبيل بناء الإنسان الأفضل والأكمل الذي يسمو في درجات الرقي .
تعني هداية الثقلين : وهما الإنس والجن ، هداية الإنس تمت ببعث رسول الهدى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد تمت هداية البيان والدلالة لـهم عبر اتصال الرسول الحي مع البشر ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً } (الأحزاب:45) وقوله تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً } (الفتح:8) وأكد القرآن الاتصال الـحي بأنه مثل اتصال موسى بفرعون قال تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً } (المزمل:15) وبعد شهادته على المبلغين وانتقاله إلى الرفيق الأعلى تحولت المهمة كحالة رسالية للأمة الإسلامية قال تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }(البقرة: من الآية143) .
أمَّا هداية الجن فقد تمت بغير الاتصال الحي قال تعالى : { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً } (الجـن:1، 2) وكل ما يقال خلاف ذلك من مزاعم ؛ بعد إعمال الفكر في قوله تعالى : { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ } تُرَدُّ درايةً لتعارضها الصريح مع القرآن الكريم .
المسلمون كلهم متفقون على كون القرآن معجزاً ، ولكنهم مختلفون حول سر إعجازه ، وهذه الاختلافات محصورة في ثمانية أوجه في الزمن الكلاسيكي ، أي من النبوة إلى ما قبل نـهاية القرن الخامس الهجري ، إذ ترجح واستقر بعد ذلك رأي عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني ت 471 هـ ، بعد ما استفاد من نظرية النظم التي بدأت تنضح من الجاحظ إلى الجبائي ( أبو علي ) إلى القاضي عبد الجبار من كون الإعجاز يتجلى في نظم القرآن لا غير .
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً } (الإسراء:9) .
لقد تحدى القرآن الكريم العرب العاربة والعرب المستعربة أنْ يأتوا بمثل القرآن قال تعالى { فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ } (الطور:34) (م) فعجزوا جميعا عن الإتيان بمثله ، ولذلك قال تعالى : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً } (الإسراء:88) (ك) ولـهذا خفف لله عنهم التحدي ، فصاروا مطالبين أنْ يأتوا بعشر سور من مثله قال تعالى : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } (هود:13) (ك) وإذ عجزوا أيضا ، تحول التحدي إلى الإتيان بسورة واحدة من مثله قال تعالى : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } (يونس:38) (ك) وجاء التحدي مرة ثانية في المدينة قال تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } (البقرة:23) (م) .
يتبين من هذه الآيات تحدي القرآن للعرب في زمن التنـزيل ، وهذا هو التحدي القائم إلى يوم الدين ، فلا يصح الزعم باكتشاف سر التحدي ـ بسبب ما يتكشف عنه العلم في مسيرته الصاعدة ـ فهذا فضلا عن عدم وجاهته ، فهو يستبطن عدم ظهور التحدي زمن التـنـزيل ، وهو زعم لم ينقل عن أحد من السابقين من المسلمين أو غيرهم ، ويبنى على هذا القول الخطير القول التالي وهو : " إنَّ معاصري النبي لم يؤمنوا برسالة النبي بدليل المعجزة ، إذ المعجزة غير معروفة لـهم " ، على أنَّ آيات التحدي ناطقة بأنَّ الإعجاز في منطوق نصه وليس في معانيه ، وانظر إلى هذه المباني في القرآن بعين الفاحص : ( بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ) ( بِمِثْلِهِ ) ( بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ) ( بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه ) ( بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ) فما طلبه الله منهم الإتيان بمثله نصا ، ولا يمكن حملها على غير النص ، فالمعاني تابعة للمباني ، قيل : قال الوليد بن المغيرة ـ بعد استماعه للقرآن : [ فو الله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني ، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني ، ولا بأشعار الجن ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، والله إنَّ لقوله الذي يقول لحلاوة ، وإنَّ عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، وإنه ليحطم الذي تحته ] .
سواء صح إسناد هذا القول للوليد بن المغيرة ، أم لم يصح فإنَّ أهل السليقة من اللسان العربي يدركون الفرق بين نص ونص بداهة ؛ وليس ببناء الدليل ؛ إذ الدليل من عمل أهل القاعدة والأصول ولهذا اختلف أهل القاعدة على أوجه الإعجاز .
إنَّ زعم من يزعم : إنَّ التحدي بالإعجاز بدأ مع أول يوم نزل فيه القرآن ، بدليل أنَّه مطلوب مع أول نزول للقرآن الكريم الإيمان بالإسلام ونبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثل هذا القول خطأ في فهم المعجزة ، وهي أي المعجزة لا تكون أصلاً ، بل هي جواب لمن أنكر رسالة النبي ، أمَّأ من قام عنده الدليل عقلا على الله ، وأقام عقله على التسليم بحكمته : إذ يخلق الخلق ، وأنه مطلوب منهم فعل الحسن واجتناب القبيح ، وأنَّ المخالف محاسبٌ ، وأنَّ من قال : إنَّهُ نبي ورسول فهم يعرفونه ويعرفون سيرته ، فهم يصدقونه بـهذه الدلائل ، فخديجة أو علي أو زيد أو هند بن أبي هالة ابن خديجة وربيب بيت المصطفى أو الملأ من قريش وعلى رأسهم أبي بكر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص ؛ فهم ليسوا بحاجة إلى دليل الإعجاز ، ليؤمنوا بالشهادة الثانية ، من يحتاج دليل الإعجاز نوعان من الناس : معاصر للرسول مكابر ، أو من لم يعاصر الرسول من الأجيال الإنسانية التي تأتي في غير زمن الرسول ، والذي يتمعن دعوات الرسل ، يعرف أنَّ الرسل لا يبدأون رسالتهم بالتحدي ، فإبراهيم عليه السلام لم يقل : إنه نبي ، ودليل صدق دعواي ، أنْ تضعوني في النار وأخرج سالـما ، المعجزات يظهرها في واحدة من حالتين ، بناء على طلب من المرسل إليهم أو لحفظ النبي حتى يؤدي رسالته ، وكلما كابر المكابرون تعددت المعجزات ، ففرعون كابر موسى ولهذا تعددت المعجزات قال تعالى : { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ } وأكثر ينو إسرائيل التبرم والأسئلة فتعددت المعجزات على يد موسى لهم (النمل:12) .
فصل حول الإعجاز
حكى أبو عمرو الآدمي قال : قال أبو الهذيل : ورد كتاب المهدي في حملي من البصرة فحملت . واجتمع الناس لانتزاعي منهم ؛ فنهيتهم ، فبينما أنا في وسط دجلة ، إذ برجل قرب زورقه من زورقي فقال : إني رجل أشكل عليَّ أشياء من القرآن ، فقيل لي إنَّ بغيتي عندك ، فقد اتبعتك فاتق الله ! قلت : فما جنس ما أشكل عليك ؟ قال : آيات توهمني أنـها متناقضة أو ملحونة ، قلت : فماذا أحب إليك : أنْ أجيبك بجملة ، أو تسألني عن آية ! آية ، فقال : بل الجملة . فقلت : أتعلم أنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، كان من أوسط العرب ؛ غير مطعون عليه في لغته ؛ وأنَّهُ كان عند قومه من أعقل العرب ، لا يُطْعَنُ عليه ، قال : ألّلهم نعم . قلت : فهل تعلم أنَّ العرب كانوا أهل جدلٍ وبيان ؟ قال : اللهم نعم . قلت : فهل اجتهدوا في تكذيبه ؟ قال : اللهم نعم . قلت : فهل تعلم أنـهم تعلقوا عليه بالمناقضة أو اللحن ؟ قال : اللهم لا . قلت : فتترك قولهم مع علمهم باللغة ؛ وتأخذ بقول رجل من الأنباط ! فقال : أشهد أنْ لا إله إلاَّ الله ، وأشهد أنَّ محمد رسول الله ، كفاني هذا ! وانصرف وتفقه في الدين ! .
معنى الإعجاز
الإعجاز من مادة ( ع ج ز ) ، جاء في لسان العرب لابن منظور : العجز نقيض الحزم ، عَجَزَ عن الأمر يَعْجزُ [ أي فتح كسرٍ ] وعَجزَ عَجْزاً فيهما وتأتي في لسان العرب على معنيين : الأول الضعف وفقدان القدرة فتقول العرب : عجز عن الشيء أي ضعف عنه ، وتقول العرب : عجزت عن فلان ؛ إذا لم أقدِر عليه .
محاولة التعرف على الوحدة الإعجازية
هذه دعوة للتعرف على معنى قول : (الوحدة الإعجازية ) ؛ من الثابت أنَّ القرآن تحدى العرب جميعا " بأنْ يأتوا بمثل هذا القرآن" وإذ كلمة القرآن تصدق على :
1. القرآن الكريم كله .
2. أي سورة من سور القرآن الكريم .
3. أي آية من القرآن الكريم .
4. أي جزء من أية آية تحت شرطين :
§ الأول ليس حرفا من حروف المباني ـ أي حروف الأبجدية ـ أو المعاني سواء كان من حرف واحد ـ مثل الكاف ـ من قوله تعالى : [كَمِثْلِهِ] أو الثنائي مثل حرف من في قوله : [مِنْ نِعْمَةٍ] أو الثلاثي مثل لكن في قوله تعالى : [لَكِنِ الرَّاسِخُونَ] وغير ذلك من حروف المعنى فلا يتيسر للواحد أنْ يأتي بالحرف ويقول : هذا من القرآن ، بل يقال : إنَّ حروف القرآن هي حروف عربية اسماً وصوتا ، أو أنَّ يقال : هذا ورد في القرآن كحرف مبنى كذا مرة ، وكحرف معنى كذا مرة ، وفي السورة الفلانية كذا مرة وليس غير ذلك .
§ الثاني ليست كلمة مفردة ؛ سواء كانت اسما أو فعلا أو حرفا ، لقد ورد بحث حرف المعنى مع بحث حرف المبنى لاشتراكهما في الاسم ، وهذه الفقرة بحث في الكلمة اسما كانت أو فعلا ، والمقصود الكلمة التي وردت في القرآن الكريم ، مثل : الله أو قال ، فلا يقال : هذه قرآن كريم ، سواء كانت كلمة مفردة ، أو كلمة مضافة ، أو شبه جملة مثل : يد الله أو فوقهم ، والضابط لكل ذلك موضوع التضمين ، فما يصح تضمينه هو قرآن ، وما لا يصح تضمينه ليس قرءاناً ، ويفهم من ذلك أنَّ القرآن من الآية : هو ما كان جملة اسمية أو فعلية ، دون أي تغيير في حالـها .
§ والسؤال : أي من هذه الأربعة هو المعجز ؟ هذا سؤال يجب الجواب عليه من قبل النابتة الجدد ! وهو سؤال يتحدى هؤلاء المتألـهة الجاهلة معرفيا ؛ التي تثور عندها مشاعر التقديس حين تحديد الوحدة الإعجازية بأنـها السورة وليس أقل من ذلك ؛ تماما هي مثل الدب الذي قتل الطفل ليحميه من ذبابة ! .الوحدة الإعجازية : هل هي آية واجدة فتكون (الم) (البقرة:1) وهي آية و (يّـس) وهي آية أيضا ومثل (مُدْهَامَّتَانِ) (الرحمن:64) وغير ذلك آيات كثيرة فإنْ قالوا : لا . وهم لابد قائلون ، فكيف التفريق بين الآيات ؟ وما يحكم فيها بالإعجاز ؟ وما لا يحكم فيها بالإعجاز ؟ هل المعيار طول الآية ؟ أو تمام المعنى ؟ أو البلاغة والفصاحة ؟ أيها هو المعيار ؟ أيـها السادة النوابت ! والسادة المتألـهة ! !! فإن قيل إنَّ قوله تعالى : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه }لا يدل والنص لم يقل : إنَّ ما دون السورة ليس معجزا والنص في مثله { فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ } ينطبق على أي جزء يوصف بأنه قرآن ، يُرَدُّ عليهم بأن الآية من القرآن قرآن ، وحتى الجملة من الآية هي قرآن أيضا ، ومع أنـهما قرآن كما مر ، إلاَّ أنـهما ليستا على وصف الإعجاز ، فالأعجاز هو للقرآن كله ، ثم لعشر سور من مثله ، ثم لسورة من مثله ، ومفهوم العدد هو مفهوم حصر ، لكن الكارثة هو في اعوجاج الفهم ، ذلك أنـهم يجهلون أسباب تسمية السورة بأنـها سورة ، ناظرين على الغالب إلى البلاغة في النص ، والبلاغة يقينا ليست الإعجاز ، فالسورة صارت سورة لخصائص لـها : أهمها الوحدة الموضوعية ، فكل سورة تفقد جزءا منها فقدت الوحدة الموضوعية ، وإنْ استبدلت كلمة مكان كلمة فقدت الناحية الجمالية في السورة ، فكل سورة ـ حتى حين العجز عن إدراك ذلك ـ هي مختلفة عن غيرها ، على أنَّ منطوق النص جعل الوحدة الإعجازية على الأقل هي السورة .تحديد السورة في القرآن ليس تقسيما من الصحابة ، بل هو تقسيم من الله تعالى ، كما يتبين من معطيات تدوين القرآن ـ إلاَّ ما قيل عن سورة التوبة ، وهو قول ضعيف ؛ لا يصمد أمام البحث ، وسورة ، وتجمع سُوَراً ، والترجيح الواضح أنـها أي الجمع بغير همز ، فيكون معنى السورة المنـزلة من منازل الارتفاع ، وسمي سور المدينة سورا لحمايته ما يحويه بسبب ارتفاعه ، وفي هذا المعنى قول نابغة بني ذبيان في مدح النعمان بن المنذر ملك الحيرة :
أَلَـمْ تَرَ أَنَّ الله أعْطَاكَ سُورَةً تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ
يعني الذبياني في ذلك أعطاك منـزلة من منازل الشرف ، التي قصرتْ عنها منازل الملوك ، فهي سورة لارتفاعها وعلو قدرها بسبب خصائص هي عليها ، ولا يمكن تسمية سورة من القرآن بأنـها سورة ؛ إذا نقصت آية أو كلمة ؛ أو استبدلت بـها كلمة خارج القراءات المتواترة ، وقراءة الآحاد أو القراءات الشاذة ليست قرءاناً ، فهل أدركتم ذلك أيها السادة ؟ !
يترتب على ما سبق : إمَّا الأخذ بنظرية الإعجاز الشامل ؛ ويتولد عنها وجود آيات معجزة ، وأخرى غير معجزة ، ويقال لهم ماذا تقولون في قوله تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً } أهي معجزة لوحدها ؟ وهم لا بد نافون لذلك ، فما هو بديلهم ؟ أو الأخذ بنظرية الصِّرفة كما هي عند ابن حزم وهي قوله : إنَّ كل كلمة قائمة المعنى ، يعلم أنـها إذا تليت من القرآن ، فإنـها معجزة ، لا يقدر أحدٌ على الـمجيئ بمثلها أبدا ، لأن الله تعالى حال بين الناس وبين ذلك ، في اليسير من القرآن وفي كثيره ، ويرد على ابن حزم قصة قول عمر أو غيره : تَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالقينَ قبل نزولها في آية : { ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } (المؤمنون:14) لكن عند ابن حزم : إنَّ الكلمة متى ذكرت في خبر ـ على أنـها ليست قرءانا ـ فهي غير معجزة ، فابن حزم لا يعتمد التحليل اللغوي بل يعتمد منطوق النص على الظاهر وليس على المعنى .
فائدة للتفكر والاعتبار
أبن حزم يقول : بالصرفة ، وقوله قريب من الضرب الأول الذي قالت به المعتـزلة ، وهو قد رد حديث البخاري في حرمة الغناء والمعازف إذ أباحهما ، وهو قد قال بوفاة عيسى بن مريم ويعيده الله حيا عند نزوله ، وهو قد هاجم الأشاعرة هجوما لا هوادة فيه في كثير من مقالاتـهم ، وهو سليط بلسانه على أبي حنيفة ومالك ، ومع ذلك ليس محلا للهجوم من قبل أهل الحديث والأشاعرة والسبب أنه يري طاعة الحكام ، وإنْ ظلموا ، أو فسقوا ، وهذا يفسر حقيقة الهجوم على المعتـزلة ، ورغم خروج المعتـزلة من الحياة الفكرية للمسلمين ، ومع أنَّ الـمعتزلة طورت نظرية الصرفة إلى نظرية النظم ، إلاَّ أنَّ نار العداوة والبغضاء لا زالت موجودة عند جمع الإسلاميين ـ دون استثناء ـ بلا بصيرة ولا تبصر ، ولا حجة ولا دليل ، بل هم على موروث العمى ، وصدق الله تعالى إذ يقول في كتابه : { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً } (الاسراء:72) .
لـماذا لا زال الهجوم الأعمى يلفهم ؟ أعن قراءة فاحصة لمواضيع الاختلاف ؟ أو هو الموروث القاتل ؟ جاء في تعليق ( السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم ) وهو محقق النكت والعيون أي تفسير الماوردي عند ذكره الصرفة توثيقا لرأي قيل في الإعجاز في الهامش رقم (32) ما يلي :
(( وهذا الوجه ضَعَّفَهُ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ووصفه بأنه أضعف الأقوال وهو قول أهل الكلام . وقد ردَّ هذا الوجه أيضا الإمام الخطابي )) ويشير إلى المرجع بقوله (( راجع الدقائئق (1/155) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن للخطابي ص21 . يلاحظ أنه لم يشر إلى مرجعه عن ابن تيمية .
المقدمة
هدف هذه القراءة
تهدف هذه القراءة إلى إعادة بناء الفكر الإسلامي في موضوع خطير جدا ، هو موضوع إعجاز القرآن ، ذلك أن الإعجاز يتعرض الآن لقراءات جديدة ؛ بحجة تطور المعرفة ؛ وتطور العلم من جهة أخرى ، وبدعوى عدم توقف المعرفة عند الماضين من جهة ثانية ، ويستشهد دعاة عدم التوقف عند الماضين بالآيات المنددة بالتوقف عند ما ورثوه عن الآباء ، وهذه هي الآيات : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (البقرة:170) وقوله : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ }(المائدة:104) وقوله : { قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } (يونس:78) ) وقال تعالى : { قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } (الأنبياء:53) وقوله { قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } (الشعراء:74) وقال أيضا { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } (لقمان:21) ومثلها قوله تعالى : { بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ } (الزخرف:22) وفي آية قال : { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } (الزخرف:23) .
ويعلم القارئ للقرآن وجود آيات متعددة في هذا الموضوع غير هذه الآيات ، والغريب كل الغرابة أنـهم في حالة إصرار على التمحور حول موروث الفرقة والمذهب ، في كثير من قضايا الفكر الإسلامي ، ومواضيع الإيمان ، وكيفية أخذ الأحكام ، ولـهذا يمتنعون وبرفض فيه من الشدة والحدة والنظر بازدراء لمن يدعو لإعادة النظر في قضية خلق القرآن مثلا ؛ فيرفضون إعادة النظر بالقول الموروث [ بأن القرآن غير مخلوق ] مع أنَّ قبول البحث بأنَّ القرآن معجزٌ دليلٌ واضحٌ بيِّنٌ على كون القرآن مخلوقا ، فكل معجزة له تعالى مخلوقة ، وكونه غير مخلوق ليس منطوقا به من الوحي ، وليس مفهوما من دلالات أخرى غير دلالة المنطوق ، بل هو مجرد مضاهاة لقول اليهود والنصارى في قدم الكلمة ، فإن هؤلاء دعاة التجديد والإبداع والحداثة يقيمون الدنيا ولا يقعدونـها ، على فتح مثل هذه المواضيع ، فلماذا تباينت مواقفهم ؟ فهم مع جديد القول وليسوا مع إعادة النظر في مثل هذه المواضيع ؟ ووقفوا لاهثين عند تقليد من لا يجوز تقليده ! من منظومة الأئمة المعروفين .
من الضروري التفريق بين المعرفة النامية باستمرار ـ وهذا النمو مطلوب وضروري ، وهو شرط من شروط تقدم المعرفة ـ وبين القطيعة المعرفية الملغية للماضي المعرفي ؛ وبناء مدلولات تأسيسية جديدة للمعرفة ـ وهذه تصلح جزئيا لبعض نظريات العلم ـ ولكنها لا تصلح للمعرفة في قضايا الأنسنة ، أو مجموعة القيم ، أو المدركات المبنية على عالم الشهادة ، أي [مواضيع الإيمان الأساسية والضرورية] ولا يجوز أي محاولة للتجديد المعرفي تمحلا وبـهتانا ومنكرا وزورا ، { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً } ولا يصح التوقف المعرفي عند الماضي ، أو التحريف للمعرفة باسم هيمنة الكهنوت .
اعتماداً على ما سبق ، فإنَّ المطلوب هو نمو المعرفة ؛ وليس غير ذلك ؛ أي بقاء خيط متصل بين الماضي والحاضر ، وغير ذلك هو ضياع الهوية ؛ وعدم الإمساك بشرط التقدم .
يجمع الباحثون على أنَّ جميع الدراسات الموجودة في التراث عند المسلمين ؛ بدأت مقترنة بالقرآن الكريم ، واقتصرت هذه الدراسات بادئ الأمر على اللسان العربي ، إذ تنـزل به القرآن الكريم ، وهو كتاب غير حياة العرب تغييرا أساسيا شاملا ، فانتقل العرب من دور القيم الفردية والحياة القبلية إلى حياة الرحمة والهداية للبشرية جمعاء ؛ تصديقا لقوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) .
أثارَ القرآنُ الكريمُ حركةً فكريةً كبيرةً في سائر أنواع المعرفة ؛ فلم تقتصرْ على نص القرآن وما يتصل به ، بل شملت علوم اللغة في مدلولـها الواسع ، وكانوا بحق مبدعين بـهـا ، فأبدعوا الـمعاجم كمعجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي ، وقد أبدع الخليل بن أحمد نفسه كما هو مشهور علم العروض ؛ لمعرفة الشعر فكان فتحا أي فتح ، وجاء تلميذه سيبويه ليؤلف الكتاب في قواعد اللسان العربي ، وسار السابقون مسيرتـهم المعرفية عقدا أثر عقد ، شملت الكثير من حقول المعرفة المتعلقة بالإسلام : كعلم التوحيد ، منتجين منهجا خاصاً بعلم التوحيد ، هو علم الكلام والتفسير ، وأصول الفقه ، وعلم مصطلح الحديث ، وعلوم اللسان العربي ، بحيث وصفت علوم اللسان بأنـها مفتاح العلوم ، أو المتعلقة بالحياة ، كالتاريخ سيراً ومغازي ، والجغرافيا ، والفلك ، وعلوم الحيوان ، والطب ، وعلم الطبيعة ، والكيمياء ، والنبات ، والهندسة ، والرياضيات ، فلم يبق حقل من حقول المعرفة إلاَّ ولهم باع فيه .
ظلَّ القرآن الكريم نبعا لا ينضب لحركة فكرية مباركة ، يتقدم الفكر سنة بعد سنة ، ويمسك المسلمون معرفيا بشروط التقدم ـ رغم تركيز الملك الجبري العضوض ـ منذ تولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة ، بالقيام على الإمام الحق ، بالسفهاء من العرب ، الذين لم يتمكن الإسلام في نفوسهم تمكنا قويا ، ومع تباشير القرن الخامس الهجري حدث متغيران الأول : سيطرة السلاجقة الترك ( أي العجم ) الداخلين في الإسلام حديثا على الدولة ، ففي هذه السيطرة تم فصل الطاقة العربية ـ وهي طاقة اجتهاد وأداء ـ عن الطاقة الإسلامية وهي طاقة معاني ( طاقة العربية هي اللسان بما فيه من قدرة على تأدية معاني الإسلام ) والمتغير الثاني : هو صدور الوثيقة القادرية سنة 408هـ ، وهي وثيقة منعت الاجتهاد في الفكر ( أي في قضايا الإيمان وقضايا المعرفة العلمية والإنسانية ) وظهرت الدعوة للتقليد المذهبي ، وقام السلاجقة أهل القوة العسكرية بقتل مفكري المعتـزلة بالدرجة الأولى وساندهم العلماء الـمتنفذون من أهل الفتوى جماعة الأشاعرة وأهل الحديث بالتصفية الجسدية للعامة لكل من هو من أهل التوحيد والعدل ( المعتـزلة ) تلك هي الحقائق التي قلبت وضع المعرفة رأسا على عقب .
إعجاز القرآن
القرآن الكريم هو كلام الله ، نزل به الروح الأمين ، بلسان عربي مبين ، على نبي الهدى محمد بن عبد الله ـ صلوات الله عليه ـ لهداية الثقلين ، يتضمن لفت نظر للكون المنظور للتفكر فيه للوصول إلى معرفة الله ، وبهذا النظر يصل المكلف إلى الإيمان ، وفي القرآن أيضا أمرٌ ونـهيا وعليهما مدار الشريعة ، ويحوي الوعدَ بالثواب والوعيد بالعقاب ، أي يوم الجزاء ، وقصصاً عن أحداث وأمم ماضية ، وأخباراً عن عوالم غائبة كالجن والملائكة ، وأموراً آتية ، مثل البعث والحشر والحساب وقيام الساعة ، كل ذلك في سبيل بناء الإنسان الأفضل والأكمل الذي يسمو في درجات الرقي .
تعني هداية الثقلين : وهما الإنس والجن ، هداية الإنس تمت ببعث رسول الهدى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد تمت هداية البيان والدلالة لـهم عبر اتصال الرسول الحي مع البشر ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً } (الأحزاب:45) وقوله تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً } (الفتح:8) وأكد القرآن الاتصال الـحي بأنه مثل اتصال موسى بفرعون قال تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً } (المزمل:15) وبعد شهادته على المبلغين وانتقاله إلى الرفيق الأعلى تحولت المهمة كحالة رسالية للأمة الإسلامية قال تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }(البقرة: من الآية143) .
أمَّا هداية الجن فقد تمت بغير الاتصال الحي قال تعالى : { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً } (الجـن:1، 2) وكل ما يقال خلاف ذلك من مزاعم ؛ بعد إعمال الفكر في قوله تعالى : { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ } تُرَدُّ درايةً لتعارضها الصريح مع القرآن الكريم .
المسلمون كلهم متفقون على كون القرآن معجزاً ، ولكنهم مختلفون حول سر إعجازه ، وهذه الاختلافات محصورة في ثمانية أوجه في الزمن الكلاسيكي ، أي من النبوة إلى ما قبل نـهاية القرن الخامس الهجري ، إذ ترجح واستقر بعد ذلك رأي عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني ت 471 هـ ، بعد ما استفاد من نظرية النظم التي بدأت تنضح من الجاحظ إلى الجبائي ( أبو علي ) إلى القاضي عبد الجبار من كون الإعجاز يتجلى في نظم القرآن لا غير .
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً } (الإسراء:9) .
لقد تحدى القرآن الكريم العرب العاربة والعرب المستعربة أنْ يأتوا بمثل القرآن قال تعالى { فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ } (الطور:34) (م) فعجزوا جميعا عن الإتيان بمثله ، ولذلك قال تعالى : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً } (الإسراء:88) (ك) ولـهذا خفف لله عنهم التحدي ، فصاروا مطالبين أنْ يأتوا بعشر سور من مثله قال تعالى : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } (هود:13) (ك) وإذ عجزوا أيضا ، تحول التحدي إلى الإتيان بسورة واحدة من مثله قال تعالى : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } (يونس:38) (ك) وجاء التحدي مرة ثانية في المدينة قال تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } (البقرة:23) (م) .
يتبين من هذه الآيات تحدي القرآن للعرب في زمن التنـزيل ، وهذا هو التحدي القائم إلى يوم الدين ، فلا يصح الزعم باكتشاف سر التحدي ـ بسبب ما يتكشف عنه العلم في مسيرته الصاعدة ـ فهذا فضلا عن عدم وجاهته ، فهو يستبطن عدم ظهور التحدي زمن التـنـزيل ، وهو زعم لم ينقل عن أحد من السابقين من المسلمين أو غيرهم ، ويبنى على هذا القول الخطير القول التالي وهو : " إنَّ معاصري النبي لم يؤمنوا برسالة النبي بدليل المعجزة ، إذ المعجزة غير معروفة لـهم " ، على أنَّ آيات التحدي ناطقة بأنَّ الإعجاز في منطوق نصه وليس في معانيه ، وانظر إلى هذه المباني في القرآن بعين الفاحص : ( بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ) ( بِمِثْلِهِ ) ( بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ) ( بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه ) ( بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ) فما طلبه الله منهم الإتيان بمثله نصا ، ولا يمكن حملها على غير النص ، فالمعاني تابعة للمباني ، قيل : قال الوليد بن المغيرة ـ بعد استماعه للقرآن : [ فو الله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني ، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني ، ولا بأشعار الجن ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، والله إنَّ لقوله الذي يقول لحلاوة ، وإنَّ عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، وإنه ليحطم الذي تحته ] .
سواء صح إسناد هذا القول للوليد بن المغيرة ، أم لم يصح فإنَّ أهل السليقة من اللسان العربي يدركون الفرق بين نص ونص بداهة ؛ وليس ببناء الدليل ؛ إذ الدليل من عمل أهل القاعدة والأصول ولهذا اختلف أهل القاعدة على أوجه الإعجاز .
إنَّ زعم من يزعم : إنَّ التحدي بالإعجاز بدأ مع أول يوم نزل فيه القرآن ، بدليل أنَّه مطلوب مع أول نزول للقرآن الكريم الإيمان بالإسلام ونبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثل هذا القول خطأ في فهم المعجزة ، وهي أي المعجزة لا تكون أصلاً ، بل هي جواب لمن أنكر رسالة النبي ، أمَّأ من قام عنده الدليل عقلا على الله ، وأقام عقله على التسليم بحكمته : إذ يخلق الخلق ، وأنه مطلوب منهم فعل الحسن واجتناب القبيح ، وأنَّ المخالف محاسبٌ ، وأنَّ من قال : إنَّهُ نبي ورسول فهم يعرفونه ويعرفون سيرته ، فهم يصدقونه بـهذه الدلائل ، فخديجة أو علي أو زيد أو هند بن أبي هالة ابن خديجة وربيب بيت المصطفى أو الملأ من قريش وعلى رأسهم أبي بكر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص ؛ فهم ليسوا بحاجة إلى دليل الإعجاز ، ليؤمنوا بالشهادة الثانية ، من يحتاج دليل الإعجاز نوعان من الناس : معاصر للرسول مكابر ، أو من لم يعاصر الرسول من الأجيال الإنسانية التي تأتي في غير زمن الرسول ، والذي يتمعن دعوات الرسل ، يعرف أنَّ الرسل لا يبدأون رسالتهم بالتحدي ، فإبراهيم عليه السلام لم يقل : إنه نبي ، ودليل صدق دعواي ، أنْ تضعوني في النار وأخرج سالـما ، المعجزات يظهرها في واحدة من حالتين ، بناء على طلب من المرسل إليهم أو لحفظ النبي حتى يؤدي رسالته ، وكلما كابر المكابرون تعددت المعجزات ، ففرعون كابر موسى ولهذا تعددت المعجزات قال تعالى : { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ } وأكثر ينو إسرائيل التبرم والأسئلة فتعددت المعجزات على يد موسى لهم (النمل:12) .
فصل حول الإعجاز
حكى أبو عمرو الآدمي قال : قال أبو الهذيل : ورد كتاب المهدي في حملي من البصرة فحملت . واجتمع الناس لانتزاعي منهم ؛ فنهيتهم ، فبينما أنا في وسط دجلة ، إذ برجل قرب زورقه من زورقي فقال : إني رجل أشكل عليَّ أشياء من القرآن ، فقيل لي إنَّ بغيتي عندك ، فقد اتبعتك فاتق الله ! قلت : فما جنس ما أشكل عليك ؟ قال : آيات توهمني أنـها متناقضة أو ملحونة ، قلت : فماذا أحب إليك : أنْ أجيبك بجملة ، أو تسألني عن آية ! آية ، فقال : بل الجملة . فقلت : أتعلم أنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، كان من أوسط العرب ؛ غير مطعون عليه في لغته ؛ وأنَّهُ كان عند قومه من أعقل العرب ، لا يُطْعَنُ عليه ، قال : ألّلهم نعم . قلت : فهل تعلم أنَّ العرب كانوا أهل جدلٍ وبيان ؟ قال : اللهم نعم . قلت : فهل اجتهدوا في تكذيبه ؟ قال : اللهم نعم . قلت : فهل تعلم أنـهم تعلقوا عليه بالمناقضة أو اللحن ؟ قال : اللهم لا . قلت : فتترك قولهم مع علمهم باللغة ؛ وتأخذ بقول رجل من الأنباط ! فقال : أشهد أنْ لا إله إلاَّ الله ، وأشهد أنَّ محمد رسول الله ، كفاني هذا ! وانصرف وتفقه في الدين ! .
معنى الإعجاز
الإعجاز من مادة ( ع ج ز ) ، جاء في لسان العرب لابن منظور : العجز نقيض الحزم ، عَجَزَ عن الأمر يَعْجزُ [ أي فتح كسرٍ ] وعَجزَ عَجْزاً فيهما وتأتي في لسان العرب على معنيين : الأول الضعف وفقدان القدرة فتقول العرب : عجز عن الشيء أي ضعف عنه ، وتقول العرب : عجزت عن فلان ؛ إذا لم أقدِر عليه .
محاولة التعرف على الوحدة الإعجازية
هذه دعوة للتعرف على معنى قول : (الوحدة الإعجازية ) ؛ من الثابت أنَّ القرآن تحدى العرب جميعا " بأنْ يأتوا بمثل هذا القرآن" وإذ كلمة القرآن تصدق على :
1. القرآن الكريم كله .
2. أي سورة من سور القرآن الكريم .
3. أي آية من القرآن الكريم .
4. أي جزء من أية آية تحت شرطين :
§ الأول ليس حرفا من حروف المباني ـ أي حروف الأبجدية ـ أو المعاني سواء كان من حرف واحد ـ مثل الكاف ـ من قوله تعالى : [كَمِثْلِهِ] أو الثنائي مثل حرف من في قوله : [مِنْ نِعْمَةٍ] أو الثلاثي مثل لكن في قوله تعالى : [لَكِنِ الرَّاسِخُونَ] وغير ذلك من حروف المعنى فلا يتيسر للواحد أنْ يأتي بالحرف ويقول : هذا من القرآن ، بل يقال : إنَّ حروف القرآن هي حروف عربية اسماً وصوتا ، أو أنَّ يقال : هذا ورد في القرآن كحرف مبنى كذا مرة ، وكحرف معنى كذا مرة ، وفي السورة الفلانية كذا مرة وليس غير ذلك .
§ الثاني ليست كلمة مفردة ؛ سواء كانت اسما أو فعلا أو حرفا ، لقد ورد بحث حرف المعنى مع بحث حرف المبنى لاشتراكهما في الاسم ، وهذه الفقرة بحث في الكلمة اسما كانت أو فعلا ، والمقصود الكلمة التي وردت في القرآن الكريم ، مثل : الله أو قال ، فلا يقال : هذه قرآن كريم ، سواء كانت كلمة مفردة ، أو كلمة مضافة ، أو شبه جملة مثل : يد الله أو فوقهم ، والضابط لكل ذلك موضوع التضمين ، فما يصح تضمينه هو قرآن ، وما لا يصح تضمينه ليس قرءاناً ، ويفهم من ذلك أنَّ القرآن من الآية : هو ما كان جملة اسمية أو فعلية ، دون أي تغيير في حالـها .
§ والسؤال : أي من هذه الأربعة هو المعجز ؟ هذا سؤال يجب الجواب عليه من قبل النابتة الجدد ! وهو سؤال يتحدى هؤلاء المتألـهة الجاهلة معرفيا ؛ التي تثور عندها مشاعر التقديس حين تحديد الوحدة الإعجازية بأنـها السورة وليس أقل من ذلك ؛ تماما هي مثل الدب الذي قتل الطفل ليحميه من ذبابة ! .الوحدة الإعجازية : هل هي آية واجدة فتكون (الم) (البقرة:1) وهي آية و (يّـس) وهي آية أيضا ومثل (مُدْهَامَّتَانِ) (الرحمن:64) وغير ذلك آيات كثيرة فإنْ قالوا : لا . وهم لابد قائلون ، فكيف التفريق بين الآيات ؟ وما يحكم فيها بالإعجاز ؟ وما لا يحكم فيها بالإعجاز ؟ هل المعيار طول الآية ؟ أو تمام المعنى ؟ أو البلاغة والفصاحة ؟ أيها هو المعيار ؟ أيـها السادة النوابت ! والسادة المتألـهة ! !! فإن قيل إنَّ قوله تعالى : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه }لا يدل والنص لم يقل : إنَّ ما دون السورة ليس معجزا والنص في مثله { فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ } ينطبق على أي جزء يوصف بأنه قرآن ، يُرَدُّ عليهم بأن الآية من القرآن قرآن ، وحتى الجملة من الآية هي قرآن أيضا ، ومع أنـهما قرآن كما مر ، إلاَّ أنـهما ليستا على وصف الإعجاز ، فالأعجاز هو للقرآن كله ، ثم لعشر سور من مثله ، ثم لسورة من مثله ، ومفهوم العدد هو مفهوم حصر ، لكن الكارثة هو في اعوجاج الفهم ، ذلك أنـهم يجهلون أسباب تسمية السورة بأنـها سورة ، ناظرين على الغالب إلى البلاغة في النص ، والبلاغة يقينا ليست الإعجاز ، فالسورة صارت سورة لخصائص لـها : أهمها الوحدة الموضوعية ، فكل سورة تفقد جزءا منها فقدت الوحدة الموضوعية ، وإنْ استبدلت كلمة مكان كلمة فقدت الناحية الجمالية في السورة ، فكل سورة ـ حتى حين العجز عن إدراك ذلك ـ هي مختلفة عن غيرها ، على أنَّ منطوق النص جعل الوحدة الإعجازية على الأقل هي السورة .تحديد السورة في القرآن ليس تقسيما من الصحابة ، بل هو تقسيم من الله تعالى ، كما يتبين من معطيات تدوين القرآن ـ إلاَّ ما قيل عن سورة التوبة ، وهو قول ضعيف ؛ لا يصمد أمام البحث ، وسورة ، وتجمع سُوَراً ، والترجيح الواضح أنـها أي الجمع بغير همز ، فيكون معنى السورة المنـزلة من منازل الارتفاع ، وسمي سور المدينة سورا لحمايته ما يحويه بسبب ارتفاعه ، وفي هذا المعنى قول نابغة بني ذبيان في مدح النعمان بن المنذر ملك الحيرة :
أَلَـمْ تَرَ أَنَّ الله أعْطَاكَ سُورَةً تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ
يعني الذبياني في ذلك أعطاك منـزلة من منازل الشرف ، التي قصرتْ عنها منازل الملوك ، فهي سورة لارتفاعها وعلو قدرها بسبب خصائص هي عليها ، ولا يمكن تسمية سورة من القرآن بأنـها سورة ؛ إذا نقصت آية أو كلمة ؛ أو استبدلت بـها كلمة خارج القراءات المتواترة ، وقراءة الآحاد أو القراءات الشاذة ليست قرءاناً ، فهل أدركتم ذلك أيها السادة ؟ !
يترتب على ما سبق : إمَّا الأخذ بنظرية الإعجاز الشامل ؛ ويتولد عنها وجود آيات معجزة ، وأخرى غير معجزة ، ويقال لهم ماذا تقولون في قوله تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً } أهي معجزة لوحدها ؟ وهم لا بد نافون لذلك ، فما هو بديلهم ؟ أو الأخذ بنظرية الصِّرفة كما هي عند ابن حزم وهي قوله : إنَّ كل كلمة قائمة المعنى ، يعلم أنـها إذا تليت من القرآن ، فإنـها معجزة ، لا يقدر أحدٌ على الـمجيئ بمثلها أبدا ، لأن الله تعالى حال بين الناس وبين ذلك ، في اليسير من القرآن وفي كثيره ، ويرد على ابن حزم قصة قول عمر أو غيره : تَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالقينَ قبل نزولها في آية : { ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } (المؤمنون:14) لكن عند ابن حزم : إنَّ الكلمة متى ذكرت في خبر ـ على أنـها ليست قرءانا ـ فهي غير معجزة ، فابن حزم لا يعتمد التحليل اللغوي بل يعتمد منطوق النص على الظاهر وليس على المعنى .
فائدة للتفكر والاعتبار
أبن حزم يقول : بالصرفة ، وقوله قريب من الضرب الأول الذي قالت به المعتـزلة ، وهو قد رد حديث البخاري في حرمة الغناء والمعازف إذ أباحهما ، وهو قد قال بوفاة عيسى بن مريم ويعيده الله حيا عند نزوله ، وهو قد هاجم الأشاعرة هجوما لا هوادة فيه في كثير من مقالاتـهم ، وهو سليط بلسانه على أبي حنيفة ومالك ، ومع ذلك ليس محلا للهجوم من قبل أهل الحديث والأشاعرة والسبب أنه يري طاعة الحكام ، وإنْ ظلموا ، أو فسقوا ، وهذا يفسر حقيقة الهجوم على المعتـزلة ، ورغم خروج المعتـزلة من الحياة الفكرية للمسلمين ، ومع أنَّ الـمعتزلة طورت نظرية الصرفة إلى نظرية النظم ، إلاَّ أنَّ نار العداوة والبغضاء لا زالت موجودة عند جمع الإسلاميين ـ دون استثناء ـ بلا بصيرة ولا تبصر ، ولا حجة ولا دليل ، بل هم على موروث العمى ، وصدق الله تعالى إذ يقول في كتابه : { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً } (الاسراء:72) .
لـماذا لا زال الهجوم الأعمى يلفهم ؟ أعن قراءة فاحصة لمواضيع الاختلاف ؟ أو هو الموروث القاتل ؟ جاء في تعليق ( السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم ) وهو محقق النكت والعيون أي تفسير الماوردي عند ذكره الصرفة توثيقا لرأي قيل في الإعجاز في الهامش رقم (32) ما يلي :
(( وهذا الوجه ضَعَّفَهُ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ووصفه بأنه أضعف الأقوال وهو قول أهل الكلام . وقد ردَّ هذا الوجه أيضا الإمام الخطابي )) ويشير إلى المرجع بقوله (( راجع الدقائئق (1/155) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن للخطابي ص21 . يلاحظ أنه لم يشر إلى مرجعه عن ابن تيمية .
تعليق