الأخ الفاضل بلال
اعلم أني كنت قد تركت مناظرتك، ولولا أن من لا تسعني مخالفته طلب مني أن أكمل الكلام معك لما فعلت، ولكن لله الأمر من قبل ومن بعد، ثمُّ إني أطلب منك أن نتناظر مسألة مسألة وحجة حجة، لا يذكر أحدٌ منا شيئا من المسائل إلا المسألة اللتي نتكلم عنها، وأطلب منك ومن نفسي أن لا نستعمل أسلوب الخطابة بل نلتزم الحجة والكلام المفيد، وأطلب أن نبتعد عما يثير الشحناء بيننا، فإن كنت لا توافق على شيء من ذلك فصرح به قبل أن نكمل الكلام وإلا فسأعتبر سكوتك موافقة منك لما طلبته.
وليكن أول ما أبدأ به مسألة العموم في قول الله (ومن يعص)
قال الفاضل بلال (فإنني لا أسلّم ابتداءً أن صيغة (مَنْ) في سياق الشّرط تفيد العموم لجواز دخول لفظتي الكلّ والبعض عليها، ولو كانت تفيد الاستغراق فعلاً لكان دخول كلّ عليها تكراراً، ودخول بعض عليها ينقضها، وليس الأمر كذلك.
فثبت أن جميع العمومات الواردة بصيغة من في معرض الشرط لا تفيد العموم بذلتها. والحقّ أن هذه الصيغة وصيغة الجمع المحلّى بأل في كتاب الله تعالى جاءت والمراد منها تارة الاستغراق وأخرى البعض، وأكثر العمومات في الكتاب العزيز مخصوصة، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل، فلا بدّ من جعله حقيقة في المشترك بين العموم والخصوص، وذلك بحمله على الأكثر من غير بيان أنّه يفيد الاستغراق أو لا يفيده.
ثمّ إن هذه الصيغة لو أفادت العموم إفادة قطعيّة لاستحال إدخال التأكيد عليها لأن ذلك يكون عندئذٍ تحصيل الحاصل، وهو محال. فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم. )
ظاهر كلامك أنك تقصد بإفادة العموم على وجه القطع أنها لا تفيد إلا العموم حتى لا يجوز صرفها عن هذا المعنى أبدا، وأنا لا أقول أنها تفيد العموم بهذا الإطلاق بل إن لفظة كل لا تفيد العموم بهذا القطع، ولكن أقول إن من في سياق الشرط تفيد العموم ظاهرا ويجوز لهذا العموم أن يخصّ، فإن لم يوجد دليل على الخصوص وجب اعتقاد العموم وقطعنا عندها بأنها للعموم، وعليه لا يصح قولك بعدم جواز دخول كل وبعض إذ تكون فائدة دخول كل التأكيد وبعض التخصيص، ولا تعود كل تكرار إذ فائدتها تأكيد الظاهر ولا تعود بعض نقضا إذ فائدتها إظهار المجاز.
أما قولك (وأكثر العمومات في الكتاب العزيز مخصوصة، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل، فلا بدّ من جعله حقيقة في المشترك بين العموم والخصوص، وذلك بحمله على الأكثر من غير بيان أنّه يفيد الاستغراق أو لا يفيده. )
عليه إيرادان:
الأول أني لو سلمت لك أن من في سياق الشرط تفيد الأكثر من غير استغراق لصارت آيات القرآن مجملة إذ هذا الأكثر لم يحدد من هو، والقول بأن هذا العموم مخصوص بمخصص واضح أولى من القول بالإجمال.
الثاني لا أسلم أن المجاز خلاف الأصل في الاستخدام دائما إذ قد يستخدم المجاز أكثر من الحقيقة، وإنما يصح لك الاستدلال لو كنا نتكلم عن بدء اللغة أما بعد ذلك بأزمان فلا إذ كثير من الألفاظ صارت تستخدم في المعنى المجازي أكثر من استخدامها في المعنى الحقيقي مثل الغائط.
قولك (ثمّ إن هذه الصيغة لو أفادت العموم إفادة قطعيّة لاستحال إدخال التأكيد عليها لأن ذلك يكون عندئذٍ تحصيل الحاصل، وهو محال. فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم )
هذا استدلال غير صحيح وإنما تكون النتيجة صحيحة بأن تقول فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم القطعي أي اللذي لا يجوز إفادة غيره، أما أن تنفي إفادة العموم على الإطلاق مدخلا بذلك العموم الظاهر اللذي يحتمل التأويل فهذا لا يصح، وبإفادتها لهذا العموم أقول.
ثم أطلب منك أن تخبرني مَن مِن الأشاعرة المعتد بقولهم يقول بهذا القول، أما قولي فهو قول الرازي بل جعلها في أعلى مراتب العموم وهو قول الغزالي في المستصفى، وهو قول إمام الحرمين في البرهان على ما أذكر، بل أذكر أن الزركشي في البحر نقل الاتفاق على أن من في سياق الشرط تفيد العموم. فمن من أئمة الأشاعرة المعتد بقولهم نقض الاتفاق المنقول؟
ولي تعليقات أخرى على كلامك أتركها لأنظر ماذا تجيبُ.
اعلم أني كنت قد تركت مناظرتك، ولولا أن من لا تسعني مخالفته طلب مني أن أكمل الكلام معك لما فعلت، ولكن لله الأمر من قبل ومن بعد، ثمُّ إني أطلب منك أن نتناظر مسألة مسألة وحجة حجة، لا يذكر أحدٌ منا شيئا من المسائل إلا المسألة اللتي نتكلم عنها، وأطلب منك ومن نفسي أن لا نستعمل أسلوب الخطابة بل نلتزم الحجة والكلام المفيد، وأطلب أن نبتعد عما يثير الشحناء بيننا، فإن كنت لا توافق على شيء من ذلك فصرح به قبل أن نكمل الكلام وإلا فسأعتبر سكوتك موافقة منك لما طلبته.
وليكن أول ما أبدأ به مسألة العموم في قول الله (ومن يعص)
قال الفاضل بلال (فإنني لا أسلّم ابتداءً أن صيغة (مَنْ) في سياق الشّرط تفيد العموم لجواز دخول لفظتي الكلّ والبعض عليها، ولو كانت تفيد الاستغراق فعلاً لكان دخول كلّ عليها تكراراً، ودخول بعض عليها ينقضها، وليس الأمر كذلك.
فثبت أن جميع العمومات الواردة بصيغة من في معرض الشرط لا تفيد العموم بذلتها. والحقّ أن هذه الصيغة وصيغة الجمع المحلّى بأل في كتاب الله تعالى جاءت والمراد منها تارة الاستغراق وأخرى البعض، وأكثر العمومات في الكتاب العزيز مخصوصة، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل، فلا بدّ من جعله حقيقة في المشترك بين العموم والخصوص، وذلك بحمله على الأكثر من غير بيان أنّه يفيد الاستغراق أو لا يفيده.
ثمّ إن هذه الصيغة لو أفادت العموم إفادة قطعيّة لاستحال إدخال التأكيد عليها لأن ذلك يكون عندئذٍ تحصيل الحاصل، وهو محال. فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم. )
ظاهر كلامك أنك تقصد بإفادة العموم على وجه القطع أنها لا تفيد إلا العموم حتى لا يجوز صرفها عن هذا المعنى أبدا، وأنا لا أقول أنها تفيد العموم بهذا الإطلاق بل إن لفظة كل لا تفيد العموم بهذا القطع، ولكن أقول إن من في سياق الشرط تفيد العموم ظاهرا ويجوز لهذا العموم أن يخصّ، فإن لم يوجد دليل على الخصوص وجب اعتقاد العموم وقطعنا عندها بأنها للعموم، وعليه لا يصح قولك بعدم جواز دخول كل وبعض إذ تكون فائدة دخول كل التأكيد وبعض التخصيص، ولا تعود كل تكرار إذ فائدتها تأكيد الظاهر ولا تعود بعض نقضا إذ فائدتها إظهار المجاز.
أما قولك (وأكثر العمومات في الكتاب العزيز مخصوصة، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل، فلا بدّ من جعله حقيقة في المشترك بين العموم والخصوص، وذلك بحمله على الأكثر من غير بيان أنّه يفيد الاستغراق أو لا يفيده. )
عليه إيرادان:
الأول أني لو سلمت لك أن من في سياق الشرط تفيد الأكثر من غير استغراق لصارت آيات القرآن مجملة إذ هذا الأكثر لم يحدد من هو، والقول بأن هذا العموم مخصوص بمخصص واضح أولى من القول بالإجمال.
الثاني لا أسلم أن المجاز خلاف الأصل في الاستخدام دائما إذ قد يستخدم المجاز أكثر من الحقيقة، وإنما يصح لك الاستدلال لو كنا نتكلم عن بدء اللغة أما بعد ذلك بأزمان فلا إذ كثير من الألفاظ صارت تستخدم في المعنى المجازي أكثر من استخدامها في المعنى الحقيقي مثل الغائط.
قولك (ثمّ إن هذه الصيغة لو أفادت العموم إفادة قطعيّة لاستحال إدخال التأكيد عليها لأن ذلك يكون عندئذٍ تحصيل الحاصل، وهو محال. فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم )
هذا استدلال غير صحيح وإنما تكون النتيجة صحيحة بأن تقول فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم القطعي أي اللذي لا يجوز إفادة غيره، أما أن تنفي إفادة العموم على الإطلاق مدخلا بذلك العموم الظاهر اللذي يحتمل التأويل فهذا لا يصح، وبإفادتها لهذا العموم أقول.
ثم أطلب منك أن تخبرني مَن مِن الأشاعرة المعتد بقولهم يقول بهذا القول، أما قولي فهو قول الرازي بل جعلها في أعلى مراتب العموم وهو قول الغزالي في المستصفى، وهو قول إمام الحرمين في البرهان على ما أذكر، بل أذكر أن الزركشي في البحر نقل الاتفاق على أن من في سياق الشرط تفيد العموم. فمن من أئمة الأشاعرة المعتد بقولهم نقض الاتفاق المنقول؟
ولي تعليقات أخرى على كلامك أتركها لأنظر ماذا تجيبُ.
)، وكذلك قوله تعالى: (فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز) أفلا تحتمل هاتان الآيتان برأيك خروج البعض من النار؟ لا سيّما إذا ضمّتا إلى عدد كبير من الأحاديث الصحيحة التي تنصّ نصّاً على خروج البعض من النار، كحديث أنس في البخاري ومسلم (يخرج من النار أو أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله...)، وحديث أبي سعيد في الترمذي (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة) من الحسن الصحيح، وحديث أبي سعيد في مسلم: (أما أهل النار... حتى إذا كانوا فحماً فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثّوا على أنهار الجنّة..)، وحديث جابر في الترمذي (يعذب ناس.. فيخرجون فيطرحون على أبواب الجنّة..)، وحديث جابر في مسلم: (إن قوماً يخرجون من النار يحترقون فيها..)، وحديث أبي سعيد في البخاري: (يخلص المؤمنون من النار...)، ولأبي سعيد في البخاري: (يدخل أهل الجنة.. فيخرجون منها قد اسودّوا..) وفي مسلم بلفظ: (...قد امتحشوا..)، وحديث جابر في البخاري ومسلم: (يخرج من النار قوم بالشفاعة كأنهم الثعارير...)، وحديث عمران بن حصين في البخاري وأبي داوود والترمذي: (يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلّم..)، وحديث أنس في البخاري: (يخرج من النار قوم بعدما مسّتهم منها سفع...)، وحديث أنس في مسلم: (يخرج من النار أربعة...)، وحديث عبد الله بن مسعود في البخاري ومسلم والترمذي: (إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها...)، وله في مسلم حديث: (آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة...)... وهذه كلّها أحاديث صحيحة.
تعليق