بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله ومن والاه
وبعد ..
فهذه كلماتٌ كتبتها على عجل أعرض فيها رؤية أخرى لمسألة نجاة أهل الفترة المقطوع بها عند جمهور السادة الأشاعرة ، وأنا إذ أعرضها فإني أرجو بذلك التصحيح والتوجيه ممن يفتح الله عليه ممن هم أعلم منّي وأحكم .
أقول ابتداءً أنّ المسألة مُشكلةٌ بعض الشيء .. بالنسبة للعبد الضعيف على الأقل ، وقد تباحثتُ فيها كثيراً مع مشايخي فما خرجت منهم بإجابةٍ شافية وغاية ما يوجهونَ العبدَ إليه التزامَ النصوصِ وما وردَ في المتون .
والمتون والنصوص محلُّ احترامي وتقديري غيرَ أن الحقَّ أحب إليّ منها .
وبعد النظر المستمر والتباحث والسؤال توصلتُ إلى أن الحقّ في المسألة هو التوقف في شأن أهل الفترة مجموعهم وآحادهم على السواءِ ، فلا يُحكم عليهم بنجاةٍ ولا هلاك إلاَّ منْ دلَّ الدليلُ على نجاته أو هلاكِه !!
وأفصّلُ هذا فأقول :
القول بنجاةِ أهل الفترة هو ما عليه جمهور السادة الأشعرية ، وعمدتُهم في ذلك قول الحق سبحانه : { وما كنَّا معذبينَ حتى نبعثَ رسولاً } . يقول الشيخُ العلامة " ابن الامير المالكيّ الأزهري " في حاشيتُه على شرح " عبدالسلام اللقّاني المالكي " على ( جوهرة ) والده ما نصّه :
[ والحقّ أنّ أهل الفترةِ ناجونَ ، وأطلق الأئمةُ ( ولو بدلوا وغيّروا وعبدوا الأصنام ) كما في حاشية " الملوي " ، وما ورد في بعضهم من العذاب : إمّا أنّه آحاد لا يعارض القطع ، أو أنّه لمعنى يَخصُّ ذلك البعض يعلمه الله تعالى .
إذا كان هذا في أهل الفترة عموماً فأولى نجاةُ والديه صلى الله عليه وسلّم ، فإنّه لا يحلُّ إلا في شريفٍ عند الله تعالى ، والشرف لا يجامع كفراً . قال المحققون : ليس له أب كافرٌ ، وأمّا "آزر" فكان عمَّ إبراهيم فدعاه بالأبِ على عادةِ العرب أو أبوهُ فيكون جداً للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يسجد للصنم بل كان يصنعه لقومه فلمّا أعان على عبادته أسندها له وقال { لمَ تعبدُ } .
وما في الفقه الأعظم لأبي حنيفة إنهما ماتا على الكفر فإمّا مدسوس عليه بل نُوزعَ في نسبة الكتاب من أصله له ، أو يُؤول بأنهما ماتا في زمن الكفر بمعنى الجاهلية وإن كانوا ناجين ، وغلط " ملاّ علي " يغفر الله له ، ومن العجائب ما نسب له مع ذلك من إيمان فرعون اغتراراً بالظواهر في ذلك ، ويرحم الله " البوصيري " حيث يقول :
[align=center]لم تزلْ في ضمائرِ الكون تُختا ** رُ لك الأمهاتُ والآباءُ [/align]
وما ورد من نهيه عن استغفاره لهما أو نحو ذلك فمحمول على أنه قبل إخباره بحالهما أو لئلا يقتدي به أولاد من مضى من الكفار الإسرائيليين ونحوهم على أنه قيل : أحياهما الله تعالى له زيادة في الفضل وآمنا به ، أنشد " الغيطي " في المولد للحافظ " الشمس بن ناصر الدين الدمشقي " :
[align=center]حبا الله النبي مزيدَ فضلٍ ** على فضلٍ وكان به رؤوفاً
فأحيا أمه وكذا أباه ** لإيمان به فضلاً منيفاً
فسلّم بالقديم بذا قديرٌ ** وإن كان الحديث به ضعيفاً[/align] ] انتهى
حاشية " ابن الأمير المالكي " على اتحاف المريد صـ 59 من طـ الكتب العلمية .
هذا هو موقف جمهور الأشاعرة في المسألة لخصه " ابن الأمير " في كلامه المنقول أعلاه . على أنّ في كلامه مواطن ضعف لا يتسع المجال للتفصيل فيها وردها هنا وإن كنا نشيرُ إليها إشارة :
فمن ذلك توجيهه لما ثبت في القرآن من كفرِ " آزرَ " وتأويل ذلك بأنّه إنما كان يصنع الأصنامَ ويبيعها دون أن يعبدها ، وهو عذرٌ لا يغني من الحق شيئا إذ كيف يصنع موحداً أصناماً ويتربّح من ذلك وهل يرضى بالكفر إلا كافر !! هذا بالإضافة إلى ما في تكلّفه من رد لصريح القرآن في قول الله تعالى حكاية عنه في قوله لإبنه إبراهيم : { قال أراغبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيم ، لئن لم تنته لأرجمنّكَ واهجرني مليّاً } ، وقوله : { قالَ لأبيهِ يا أبتِ لمَ تعبدُ ما لا يسمعُ ولا يبصرُ ولا يغنّي عنكَ شيئاً } ، وكذا ما انتهجه في نفي أبوة "آزر" لـ "إبراهيم" ومحاولة الميل عن ظاهرِ النص ، فما أتى به العلامة المقدّم " ابن الأمير " رحمه الله على فرط ذكاءِه وكمالِ تحقيقِهِ - فيه من التكلّف والتجشم ما فيه وهو مسلك جدّ ضعيف في رأيي المتواضع ، إذ لا يستقيم ترك ظاهر النص وتأويله إلا بوجود قرينة صارفة قوية وما ثمّ قرينة هنا إذ أنه غيرُ مستحيلٍ لا شرعاً ولا عقلاً أن تكونَ أصول نبيٍّ أو فروعه على الكفرِ بلْ هو واقعٌ بنص القرآن .
فهذا هو رأيُّ الجمهور ومسلكهم في اثباته قد عرفته ، وعمدتهم في ذلك قول الله سبحانه وتعالى : { وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولاً } ، وأُوردَ على دليلهم أنه قد صحت الآثارُ عن النبي صلى الله عليه وسلم بتعذيب بعض أهل الفترة ودخولهم النار فلا يطّردُ الحكم المزعوم لهم بالنجاة في جميع آحادهم ، فمن المعذبين :
- " امرؤ القيس " الشاعر الجاهلي المعروف صاحب المعلقة الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسب ما في مسند أحمد من حديث أبي هريرة : ( امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار ) .
- و " حاتم الطائي " الذي سأل ابنه " عدي بن حاتم " رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال : ( قلت يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا !؟ قال : إن أباك أراد شيئاً فأدركه ) مسند الإمام أحمد
- و"ابن جدعان" فيما روته السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله : ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فعل ذلك نافعه ؟ قال : لا ينفعه ، إنه لم يقل يوماً ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين ) صحيح مسلم
- وسألَ صحابيٌّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال : أين أبي ؟ فقال : ( في النار ) صحيح مسلم .
- ومنهم بالطبع " عمرو بن لحي الخزاعي " محل السؤال في هذا الموضع .
فهؤلاء ورد النص بتعذيبهم رغم كونهم من أهل الفترة على غير المستقر عند السادة الأشاعرة ، ودعوى الاختصاص جدُّ ضعيفة إذ لمَ يقع التكليف على حاتم الطائي أو امرؤ القيس ويرتفع عن غيرهما إن سلمنّا أن عمرو بن لحي كانت جريمته على قدر من العظم لا تغتفر وأنّه إنما ضل على علم ، وفي ادعاء الاختصاص تحكم لا يقوم على علمية ولا دليل .
ولا يخفى مافي هذا الإيراد من قوة وحجة .
فأجاب الجمهور على هذا الإعتراض بأن هذه الأحاديث أحاديثَ آحادٍ وهي لا تعارضُ القطعيَّ الذي هو قوله تعالى : { وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولاً } ، وبأنّه يجوز أن يكون تعذيبُ من صحَّ تعذيبه منهم لأمرٍ يختصُّ به يعلمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ( راجع شرح البيجوري على الجوهرة وكذا حاشية ابن الأمير على شرح عبدالسلام ) .
هكذا قالوا وهكذا أجابوا ، غير أنّ الناظر المدقق يجد أن الأمر لا يتم لهم :
فابتداءً : الزعمُ بأنّ آية { وما كنّا معذبين حتى نبعثَ رسولاً } هي نص قطعي في المسألة فيه من التجوّز ما فيه ولا نُسلّم لهم بقطعية الدلالة المزعومة هذه ، فالآية ليست نصاً في المسألة بل هي ظاهرٌ فقط والظاهرُ لا يفيد إلا الظنّ ، ودلالة الآية ليست قطعية بدليل وقوع التنازع في معناها والمراد بها ولو كانت قطعية ما نُوزع فيها ، فمثلا نجدُ أن الإمام الطبري يرى أن هذه الآية تدل على عدم إهلاكِ الكافرين في الدنيا بعذابٍ يعمُّ إلا من بعدِ إرسال الرسل لا في الآخرة ، يقول الإمام الطبري في تفسيره :
[وقوله: { وما كنّا معذبين حتى نبعثَ رسولاً } يقول تعالى ذكره:
وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وَما كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبَعَثَ رَسُولاً: إن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبرا، ويأتيه من الله بيِّنة، وليس معذّبا أحدا إلا بذنبه. ] تفسير الإمام الطبري .
فمجرد تفسير الإمام الطبري لهذه الآية تبعا لقتادة وغيره بأنها إنّما تعني عدم الإهلاكِ - والإهلاك يكون في الدنيا لا في الآخرة كما هو ظاهر العبارة - يخرجُها تماماً من محلِّ النزاع الذي هو التعذيب في الآخرة من عدمه ، ومجرد وجود تفسيرٍ وفهم للدلالة مغايرٌ لما يَتوهمُ الجمهور فيها من دلالة يُخرج دلالتها عنْ أن تكونَ قطعيةً ويضعها في خانة الظاهر فقط فلا تعدو أن تكون مجرد دليلٍ ظني ، والدليل الظني كما هو معلوم يعارض بالآحاد بل هي هنا تَرجُحُ عليه وتوجّهُ فهمه. .
بل ربما لا ترقى تلك الدلالةُ حتى لأن تكونَ ظاهراً في المسألة إذ ينصَّ الإمامُ القرطبي المالكي في تفسيره على أن جمهورَ المفسرين على فهمِ هذه الآية بخلافِ فهم جمهور الأشعرية لها ، فيقول :
[ والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا؛ أي أن الله لا يهلكُ أمة بعذابٍ إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار. وقالت فرقة: هذا عام في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: { كلما ألقي فيها فوجٌ سألهم خزنتها ألمْ يأتِكم نذير قالوا بلى قد جآءنا } . ] تفسير القرطبي .
فبحسب الإمام القرطبي المالكي وهو من هو في التفسير فإن الجمهور على أن التعذيب المذكور والذي لا يكون إلا بعد بعثة رسول حسب الآية إنما هو في الدنيا لا في الآخرة ، وأنه إنما قالت أنَّ ذلك عامٌ في الدنيا والآخرة فرقةٌ شذت عن قول الجمهور ، وبهذا تخرج دلالة الآية عن الظنية إلى المرجوحية وبذا لا تقوم البتة كحجةٍ قطعية يهملُ لأجلها ما صح من آحاد في عدم نجاة بعض أهل الفترة أو حتى محاولة جعل تلك الآحاد دالة على حالات مخصوصة شاذة تخالف القاعدة المطردة في نجاة اهل الفترة كما يُزعم !!
وقد سار على هذا الشيخ المفسر المحقق ابن عاشور في تفسيره فقال :
[ { وما كنّا معذبين حتى نبعثَ رسولاً } :
عطفٌ على آية { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } الآية.
وهذا استقصاء في الإعذار لأهل الضلال زيادة على نفي مؤاخذتهم بأجرام غيرهم، ولهذا اقتصر على قوله: { وما كنا معذبين } دون أن يقال ولا مثيبين. لأن المقام مقام إعذار وقطع حجة وليس مقام امتنان بالإرشاد.
والعذاب هنا عذاب الدنيا بقرينة السياق وقرينة عطف { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها } [الإسراء: 16] الآية. ودلت على ذلك آيات كثيرة، قال الله تعالى:
{ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين } وقال: { فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون }
على أن معنى (حتى) يُؤذنُ بأن بعثة الرسول متصلة بالعذاب شأن الغاية، وهذا اتصالٌ عرفي بحسب ما تقتضيه البعثة من مدةٍ للتبليغ والاستمرار على تكذيبهم الرسول والإمهال للمكذبين، ولذلك يظهر أن يكون العذاب هنا عذاب الدنيا وكما يقتضيه الانتقال إلى الآية بعدها. ] انتهى من تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور رحمه الله .
فإذا علمنا ما تقدّم وعلمنا ضعف الإستدلال بدلالة الآية المرجوحة تحقيقاً في وجه الأحاديث الصحيحة ، فإنّا نقول أنه على فرضِ التسليم بقطعية دلالة الآية المتوهمة وهو فرض جدُّ بعيدٍ فإنَّ هذه الآية تعارض نصا صريحا قاطعاً هو أقوى منها في الدلالة وأبين منها في التصريح والوضوح وهو قول الحق سبحانه : { إنَّ الله لا يغفرُ أنْ يُشركَ به ويغفرُ ما دونَ ذلك لمنْ يشاءُ } !!
فجملة ( لا يغفر أن يشرك به ) تفيد العموم لما أن الفعل المتعدي في سياق النفي يفيد العموم كما نص عليه " ابن الحاجب " في مختصره ووافقه عليه شارحه " العضد الإيجي " رحمهما الله ، فهي عامة في عدم مغفرة الشرك في كل أحد وفي كل زمان ومكان كائنا من كان من صدر عنه ذلك الشرك !!
وهذه الآية من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة كما قال الإمام القرطبي في تفسيره ، فعُلم أنه لا يجوز تخصيصها إلا بمخصص بيّن قويُ في دلالته !!
فإن قال القائلون بنجاة أهل الفترة أنَّ عمومَ الآية مُخَصَصٌ بخصوص من لم يُبعث إليهم رسول أي أهل الفترة المستثنون بآية { وما كنَا معذبين حتى نبعث رسولاً } فيكون التقدير : أن الله لا يغفر الشرك مطلقا إلا لمن لم يبعث إليه رسول فيغفره له ، أو أنَّ الله يَغفرُ شركَ من لم يُرسل إليه ولا يغفرُ شركَ من أُرسل إليه!!
قلنا لهم : هذا تخصيص بمنفصلٍ ، والتخصيصُ بالمنفصل إما أنّ يكون بالعقل أو بالحس أو بالسمع ، وما زعمتموه من النوع الأخير أي هو تخصيصٌ بالسمع ، وتحديداً هو تخصيصٌ للكتابِ بالكتابِ ، غير أنَّهُ لا يَجوز في حالتنا هذه على مذهبِ جمعٍ لهم اعتبارهم ووزنهم لِمَا أنّ آية { إن الله لا يغفر أن يشرك به } مدنية وهي متأخرةٌ في النزول عن آية { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } المكيّة النزول ، وبهذا لا يجوز تخصيص عموم { إن الله لا يغفر أن يشرك به } بآية { وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولاً } عند بعض الأئمة ، وسبب ذلك أنّ المختار عند الإمام أبي حنيفة النعمان والإمام الجويني والإمام الباقلاّني أنّ جواز تخصيص الكتاب بالكتاب إنما هو بشرط أن تكون الآية المُخصِصة ( بالكسر ) متأخرة في النزول عن الآية المُخصَصة ( بالفتح ) وهو مفقود هنا فلا يصح ، يقول " العضد الإيجي " رحمه الله في شرحه لمختصر " ابن الحاجب " :
[ تخصيص الكتاب بالكتاب جائزٌ ..... وفصّل أبو حنيفة والقاضي وإمام الحرمين فقالوا : إن عُلم التاريخ فالخاص إن كان متأخراً خصص العام .
وإن كان متقدماً فلا ، بل كان العام ناسخاً للخاص .
وإن جُهل التاريخ تساقطا لاحتمال بطلان حكم الخاص لتأخّر العام وثبوت حكمه لتقدمه فيتوقف في مورد الخاص ويطلب فيه دليل آخر ] انتهى من شرح العضد على مختصر المنتهى بحاشية التفتازاني (2/148 ) طـ مكتبة الكليات الأزهرية .
فهو ما لا يتمُّ على مذهب هؤلاء الأكابر فلا يُسلّمُ لهم في دعوى القطع !!
ثم على فرض التسليم لهم في أن التخصيص لا يشترط فيه ما سبق على ما هو قولُ "ابن الحاجب" وآخرين ، فإنّا نقول أن التخصيص إنما يكون عند تواردِ العام والخاص على محلٍّ واحدٍ وتعارضهما فيُصارُ إلى التخصيص للجمع بين النصوص مقدماً على دعوى النسخِ ، ولكن ههنا تَواردا على غير ذاتِ المحل فلا تقوم دعوى التخصيص لِمَا أنَّ آية { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } إنما هي في حكم الدنيا على ما هو تفسير الجمهور الراجح المحكي من قبل القرطبي ، وآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به } في حكمِ الآخرة فاختلف المحلان فسقط فرضُ التخصيص ولا يصحِّ إلا بإثبات أن آية { وما كنا معذبين } تشمل الدنيا والآخرة وهو ما لا يمكن الجزم به ولا إثباته وغايته الظن المرجوح بسياق الآيات وتفسير الجمهور .
فإن عُلم كل ذلك خلصنا إلى أنَّ ثَمةَ تعارضٍ قوي بين الآيتين ، ولا بد من التوفيق بينهما .
وقد يُصارُ إلى التوفيق بينهما بما ذهبَ إليه السادة الماتريدية من أنَّ آية { وما كنا معذبين } إنما هي في الإهلاك الدنيوي وأنّ كلّ مشركٍ مُعذَبٌ في نار جهنم لورود النص القاطع بذلك فلا يُحكم بنجاة أهل الفترة لكفرهم .
وقد يذهب من يعتمد هذا المسلك إلى الاستدلالِ أيضاً بالإشهاد المحكيّ عنه في عالم الذرِّ وأنه صريحٌ في أنه ما من أحدٍ معذور في الشرك بالله لقيام الميثاق الأول المأخوذ علينا في عالم الذرّ حجةً أولى علينا لقول الله تعالى : { وأشهدهم على أنفسهم ، أَلستُ بربِّكم قالوا بلى شهدنا أنْ تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين } ، مع قيام الميثاق الثاني المأخوذ علينا في عالمنا الحسي المشاهد حجة ثانية لأن كلّ أحد يعلم أنه كان طفلاً فغُذّي ورُبِّيَ، وأن له مدبراً وخالقاً فلا يعذر في الإشراك بالله مع قيام هذين الميثاقين حجّةً عليه ، وعلى هذا يكون الرسول المذكور في آية { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } أي رسول العقل على ما ذكره الإمام الفخر الرازي قدّس الله سره في تفسيره إذ قال :
[ في الآية قولان: الأول: أن نجري الآية على ظاهرها. ونقول: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الأنبياء، فالعقل هو الرسول الأصلي، فكان معنى الآية وما كنا معذبين حتى نبعث رسول العقل ] آ.هـ تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازي .
و يقول الفقيه " الطرطوشي المالكي " فيما ينقله عنه القرطبي في تفسيره : [إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة، كما يلزم الطلاقُ من شُهد عليه به وقد نَسِيَه ] .
والإمام النووي من السادة الأشاعرة يرى أن عبدة الأوثان من أهل الفترة ليسوا معذورين وأنهم قد قامت عليهم الحجة ببلوغ دعوة إبراهيم عليه السلام إليهم ، والحق أن قوله قوي فإن دين إبراهيم عليه السلام لم يندرس بالكلية وبقي من العرب أناس على الملة الحنيفية كما هو معلوم من السنة والسير ، ومجرد بقاء هؤلاء كاف في إقامة الحجة على الباقين ، يقول الإمام النووي :
[ وفيه - أي حديث أبي وآباك في النار - : أن من مات في الفترة، على ما كانت عليه العرب، من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة.
فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم، وغيره من الأنبياء -صلوات الله تعالى وسلامه عليهم-. ] شرح النووي على مسلم شرح حديث ( إن أبي وأباك في النار ) باب : بيان أَن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعة، ولا تنفعه قرابة المقربين .
فهذا مَسلكٌ في حلّ الإشكال ، غير أنه يُشكلُ عليه ما صحَّ في نجاةِ بعض أهل الفترة ممن ظاهرُ حالهم الموتُ على الشرك كوالديّ المصطفى صلى الله عليه وسلم مثلاً على ما هو الصحيح في المسألة خلافا للنووي والملا علي قاري رحمهما الله على ما بينه وحققه الإمام الرازي في " المطالب العالية " على ما أذكر وكذا الإمامين السخاوي في " المقاصد الحسنة " والسيوطي في " مسالك الحنفا " ، وما ورد من ذكر كفر أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونهيه عن الإستغفار محمول على أنه وقع قبل أن يحيهما الله له ليؤمنا به على ما هو مقرر في قدر الله سبحانه وواقع بقدرته عز وجل إذ وقع الإحياء متأخر في حجة الوداع كما في الحديث على ما قال به جمع من أهل العلم .
[align=center]لوالدي طه مقام علي * في جنة الخلد ودار الثواب
فقطرة من فضلات له * في الجوف تنجي من أليم العقاب
فكيف أرحام له قد غدت * حاملة، تصلى بنار العذاب؟[/align]
ثمّ إنَّ تعيين النبي للبعضِ بالعذاب في الآخرة عند السؤال عنهم يشير أيضاً إلى أنَّ التعذيبَ غير مطّردٍ في كلِّ من مات على الكفر من أهل الفترة وإلا لأجابهم النبي بأنَّ كل أهل الفترة معذّبون ولَمَا كان لاستفسار الصحابة المتكرر معنى إنْ هم علموا ذلك منه عاماً شاملاً لكل أهل الفترة المشركين ، فدلّ على أن التعذيب محتملٌ وكذا النجاةُ لبعضهم الآخر أيضاً محتملةٌ ولذا كانوا يَسألون النبيَّ ليستبينوا مكان من يسألون عنه وفي أي الفريقين هو ، لذا تحتم المصيرُ إلى مسلكٍ آخر يكون هو أولى وأرضى ويطّردُ دون دعوى خصوص أو معارضةُ نصوص .
يتبع إن شاء الله
وبعد ..
فهذه كلماتٌ كتبتها على عجل أعرض فيها رؤية أخرى لمسألة نجاة أهل الفترة المقطوع بها عند جمهور السادة الأشاعرة ، وأنا إذ أعرضها فإني أرجو بذلك التصحيح والتوجيه ممن يفتح الله عليه ممن هم أعلم منّي وأحكم .
أقول ابتداءً أنّ المسألة مُشكلةٌ بعض الشيء .. بالنسبة للعبد الضعيف على الأقل ، وقد تباحثتُ فيها كثيراً مع مشايخي فما خرجت منهم بإجابةٍ شافية وغاية ما يوجهونَ العبدَ إليه التزامَ النصوصِ وما وردَ في المتون .
والمتون والنصوص محلُّ احترامي وتقديري غيرَ أن الحقَّ أحب إليّ منها .
وبعد النظر المستمر والتباحث والسؤال توصلتُ إلى أن الحقّ في المسألة هو التوقف في شأن أهل الفترة مجموعهم وآحادهم على السواءِ ، فلا يُحكم عليهم بنجاةٍ ولا هلاك إلاَّ منْ دلَّ الدليلُ على نجاته أو هلاكِه !!
وأفصّلُ هذا فأقول :
القول بنجاةِ أهل الفترة هو ما عليه جمهور السادة الأشعرية ، وعمدتُهم في ذلك قول الحق سبحانه : { وما كنَّا معذبينَ حتى نبعثَ رسولاً } . يقول الشيخُ العلامة " ابن الامير المالكيّ الأزهري " في حاشيتُه على شرح " عبدالسلام اللقّاني المالكي " على ( جوهرة ) والده ما نصّه :
[ والحقّ أنّ أهل الفترةِ ناجونَ ، وأطلق الأئمةُ ( ولو بدلوا وغيّروا وعبدوا الأصنام ) كما في حاشية " الملوي " ، وما ورد في بعضهم من العذاب : إمّا أنّه آحاد لا يعارض القطع ، أو أنّه لمعنى يَخصُّ ذلك البعض يعلمه الله تعالى .
إذا كان هذا في أهل الفترة عموماً فأولى نجاةُ والديه صلى الله عليه وسلّم ، فإنّه لا يحلُّ إلا في شريفٍ عند الله تعالى ، والشرف لا يجامع كفراً . قال المحققون : ليس له أب كافرٌ ، وأمّا "آزر" فكان عمَّ إبراهيم فدعاه بالأبِ على عادةِ العرب أو أبوهُ فيكون جداً للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يسجد للصنم بل كان يصنعه لقومه فلمّا أعان على عبادته أسندها له وقال { لمَ تعبدُ } .
وما في الفقه الأعظم لأبي حنيفة إنهما ماتا على الكفر فإمّا مدسوس عليه بل نُوزعَ في نسبة الكتاب من أصله له ، أو يُؤول بأنهما ماتا في زمن الكفر بمعنى الجاهلية وإن كانوا ناجين ، وغلط " ملاّ علي " يغفر الله له ، ومن العجائب ما نسب له مع ذلك من إيمان فرعون اغتراراً بالظواهر في ذلك ، ويرحم الله " البوصيري " حيث يقول :
[align=center]لم تزلْ في ضمائرِ الكون تُختا ** رُ لك الأمهاتُ والآباءُ [/align]
وما ورد من نهيه عن استغفاره لهما أو نحو ذلك فمحمول على أنه قبل إخباره بحالهما أو لئلا يقتدي به أولاد من مضى من الكفار الإسرائيليين ونحوهم على أنه قيل : أحياهما الله تعالى له زيادة في الفضل وآمنا به ، أنشد " الغيطي " في المولد للحافظ " الشمس بن ناصر الدين الدمشقي " :
[align=center]حبا الله النبي مزيدَ فضلٍ ** على فضلٍ وكان به رؤوفاً
فأحيا أمه وكذا أباه ** لإيمان به فضلاً منيفاً
فسلّم بالقديم بذا قديرٌ ** وإن كان الحديث به ضعيفاً[/align] ] انتهى
حاشية " ابن الأمير المالكي " على اتحاف المريد صـ 59 من طـ الكتب العلمية .
هذا هو موقف جمهور الأشاعرة في المسألة لخصه " ابن الأمير " في كلامه المنقول أعلاه . على أنّ في كلامه مواطن ضعف لا يتسع المجال للتفصيل فيها وردها هنا وإن كنا نشيرُ إليها إشارة :
فمن ذلك توجيهه لما ثبت في القرآن من كفرِ " آزرَ " وتأويل ذلك بأنّه إنما كان يصنع الأصنامَ ويبيعها دون أن يعبدها ، وهو عذرٌ لا يغني من الحق شيئا إذ كيف يصنع موحداً أصناماً ويتربّح من ذلك وهل يرضى بالكفر إلا كافر !! هذا بالإضافة إلى ما في تكلّفه من رد لصريح القرآن في قول الله تعالى حكاية عنه في قوله لإبنه إبراهيم : { قال أراغبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيم ، لئن لم تنته لأرجمنّكَ واهجرني مليّاً } ، وقوله : { قالَ لأبيهِ يا أبتِ لمَ تعبدُ ما لا يسمعُ ولا يبصرُ ولا يغنّي عنكَ شيئاً } ، وكذا ما انتهجه في نفي أبوة "آزر" لـ "إبراهيم" ومحاولة الميل عن ظاهرِ النص ، فما أتى به العلامة المقدّم " ابن الأمير " رحمه الله على فرط ذكاءِه وكمالِ تحقيقِهِ - فيه من التكلّف والتجشم ما فيه وهو مسلك جدّ ضعيف في رأيي المتواضع ، إذ لا يستقيم ترك ظاهر النص وتأويله إلا بوجود قرينة صارفة قوية وما ثمّ قرينة هنا إذ أنه غيرُ مستحيلٍ لا شرعاً ولا عقلاً أن تكونَ أصول نبيٍّ أو فروعه على الكفرِ بلْ هو واقعٌ بنص القرآن .
فهذا هو رأيُّ الجمهور ومسلكهم في اثباته قد عرفته ، وعمدتهم في ذلك قول الله سبحانه وتعالى : { وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولاً } ، وأُوردَ على دليلهم أنه قد صحت الآثارُ عن النبي صلى الله عليه وسلم بتعذيب بعض أهل الفترة ودخولهم النار فلا يطّردُ الحكم المزعوم لهم بالنجاة في جميع آحادهم ، فمن المعذبين :
- " امرؤ القيس " الشاعر الجاهلي المعروف صاحب المعلقة الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسب ما في مسند أحمد من حديث أبي هريرة : ( امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار ) .
- و " حاتم الطائي " الذي سأل ابنه " عدي بن حاتم " رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال : ( قلت يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا !؟ قال : إن أباك أراد شيئاً فأدركه ) مسند الإمام أحمد
- و"ابن جدعان" فيما روته السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله : ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فعل ذلك نافعه ؟ قال : لا ينفعه ، إنه لم يقل يوماً ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين ) صحيح مسلم
- وسألَ صحابيٌّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال : أين أبي ؟ فقال : ( في النار ) صحيح مسلم .
- ومنهم بالطبع " عمرو بن لحي الخزاعي " محل السؤال في هذا الموضع .
فهؤلاء ورد النص بتعذيبهم رغم كونهم من أهل الفترة على غير المستقر عند السادة الأشاعرة ، ودعوى الاختصاص جدُّ ضعيفة إذ لمَ يقع التكليف على حاتم الطائي أو امرؤ القيس ويرتفع عن غيرهما إن سلمنّا أن عمرو بن لحي كانت جريمته على قدر من العظم لا تغتفر وأنّه إنما ضل على علم ، وفي ادعاء الاختصاص تحكم لا يقوم على علمية ولا دليل .
ولا يخفى مافي هذا الإيراد من قوة وحجة .
فأجاب الجمهور على هذا الإعتراض بأن هذه الأحاديث أحاديثَ آحادٍ وهي لا تعارضُ القطعيَّ الذي هو قوله تعالى : { وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولاً } ، وبأنّه يجوز أن يكون تعذيبُ من صحَّ تعذيبه منهم لأمرٍ يختصُّ به يعلمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ( راجع شرح البيجوري على الجوهرة وكذا حاشية ابن الأمير على شرح عبدالسلام ) .
هكذا قالوا وهكذا أجابوا ، غير أنّ الناظر المدقق يجد أن الأمر لا يتم لهم :
فابتداءً : الزعمُ بأنّ آية { وما كنّا معذبين حتى نبعثَ رسولاً } هي نص قطعي في المسألة فيه من التجوّز ما فيه ولا نُسلّم لهم بقطعية الدلالة المزعومة هذه ، فالآية ليست نصاً في المسألة بل هي ظاهرٌ فقط والظاهرُ لا يفيد إلا الظنّ ، ودلالة الآية ليست قطعية بدليل وقوع التنازع في معناها والمراد بها ولو كانت قطعية ما نُوزع فيها ، فمثلا نجدُ أن الإمام الطبري يرى أن هذه الآية تدل على عدم إهلاكِ الكافرين في الدنيا بعذابٍ يعمُّ إلا من بعدِ إرسال الرسل لا في الآخرة ، يقول الإمام الطبري في تفسيره :
[وقوله: { وما كنّا معذبين حتى نبعثَ رسولاً } يقول تعالى ذكره:
وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وَما كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبَعَثَ رَسُولاً: إن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبرا، ويأتيه من الله بيِّنة، وليس معذّبا أحدا إلا بذنبه. ] تفسير الإمام الطبري .
فمجرد تفسير الإمام الطبري لهذه الآية تبعا لقتادة وغيره بأنها إنّما تعني عدم الإهلاكِ - والإهلاك يكون في الدنيا لا في الآخرة كما هو ظاهر العبارة - يخرجُها تماماً من محلِّ النزاع الذي هو التعذيب في الآخرة من عدمه ، ومجرد وجود تفسيرٍ وفهم للدلالة مغايرٌ لما يَتوهمُ الجمهور فيها من دلالة يُخرج دلالتها عنْ أن تكونَ قطعيةً ويضعها في خانة الظاهر فقط فلا تعدو أن تكون مجرد دليلٍ ظني ، والدليل الظني كما هو معلوم يعارض بالآحاد بل هي هنا تَرجُحُ عليه وتوجّهُ فهمه. .
بل ربما لا ترقى تلك الدلالةُ حتى لأن تكونَ ظاهراً في المسألة إذ ينصَّ الإمامُ القرطبي المالكي في تفسيره على أن جمهورَ المفسرين على فهمِ هذه الآية بخلافِ فهم جمهور الأشعرية لها ، فيقول :
[ والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا؛ أي أن الله لا يهلكُ أمة بعذابٍ إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار. وقالت فرقة: هذا عام في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: { كلما ألقي فيها فوجٌ سألهم خزنتها ألمْ يأتِكم نذير قالوا بلى قد جآءنا } . ] تفسير القرطبي .
فبحسب الإمام القرطبي المالكي وهو من هو في التفسير فإن الجمهور على أن التعذيب المذكور والذي لا يكون إلا بعد بعثة رسول حسب الآية إنما هو في الدنيا لا في الآخرة ، وأنه إنما قالت أنَّ ذلك عامٌ في الدنيا والآخرة فرقةٌ شذت عن قول الجمهور ، وبهذا تخرج دلالة الآية عن الظنية إلى المرجوحية وبذا لا تقوم البتة كحجةٍ قطعية يهملُ لأجلها ما صح من آحاد في عدم نجاة بعض أهل الفترة أو حتى محاولة جعل تلك الآحاد دالة على حالات مخصوصة شاذة تخالف القاعدة المطردة في نجاة اهل الفترة كما يُزعم !!
وقد سار على هذا الشيخ المفسر المحقق ابن عاشور في تفسيره فقال :
[ { وما كنّا معذبين حتى نبعثَ رسولاً } :
عطفٌ على آية { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } الآية.
وهذا استقصاء في الإعذار لأهل الضلال زيادة على نفي مؤاخذتهم بأجرام غيرهم، ولهذا اقتصر على قوله: { وما كنا معذبين } دون أن يقال ولا مثيبين. لأن المقام مقام إعذار وقطع حجة وليس مقام امتنان بالإرشاد.
والعذاب هنا عذاب الدنيا بقرينة السياق وقرينة عطف { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها } [الإسراء: 16] الآية. ودلت على ذلك آيات كثيرة، قال الله تعالى:
{ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين } وقال: { فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون }
على أن معنى (حتى) يُؤذنُ بأن بعثة الرسول متصلة بالعذاب شأن الغاية، وهذا اتصالٌ عرفي بحسب ما تقتضيه البعثة من مدةٍ للتبليغ والاستمرار على تكذيبهم الرسول والإمهال للمكذبين، ولذلك يظهر أن يكون العذاب هنا عذاب الدنيا وكما يقتضيه الانتقال إلى الآية بعدها. ] انتهى من تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور رحمه الله .
فإذا علمنا ما تقدّم وعلمنا ضعف الإستدلال بدلالة الآية المرجوحة تحقيقاً في وجه الأحاديث الصحيحة ، فإنّا نقول أنه على فرضِ التسليم بقطعية دلالة الآية المتوهمة وهو فرض جدُّ بعيدٍ فإنَّ هذه الآية تعارض نصا صريحا قاطعاً هو أقوى منها في الدلالة وأبين منها في التصريح والوضوح وهو قول الحق سبحانه : { إنَّ الله لا يغفرُ أنْ يُشركَ به ويغفرُ ما دونَ ذلك لمنْ يشاءُ } !!
فجملة ( لا يغفر أن يشرك به ) تفيد العموم لما أن الفعل المتعدي في سياق النفي يفيد العموم كما نص عليه " ابن الحاجب " في مختصره ووافقه عليه شارحه " العضد الإيجي " رحمهما الله ، فهي عامة في عدم مغفرة الشرك في كل أحد وفي كل زمان ومكان كائنا من كان من صدر عنه ذلك الشرك !!
وهذه الآية من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة كما قال الإمام القرطبي في تفسيره ، فعُلم أنه لا يجوز تخصيصها إلا بمخصص بيّن قويُ في دلالته !!
فإن قال القائلون بنجاة أهل الفترة أنَّ عمومَ الآية مُخَصَصٌ بخصوص من لم يُبعث إليهم رسول أي أهل الفترة المستثنون بآية { وما كنَا معذبين حتى نبعث رسولاً } فيكون التقدير : أن الله لا يغفر الشرك مطلقا إلا لمن لم يبعث إليه رسول فيغفره له ، أو أنَّ الله يَغفرُ شركَ من لم يُرسل إليه ولا يغفرُ شركَ من أُرسل إليه!!
قلنا لهم : هذا تخصيص بمنفصلٍ ، والتخصيصُ بالمنفصل إما أنّ يكون بالعقل أو بالحس أو بالسمع ، وما زعمتموه من النوع الأخير أي هو تخصيصٌ بالسمع ، وتحديداً هو تخصيصٌ للكتابِ بالكتابِ ، غير أنَّهُ لا يَجوز في حالتنا هذه على مذهبِ جمعٍ لهم اعتبارهم ووزنهم لِمَا أنّ آية { إن الله لا يغفر أن يشرك به } مدنية وهي متأخرةٌ في النزول عن آية { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } المكيّة النزول ، وبهذا لا يجوز تخصيص عموم { إن الله لا يغفر أن يشرك به } بآية { وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولاً } عند بعض الأئمة ، وسبب ذلك أنّ المختار عند الإمام أبي حنيفة النعمان والإمام الجويني والإمام الباقلاّني أنّ جواز تخصيص الكتاب بالكتاب إنما هو بشرط أن تكون الآية المُخصِصة ( بالكسر ) متأخرة في النزول عن الآية المُخصَصة ( بالفتح ) وهو مفقود هنا فلا يصح ، يقول " العضد الإيجي " رحمه الله في شرحه لمختصر " ابن الحاجب " :
[ تخصيص الكتاب بالكتاب جائزٌ ..... وفصّل أبو حنيفة والقاضي وإمام الحرمين فقالوا : إن عُلم التاريخ فالخاص إن كان متأخراً خصص العام .
وإن كان متقدماً فلا ، بل كان العام ناسخاً للخاص .
وإن جُهل التاريخ تساقطا لاحتمال بطلان حكم الخاص لتأخّر العام وثبوت حكمه لتقدمه فيتوقف في مورد الخاص ويطلب فيه دليل آخر ] انتهى من شرح العضد على مختصر المنتهى بحاشية التفتازاني (2/148 ) طـ مكتبة الكليات الأزهرية .
فهو ما لا يتمُّ على مذهب هؤلاء الأكابر فلا يُسلّمُ لهم في دعوى القطع !!
ثم على فرض التسليم لهم في أن التخصيص لا يشترط فيه ما سبق على ما هو قولُ "ابن الحاجب" وآخرين ، فإنّا نقول أن التخصيص إنما يكون عند تواردِ العام والخاص على محلٍّ واحدٍ وتعارضهما فيُصارُ إلى التخصيص للجمع بين النصوص مقدماً على دعوى النسخِ ، ولكن ههنا تَواردا على غير ذاتِ المحل فلا تقوم دعوى التخصيص لِمَا أنَّ آية { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } إنما هي في حكم الدنيا على ما هو تفسير الجمهور الراجح المحكي من قبل القرطبي ، وآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به } في حكمِ الآخرة فاختلف المحلان فسقط فرضُ التخصيص ولا يصحِّ إلا بإثبات أن آية { وما كنا معذبين } تشمل الدنيا والآخرة وهو ما لا يمكن الجزم به ولا إثباته وغايته الظن المرجوح بسياق الآيات وتفسير الجمهور .
فإن عُلم كل ذلك خلصنا إلى أنَّ ثَمةَ تعارضٍ قوي بين الآيتين ، ولا بد من التوفيق بينهما .
وقد يُصارُ إلى التوفيق بينهما بما ذهبَ إليه السادة الماتريدية من أنَّ آية { وما كنا معذبين } إنما هي في الإهلاك الدنيوي وأنّ كلّ مشركٍ مُعذَبٌ في نار جهنم لورود النص القاطع بذلك فلا يُحكم بنجاة أهل الفترة لكفرهم .
وقد يذهب من يعتمد هذا المسلك إلى الاستدلالِ أيضاً بالإشهاد المحكيّ عنه في عالم الذرِّ وأنه صريحٌ في أنه ما من أحدٍ معذور في الشرك بالله لقيام الميثاق الأول المأخوذ علينا في عالم الذرّ حجةً أولى علينا لقول الله تعالى : { وأشهدهم على أنفسهم ، أَلستُ بربِّكم قالوا بلى شهدنا أنْ تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين } ، مع قيام الميثاق الثاني المأخوذ علينا في عالمنا الحسي المشاهد حجة ثانية لأن كلّ أحد يعلم أنه كان طفلاً فغُذّي ورُبِّيَ، وأن له مدبراً وخالقاً فلا يعذر في الإشراك بالله مع قيام هذين الميثاقين حجّةً عليه ، وعلى هذا يكون الرسول المذكور في آية { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } أي رسول العقل على ما ذكره الإمام الفخر الرازي قدّس الله سره في تفسيره إذ قال :
[ في الآية قولان: الأول: أن نجري الآية على ظاهرها. ونقول: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الأنبياء، فالعقل هو الرسول الأصلي، فكان معنى الآية وما كنا معذبين حتى نبعث رسول العقل ] آ.هـ تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازي .
و يقول الفقيه " الطرطوشي المالكي " فيما ينقله عنه القرطبي في تفسيره : [إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة، كما يلزم الطلاقُ من شُهد عليه به وقد نَسِيَه ] .
والإمام النووي من السادة الأشاعرة يرى أن عبدة الأوثان من أهل الفترة ليسوا معذورين وأنهم قد قامت عليهم الحجة ببلوغ دعوة إبراهيم عليه السلام إليهم ، والحق أن قوله قوي فإن دين إبراهيم عليه السلام لم يندرس بالكلية وبقي من العرب أناس على الملة الحنيفية كما هو معلوم من السنة والسير ، ومجرد بقاء هؤلاء كاف في إقامة الحجة على الباقين ، يقول الإمام النووي :
[ وفيه - أي حديث أبي وآباك في النار - : أن من مات في الفترة، على ما كانت عليه العرب، من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة.
فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم، وغيره من الأنبياء -صلوات الله تعالى وسلامه عليهم-. ] شرح النووي على مسلم شرح حديث ( إن أبي وأباك في النار ) باب : بيان أَن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعة، ولا تنفعه قرابة المقربين .
فهذا مَسلكٌ في حلّ الإشكال ، غير أنه يُشكلُ عليه ما صحَّ في نجاةِ بعض أهل الفترة ممن ظاهرُ حالهم الموتُ على الشرك كوالديّ المصطفى صلى الله عليه وسلم مثلاً على ما هو الصحيح في المسألة خلافا للنووي والملا علي قاري رحمهما الله على ما بينه وحققه الإمام الرازي في " المطالب العالية " على ما أذكر وكذا الإمامين السخاوي في " المقاصد الحسنة " والسيوطي في " مسالك الحنفا " ، وما ورد من ذكر كفر أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونهيه عن الإستغفار محمول على أنه وقع قبل أن يحيهما الله له ليؤمنا به على ما هو مقرر في قدر الله سبحانه وواقع بقدرته عز وجل إذ وقع الإحياء متأخر في حجة الوداع كما في الحديث على ما قال به جمع من أهل العلم .
[align=center]لوالدي طه مقام علي * في جنة الخلد ودار الثواب
فقطرة من فضلات له * في الجوف تنجي من أليم العقاب
فكيف أرحام له قد غدت * حاملة، تصلى بنار العذاب؟[/align]
ثمّ إنَّ تعيين النبي للبعضِ بالعذاب في الآخرة عند السؤال عنهم يشير أيضاً إلى أنَّ التعذيبَ غير مطّردٍ في كلِّ من مات على الكفر من أهل الفترة وإلا لأجابهم النبي بأنَّ كل أهل الفترة معذّبون ولَمَا كان لاستفسار الصحابة المتكرر معنى إنْ هم علموا ذلك منه عاماً شاملاً لكل أهل الفترة المشركين ، فدلّ على أن التعذيب محتملٌ وكذا النجاةُ لبعضهم الآخر أيضاً محتملةٌ ولذا كانوا يَسألون النبيَّ ليستبينوا مكان من يسألون عنه وفي أي الفريقين هو ، لذا تحتم المصيرُ إلى مسلكٍ آخر يكون هو أولى وأرضى ويطّردُ دون دعوى خصوص أو معارضةُ نصوص .
يتبع إن شاء الله
تعليق